أيام ترمب الأخيرة في البيت الأبيض: فوضى وأوراق متناثرة وتكديس للوثائق الحكومية

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أ.ب)
TT

أيام ترمب الأخيرة في البيت الأبيض: فوضى وأوراق متناثرة وتكديس للوثائق الحكومية

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أ.ب)

شهدت الأيام الأخيرة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، في البيت الأبيض أفعالاً ما زال يتردد صداها حتى يومنا هذا، رغم مرور ما يقرب من عامين عليها.
وقال أحد موظفي البيت الأبيض لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، إنه قبل أربعة أيام من نهاية رئاسة ترمب، أطلّ على المكتب البيضاوي وكان مذهولاً ومتفاجئاً تماماً، حيث كانت جميع الصور الشخصية للرئيس السابق لا تزال مصفوفة خلف المكتب كما لو أن شيئاً لم يتغير وكما لو كان ترمب لم يخسر الانتخابات.
وقال الموظف إنه في ذلك اليوم كانت الطاولة في غرفة الطعام الخاصة بترمب خارج المكتب البيضاوي مكدسة عالياً بالأوراق، كما كانت طوال فترة ولايته. وأضاف «لكن على الرغم من ذلك، ففي الطابق العلوي من البيت الأبيض، كان هناك بعض المؤشرات على أن ترمب أدرك إلى حد ما أن وقته قد انتهى كرئيس لأميركا. ففي هذه الغرفة جمع ترمب وثائق حكومية، كان من المقرر أن تذهب إلى الأرشيف الوطني، في نحو عشرين صندوقاً».

مساعدين لترمب ينقلون بعض الصناديق خارج البيت الأبيض في آخر أيام رئاسته (نيويورك تايمز)

وقال مصدر آخر لـ«نيويورك تايمز» إن بعض مساعدي ترمب بحثوا له عن رسائل كان قد تلقاها من كيم جونغ أون، الزعيم الكوري الشمالي، وسلموها إليه في الأسابيع الأخيرة.
وليس من الواضح أين انتهى الأمر بكل هذه الوثائق والأوراق، ولكن، كما هو واضح، فقد انتهى الأمر ببعضها في منزل الرئيس السابق في منتجع مارالاغو بفلوريدا، حيث تم تخزينها هناك في أماكن مختلفة على مدار الـ19 شهراً الماضية، وفقاً لكثير من المصادر المطلعة على الأمر.
وقالت المصادر إن مارك ميدوز، كبير موظفي البيت الأبيض في عهد ترمب، لعب دوراً في هذا النقل للوثائق لمنزل ترمب، مشيرةً إلى أنه تجاهل مطالبة مكتب مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض له بضرورة تسليم الصناديق إلى الأرشيف، رغم أنه أخبره بأنه سيبذل قصارى جهده لضمان امتثال إدارة ترمب لقانون السجلات الرئاسية الذي يحظر إخفاء أو إزالة أو تشويه السجلات الحكومية.
وقال عدد من الخبراء إن تعامل ترمب الفوضوي مع الوثائق الحكومية كان جزءاً من الفوضى الأكبر التي أحدثها بعد أن رفض قبول خسارته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، والتي تجلت بوضوح عند تشجيعه عدداً من مؤيديه على الهجوم على مبنى الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021 في محاولة لإحباط التصديق على فوز جو بايدن بالرئاسة.
ولم يردّ متحدث باسم ترمب على طلب للتعليق على تقرير «نيويورك تايمز»، كما رفض محامي ميدوز التعليق أيضاً.

الاستهزاء بقانون السجلات الرئاسية:
أشار عدد من مساعدي ترمب السابقين إلى أنه، منذ الساعات الأولى له في منصبه، كان يتعامل مع كل شيء في البيت الأبيض كأنه ملكية خاصة به، واصفاً الوثائق الحكومية والممتلكات الأخرى -حتى موظفيه- بأنها ممتلكات شخصية.
ولكن هذا الاعتقاد من ترمب بأن «كل شيء ملكه» لم يكن صحيحاً. فبموجب قانون السجلات الرئاسية، فإن كل وثيقة من الوثائق الحكومية هي ملك لدافعي الضرائب ويجب على أي رئيس أميركي إرسال جميع رسائل البريد الإلكتروني والرسائل ووثائق العمل الأخرى الخاصة به إلى الأرشيف الوطني.
إلا أن ترمب استهزأ بهذا القانون، وفقاً للخبراء، مرتين؛ مرة حين تخلص من بعضها في المرحاض، ومرة أخرى حين نقل بعضها لمنزله بفلوريدا.
ففي فبراير (شباط) الماضي، كشف كتاب جديد من تأليف ماغي هابرمان، مراسلة «نيويورك تايمز»، أن الموظفين كانوا يجدون مرحاض البيت الأبيض مسدوداً بوثائق ممزّقة، في عهد ترمب، وأنهم يعتقدون أن الأوراق قد أتلفها الرئيس نفسه وتخلص منها بهذه الطريقة.
وكان محامو ترمب ومساعدوه على دراية جيدة بقانون السجلات. فقد قال مسؤولون سابقون إن دونالد ماكغان، أول مستشار للرئيس السابق في البيت الأبيض، وضع بروتوكولاً للتعامل الصحيح مع الوثائق الحكومية وتحدث مراراً مع الموظفين عن هذا القانون.
ووفقاً للمسؤولين، فبحلول نهاية رئاسة ترمب، أدرك بات سيبولوني وباتريك فيلبين، محاميا البيت الأبيض السابقان، أن تعامل الرئيس السابق مع الوثائق سيتسبب في مشكلة محتملة.
لكن المسؤولين أشاروا إلى أن علاقة ترمب بسيبولوني توترت بعد ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة، حيث إن الرئيس السابق كثيراً ما وبّخ المحامي لاعتراضه على محاولاته تقويض انتصار جو بايدن.
وبحلول أوائل عام 2021، بعد أن غادر ترمب البيت الأبيض، أدرك المسؤولون عن الأرشيف أنهم يفتقدون لوثائق مهمة، ومن ثم تواصلوا مع عدد من مسؤولي البيت الأبيض، من بينهم سكوت غاست، الذي كان محامياً في مكتب مستشار البيت الأبيض في عهد ترمب، والسيد فيلبين.
وكان أمناء الأرشيف مصرين بشكل خاص على استعادة المراسلات المفقودة من الزعيم الكوري الشمالي والرسالة التي تركها أوباما لترمب على المكتب البيضاوي، حيث إن كليهما له قيمة تاريخية كبيرة.

ترمب يحمل خطاباً قال إنه من الزعيم الكوري الشمالي خلال لقاء مع رئيس وزراء اليابان في 2018 (نيويورك تايمز)

كما سأل مسؤولو الأرشيف غاست وفيلبين عن الصناديق العشرين التي كانت موجودة في المنزل خلال الأيام الأخيرة لإدارة ترمب. ورد فيلبين بقوله إنه سيعمل على إعادتها للأرشيف.
لكنّ المسؤولين لم يحصلوا على ما يريدون حتى سافروا إلى مارالاغو في يناير 2022 واستعادوا 15 صندوقاً من الوثائق.
أما بقية الصناديق، فقد تم استجواب كلٍّ من فيلبين وغاست بشأنها قبل أشهر من مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وفي يونيو (حزيران)، أكد أحد محامي ترمب، في خطاب أرسله إلى وزارة العدل، عدم احتفاظ موكله بأي وثائق أو معلومات سرّية مخزّنة في منتجع مارالاغو بفلوريدا، وفقاً لمصادر مطلعة على الأمر.

رفع السرية عن وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي:
ركزت إحدى المناقشات القوية حول الوثائق الحكومية في نهاية رئاسة ترمب على تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي فيما إذا كانت حملة ترمب قد تآمرت مع المسؤولين الروس.
وفي حين أن هذا التحقيق، الذي بدأ في عام 2016، لم يتهم ترمب في النهاية بالسلوك الإجرامي، فإنه ظل مهووساً به طوال فترة ولايته.
وفي الأسابيع الأخيرة لترمب في منصبه، حث ميدوز وكالات إنفاذ القانون الفيدرالية على رفع السرية عن ملف التحقيق في هذا الشأن، والذي تضمن معلومات غير منشورة بشأنه التحقيق ورسائل النصية بين اثنين من كبار مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي السابقين هما بيتر سترزوك وليزا بيغ، اللذان انتقدا ترمب بشدة في اتصالاتهما الخاصة خلال انتخابات عام 2016.

ووفقاً لأشخاص مطلعين على النقاش، كان مكتب التحقيقات الفيدرالي قلقاً من أن نشر المزيد من المعلومات قد يضر به.
وقبل ترك منصبه بساعات، أمر ترمب برفع السرية عن ملف التحقيق بشأن «التدخل الروسي» المزعوم في انتخابات 2016.
وقال ترمب وقتها في مذكرة له: «تم إجراء بعض التنقيحات على الوثائق من أجل السماح بالكشف عنها علناً».
ولم يتم العثور على أي من المستندات التي تتعلق بالتحقيق الروسي ضمن الوثائق التي استعادها مكتب التحقيقات الفيدرالي من مارالاغو، وفقاً لشخص على دراية بالموقف.

العفو الرئاسي:
استهلك جزء كبير من الساعات الأخيرة لترمب في منصبه بالعفو عن عدد من المعتقلين.
ففي مساء يوم 19 يناير 2021 أصدر ترمب عفواً عن 73 شخصاً وخفف الأحكام الصادرة على 70 آخرين. وبين أبرز هؤلاء الأشخاص مستشاره السابق ستيف بانون أحد مهندسي حملته الرئاسية في 2016، الذي اتهمه المدعون الفيدراليون في مانهاتن باختلاس أموال كانت مخصصة حسبما يعتقد لبناء جدار على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك.
كما أصدر ترمب عفواً عن مغني الراب الأميركي ليل واين الذي أقر بذنبه لحيازة سلاح ناري وهي جنحة عاقب عليها القانون بالسجن عشر سنوات، وألبرت بيرو جونيور، الزوج السابق لمقدمة قناة «فوكس نيوز» جينين بيرو، الذي أُدين في عام 2000 بالتهرب الضريبي والتآمر وحُكم عليه بالسجن لمدة 29 شهراً.


مقالات ذات صلة

درس من 1915... لماذا لا يمكن فتح «هرمز» بالقوة؟

أوروبا خريطة مضيق هرمز (رويترز) p-circle

درس من 1915... لماذا لا يمكن فتح «هرمز» بالقوة؟

يعود تقرير لصحيفة «إندبندنت» بالذاكرة إلى دروس تاريخية بارزة من حروب سابقة، تكشف أن السيطرة على المضايق والممرات البحرية لم تكن يوماً مهمة سهلة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد باول يعقد مؤتمراً صحافياً عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في ديسمبر (رويترز)

انتصار قضائي لباول ينهي «معركة المباني» ويمهد الطريق لوارش لرئاسة «الفيدرالي»

أنهت وزارة العدل الأميركية تحقيقاتها مع رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا صورة نشرتها وزارة الخارجية الباكستانية لعراقجي وهو يلتقي دار ومنير لدى وصوله إلى قاعدة نور خان الجوية في روالبندي - باكستان (أ.ب) p-circle

مفاوضو واشنطن يتوجهون إلى إسلام آباد اليوم... وطهران ترفض اللقاء المباشر

من المقرر أن يتوجه المفاوضون الأميركيون إلى باكستان اليوم (السبت)، لكن ​إيران قالت إن مسؤوليها لا يعتزمون لقاء الأميركيين لبحث إنهاء الحرب، وفق ما نشرت «رويترز»

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
المشرق العربي نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

فشل التحالف الشيعي الرئيسي في العراق، في الاتفاق على مرشح جديد لمنصب رئيس الوزراء، بعدما قوّضت الضغوط الأميركية فرص نوري المالكي الذي كان الأوفر حظا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الولايات المتحدة​ المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (رويترز)

المتحدثة باسم البيت الأبيض تعلن بدء إجازة أمومة

أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أنها ستبدأ إجازة أمومة استعداداً لولادة طفلها الثاني، لكنها لم تُعلن عن الشخص الذي سيحل مكانها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...