هل ينجو الاقتصاد الأميركي من ركود عميق وطويل؟

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

هل ينجو الاقتصاد الأميركي من ركود عميق وطويل؟

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

تصر واشنطن على أن الاقتصاد الأميركي لن يدخل مرحلة ركود على الرغم من الرياح السلبية التي تعصف بالاقتصاد الكلي. غير أن البيت الأبيض اعترف بالمشكلة بشكل غير مباشر بعدما خفض توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعام 2022 إلى 1.4%، من 3.8% وفق تقديراته السابقة في مارس (آذار). وكذلك ارتفعت توقعات الإدارة للتضخم إلى 6.6% من 2.9% في تقديرات مارس.
الركود في التعريف الاقتصادي التقني هو «فترة من التدهور الاقتصادي ينخفض خلالها النشاط التجاري والصناعي، ويُحدَّد عمومًا بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي في ربعَين متتاليين».
تفيد الأرقام بأن الاقتصاد الأميركي تقلص لربعَين متتاليين (1.6 و0.9%) وبالتالي يمكن القول إن الولايات المتحدة في حالة ركود بالمعنى التقني، خصوصاً أن التوقعات والآفاق سلبية. وفي سجل التاريخ الأميركي الحديث، حصلت عشر فترات مع ربعين متتاليين أو أكثر من النمو السلبي، وذلك أعوام 1949 و1954 و1958 و1970 و1975 و1980 و1982 و1991 و2009 و2020، وفي كل مرة أعلن المكتب الوطني (الأميركي) للبحوث الاقتصادية حصول ركود.
ولئن كان معدّل البطالة في عموم الولايات المتحدة يبلغ 3.5% وفق أرقام يوليو (تموز) مقابل 5.4% في يوليو 2021، فإن كل المؤشرات الأخرى تقبع في خانة السلبية. ففي القطاع العقاري تراجعت مبيعات المنازل القائمة بنسبة 5.9٪ في يوليو، بعد انخفاض بنسبة 5.4٪ في يونيو. وعموماً انخفضت المبيعات بنسبة 20٪ عن العام الماضي. وفي الوقت نفسه يتراجع بناء المنازل الجديدة مع ارتفاع تكاليف البناء وتَضاعُف الفوائد على الرهن العقاري (نحو 6%) عنها في العام الماضي لعدم ثقة المُقرضين باستقرار السوق والملاءة المالية للمقترضين. وكنتيجة طبيعية لذلك انخفض سعر المنزل المتوسط في السوق الأميركية نحو 10 آلاف دولار.
من هنا، لا يصح اعتداد وزيرة الخزانة جانيت يلين بأن سوق العمل القوي وانخفاض معدلات البطالة يُلغيان صحة تصنيف المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية للانكماش الحالي على أنه ركود. فسوق العمل هو دائماً مؤشر هش قابل للتغيّر بسرعة، وعلى سبيل المثال أعلنت مجموعة فورد لصناعة السيارات قبل أيام أنها ستلغي نحو 3 آلاف وظيفة، عدد كبير منها في الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك انه في فترات ركود مثبَتة كانت أرقام البطالة إيجابية وإن في بدايات مرحلة الركود على الأقل، قبل أن تتدهور لاحقاً، وآخر هذه المرّات كانت بين ديسمبر (كانون الاول) 2007 ومارس (آذار) 2008.
ويذهب الاقتصادي المرموق روبرت بارو إلى القول إنه بعيداً عن النقاشات النظرية، يمكن الجزم بأن الاقتصاد الأميركي دخل مرحلة ركود منذ بداية العام 2022.
ولعل المؤشر السلبي الأكبر هو معدّل التضخم لأنه على تماس مباشر مع جيب الفرد. فقد ارتفعت أسعار الاستهلاكية بنسبة 9.1 في المائة خلال العام المنتهي في يونيو (حزيران)، وهي أكبر زيادة سنوية منذ 40 عاماً، وتحديداً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021.
لكن لا بد من القول هنا، إن التضخم عرف أخيراً نوعاً من الاستقرار الذي يُعزى بشكل أساسي إلى انخفاض أسعار الوقود، ولهذا ربما توقع البيت الأبيض أن يكون التضخم السنوي في حدود 6.6%.
لافتة إعلانية عن منازل جديدة للبيع في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
* سلاح المواجهة
بعيداً عن التدابير الآنية لمواجهة الانكماش الاقتصادي والتصدي للتضخم (مثل رفع الاحتياطي الفدرالي للفوائد)، تعوّل إدارة جو بايدن على قانون حماية المناخ ومكافحة التضخم الذي تبلغ قيمته 430 مليار دولار وتصل مع حزم أخرى إلى أكثر من 700 مليار دولار، ويرمي بشكل أساسي إلى مكافحة تغير المناخ وخفض أسعار الأدوية التي تصرف بوصفة طبية. ويقول الديمقراطيون إن القانون سيساعد أيضاً في محاربة التضخم من خلال خفض العجز في الموازنة الفدرالية (بلغ العجز 423 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية 2022، أي من أكتوبر/تشرين الأول 2021 حتى مايو/أيار 2022).
ويؤكد مؤيدو القانون أنه يضع الولايات المتحدة على السكة الصحيحة للوصول إلى توليد طاقة نظيفة، وتخفيف آثار التغير المناخي الذي يسبب ظواهر غير مألوفة (جفاف، فيضانات، حرائق غابات، أعاصير...) تؤدي بدورها إلى آثار اقتصادية سلبية، وخفض التضخم على المديين المتوسط والطويل عبر خفض أكلاف الطاقة...
ويرى المؤيدون أيضاً أن النص يضع حداً لسيطرة شركات الصناعات الدوائية على السوق وإرهاق المستهلكين بالأسعار المرتفعة لأدوية الوصفات الطبية، وأن التوفير في هذا الإطار سيبلغ نحو 300 مليار دولار في غضون عشر سنوات.
ويفرض مشروع القانون ضريبة جديدة على الشركات بنسبة 15% كحد أدنى، الأمر الذي سيؤمن – مع إصلاحات ضريبية أخرى – 450 مليار دولار خلال عقد من الزمن. وهنا يرد المؤيدون على المعارضين والمشككين، أن الإصلاح الضريبي المنصف لا يكبح النمو الاقتصادي ولا يفرّط بفرص العمل، بل إن الفوضى الضريبية لمصلحة الشركات الضخمة والأثرياء الكبار هي التي تضرب أسس الاقتصاد، مدللين على ذلك على ما حصل من خلل اقتصادي بنيوي في عهدَي رونالد ريغان ودونالد ترمب الجمهوريين اللذين اعتمدا سياسات وفّرت المزيد من الأرباح لأصحاب الرساميل الضخمة.
في أي حال، سيتبين في غضون أشهر ما سيؤول إليه الاقتصاد الأميركي، آخذين في الاعتبار الانتخابات النصفية التي ستُجرى في الثامن من نوفمبر وتشمل مقاعد مجلس النواب الـ435 و35 من مقاعد مجلس الشيوخ الـ100. فالسيطرة الديمقراطية على الكونغرس شيء، والسيطرة الجمهورية شيء آخر، بالمعنى الاقتصادي.
لا يخفى على أحد أن آفاق الاقتصاد الأكبر في العالم تؤثر في الاقتصاد العالمي كله، علماً أن الاخير يعاني ما يعانيه بسبب الحرب في أوكرانيا واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الغاز وسوى ذلك من صعاب ومشكلات...
ولا يخفى أيضاً، أن هذا الاقتصاد لا يستطيع أن يكون بمنأى عما يعصف بالاقتصاد العالمي، وذلك «بفضل» الترابط العضوي بين زوايا الكوكب الذي تفرضه العولمة. وبالتالي لن يحقق أي إصلاح أهدافه الكاملة إلا بإيجاد حل سلمي للحرب «العالمية» الدائرة على أرض أوروبية، وإصلاح الأوضاع الجيوسياسية في أماكن مختلفة من العالم، ليس اقلها أهمية الوضع في تايوان والعلاقات الأميركية – الصينية عموماً، وسوى ذلك من تحديات.
فهل ينجو الاقتصاد الأميركي من ركود عميق وطويل سيجر معه العالم إلى مشهد بائس؟ تلك هي المسألة...


مقالات ذات صلة

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

الاقتصاد يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

سجلت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات خارجة أسبوعية منذ منتصف ديسمبر خلال الأيام السبعة المنتهية في 11 مارس.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد حاويات شحن مكدسة داخل محطة بميناء لوس أنجليس في «لونغ بيتش» بكاليفورنيا (رويترز)

تقلص العجز التجاري الأميركي في يناير بأكثر من المتوقع

أظهرت بيانات رسمية نُشرت الخميس أن العجز التجاري الأميركي انخفض في يناير (كانون الثاني) الماضي بأكثر مما توقعه المحللون، مدفوعاً بارتفاع الصادرات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد مطعم يعرض لافتة على نافذته كتب عليها «نحن نوظف» في كامبريدج (رويترز)

انخفاض طلبات إعانة البطالة الأميركية بعد صدمة التوظيف في فبراير

انخفض عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي، وهو ما قد يُسهم في تهدئة المخاوف بشأن تدهور سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

مخاطر التضخم تدفع «غولدمان ساكس» لتعديل توقعاته لمسار الفائدة الفيدرالية

أعادت «غولدمان ساكس» النظر في توقعاتها لمسار أسعار الفائدة لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، مرجّحةً تنفيذ خفضين بمقدار ربع نقطة مئوية في شهري سبتمبر وديسمبر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
TT

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام، في خفض ملحوظ للتقديرات الأولية.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن الاقتصاد، الذي تأثر بشدة بالإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي بلغ 0.7 في المائة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4 في المائة، في حين كان الاقتصاديون يتوقعون تعديلاً في الاتجاه المعاكس يعكس نمواً أقوى.

ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنة بنمو بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث و3.8 في المائة في الربع الثاني من العام نفسه، وفق «رويترز».

وتأثر النمو بشكل كبير بتراجع الإنفاق والاستثمار الحكومي الفيدرالي، اللذين انخفضا بنسبة 16.7 في المائة نتيجة تداعيات الإغلاق الحكومي، ما اقتطع نحو 1.16 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.

وعلى مستوى العام بأكمله، نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.1 في المائة في عام 2025، وهو معدل نمو قوي نسبياً، لكنه أقل قليلاً من التقدير الأولي البالغ 2.2 في المائة لعامي 2023 و2024.

وخلال الربع الأخير، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2 في المائة، مقارنة بنمو بلغ 3.5 في المائة في الربع الثالث، في حين سجل الاستثمار التجاري – باستثناء قطاع الإسكان – نمواً بنسبة 2.2 في المائة، وهو ما يُرجح أنه يعكس زيادة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل أقل من وتيرة النمو البالغة 3.2 في المائة في الربع السابق.

ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، قدراً من المرونة في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق وعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين. إلا أن الحرب مع إيران أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية.

في المقابل، تشهد سوق العمل الأميركية تباطؤاً ملحوظاً. فقد قامت الشركات والمنظمات غير الربحية والوكالات الحكومية بتسريح نحو 92 ألف موظف خلال الشهر الماضي. وخلال عام 2025، لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 10 آلاف وظيفة، وهو أضعف معدل توظيف خارج فترات الركود منذ عام 2002.

ويثير هذا الوضع تساؤلات لدى الاقتصاديين بشأن ما إذا كان التوظيف سيتسارع لمواكبة النمو الاقتصادي، أم أن النمو سيتباطأ ليتماشى مع ضعف سوق العمل، أو ما إذا كانت التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.

ويُعد التقرير الصادر يوم الجمعة التقدير الثاني من بين ثلاثة تقديرات لنمو الربع الأخير، على أن يصدر التقرير النهائي في 9 أبريل (نيسان).


صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

سجلت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات خارجة أسبوعية منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول) خلال الأيام السبعة المنتهية في 11 مارس (آذار)؛ إذ أدت اضطرابات إمدادات النفط الناجمة عن الصراع الأميركي - الإسرائيلي - الإيراني المستمر إلى تصاعد المخاوف بشأن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي»، بلغت قيمة التدفقات الخارجة من صناديق الأسهم العالمية 7.05 مليار دولار خلال الأسبوع، وهو أعلى مستوى منذ الأسبوع المنتهي في 17 ديسمبر 2025، الذي شهد تدفقات خارجة بلغت 46.68 مليار دولار، وفق «رويترز».

وتجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل يوم الجمعة، في وقت تعاني فيه أسواق النفط العالمية ما وصفه المتداولون بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعد أن توقفت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز بشكل شبه كلي.

في الوقت نفسه، ارتفع مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو للخيارات، المعروف في وول ستريت باسم «مقياس الخوف»، إلى 28.15 نقطة في وقت سابق من هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يعكس ارتفاع حالة عدم اليقين في الأسواق.

وعلى صعيد التدفقات الإقليمية، سجلت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات خارجة بنحو 7.77 مليار دولار، بعد صافي مبيعات أسبوعية بلغ 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. كما سحب المستثمرون نحو 7.71 مليار دولار من الصناديق الأوروبية، في حين استقطبت الصناديق الآسيوية تدفقات داخلة بقيمة 6.15 مليار دولار.

أما صناديق الأسهم القطاعية فسجلت صافي مبيعات بلغ 2.71 مليار دولار، مع تخارج المستثمرين من صناديق القطاع المالي والرعاية الصحية بقيمة 2.31 مليار دولار و1.31 مليار دولار على التوالي، في حين اجتذبت صناديق القطاع الصناعي تدفقات داخلة بلغت 1.31 مليار دولار.

وقال راي شارما-أونغ، نائب الرئيس العالمي لحلول الأصول المتعددة في شركة «أبردين» للاستثمارات، إن التراجع الأخير في أسواق الأسهم في شمال آسيا يبدو غير متناسب مع الأساسيات الاقتصادية. وأضاف أن استقرار المخاطر الجيوسياسية قد يؤدي إلى انعكاس سريع في مراكز الاستثمار ومعنويات المستثمرين، ما قد يفتح المجال أمام انتعاش قوي في المنطقة.

في المقابل، تراجعت التدفقات الأسبوعية إلى صناديق السندات العالمية إلى أدنى مستوى لها في عشرة أسابيع عند 5.72 مليار دولار. وسجلت صناديق السندات عالية العائد صافي مبيعات بقيمة 3.17 مليار دولار، وهو أكبر تدفق خارجي أسبوعي منذ منتصف أبريل (نيسان) 2025.

وعلى النقيض، ارتفعت التدفقات الداخلة إلى صناديق السندات قصيرة الأجل إلى أعلى مستوى لها في أربعة أسابيع، مسجلة 5.75 مليار دولار، في حين جذبت صناديق أسواق المال 6.93 مليار دولار، محققة تدفقات إيجابية للأسبوع السابع على التوالي مع توجه المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً.

ومع ذلك، شهدت صناديق السلع المرتبطة بالذهب والمعادن الثمينة صافي تدفقات خارجة قدرها 2.84 مليار دولار، بعدما سجلت صافي مبيعات خلال ثلاثة أسابيع من الأسابيع الأربعة الماضية.

كما تعرضت الأسواق الناشئة لضغوط بيعية، حيث سحب المستثمرون نحو 2.69 مليار دولار من صناديق الأسهم بعد موجة شراء صافية استمرت 11 أسبوعاً. وأظهرت بيانات شملت 28,809 صندوقاً أن صناديق السندات في الأسواق الناشئة سجلت أيضاً تدفقات خارجة أسبوعية صافية بلغت 656 مليون دولار.

وفي التفاصيل، تعرضت صناديق الأسهم الأميركية لضغوط بيعية للأسبوع الثاني على التوالي، وباع المستثمرون ما قيمته 7.77 مليار دولار من صناديق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع، بعد صافي مبيعات بلغ نحو 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. وجاء ذلك بالتزامن مع قفزة حادة في أسعار النفط؛ إذ ارتفع الخام الأميركي بنسبة 9.7 في المائة يوم الخميس، لتصل مكاسبه منذ بداية الشهر إلى نحو 42.88 في المائة، وسط ما وصفه المتداولون بأكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعدما كادت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز أن تتوقف بالكامل.

وعلى مستوى القطاعات، سجلت صناديق الأسهم ذات رؤوس الأموال الكبيرة والمتوسطة والصغيرة صافي تدفقات خارجة بلغت 20.98 مليار دولار و405 ملايين دولار و8 ملايين دولار على التوالي، في حين استقطبت صناديق الأسهم متعددة رؤوس الأموال تدفقات داخلة أسبوعية صافية قدرها 9.32 مليار دولار.

كما تخلى المستثمرون عن صناديق أسهم النمو بقيمة 4.48 مليار دولار، بينما واصلوا التوجه نحو صناديق القيمة للأسبوع الخامس على التوالي، بضخ استثمارات بلغت 2.91 مليار دولار.

في المقابل، حافظت صناديق السندات على جاذبيتها للأسبوع العاشر على التوالي، مسجلة صافي تدفقات داخلة بنحو 8.21 مليار دولار. واستقطبت صناديق السندات الحكومية وصناديق الخزانة قصيرة إلى متوسطة الأجل نحو 4.05 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 24 ديسمبر.

كما جذبت صناديق السندات ذات التصنيف الاستثماري قصيرة إلى متوسطة الأجل وصناديق ديون البلديات صافي مشتريات بقيمة 2.77 مليار دولار و614 مليون دولار على التوالي.

وفي الوقت نفسه، سجلت صناديق أسواق المال الأميركية تدفقات داخلة صافية تقارب 1.5 مليار دولار، ليواصل المستثمرون ضخ السيولة فيها للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل سعيهم إلى الملاذات الأكثر أماناً.


تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
TT

تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)

تواجه الصين تحديات اقتصادية متزايدة مع استمرار ضعف الطلب على الائتمان وتباطؤ النشاط الاقتصادي، ما دفع الحكومة إلى التحرك على مسارين متوازيين، هما تشديد الرقابة على الإعانات المالية التي تقدمها الحكومات المحلية، وفي الوقت نفسه البحث عن أدوات جديدة لدعم النمو وتحفيز الطلب الداخلي.

وتأتي هذه الخطوات في وقت أظهرت فيه بيانات رسمية تراجع القروض المصرفية الجديدة بأكثر من المتوقع خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، ما يعكس استمرار الحذر لدى الشركات والأسر في ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وأعلن مجلس الدولة الصيني خلال اجتماع برئاسة رئيس الوزراء لي تشيانغ عن توجه جديد لتنظيم سياسات الدعم المالي التي تقدمها الحكومات المحلية.

وحسب وسائل الإعلام الرسمية، تعتزم بكين إنشاء آلية قائمة سلبية تحدد الحالات التي يُمنع فيها على السلطات المحلية تقديم إعانات مالية، في خطوة تهدف إلى الحد من التشوهات في المنافسة وتعزيز بناء سوق وطنية موحدة. ويرى صناع القرار في بكين أن الدعم المالي المحلي غير المنظم قد يؤدي إلى منافسة غير متكافئة بين المناطق الصينية؛ إذ تسعى بعض الحكومات المحلية إلى جذب الاستثمارات عبر حوافز مالية كبيرة قد تُضعف كفاءة السوق وتخلق اختلالات في توزيع الموارد. ولذلك شدد مجلس الدولة على ضرورة تحسين «دقة السياسات وفاعليتها» واعتماد إجراءات عملية أكثر انضباطاً في تقديم الدعم الحكومي.

• تباطؤ الائتمان

ويأتي هذا التحرك التنظيمي في وقت تواجه فيه الصين تباطؤاً ملحوظاً في الطلب على الائتمان. فقد أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن القروض الجديدة المقومة باليوان بلغت نحو 900 مليار يوان (130 مليار دولار) في فبراير، منخفضة بشكل حاد مقارنة بـ4.71 تريليون يوان في يناير (كانون الثاني)، وأقل من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 979 مليار يوان.

ورغم أن تراجع الإقراض في فبراير يُعد ظاهرة موسمية إلى حد ما بسبب زيادة القروض في بداية العام وعطلة رأس السنة القمرية التي تقلل النشاط الاقتصادي، فإن البيانات تشير أيضاً إلى ضعف هيكلي في الطلب، خصوصاً من جانب الأسر. فقد سجلت قروض الأسر، بما في ذلك قروض الرهن العقاري، انخفاضاً بنحو 650.7 مليار يوان خلال الشهر، بعدما كانت قد ارتفعت في يناير بنحو 456.5 مليار يوان.

ويعكس هذا التراجع استمرار تأثير أزمة سوق العقارات الممتدة منذ سنوات، والتي أضعفت ثقة المستهلكين وأثرت على الإنفاق والاقتراض. كما يشير محللون إلى أن برامج دعم فوائد القروض الاستهلاكية التي أطلقتها الحكومة لم تحقق حتى الآن تأثيراً كبيراً في تحفيز الطلب، حيث لم ترتفع قروض الأسر إلا بنسبة طفيفة للغاية على أساس سنوي. وفي المقابل، أظهرت البيانات أن قروض الشركات سجلت انتعاشاً محدوداً، وهو ما قد يعكس تأثير إجراءات التيسير النقدي الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي الصيني. فقد أكد محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، أن بلاده ستواصل اتباع سياسة نقدية توسعية معتدلة خلال العام الحالي، مع استخدام أدوات مثل خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي وأسعار الفائدة بشكل مرن لدعم الاقتصاد.

• مخاوف التضخم

بعض الاقتصاديين يرون أن المجال المتاح لمزيد من التيسير النقدي قد يكون محدوداً في الأجل القريب. فحسب تشو هاو، كبير الاقتصاديين في شركة غوتاي جونان الدولية، فإن المخاوف المتعلقة بالتضخم قد تقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي قريباً، ما يعني أن الجزء الأكبر من الدعم الاقتصادي قد يأتي عبر السياسة المالية وليس النقدية.

وفي هذا السياق، أعلنت بكين بالفعل مجموعة من الإجراءات لتعزيز الطلب المحلي ودعم القطاعات الاستراتيجية. فقد حددت الحكومة هدف نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة لعام 2026، وهو أقل قليلاً من هدف العام الماضي، في إشارة إلى توقعات أكثر حذراً لمسار الاقتصاد. كما كشفت السلطات عن خطط لضخ 300 مليار يوان في البنوك الحكومية الكبرى لتعزيز قدرتها على الإقراض ودعم الاستقرار المالي. إضافة إلى ذلك، ستخصص الحكومة 250 مليار يوان من سندات الخزانة الخاصة طويلة الأجل لتمويل برامج استبدال السلع الاستهلاكية، في محاولة لتحفيز الاستهلاك المحلي وتعزيز الطلب الداخلي.

وأظهرت بيانات السيولة أن المعروض النقدي الواسع (M2) ارتفع بنسبة 9 في المائة في فبراير مقارنة بالعام السابق، متجاوزاً توقعات السوق، في حين ارتفع المعروض النقدي الأضيق (M1) إلى 5.9 في المائة. كما استقر نمو إجمالي التمويل الاجتماعي – وهو مؤشر واسع للائتمان والسيولة في الاقتصاد – عند 8.2 في المائة.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن السلطات الصينية تحاول تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي ومنع تراكم المخاطر المالية، خصوصاً في ظل مستويات الدين المرتفعة لدى الحكومات المحلية والشركات.

• خاتمة

تعكس الإجراءات الأخيرة لبكين توجهاً مزدوجاً يجمع بين تشديد الرقابة على الدعم الحكومي المحلي وتعزيز أدوات التحفيز الاقتصادي على المستوى الوطني. وبينما تسعى الصين إلى الحفاظ على استقرار سوقها الداخلية وتحفيز الطلب، يبقى نجاح هذه السياسات مرهوناً بقدرتها على إعادة الثقة إلى المستهلكين والشركات في مرحلة حساسة من مسار الاقتصاد الصيني.