هل ينجو الاقتصاد الأميركي من ركود عميق وطويل؟

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

هل ينجو الاقتصاد الأميركي من ركود عميق وطويل؟

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

تصر واشنطن على أن الاقتصاد الأميركي لن يدخل مرحلة ركود على الرغم من الرياح السلبية التي تعصف بالاقتصاد الكلي. غير أن البيت الأبيض اعترف بالمشكلة بشكل غير مباشر بعدما خفض توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعام 2022 إلى 1.4%، من 3.8% وفق تقديراته السابقة في مارس (آذار). وكذلك ارتفعت توقعات الإدارة للتضخم إلى 6.6% من 2.9% في تقديرات مارس.
الركود في التعريف الاقتصادي التقني هو «فترة من التدهور الاقتصادي ينخفض خلالها النشاط التجاري والصناعي، ويُحدَّد عمومًا بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي في ربعَين متتاليين».
تفيد الأرقام بأن الاقتصاد الأميركي تقلص لربعَين متتاليين (1.6 و0.9%) وبالتالي يمكن القول إن الولايات المتحدة في حالة ركود بالمعنى التقني، خصوصاً أن التوقعات والآفاق سلبية. وفي سجل التاريخ الأميركي الحديث، حصلت عشر فترات مع ربعين متتاليين أو أكثر من النمو السلبي، وذلك أعوام 1949 و1954 و1958 و1970 و1975 و1980 و1982 و1991 و2009 و2020، وفي كل مرة أعلن المكتب الوطني (الأميركي) للبحوث الاقتصادية حصول ركود.
ولئن كان معدّل البطالة في عموم الولايات المتحدة يبلغ 3.5% وفق أرقام يوليو (تموز) مقابل 5.4% في يوليو 2021، فإن كل المؤشرات الأخرى تقبع في خانة السلبية. ففي القطاع العقاري تراجعت مبيعات المنازل القائمة بنسبة 5.9٪ في يوليو، بعد انخفاض بنسبة 5.4٪ في يونيو. وعموماً انخفضت المبيعات بنسبة 20٪ عن العام الماضي. وفي الوقت نفسه يتراجع بناء المنازل الجديدة مع ارتفاع تكاليف البناء وتَضاعُف الفوائد على الرهن العقاري (نحو 6%) عنها في العام الماضي لعدم ثقة المُقرضين باستقرار السوق والملاءة المالية للمقترضين. وكنتيجة طبيعية لذلك انخفض سعر المنزل المتوسط في السوق الأميركية نحو 10 آلاف دولار.
من هنا، لا يصح اعتداد وزيرة الخزانة جانيت يلين بأن سوق العمل القوي وانخفاض معدلات البطالة يُلغيان صحة تصنيف المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية للانكماش الحالي على أنه ركود. فسوق العمل هو دائماً مؤشر هش قابل للتغيّر بسرعة، وعلى سبيل المثال أعلنت مجموعة فورد لصناعة السيارات قبل أيام أنها ستلغي نحو 3 آلاف وظيفة، عدد كبير منها في الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك انه في فترات ركود مثبَتة كانت أرقام البطالة إيجابية وإن في بدايات مرحلة الركود على الأقل، قبل أن تتدهور لاحقاً، وآخر هذه المرّات كانت بين ديسمبر (كانون الاول) 2007 ومارس (آذار) 2008.
ويذهب الاقتصادي المرموق روبرت بارو إلى القول إنه بعيداً عن النقاشات النظرية، يمكن الجزم بأن الاقتصاد الأميركي دخل مرحلة ركود منذ بداية العام 2022.
ولعل المؤشر السلبي الأكبر هو معدّل التضخم لأنه على تماس مباشر مع جيب الفرد. فقد ارتفعت أسعار الاستهلاكية بنسبة 9.1 في المائة خلال العام المنتهي في يونيو (حزيران)، وهي أكبر زيادة سنوية منذ 40 عاماً، وتحديداً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021.
لكن لا بد من القول هنا، إن التضخم عرف أخيراً نوعاً من الاستقرار الذي يُعزى بشكل أساسي إلى انخفاض أسعار الوقود، ولهذا ربما توقع البيت الأبيض أن يكون التضخم السنوي في حدود 6.6%.
لافتة إعلانية عن منازل جديدة للبيع في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
* سلاح المواجهة
بعيداً عن التدابير الآنية لمواجهة الانكماش الاقتصادي والتصدي للتضخم (مثل رفع الاحتياطي الفدرالي للفوائد)، تعوّل إدارة جو بايدن على قانون حماية المناخ ومكافحة التضخم الذي تبلغ قيمته 430 مليار دولار وتصل مع حزم أخرى إلى أكثر من 700 مليار دولار، ويرمي بشكل أساسي إلى مكافحة تغير المناخ وخفض أسعار الأدوية التي تصرف بوصفة طبية. ويقول الديمقراطيون إن القانون سيساعد أيضاً في محاربة التضخم من خلال خفض العجز في الموازنة الفدرالية (بلغ العجز 423 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية 2022، أي من أكتوبر/تشرين الأول 2021 حتى مايو/أيار 2022).
ويؤكد مؤيدو القانون أنه يضع الولايات المتحدة على السكة الصحيحة للوصول إلى توليد طاقة نظيفة، وتخفيف آثار التغير المناخي الذي يسبب ظواهر غير مألوفة (جفاف، فيضانات، حرائق غابات، أعاصير...) تؤدي بدورها إلى آثار اقتصادية سلبية، وخفض التضخم على المديين المتوسط والطويل عبر خفض أكلاف الطاقة...
ويرى المؤيدون أيضاً أن النص يضع حداً لسيطرة شركات الصناعات الدوائية على السوق وإرهاق المستهلكين بالأسعار المرتفعة لأدوية الوصفات الطبية، وأن التوفير في هذا الإطار سيبلغ نحو 300 مليار دولار في غضون عشر سنوات.
ويفرض مشروع القانون ضريبة جديدة على الشركات بنسبة 15% كحد أدنى، الأمر الذي سيؤمن – مع إصلاحات ضريبية أخرى – 450 مليار دولار خلال عقد من الزمن. وهنا يرد المؤيدون على المعارضين والمشككين، أن الإصلاح الضريبي المنصف لا يكبح النمو الاقتصادي ولا يفرّط بفرص العمل، بل إن الفوضى الضريبية لمصلحة الشركات الضخمة والأثرياء الكبار هي التي تضرب أسس الاقتصاد، مدللين على ذلك على ما حصل من خلل اقتصادي بنيوي في عهدَي رونالد ريغان ودونالد ترمب الجمهوريين اللذين اعتمدا سياسات وفّرت المزيد من الأرباح لأصحاب الرساميل الضخمة.
في أي حال، سيتبين في غضون أشهر ما سيؤول إليه الاقتصاد الأميركي، آخذين في الاعتبار الانتخابات النصفية التي ستُجرى في الثامن من نوفمبر وتشمل مقاعد مجلس النواب الـ435 و35 من مقاعد مجلس الشيوخ الـ100. فالسيطرة الديمقراطية على الكونغرس شيء، والسيطرة الجمهورية شيء آخر، بالمعنى الاقتصادي.
لا يخفى على أحد أن آفاق الاقتصاد الأكبر في العالم تؤثر في الاقتصاد العالمي كله، علماً أن الاخير يعاني ما يعانيه بسبب الحرب في أوكرانيا واضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الغاز وسوى ذلك من صعاب ومشكلات...
ولا يخفى أيضاً، أن هذا الاقتصاد لا يستطيع أن يكون بمنأى عما يعصف بالاقتصاد العالمي، وذلك «بفضل» الترابط العضوي بين زوايا الكوكب الذي تفرضه العولمة. وبالتالي لن يحقق أي إصلاح أهدافه الكاملة إلا بإيجاد حل سلمي للحرب «العالمية» الدائرة على أرض أوروبية، وإصلاح الأوضاع الجيوسياسية في أماكن مختلفة من العالم، ليس اقلها أهمية الوضع في تايوان والعلاقات الأميركية – الصينية عموماً، وسوى ذلك من تحديات.
فهل ينجو الاقتصاد الأميركي من ركود عميق وطويل سيجر معه العالم إلى مشهد بائس؟ تلك هي المسألة...


مقالات ذات صلة

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد أشخاص يصطفّون خارج مركز توظيف في لويفيل بولاية كنتاكي الأميركية (أرشيفية - رويترز)

تراجع الطلبات الأسبوعية لإعانة البطالة في أميركا رغم الحذر من التوظيف

تراجع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل، رغم حذر الشركات بشأن التوظيف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتات بنوك «جي بي مورغان تشيس» و«سيتي بنك» و«ويلز فارغو» (رويترز)

بنوك «وول ستريت» تجني 45 مليار دولار من الأزمات الجيوسياسية

بينما يواجه العالم تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، أثبت «شارع المال» الأميركي قدرة استثنائية على تحويل التقلبات إلى مكاسب مليارية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.


ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
TT

ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)

تلقي الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران بظلالها على توقعات الشركات الأوروبية، من شركات الطيران إلى تجارة التجزئة، رغم الآمال بتحقيق أرباح قوية في الربع الأول، مع ضغط ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتباطؤ النمو على التوقعات المستقبلية.

وقالت شركة «تيسكو»، أكبر شركة تجزئة غذائية في بريطانيا، إن حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع قد تؤثر على الأرباح، في حين خفضت شركة صناعة الشوكولاته «باري كاليبوت» توقعات الأرباح بسبب اضطرابات في سلاسل الإمداد المرتبطة بالحرب، وفق «رويترز».

كما حذرت شركة «إيزي جيت» البريطانية، يوم الخميس، من خسارة أكبر في النصف الأول، ما ضغط على سهمها، في حين قالت شركة التجزئة البريطانية «دانلم» إن العملاء يقيّدون إنفاقهم بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع.

ويعتمد الكثير على مدة استمرار الصراع بين إيران وإسرائيل، وسط آمال متزايدة باتفاق سلام قد يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف تدفقات النفط التي رفعت الأسعار العالمية.

وقد أدت التوترات الإقليمية المتصاعدة إلى اضطراب الأسواق، ما أثار مخاوف من أن يؤدي نزاع طويل الأمد إلى مزيد من ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي زيادة التضخم وتراجع الطلب الاستهلاكي.

مستويات النشاط لم تنهَر «بشكل حاد» بعد

من المتوقع أن تُعلن الشركات الأوروبية عن أرباح «مستقرة نسبياً» للربع من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار)، حسب سياران كالاغان، رئيس أبحاث الأسهم الأوروبية في «أموندي»، رغم أن الحرب الإيرانية أثرت على نحو ثلث هذه الفترة.

وقال كالاغان: «يستغرق الأمر وقتاً حتى تنتقل أسعار النفط المرتفعة إلى الاقتصاد، لذا لم تنخفض مستويات النشاط بشكل حاد».

ورغم أن المستثمرين يقدّرون أن تعرض الشركات الأوروبية الكبرى المباشر للشرق الأوسط لا يتجاوز نسباً منخفضة من خانة الآحاد، فإن التباطؤ الاقتصادي، واضطرابات سلاسل الإمداد، وعدم اليقين، وارتفاع التضخم تُعد المخاطر الرئيسية.

ومع ذلك، فإن حجم التأثير سيعتمد على مدة استمرار الحرب. وقد تراجعت الأسهم الأوروبية في الأسابيع الأولى من الصراع، لكنها تعافت لاحقاً مع تحسن المعنويات.

وقال بن ريتشي، رئيس أسهم الأسواق المتقدمة في «أبردين»: «لا أعتقد أن نتائج الربع الأول ستكون مخيبة للآمال، لكن التوقعات لبقية العام قد تكون كذلك».

وقد ظهرت بالفعل بعض نتائج قطاع أشباه الموصلات التي دعمت توقعات الأرباح القوية نسبياً، إذ أعلنت شركة «إيه إس إم إل»، أكبر مورد عالمي لمعدات صناعة الرقائق، نتائج فصلية أفضل من المتوقع ورفعت توقعاتها السنوية مع استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي. كما سجلت شركة «أيكسرون» الألمانية لآلات الرقائق طلبات قوية ورفعت توقعاتها للإيرادات لعام 2026.

قطاع الطاقة يرتفع والاستهلاك يتراجع

تؤثر الحرب بشكل متباين على القطاعات المختلفة. إذ يُتوقع أن تسجل شركات مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي القياسي نمواً في أرباح الربع الأول بنسبة 4.2 في المائة، وفق تقرير «إل إس إي جي»، لكن ذلك يعود بشكل أساسي إلى قطاع الطاقة.

وقد دعمت أسعار النفط المرتفعة شركات الطاقة، ومن المتوقع أن تحقق الشركات الأوروبية الكبرى أرباحاً أعلى بنسبة 24 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأشارت شركة «توتال إنيرجيز» إلى استفادتها من ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب، رغم توقف 15 في المائة من إنتاج المجموعة الفرنسية.

كما يُتوقع أن يستفيد قطاع الطاقة المتجددة أيضاً. وقال هانس يورغ باك، كبير مديري المحافظ في «دي دبليو إس»، إن الأزمة أبرزت اعتماد أوروبا على واردات الوقود الأحفوري.

وقال: «الخلاصة يجب أن تكون تسريع إدخال مصادر الطاقة البديلة والاستثمار في الشبكات».

وفي المقابل، قد تضر معدلات التضخم المرتفعة شركات الاستهلاك والسلع الفاخرة، لكنها قد تفيد البنوك، حسب كالاغان.

وقال: «هناك حديث واسع عن احتمال رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة، وقد يقوم البنك المركزي الأوروبي برفعها مرتين إضافيتين بإجمالي 50 نقطة أساس، ما قد يكون إيجابياً للقطاع المصرفي الأوروبي».

وقد أشارت شركتا «إل في إم إتش» و«هيرميس» إلى أن مبيعات الربع الأول تأثرت بالحرب في إيران، التي قلصت الإنفاق في الشرق الأوسط وأخرت تعافي القطاع.

فائزون انتقائيون

ورغم وجود بعض «الفائزين الانتقائيين»، فإن الصراع لا يدعم أرباح الشركات الأوروبية بشكل عام، حسب كريستوف بيرغر، كبير مسؤولي الاستثمار في الأسهم الأوروبية لدى «أليانز جي آي».

وكان بيرغر قد توقع قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) نمواً في أرباح الشركات الأوروبية بنسبة عالية من خانة الآحاد إلى خانة العشرات، لكنه خفّض توقعاته الآن إلى نمو «جيد» لكنه دون مستويات مزدوجة الرقم للربع الأول.

وقالت «إل إس إي جي» إن الإيرادات في الربع الأول يُتوقع أن تنخفض في المتوسط بنسبة 0.6 في المائة باستثناء قطاع الطاقة، ما يشير إلى أن جهود خفض التكاليف وإعادة الهيكلة قد تؤتي ثمارها.

إعادة شراء الأسهم

ورغم أن بعض الشركات خفّضت توزيعات الأرباح المقترحة، فإنه لا توجد مؤشرات على أن هذا تحول عام حتى الآن، حسب المستثمرين.

في المقابل، زادت الشركات من عمليات إعادة شراء الأسهم لوقف تراجع الأسواق، حسب ماركوس موريس إيتون، مدير المحافظ في «أليانس بيرنشتاين».

وقال: «شهدنا زيادة ملحوظة في عمليات إعادة شراء الأسهم، حيث توفر التقييمات الحالية عائداً جيداً على الاستثمار للعديد من الشركات».