ناديا حمادة وغسان تويني... الحب الغامر الذي حوّله الموت تراجيديا إغريقية

جمعتهما علاقة عاطفية عابرة للطوائف وشغف مشترك بالكتابة

ناديا حمادة
ناديا حمادة
TT

ناديا حمادة وغسان تويني... الحب الغامر الذي حوّله الموت تراجيديا إغريقية

ناديا حمادة
ناديا حمادة

لم تكن العلاقة العاطفية المشرقة التي جمعت بين الشاعرة اللبنانية المتميزة ناديا حمادة والصحافي اللبناني الأشهر غسان تويني، من النوع المألوف الذي يتكرر حدوثه كل يوم، بل هي تبدو لشدة فرادتها وغرابة محطاتها، وكأنها سِفْر دراماتيكي من أسفار العهد القديم، أو فصل متأخر من فصول نشيد الإنشاد، أو فانتازيا سحرية مقتطعة من روايات ماركيز. ولذلك فلم يكن بإمكان هذه السلسلة الطويلة من المقالات المتعلقة بزواج المبدعين، أن تأخذ طريقها إلى الاكتمال، دون التوقف ملياً عند هذه العلاقة الاستثنائية في تناقضها الضدي، والتي ذهبت من جهة إلى أقاصي الحب والحدب الإنسانيين، في حين كان الموت من جهة ثانية يهيئ لها مصيرها القاتم ومآلها المأساوي. واللافت في تلك العلاقة أن انخراط طرفيها في مؤسسة الزواج، ولمدة تقارب العقود الثلاثة، لم يقلل على الإطلاق من ألقها الرومانسي، ولم يحول نيرانها رماداً، خلافاً للكثير من التجارب المماثلة التي أفرغتها الرتابة من الشغف، وأودى بها نزق أطرافها النرجسي، إلى الإخفاق والتصدع الكاملين.
تنتمي ناديا حمادة المولودة في بيروت عام 1935 إلى إحدى أكثر الأسر الدرزية عراقة في الجبل اللبناني. وقد بدت بثقافتها الواسعة وشخصيتها القوية والمنفتحة، ثمرة الزواج الناجح بين أبيها اللبناني، ابن قرية بعقلين الشوفية، المثقف والدبلوماسي محمد علي حمادة، وأمها الفرنسية من أصل جزائري مارغريت مالاكان؛ وهو ما ساعدها على تكوين رؤية للعالم بالغة الرحابة وبعيدة عن الانغلاق، وصولاً إلى تمرسها باللغة الفرنسية قراءة وكتابة، إلى حد وقوفها اللاحق جنباً إلى جنب مع أفضل المبدعين الفرنسيين.

                                                                                        غسان تويني
أما غسان تويني المولود قبل ناديا بتسع سنوات، والحائز بكالوريوس الفلسفة من الجامعة الأميركية في بيروت، وماجستير في العلوم السياسية من جامعة هارفارد، فقد تربى من جهته في كنف جبران تويني، مؤسس جريدة «النهار»، إحدى أكثر الصحف اللبنانية عراقة وتأثيراً، قبل أن يتولى إصدارها ورئاسة تحريرها بعد رحيل الأب. وقبل أن يلتقي غسان ناديا عام 1954، كان اسمه قد اكتسب لمعانه من أدوار وحقول عدة، بينها نبوغه الصحافي، وتعرفه إلى مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة، ومن ثم انتماؤه إلى الحزب، وانضمامه إلى الجبهة الاشتراكية الوطنية التي أسهمت في إسقاط الرئيس اللبناني بشارة الخوري، وصولاً إلى انتخابه نائباً عن جبل لبنان عام 1951، ونائباً لرئيس مجلس النواب اللبناني عام 1953.
وفي كتاب سيرته يحرص صاحب «النهار» على التنويه بأن الصدف المجردة هي التي رسمت لحياته مسارها المختلف. إذ إنه كان قد سافر إلى اليونان، طلباً للراحة من مشاغله الكثيرة المرهقة، حيث كان كيوبيد، إله الحب عند الإغريق، يهيئ له سهام العشق والافتتان التي أصابت قلبه في الصميم. وإذ يؤكد تويني بأنه لم يكن يعلم على الإطلاق بأن للسفير اللبناني في أثينا ابنة فائقة الجمال تسمى ناديا، يصف لقاءهما الأول بالقول «تعرفت إلى ناديا حمادة بعد أسبوعين من وصولي إلى أثينا، بمناسبة مأدبة عشاء أقامها والدها في السفارة على شرف مجموعة من السياح اللبنانيين. ومن حسن حظي أنهم أجلسوني إلى يمينها؛ وهو ما سمح لي أن أصارحها طوال فترة العشاء، ليس فقط بأنها جميلة وذكية، بل متكلمة مفوهة أيضاً. لقد كانت مثقفة جداً وآسرة للغاية. تجاذبنا أطراف الحديث طوال السهرة، لا بل أكثر من ذلك. إنه الحب من النظرة الأولى، أصابنا نحن الاثنين».
وفي حوار له منشور في جريدة «النهار» عام 2014، يؤكد مروان حمادة، شقيق ناديا والسياسي اللبناني المعروف، بأن جميع أفراد الأسرة شعروا آنذاك بعلاقة الحب التي جمعت منذ اللحظة الأولى بين الطرفين، والتي استطاعت أن تتخطى الحواجز الدينية التقليدية، لتبني مداميكها المتينة فوق أرض الثقافة والفن والوعي المعرفي. واللافت حينها أن ناديا لم تتردد، بعد أن فاتحها غسان بشأن الزواج، في قبول العرض الذي جرت مراسمه بسرعة قياسية في السفارة اللبنانية في أثينا. كما أن الزوجة اليافعة ذهبت أبعد من ذلك حين وافقت على التعمد في إحدى الكنائس الأرثوذكسية في أثينا. على أنه لم يكن لتلك الخطوة الجريئة أن تتحقق، لولا ذهنية الانفتاح والتحرر الفكري التي وفّرتها العائلة العريقة لابنتها الشابة؛ الأمر الذي سمح خلال فترة وجيزة، لا بتذليل العقد والاعتراضات والمواقف المتشنجة التي واجهت ذلك الزواج فحسب، بل باعتباره في الوقت نفسه، إحدى اللبنات الأهم لتحقيق الانصهار الوطني والخروج من دائرة العصبيات الطائفية وشرانقها المغلقة.
أما البيت العائلي الأنيق والرومانسي الذي اختار غسان وناديا أن يبنياه في بيت مري، وفي أحد أجمل الأماكن المطلة على بيروت، فقد بدا بمثابة الترجمة المحسوسة لرغبة الزوجين المثقفيْن في العثور على ركن هادئ يوفر لهما المسرح الملائم للنشاط إلا بداعي من جهة، ولتوفير جو مثالي لأطفالهما القادمين، من جهة أخرى. وحيث كانت موهبة ناديا الشعرية قد بدأت بالتبلور لدى الشروع في بنائه، فقد حرص غسان على أن يكون تصميم المنزل شاعرياً بامتياز، فاختار له حجارة مميزة، بعضها أثري وبعضها الآخر تم استحضاره من بقايا البيوت التي دمرتها حروب لبنان المتعاقبة، وأحاطه بالورود والأشجار، قبل أن يتفق الزوجان على أن يسمياه «بيت الشاعر»، كتعبير رمزي عن ولائهما المشترك لأحد أكثر الفنون التصاقاً بالروح وصلة بالأحلام.
والواضح أن غسان وناديا تويني قد بذلا كل ما أمكنهما من جهد لرفد علاقتهما المشتركة بكل ما يلزمها من أسباب السعادة وهناءة العيش والعطاء الخلاق. وقد شكّلت ولادة ابنتهما البكر نايلة، ذات الشعر الأشقر والعينين الخرزيتين والشبيهة بالكائنات التي نقرأ عنها في الحكايات وكتب الأطفال، الثمرة الأكثر بهاءً لعلاقتهما الزوجية النموذجية. أما على المستوى الأوسع، فكان لبنان يشهد عصره الذهبي على صعد الاقتصاد والفكر والفن، في حين كانت «النهار» تتقدم إلى موقع الصدارة بين مثيلاتها من الصحف، سواء على مستوى صناعة القرار السياسي، أو على المستوى الإبداعي الذي شكل ملحقها الثقافي متنه وظهيره ورافعته الحداثية.
إلا أن الزوجين اللذين حصّنا حياتهما العائلية بكل ما يدرأ عنها العلل والمنغصات، لم يضعا في حسابيهما بأن الموت سيسدد باتجاههما وعلى حين غرة ضرباته القاصمة، التي بدأت برحيل نايلة ابنة السنوات الست، التي أودى بها مرض السرطان عام 1963، مفتتحة بذلك سلسلة المصائر التراجيدية لأفراد العائلة الآخرين.
ولعل من باب المفارقات الغريبة أن يكون موت الابنة هو البذرة التي طُمرت في باطن الأرض، لكي تجد موهبة الأم الخبيئة، سبيلها إلى الانبثاق. ومع أن مروان حمادة يشير إلى أن شاعرية شقيقته لم تأت من فراغ، وهي التي كانت تكتب نصوصاً أدبية عالية، إلا أن رحيل نايلة المأساوي، بدا بمثابة الصاعق الفعلي الذي سمح لها بالتفجر. وفي حوار أجريته معه في مكتبه في «النهار» قبل فترة وجيزة، ذهب حمادة إلى القول بأن الانعطافة الدراماتيكية في شخصية ناديا وشعرها، كانت وليدة عوامل ثلاثة مهمة، هي: رحيل ابنتها المبكر، وهزيمة يونيو (حزيران)، والحرب الأهلية اللبنانية. وحين سألته عما إذا كان الشطر الإيجابي الظاهر من زواج ناديا وغسان، يخفي وراءه أي نوع من الخلافات، أجاب بابتسامة مشوبة بالحزن «لم يحدث بينهما شيء من ذلك، لا لكونهما مثاليين بالمطلق، بل لأن الموت لم يترك لهما ترف الدخول في أي صدام هامشي».
وفي إطار حديثه عن موهبة ناديا الشعرية، يذكر غسان تويني في مذكراته بأن زوجته بعثت إليه في بداية علاقتهما، برسائل حب مؤثرة، و«بلغة فرنسية رائعة، تسببت له في حينه بالكثير من عقد النقص». ومع ذلك، فقد بدا صاحب «سر المهنة وأسرار أخرى»، وكأنه اعتبر تلك النصوص مجرد خواطر وجدانية آنية، لا إرهاصاً بما تبعها من عواصف الكتابة. وهو ما يؤكده قوله بأنه لم يقف على موهبة زوجته إلا بعد أن دفعت إليه إثر رحيل نايلة، بمفكرتها الشخصية التي تبين له إثر اطلاعه عليها، بأنها تضم نصوصاً شعرية بالغة التميز. ومن المفارقات المماثلة أيضاً، أن تويني الذي صرّح لإحدى محطات التلفزة بأن ذائقته الشخصية أقرب إلى القصيدة العربية الكلاسيكية منها إلى التجربة الحداثية، هو نفسه الذي جعل «النهار» وملحقها الثقافي، إحدى المنصات الأبرز لمغامرة الحداثة. كما أنه أقرّ من جهة أخرى بأن رغبته في نشر نتاج زوجته الشعري، والسهر على ترجمة أعمالها إلى العربية، كانت في طليعة الأسباب التي دفعته إلى تأسيس «دار النهار للنشر».
وفي الوقت الذي بدأ السرطان يفتك بجسد الشاعرة، ليضع الابنة والأم أمام المصير إياه، كان سرطان رمزي مماثل يضرب من خلال الاحتراب الأهلي جسد وطنها لبنان، كما لو أن على كليهما معاً أن يدفعا غالياً ثمن ما أوتياه من جمال. هكذا تحول شعر ناديا إلى مضبطة اتهام دامغة ضد فظاظة العالم وعدالته الخرقاء. ومع أنها عشقت وطنها حتى حدود الوله، وعبّرت عن افتتانها بمدنه وسهوله وقراه وجباله وأماكنه الأثرية «حيث إعصار الحجر يستمر في الهبوب»، و«حيث النسور لكي تنيخ بهاءها، تختار أعلى المزارات»، فإن الشاعرة ما تلبث أن تصرخ أمام أشلاء وطنها المذبوح بحراب بنيه «هل ولدتُ من كذبة في بلدٍ لا وجود له؟». ومن يتتبع أعمالها المتتالية، بدءاً من «النصوص الشقراء» و«حزيران والكافرات» و«حالم الأرض» و«عمر الزبد» و«محفوظات عاطفية لحرب في لبنان» وغيرها، لا بد أن يلحظ في شعرها ذلك التواشج العميق بين العذوبة والألم، بين ثقل الواقع وخفة الكلمات، وبين الثمل بخمرة الوجود والاستسلام الوادع للتلاشي النهائي، منتظرة وقد يئست من مقارعة الجدار الصلب للهزائم «موتاً ناعماً كالهواء الناعم بعد المعركة».
والواقع أن الموت الذي وضع حداً لعذابات الشاعرة، في العشرين من يونيو عام 1983، كان على قسوته رؤوفاً بناديا؛ لأنه جنّبها على الأقل أن تتجرع لمرتين متتاليتين الكأس المرّ الذي تجرعه بعد رحيلها غسان تويني، وقد قدّر له أن يشيّع بعد ابنته وزوجته، كلاً من ولديه مكرم الذي قضى بحادث سير مأساوي عام 1987، وجبران الذي قضى اغتيالاً على مذبح الحرية عام 2005. وإذ أوصت ناديا أن تدفن إلى جوار ابنتها في حديقة منزلها العائلي في بيت مري، فقد كانت تريد أن تقلص ما أمكنها ذلك، المسافة بين منزل الشاعرة وبين قبرها، لتستطيع أن تتسقط أنفاس أحبتها الأحياء، وليصبح الموت كما تمنته في قصيدتها، أليفاً كالنعاس، وناعماً كالنسيم، ووادعاً كالظلال الصيفية للأشجار.
«كانت جدتي ناديا تسكن في النقطة الأعمق من قلب جدي غسان» تقول حفيدتهما ميشيل، التي اختارت وفاءً لهما معاً أن تجعل من منزلهما بالذات، المكان المثالي لتقديم برنامجها التلفزيوني الحواري، الذي أطلقت عليه اسم «بيت الشاعر». أما غسان تويني الذي تزوج من شادية الخازن عام 1996، فقد ظل رغم ذلك مسكوناً بحضور ناديا الطيفي، حتى لحظة رحيله الجسدي عام 2012. وكان يحرص بين حين وآخر، على أن يردد أمام زواره النص الوجداني المؤثر الذي كتبه نزار قباني في رثاء «الفراشة المنقوشة بالشعر»، والذي يقول فيه:
كانت ناديا تويني جميلة ككتاب
ومرصعة بالحروف والأزهار كجدار كنيسة بيزنطية
ومكتظة بالعطايا كبيدر قمح
وكانت تتكحل مرة بحزنها الخصوصيّ
ومرة بحبر المطابع
ومرة بأحزان لبنان



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!