ناديا حمادة وغسان تويني... الحب الغامر الذي حوّله الموت تراجيديا إغريقية

جمعتهما علاقة عاطفية عابرة للطوائف وشغف مشترك بالكتابة

ناديا حمادة
ناديا حمادة
TT

ناديا حمادة وغسان تويني... الحب الغامر الذي حوّله الموت تراجيديا إغريقية

ناديا حمادة
ناديا حمادة

لم تكن العلاقة العاطفية المشرقة التي جمعت بين الشاعرة اللبنانية المتميزة ناديا حمادة والصحافي اللبناني الأشهر غسان تويني، من النوع المألوف الذي يتكرر حدوثه كل يوم، بل هي تبدو لشدة فرادتها وغرابة محطاتها، وكأنها سِفْر دراماتيكي من أسفار العهد القديم، أو فصل متأخر من فصول نشيد الإنشاد، أو فانتازيا سحرية مقتطعة من روايات ماركيز. ولذلك فلم يكن بإمكان هذه السلسلة الطويلة من المقالات المتعلقة بزواج المبدعين، أن تأخذ طريقها إلى الاكتمال، دون التوقف ملياً عند هذه العلاقة الاستثنائية في تناقضها الضدي، والتي ذهبت من جهة إلى أقاصي الحب والحدب الإنسانيين، في حين كان الموت من جهة ثانية يهيئ لها مصيرها القاتم ومآلها المأساوي. واللافت في تلك العلاقة أن انخراط طرفيها في مؤسسة الزواج، ولمدة تقارب العقود الثلاثة، لم يقلل على الإطلاق من ألقها الرومانسي، ولم يحول نيرانها رماداً، خلافاً للكثير من التجارب المماثلة التي أفرغتها الرتابة من الشغف، وأودى بها نزق أطرافها النرجسي، إلى الإخفاق والتصدع الكاملين.
تنتمي ناديا حمادة المولودة في بيروت عام 1935 إلى إحدى أكثر الأسر الدرزية عراقة في الجبل اللبناني. وقد بدت بثقافتها الواسعة وشخصيتها القوية والمنفتحة، ثمرة الزواج الناجح بين أبيها اللبناني، ابن قرية بعقلين الشوفية، المثقف والدبلوماسي محمد علي حمادة، وأمها الفرنسية من أصل جزائري مارغريت مالاكان؛ وهو ما ساعدها على تكوين رؤية للعالم بالغة الرحابة وبعيدة عن الانغلاق، وصولاً إلى تمرسها باللغة الفرنسية قراءة وكتابة، إلى حد وقوفها اللاحق جنباً إلى جنب مع أفضل المبدعين الفرنسيين.

                                                                                        غسان تويني
أما غسان تويني المولود قبل ناديا بتسع سنوات، والحائز بكالوريوس الفلسفة من الجامعة الأميركية في بيروت، وماجستير في العلوم السياسية من جامعة هارفارد، فقد تربى من جهته في كنف جبران تويني، مؤسس جريدة «النهار»، إحدى أكثر الصحف اللبنانية عراقة وتأثيراً، قبل أن يتولى إصدارها ورئاسة تحريرها بعد رحيل الأب. وقبل أن يلتقي غسان ناديا عام 1954، كان اسمه قد اكتسب لمعانه من أدوار وحقول عدة، بينها نبوغه الصحافي، وتعرفه إلى مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة، ومن ثم انتماؤه إلى الحزب، وانضمامه إلى الجبهة الاشتراكية الوطنية التي أسهمت في إسقاط الرئيس اللبناني بشارة الخوري، وصولاً إلى انتخابه نائباً عن جبل لبنان عام 1951، ونائباً لرئيس مجلس النواب اللبناني عام 1953.
وفي كتاب سيرته يحرص صاحب «النهار» على التنويه بأن الصدف المجردة هي التي رسمت لحياته مسارها المختلف. إذ إنه كان قد سافر إلى اليونان، طلباً للراحة من مشاغله الكثيرة المرهقة، حيث كان كيوبيد، إله الحب عند الإغريق، يهيئ له سهام العشق والافتتان التي أصابت قلبه في الصميم. وإذ يؤكد تويني بأنه لم يكن يعلم على الإطلاق بأن للسفير اللبناني في أثينا ابنة فائقة الجمال تسمى ناديا، يصف لقاءهما الأول بالقول «تعرفت إلى ناديا حمادة بعد أسبوعين من وصولي إلى أثينا، بمناسبة مأدبة عشاء أقامها والدها في السفارة على شرف مجموعة من السياح اللبنانيين. ومن حسن حظي أنهم أجلسوني إلى يمينها؛ وهو ما سمح لي أن أصارحها طوال فترة العشاء، ليس فقط بأنها جميلة وذكية، بل متكلمة مفوهة أيضاً. لقد كانت مثقفة جداً وآسرة للغاية. تجاذبنا أطراف الحديث طوال السهرة، لا بل أكثر من ذلك. إنه الحب من النظرة الأولى، أصابنا نحن الاثنين».
وفي حوار له منشور في جريدة «النهار» عام 2014، يؤكد مروان حمادة، شقيق ناديا والسياسي اللبناني المعروف، بأن جميع أفراد الأسرة شعروا آنذاك بعلاقة الحب التي جمعت منذ اللحظة الأولى بين الطرفين، والتي استطاعت أن تتخطى الحواجز الدينية التقليدية، لتبني مداميكها المتينة فوق أرض الثقافة والفن والوعي المعرفي. واللافت حينها أن ناديا لم تتردد، بعد أن فاتحها غسان بشأن الزواج، في قبول العرض الذي جرت مراسمه بسرعة قياسية في السفارة اللبنانية في أثينا. كما أن الزوجة اليافعة ذهبت أبعد من ذلك حين وافقت على التعمد في إحدى الكنائس الأرثوذكسية في أثينا. على أنه لم يكن لتلك الخطوة الجريئة أن تتحقق، لولا ذهنية الانفتاح والتحرر الفكري التي وفّرتها العائلة العريقة لابنتها الشابة؛ الأمر الذي سمح خلال فترة وجيزة، لا بتذليل العقد والاعتراضات والمواقف المتشنجة التي واجهت ذلك الزواج فحسب، بل باعتباره في الوقت نفسه، إحدى اللبنات الأهم لتحقيق الانصهار الوطني والخروج من دائرة العصبيات الطائفية وشرانقها المغلقة.
أما البيت العائلي الأنيق والرومانسي الذي اختار غسان وناديا أن يبنياه في بيت مري، وفي أحد أجمل الأماكن المطلة على بيروت، فقد بدا بمثابة الترجمة المحسوسة لرغبة الزوجين المثقفيْن في العثور على ركن هادئ يوفر لهما المسرح الملائم للنشاط إلا بداعي من جهة، ولتوفير جو مثالي لأطفالهما القادمين، من جهة أخرى. وحيث كانت موهبة ناديا الشعرية قد بدأت بالتبلور لدى الشروع في بنائه، فقد حرص غسان على أن يكون تصميم المنزل شاعرياً بامتياز، فاختار له حجارة مميزة، بعضها أثري وبعضها الآخر تم استحضاره من بقايا البيوت التي دمرتها حروب لبنان المتعاقبة، وأحاطه بالورود والأشجار، قبل أن يتفق الزوجان على أن يسمياه «بيت الشاعر»، كتعبير رمزي عن ولائهما المشترك لأحد أكثر الفنون التصاقاً بالروح وصلة بالأحلام.
والواضح أن غسان وناديا تويني قد بذلا كل ما أمكنهما من جهد لرفد علاقتهما المشتركة بكل ما يلزمها من أسباب السعادة وهناءة العيش والعطاء الخلاق. وقد شكّلت ولادة ابنتهما البكر نايلة، ذات الشعر الأشقر والعينين الخرزيتين والشبيهة بالكائنات التي نقرأ عنها في الحكايات وكتب الأطفال، الثمرة الأكثر بهاءً لعلاقتهما الزوجية النموذجية. أما على المستوى الأوسع، فكان لبنان يشهد عصره الذهبي على صعد الاقتصاد والفكر والفن، في حين كانت «النهار» تتقدم إلى موقع الصدارة بين مثيلاتها من الصحف، سواء على مستوى صناعة القرار السياسي، أو على المستوى الإبداعي الذي شكل ملحقها الثقافي متنه وظهيره ورافعته الحداثية.
إلا أن الزوجين اللذين حصّنا حياتهما العائلية بكل ما يدرأ عنها العلل والمنغصات، لم يضعا في حسابيهما بأن الموت سيسدد باتجاههما وعلى حين غرة ضرباته القاصمة، التي بدأت برحيل نايلة ابنة السنوات الست، التي أودى بها مرض السرطان عام 1963، مفتتحة بذلك سلسلة المصائر التراجيدية لأفراد العائلة الآخرين.
ولعل من باب المفارقات الغريبة أن يكون موت الابنة هو البذرة التي طُمرت في باطن الأرض، لكي تجد موهبة الأم الخبيئة، سبيلها إلى الانبثاق. ومع أن مروان حمادة يشير إلى أن شاعرية شقيقته لم تأت من فراغ، وهي التي كانت تكتب نصوصاً أدبية عالية، إلا أن رحيل نايلة المأساوي، بدا بمثابة الصاعق الفعلي الذي سمح لها بالتفجر. وفي حوار أجريته معه في مكتبه في «النهار» قبل فترة وجيزة، ذهب حمادة إلى القول بأن الانعطافة الدراماتيكية في شخصية ناديا وشعرها، كانت وليدة عوامل ثلاثة مهمة، هي: رحيل ابنتها المبكر، وهزيمة يونيو (حزيران)، والحرب الأهلية اللبنانية. وحين سألته عما إذا كان الشطر الإيجابي الظاهر من زواج ناديا وغسان، يخفي وراءه أي نوع من الخلافات، أجاب بابتسامة مشوبة بالحزن «لم يحدث بينهما شيء من ذلك، لا لكونهما مثاليين بالمطلق، بل لأن الموت لم يترك لهما ترف الدخول في أي صدام هامشي».
وفي إطار حديثه عن موهبة ناديا الشعرية، يذكر غسان تويني في مذكراته بأن زوجته بعثت إليه في بداية علاقتهما، برسائل حب مؤثرة، و«بلغة فرنسية رائعة، تسببت له في حينه بالكثير من عقد النقص». ومع ذلك، فقد بدا صاحب «سر المهنة وأسرار أخرى»، وكأنه اعتبر تلك النصوص مجرد خواطر وجدانية آنية، لا إرهاصاً بما تبعها من عواصف الكتابة. وهو ما يؤكده قوله بأنه لم يقف على موهبة زوجته إلا بعد أن دفعت إليه إثر رحيل نايلة، بمفكرتها الشخصية التي تبين له إثر اطلاعه عليها، بأنها تضم نصوصاً شعرية بالغة التميز. ومن المفارقات المماثلة أيضاً، أن تويني الذي صرّح لإحدى محطات التلفزة بأن ذائقته الشخصية أقرب إلى القصيدة العربية الكلاسيكية منها إلى التجربة الحداثية، هو نفسه الذي جعل «النهار» وملحقها الثقافي، إحدى المنصات الأبرز لمغامرة الحداثة. كما أنه أقرّ من جهة أخرى بأن رغبته في نشر نتاج زوجته الشعري، والسهر على ترجمة أعمالها إلى العربية، كانت في طليعة الأسباب التي دفعته إلى تأسيس «دار النهار للنشر».
وفي الوقت الذي بدأ السرطان يفتك بجسد الشاعرة، ليضع الابنة والأم أمام المصير إياه، كان سرطان رمزي مماثل يضرب من خلال الاحتراب الأهلي جسد وطنها لبنان، كما لو أن على كليهما معاً أن يدفعا غالياً ثمن ما أوتياه من جمال. هكذا تحول شعر ناديا إلى مضبطة اتهام دامغة ضد فظاظة العالم وعدالته الخرقاء. ومع أنها عشقت وطنها حتى حدود الوله، وعبّرت عن افتتانها بمدنه وسهوله وقراه وجباله وأماكنه الأثرية «حيث إعصار الحجر يستمر في الهبوب»، و«حيث النسور لكي تنيخ بهاءها، تختار أعلى المزارات»، فإن الشاعرة ما تلبث أن تصرخ أمام أشلاء وطنها المذبوح بحراب بنيه «هل ولدتُ من كذبة في بلدٍ لا وجود له؟». ومن يتتبع أعمالها المتتالية، بدءاً من «النصوص الشقراء» و«حزيران والكافرات» و«حالم الأرض» و«عمر الزبد» و«محفوظات عاطفية لحرب في لبنان» وغيرها، لا بد أن يلحظ في شعرها ذلك التواشج العميق بين العذوبة والألم، بين ثقل الواقع وخفة الكلمات، وبين الثمل بخمرة الوجود والاستسلام الوادع للتلاشي النهائي، منتظرة وقد يئست من مقارعة الجدار الصلب للهزائم «موتاً ناعماً كالهواء الناعم بعد المعركة».
والواقع أن الموت الذي وضع حداً لعذابات الشاعرة، في العشرين من يونيو عام 1983، كان على قسوته رؤوفاً بناديا؛ لأنه جنّبها على الأقل أن تتجرع لمرتين متتاليتين الكأس المرّ الذي تجرعه بعد رحيلها غسان تويني، وقد قدّر له أن يشيّع بعد ابنته وزوجته، كلاً من ولديه مكرم الذي قضى بحادث سير مأساوي عام 1987، وجبران الذي قضى اغتيالاً على مذبح الحرية عام 2005. وإذ أوصت ناديا أن تدفن إلى جوار ابنتها في حديقة منزلها العائلي في بيت مري، فقد كانت تريد أن تقلص ما أمكنها ذلك، المسافة بين منزل الشاعرة وبين قبرها، لتستطيع أن تتسقط أنفاس أحبتها الأحياء، وليصبح الموت كما تمنته في قصيدتها، أليفاً كالنعاس، وناعماً كالنسيم، ووادعاً كالظلال الصيفية للأشجار.
«كانت جدتي ناديا تسكن في النقطة الأعمق من قلب جدي غسان» تقول حفيدتهما ميشيل، التي اختارت وفاءً لهما معاً أن تجعل من منزلهما بالذات، المكان المثالي لتقديم برنامجها التلفزيوني الحواري، الذي أطلقت عليه اسم «بيت الشاعر». أما غسان تويني الذي تزوج من شادية الخازن عام 1996، فقد ظل رغم ذلك مسكوناً بحضور ناديا الطيفي، حتى لحظة رحيله الجسدي عام 2012. وكان يحرص بين حين وآخر، على أن يردد أمام زواره النص الوجداني المؤثر الذي كتبه نزار قباني في رثاء «الفراشة المنقوشة بالشعر»، والذي يقول فيه:
كانت ناديا تويني جميلة ككتاب
ومرصعة بالحروف والأزهار كجدار كنيسة بيزنطية
ومكتظة بالعطايا كبيدر قمح
وكانت تتكحل مرة بحزنها الخصوصيّ
ومرة بحبر المطابع
ومرة بأحزان لبنان



الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر
TT

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة، تدور حول مؤامرة حكومية لطمس تاريخ أول اتصال للبشرية مع لاجئين فضائيين.

وبعد مراسلة عشرين وكيلاً أدبياً وتلقيه سلسلة من الرفض، أمضى عدة أشهر في مراجعة روايته، بجهدٍ كبير، على أمل أن يقع على ناشر يوماً ما.

اليوم، يساور القلق بريسيو من أن عملية الحصول على عقد نشر، وهي عملية شاقة بطبيعتها لمؤلف مبتدئ ـ قد ازدادت صعوبة. ويخشى أن يتجنب الوكلاء والناشرون مخاطرة التعامل مع مؤلفين غير معروفين، خشية أن يكونوا قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايتهم.

اللافت أن حالة الذعر والريبة حيال الكتب المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تفاقمت الشهر الماضي، عندما قررت دار نشر كبرى، «هاشيت»، إلغاء إصدار رواية الرعب «فتاة خجولة» للكاتبة ميا بالارد في الولايات المتحدة، بسبب أدلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في كتابتها. كما سحبت دار «هاشيت» الرواية من المملكة المتحدة، بعد أن أطلقتها بالأسواق، العام الماضي، بعد إقدام بالارد على نشرها بنفسها، بادئ الأمر.

من جهته، لدى علم بريسيو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بقرار عدم قبول روايته، انتابه شعور مؤلم بخيبة الأمل. وأكد أنه لا يستعين بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، إلا لترجمة كلمة أو عبارة عابرة من لغته الأم الإسبانية إلى الإنجليزية، التي يتقنها كذلك، باستخدام برنامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي «ديبل» (Deepl). غير أنه تساءل عما سيقوله نظام كشف الذكاء الاصطناعي عن عمله.

وعليه، اشترك في موقع Originality.ai وحمل فصلاً من روايته. وكانت المفاجأة أن أكد النظام بثقة تبلغ 100 في المائة أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة ما.

وبالفعل، بحث بريسيو عن العبارات التي توقف عندها النظام، وحذف بعض الجمل، ثم أعاد تشغيله. هذه المرة، أكد البرنامج بنسبة 100 في المائة أن كاتباً بشرياً يقف خلف هذا النص. في نهاية المطاف، أجرى بريسيو محادثةً عبر الدردشة مع أحد ممثلي خدمة العملاء، الذي أخبره أنه إذا تلقى نتائج تُصنّف عمله خطأً باعتباره مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يحتاج إلى نسخة مختلفة من البرنامج.

ولم تُسفر هذه المراسلات إلا عن مزيد من القلق لدى بريسيو؛ خاصة وأن تقارير موقع Originality.ai حول مسودته، التي شاركها مع صحيفة «التايمز»، كشفت أن إضافة أو حذف بضع جمل فقط يفضي إلى نتائج مختلفة تماماً.

وعن ذلك، علق بريسيو: «ماذا لو بدأ الناشرون أو الوكلاء الأدبيون بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على الجميع؟ سيتعامل الجميع بحذر شديد من الآن فصاعداً».

وفي الوقت الذي يُصارع قطاع النشر، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب العمل تقريباً، يبدو أن هناك إجماعاً ضئيلاً حول ما يمكن أو ينبغي للناشرين فعله لتنظيم كيفية استخدام الكُتّاب لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ما يتفق الكثيرون حوله اليوم أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.

اليوم، يواجه عدد متزايد من الكُتّاب شكوكاً لا أساس لها حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدمه آخرون دون الإفصاح عنه. في الوقت ذاته، يشعر الكثير من القراء بالحيرة والحذر، لعدم معرفتهم ما إذا كانت الكتب، التي يقرأونها من تأليف إنسان أم آلة.

في سياق متصل، جابه عدد من المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم، انتقادات لاذعة من القراء وأقرانهم الكتاب على حد سواء، لاستعانتهم الواضحة بالذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الدائر حول رواية «الفتاة الخجولة» قد يُشكّل نقطة تحوّل على صعيد صناعة النشر بأكملها.

في أعقاب إلغاء نشر الرواية، تساءل الكثير من القراء والكُتّاب عن كيفية فشل دار نشر كبرى، في رصد دلائل على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة. وقد اشتكى مُعلّقون عبر منصتي «غود ريدز» و«ريديت» على مدار شهور، ممَّا وصفوه بأنه دليل واضح على استخدام لغة برامج الدردشة الآلية. ودفعت هذه الفضيحة بعض القراء إلى التساؤل عن مدى تدقيق دور النشر للأعمال التي تستحوذ عليها.

في هذا الصدد، صرَّحت أندريا بارتز، كاتبة روايات الإثارة، التي كانت المدعية الرئيسة في الدعوى الجماعية، التي رفعها مؤلفون ضد دار نشر «أنثروبيك»، بأنه: «ندخل الآن عصر انعدام الثقة، حيث لا توجد طريقة سهلة لإثبات صدق كتاباتك». جدير بالذكر أن الدعوى انتهت بالاتفاق على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.

حديثاً، أدخلت بارتز بعض كتاباتها في برنامج «إيس» لرصد الذكاء الاصطناعي، وفوجئت عندما صنَّف البرنامج عملها باعتباره مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي بنسبة 82 في المائة. وبعد ذلك، اقترح عليها البرنامج حلّاً: «هل ترغبين في إضفاء طابع إنساني على نصك؟».

وعندما كتبت بارتز عن تجربتها على منصة «سبستاك»، شاركها عشرات الكتّاب. وعلّقت الروائية رينيه دينفيلد قائلةً: «أعتقد أن هذا ما يحدث عندما تتعرض كتبك للسرقة، بغية برمجة الذكاء الاصطناعي»، مشيرةً إلى أن برنامجاً لكشف الذكاء الاصطناعي، قد صنَّف كذلك بعض كتاباتها بشكل خاطئ، باعتبارها مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

في الإطار ذاته، قالت جين فريدمان، استشارية بمجال النشر: «يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لصناعة النشر».

اللافت أن معظم دور النشر الكبرى لا تملك قواعد واضحة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي للمؤلفين، وإنما تكتفي بالاعتماد على الثقة وتوقع الشفافية من الكتّاب. غير أنه مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتب بطرقٍ عديدة، من البحث إلى التحرير إلى صياغة الجمل، يسود الارتباك حول أشكال استخدامه التي تتجاوز الحدود، ويتزايد الخوف من أن الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز، بل وستتجاوز، حدود المحررين المحترفين.

من ناحيتها، عندما سمعت راشيل لويز أتكين، التي تتولى مراجعة الكتب على مواقع «غود ريدز» و«إنستغرام» و«تيك توك» لآلاف المتابعين، لأول مرة عن رواية «فتاة خجولة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدت لها الرواية وكأنها ستنال إعجابها - قصة رعب نسوية آسرة وملتوية. وبالفعل، التهمت الرواية في يوم واحد وأوصت بها على نطاق واسع. وقالت إنها صُدمت عندما علمت بسحبها، بسبب أدلة تشير إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

تكتب ألكسندرا ألتر عن الكتب والنشر وعالم الأدب لصحيفة التايمز.

* خدمة «نيويورك تايمز»وعلقت على الأمر بقولها: «لو كنت متأكدة من أن شيئاً ما كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنت تجنبته. أعتقد أنه يجب أن نكون قادرين على اتخاذ القرار بشأن ما إذا كنا نريد قراءة شيء كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي».

أما المؤثرة في عالم الكتب، ستايسي سميث، فقد وقعت على رواية «فتاة خجولة» على موقع «نيت غالي» ـ موقع يتيح للقراء الاطلاع على الكتب ومراجعتها قبل نشرها ـ ومنحتها تقييم خمس نجوم على موقع «غود ريدز». وقد شعرت هي الأخرى بالاستياء لدى علمها بالاتهامات الموجهة للرواية.

وقالت: «لا أمانع مطالعة الكتب المكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنني أرغب في معرفة أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. إن الخداع هو ما يؤلمني هنا».

من جهتهم، يضيف بعض الكتّاب شعاراً إلى كتبهم ومواقعهم الإلكترونية، يُشير إلى أن «المؤلف بشري». هذه الشهادة، التي تُقدمها «نقابة الكتاب»، تُمكّن المؤلفين من الإقرار بأنهم ألفوا كتبهم دون استخدام الذكاء الاصطناعي، في توليد النصوص أو صياغتها بشكل جوهري. ورغم أن النقابة لا تتحقق بشكل مستقل من ادعاءات المؤلفين، فإن الكتّاب قد يتعرضون لدعاوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، إذا انتهكوا شروط استخدام الشعار.

يذكر أنه جرى توجيه اتهامات لسارينا بوين، كاتبة نشرت بعض كتبها بنفسها، وأصدرت أخرى بالتعاون مع دور نشر كبرى، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم غلاف إحدى رواياتها. وقد نفت الكاتبة هذه الاتهامات بسهولة؛ إذ نُشرت الرواية قبل سنوات من انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع. ومع ذلك، يساورها القلق اليوم بخصوص أغلفة الكتب التي يجري الحصول عليها من الإنترنت ـ ممارسة شائعة بين المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم ـ وما إذا كان فنان ما قد استخدم هذه التكنولوجيا لإنتاجها.

وعن هذا، قالت: «لا أعرف إلى أين سيقودنا هذا، لكن لحظة اتهامي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الغلاف، كانت محبطة للغاية. كل من ينشر الكتب يغرق في هذا العالم، الذي لا يمكن فيه التأكد من مصدر محتوانا».

وقالت لورا تايلور نيمي، روائية: «إذا كان هناك من سينفق ماله على كتاب، فإنه يرغب في أن يكون نابعاً من عقل وقلب المؤلف، لا من جهاز كمبيوتر سلب عقل الكاتب. وأنا أؤيد ذلك».

يتردد عدد متزايد من الكُتّاب في استخدام الذكاء الاصطناعي بينما يستخدمه آخرون من دون الإفصاح عن ذلك


بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير
TT

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة. لولا بودلير لما كان رامبو. لقد انفجر بودلير بالشعر انفجاراً وعاش من أجله، وله، ولم يكن له هدفٌ آخر في الحياة. أليس هو القائل: لقد عجنت الطين (أو الوحل) وصنعت منه الذهب؟ بمعنى آخر: من كلمات عادية جداً خلقت مجازات إبداعية مبتكرة وصوراً خارقة تدوخ العقول. وهنا تكمن معجزة الشعر، سر الشعر. جوهر الشعر. إنه السهل الممتنع إلا على عباقرة العباقرة. ولكن سارتر في كتابه الرائع عن بودلير يضيف قائلاً: «لم يكن هذا الرجل بلا نقيصة ولا خالياً من التناقضات والعيوب. فهذا المنحرف الضال تبنى أكثر الأخلاق امتثالية وشيوعاً في عصره. وهذا الشخص المترف الناعم كان يتردد على المومسات العواهر. وحبه للبؤس والانحطاط والانهيارات السيكولوجية هو الذي جعله يتعلق بتلك الزنجية البشعة حنة دوفال التي كانت عشيقته لسنوات طويلة. وهذا المتوحد كان يخشى الوحدة كثيراً ولا يخرج إلا مع رفاقه إلى مقاهي باريس وحاناتها. وكان يتمنى بناء حياة عائلية وعش منزلي دافئ ولكنه فشل في تحقيق ذلك فشلاً ذريعاً، فعاش متسكعاً، مشرداً، هامشياً. وكان يثني على الجهد والعمل، ولكنه كان عاجزاً عن أن يكمل أي عمل ينخرط فيه. وكان يحمس الناس للسفر إلى الأصقاع البعيدة واكتشاف العوالم القصية، ولكنه بقي متردداً طيلة ستة أشهر قبل أن يحسم أمره ويقرر أخيراً زيارة أمه في مدينة هونفلير التي لا تبعد عن باريس أكثر من مائتي كيلومتر... باختصار شديد فقد كان شخصاً مليئاً بالتناقضات».

في الواقع إن مشكلة بودلير الأساسية هي زواج أمه بعد وفاة والده. هنا يكمن جرحه الأنطولوجي إذا جاز التعبير. هنا يكمن الجرح العميق الذي دمره من الداخل تدميراً، وفجره تفجيراً. ولم يقم من تلك الضربة القاصمة طيلة حياته كلها. بودلير كان متعلقاً بأمه إلى أقصى الحدود. وعندما مات أبوه وعمره ست سنوات فقط لم يحزن عليه كثيراً بل ربما سعد بذلك. فقد اعتقد أن أمه سوف تكون له وحده منذ الآن فصاعداً... وبالفعل فقد قضى معها فترة رائعة لمدة سنتين تقريباً قبل أن يضرب القدر ضربته ويحصل ما لا تحمد عقباه. فقد أبلغته في صبيحة أحد الأيام أنها سوف تتزوج من الجنرال جاك أوبيك الذي أصبح الحاكم العسكري لمنطقة باريس لاحقاً بل والسفير الفرنسي في إسطنبول. عندما سمع بودلير بالخبر جن جنونه. شعر وكأن السماء انطبقت على الأرض. شعر وكأنه سقط من الجنة. لقد انتهت «جنة الطفولة» بالنسبة لشارل بودلير. عندئذ تعرف لأول مرة على تجربة الشر في العالم. حتى ذلك الوقت كان هذا الطفل المدلل ساذجاً كبقية الأطفال. كان يعتقد أن العالم كله خير، وبركة، وسعادة، وطمأنينة. وفجأة يكتشف شيئاً جديداً لم يكن في الحسبان. فجأة يكتشف أن الشر موجود في قلب العالم بل وينخر فيه كما تنخر الدودة في الثمرة. منذ ذلك الوقت حصل صَدْع في الأعماق النفسية لشارل بودلير. ومنذ ذلك الوقت أصبح الشعر ممكناً.

يقول عنه أحد النقاد: كان بودلير ذا روح رقيقة وحساسة جداً وحنونة أيضاً. وقد انكسرت من أول صدمة من صدمات الحياة. لم يتحمل بودلير أبداً زواج أمه. أمه لم تعد له وحده، بل لم تعد له بالمرة. أصبحت لرجل آخر يختلي بها في الغرفة المجاورة مغلقاً الباب في وجهه. لقد خانته أمه وتركته وحيداً على قارعة الطريق. أبداً لن ينسى هذه الإهانة. أبداً لن يغفر لها فعلتها تلك. ولذلك راح يصرخ في وجهها قائلاً: «من كان لها ابن مثلي لا تتزوج»! كيف يمكنه أن يثق بالحياة بعد الآن؟ لقد انتهى عهد الطمأنينة والشفافية واختل نظام الأشياء. وهذا ما حصل لسارتر أيضاً. فقد تزوجت أمه بعد وفاة والده. لهذا السبب حقد عليها وعلى زوجها تماماً مثلما فعل بودلير. كان يكره زوج أمه كره النجوس. كان يكرهه إلى درجة أنه رفض أن يدفن في المقبرة ذاتها. حتى بعد الموت كان شبحه يلاحقه. وربما لهذا السبب نجح كتابه عن بودلير نجاحاً باهراً. لقد عاش التجربة المرة الساحقة الماحقة ذاتها. لا تكاد تشبع من قراءته: نثر فلسفي متفجر أين منه الشعر... (بين قوسين: لن أغفر للغة الفرنسية ما حييت أنها تدعو زوجة الأب «بالأم الجميلة». ما هذه الحماقة؟ ما هذه الفضيحة؟ الأم الجميلة هي وحدها الأم الحقيقية).

ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن مرحلة الطفولة الأولى هي التي تصنعنا وتجبلنا وتصوغ شخصيتنا إلى الأبد. لا نستطيع منها فكاكاً. مستحيل. مؤخراً سمعت مطرباً فرنسياً شهيراً يقول بعد أن تجاوز الثمانين: والله حتى الآن لم أستطع أن أتجاوز طفولتي. والله حتى الآن لم أستطع أن أتصالح معها. ثم يضيف: من يستطيع أن ينجو من طفولته، من يستطيع أن يُشفى من طفولته؟ وهذا شخص شعبي، ناجح، تباع أشرطته بالملايين. فما بالك بالتعساء من أمثالنا؟ كيف يمكن أن تتصالح مع طفولة أصولية غياهبية، أو كارثية فجائعية؟

الآن دعونا نطرح هذا السؤال: كيف كانت شخصية بودلير في الحياة؟ لنستمع إلى مكسيم دوكامب، صديق فلوبير الشهير، يصوره لنا: «كان متوسط القامة، صلب الجسم، قوي العضلات، أو قل يُوحي بالقوة لمن يراه لأول وهلة. ولكن إذا ما تمعنَّا فيه عن كثب وجدناه مسحوقاً من الداخل أو حتى مدمَّراً تماماً. كانت تلوح عليه علائم التهالك والضعف والهُجران...».

كان بودلير ملاحقاً بالإحساس بالخطيئة والذنب دون أي ذنب. كان يشعر بأنه مدان أبدياً سرمدياً، ولا خلاص. طيلة حياته كلها لم يعرف القرار ولا الاستقرار النفسي السيكولوجي. يا جماعة اسمعوا وعوا: بودلير ما كان بحاجة إلى أعداء لكي يضربوه أو يجلدوه. كان هو يجلد نفسه بنفسه يومياً عشر مرات على الأقل. كان هو العدو اللدود لنفسه. أليس هو القائل:

أنا الطعنة والسكين

أنا الضحية والجلاد

أنا لقلبي مصاص الدم

وهو القائل أيضاً هذه الكلمات المعبرة:

«من يستطيع أن يقضي على الندم القديم، الطويل، ذلك الندم الذي يحيا، يختلج، يتلوى، يتغذى من أحشائنا كما تتغذى الدودة من جسد الميت، أو الأسروع من شجر السنديان؟

من يستطيع أن يقضي على الندم العنيد؟».

لقد عضت الحياة شارل بودلير أكثر مما ينبغي. لكن هل كان سيصبح شاعراً لولا ذلك؟ لولا زواج أمه إبان طفولته الأولى، لولا تلك الصدمة القاتلة، هل كان سيصبح أكبر شاعر في تاريخ فرنسا؟ كان بودلير يفكر على النحو التالي: بما أن الشر إجباري في هذا العالم، بما أنه سيد العالم، فلماذا لا نقبل يديه ورجليه وننحني أمامه؟ لماذا لا نجامله بل ونتغزل بأزهاره وجماله؟ آه أيها الشيطان يا أخي يا صديقي.. ولكن الخير ينتصر في نهاية المطاف على الشر، والله على الشيطان، وإلا فعلى الدنيا السلام... هذا ما يعتقده بودلير في قرارة نفسه. وهذا ما عبر عنه في قصائده مرات ومرات عندما كان يحلم بالشفافية ويحلق إلى أعلى السماوات. لكنه ظل يخشى ضربات الشر وغدرات الزمان. كيف يمكن أن تتحاشاها؟ هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فلو أن بودلير عنون ديوانه «أزهار الخير» لما سمع به أحد بل ولربما فشل فشلاً ذريعاً. وذلك لأن «الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير ضعف» كما يقول الأصمعي. أخيراً ينبغي العلم أن بودلير قد يتحول أحياناً إلى شخص آخر مختلف تماماً. قد يتحول من تراجيدي إلى كوميدي. والدليل على ذلك هذه القصيدة الفكاهية المرحة:

زوجتي ماتت أنا حر

أستطيع أن أشرب على كيفي

عندما كنت أعود بلا فلس في جيبي

كانت زعقاتها تمزق أعصابي

أنا سعيد كملك متوج

أنا ملك الملوك

يا إلهي ما أرحب البيت بعد رحيلها

أعيش أجمل لحظات حياتي

أغني على كيفي

الهواء نقي والسماء ساطعة

عشنا صيفاً مشابهاً

عندما كنت مغرماً بها

إلخ...


لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21
TT

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

صدر أخيراً عن «منشورات الربيع» في القاهرة، رواية «بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي»، للروائية والناقدة المصرية الدكتورة هويدا صالح.

تقع الرواية في نحو 300 صفحة من القطع المتوسط، وتدور أحداثها في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وتعاين كثيراً من التحولات السياسية العالمية في تلك الفترات، بخاصة قضايا الاستعمار، واستعباد الأوروبيين لأبناء أفريقيا السوداء، وخطفهم من بلدانهم وقراهم في أفريقيا، وبيعهم في أوروبا؛ حيث يجري استعبادهم.

الرواية أقرب إلى نقد الفكر الاستعماري، فضلاً عن نقد الفكر الذكوري، ومن هنا تأتي مركزية المرأة ودورها في مجابهة هذا الاستعمار، وكيف تكون ضحية له في كثير من الأحايين، بوصفها الحلقة الأضعف، ومراوحتها بين مقاومة هذا الطابع الاستعماري، والخضوع والاستسلام له حيناً آخر، وفي الوقت ذاته مقاومة الاستبداد الذكوري الواقع عليها من بني جلدتها أحياناً.

تدور الرواية مكانياً في عدة فضاءات مترامية، بدءاً من مركز الأحداث في العاصمة المصرية، القاهرة، ومحافظة أسيوط في صعيد مصر، ثم إيطاليا؛ حيث ولد «بولدوين» الإيطالي الثري الذي وقع في عشق مصر والشرق عموماً، وحيث ولدت أيضاً عبدته «سورما». أما المكان الثالث فهو إثيوبيا، الموطن الأصلي لجدة «سورما» وأمها، اللتين اختطفتا وبيعتا في سوق العبيد بإيطاليا، واشتراهما جد «بولدوين».

الرواية تتمحور -حسب العنوان- حول شخصية «فريدة المفتي» التي تنحدر من مدينة قفط بمحافظة قنا، وتنتقل إلى القاهرة، وتؤسس وكالة تجارية كبيرة، على عكس الأعراف السائدة وقتها بأن التجارة والعمل للرجال فقط. ولا تكتفي بذلك؛ بل تؤسس بيتاً غريباً، وتسميه «بيت الخلد»، أقرب إلى بيت للمتعة، ولكنه يختلف عن بيوت البغاء التي كانت موجودة آنذاك ومعترفاً بها قانوناً؛ إذ وضعت قانوناً بأن تكون السيدات في هذا البيت لسن بغايا؛ بل سيدات فضليات، ولكنهن لا يشعرن بالحب تجاه أزواجهن، وأن كل امرأة في هذا البيت هي التي ستختار الرجل الذي تريده، وليس العكس كالمعتاد في هذه النوعية من البيوت، للحصول على متعتها، دون تقاضٍ لأي أموال، حتى تمنح كل امرأة حرية التصرف في جسدها.

في مقابل هذه الحرية التي تنطلق من الجسد، كانت شخصية «إستر»، الصعيدية ابنة أسيوط، خريجة الجامعة الأميركية، ترى هذا نوعاً من العبودية، وتؤمن بأن حرية المرأة تبدأ من امتلاك عقلها وليس الجسد، وانخرطت في حركات مقاومة الاستعمار، وكانت ضمن الطليعة الوفدية، وتزوجت «بولدوين» الإيطالي، المحب لمصر والكاره للميول الاستعمارية، والذي أطلق سراح جاريته «سورما» ومنحها حريتها، منذ أن جاءت معه إلى مصر.

ترصد الرواية حياة كل هؤلاء الشخوص، بجذورهم المختلفة، وخلفياتهم المعرفية المتباينة، وعلاقاتهم المركبة بعضهم ببعض، صانعةً خيوطاً درامية أشبه بضفيرة مركبة، تحضر فيها السياسة في الخلفية، وتقدم لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الماضي، مصورة الحياة الفنية الثرية آنذاك، فهناك حضور قوي لشخصيات فنية شهيرة، مثل: نجيب الريحاني، ويوسف وهبي، ومنيرة المهدية، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب.