اكتشاف «جدري القردة» في عينات مياه «الصرف الصحي»

ولاية كاليفورنيا الأميركية أضافته إلى برنامج مراقبة الفيروسات

أجهزة أخذ العينات الآلية المنتشرة في جميع أنحاء حرم جامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا)
أجهزة أخذ العينات الآلية المنتشرة في جميع أنحاء حرم جامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا)
TT

اكتشاف «جدري القردة» في عينات مياه «الصرف الصحي»

أجهزة أخذ العينات الآلية المنتشرة في جميع أنحاء حرم جامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا)
أجهزة أخذ العينات الآلية المنتشرة في جميع أنحاء حرم جامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا)

أضاف برنامج أميركي في ولاية كاليفورنيا «جدري القردة» إلى قائمة الفيروسات التي يمكن التنبؤ بشكل فعال بانتشارها في المجتمع، من خلال مياه الصرف الصحي.
ومنذ أول حالة مؤكدة لمرض جدري القرود في ولاية كاليفورنيا أواخر مايو (أيار) الماضي، ارتفعت الحالات المبلغ عنها بشكل مطّرد في الولاية وفي جميع أنحاء البلاد، والآن يوجد ما يقرب من 100 حالة في مقاطعة سان دييغو بولاية كاليفورنيا، وأكثر من 1300 حالة على مستوى الولاية.
وفي الأول من أغسطس (آب) الجاري، أعلنت كاليفورنيا حالة طوارئ صحية عامة بسبب جدري القردة، وحذت مقاطعة سان دييغو حذوها في اليوم التالي، وفي 4 أغسطس، تم الإعلان عن حالة طوارئ صحية عامة اتحادية مع الإبلاغ عن أكثر من 7000 حالة على مستوى البلاد، وهي خامس حالة طوارئ وطنية منذ عام 2001.
يقول روب نايت، مدير «مركز ابتكارات الميكروبيوم بجامعة كاليفورنيا»، في تقرير نشره الموقع الرسمي للجامعة أمس (الأربعاء): «يعد رصد واختبار فيروس جدري القردة إضافةً بسيطةً نسبياً لبرنامج مراقبة مياه الصرف الصحي الحالي لفيروس كورونا المستجد، فنحن نمارس نفس العملية الرقابية، باستثناء أننا نختبر بحثاً عن فيروس مختلف، فجدري القردة من فيروسات الحمض النووي (دي إن إيه)، بينما كورونا المستجد من فيروسات الحمض النووي الريبي (آر إن يه)».
وبدأ الباحثون تجربة إمكانية عمل اختبارهم مع نوعَي الفيروسات في مايو الماضي، وبدأوا في مراقبة مياه الصرف الصحي من محطة معالجة (بوينت لوما)، التي تخدم 2.2 مليون شخص في سان دييغو، بحثاً عن وجود فيروس جدري القردة في أوائل يونيو (حزيران).
وحدث أول مؤشر إيجابي في 10 يوليو (تموز)، عند حصلوا على مستويات قريبة من حد الكشف، وصلت إلى أكثر من 10 ملايين نسخة فيروسية لكل لتر من مياه الصرف الصحي، ومنذ ذلك الحين، اتجهت المستويات للارتفاع ثم الانخفاض بشكل طفيف، لكنها تتجه الآن نحو الأعلى مع ارتفاعها الحالي لتبلغ 189 مليون نسخة فيروسية لكل لتر من مياه الصرف الصحي في 2 أغسطس الجاري.
يقول نايت إنه يبقى أن نرى ما إذا كانت مراقبة مستويات حمل فيروس جدري القردة في مياه الصرف الصحي يمكن أن تتنبأ بالعدوى في المستقبل أو معدلات الإصابة. ويضيف: «لا نعرف حتى الآن ما إذا كانت البيانات ستتوقع ارتفاعات في الحالة، كما هو الحال مع (كوفيد – 19)، حيث يعتمد وقت خروج الفيروس من الجسم على مدى سوء الأعراض التي تجعل الناس يلتمسون الرعاية، وهذا، من حيث المبدأ، يختلف لكل فيروس، على الرغم من أن مياه الصرف الصحي تبدو في الممارسة العملية تنبؤية بفيروسات متعددة».
ولم يتم إعداد النظام بعد لتسلسل جينومات جدري القردة، وهي ضرورة لاكتشاف المتغيرات الناشئة، ولكن، بشكل عام يوضح نايت أن «فيروسات الحمض النووي (دي إن إيه) مثل جدري القردة، تتطور بشكل أبطأ بكثير من فيروسات الحمض النووي الريبي، مثل كورونا المستجد، لذلك لا نتوقع ظهور متغيرات وانتشارها بسرعة».
يقول كريستوفر لونغهورست، كبير المسؤولين الطبيين بجامعة كاليفورنيا، إن مراقبة جدري القردة كانت ابتكاراً مهماً فيما سمّاها «المراقبة الاستباقية».
ويرتبط ارتفاع مستويات جدري القردة في مياه الصرف الصحي بشكل واضح بالانتشار المتزايد لهذا الفيروس، وسيساعد الاكتشاف والمراقبة في التنبيه إلى المواقف قبل أن تتحول إلى أزمات، مما يوفر الوقت للأنظمة الصحية والهيئات العامة للاستجابة والاستعداد والتصرف.
وأيّد ويلما ووتين، مسؤول الصحة العامة في مقاطعة سان دييغو، ما قاله لونغهورست، وأضاف: «كما رأينا مع (كوفيد - 19)، يمكن أن تكون مياه الصرف الصحي بمثابة نافذة إضافية لكيفية انتقال الفيروس عبر مجتمعنا والتأثير فيه، وتقدر المقاطعة عمل جميع الشركاء، ونتطلع إلى علاقة العمل المستمرة لدينا لمواجهة التهديدات التي تتعرض لها الصحة العامة».
ويلقي الأشخاص المصابون بـ«كورونا» الفيروس في نفاياتهم، حتى قبل أن تظهر عليهم الأعراض، وحفزت هذه الحقيقة على تطوير أول برنامج فحص لمياه الصرف الصحي في أواخر عام 2020، وعندما بدأ الباحثون جمع عينات مياه الصرف الصحي عبر الحرم الجامعي باستخدام روبوتات أخذ العينات تلقائياً لتحليلها لاحقاً، تم تصميم البرنامج للمساعدة في عودة الطلاب بأمان إلى الحرم الجامعي، وتم في نهاية المطاف توسيع مراقبة وتسلسل مياه الصرف الصحي إلى المنطقة.
يقول كريستيان أندرسن، الأستاذ في معهد «سكريبس للأبحاث» بمقاطعة سان دييغو بولاية كاليفورنيا: «بناءً على نجاح البحث على مدار السنوات القليلة الماضية، من الرائع أن نرى توسع مراقبة مياه الصرف الصحي هنا في سان دييغو لتشمل أيضاً جدري القردة، مع إنشاء نظام مرن لمسببات الأمراض البشرية في المستقبل».
وفي يوليو الماضي، نشر باحثو البرنامج في مجلة «نيتشر» تقريراً يصف نجاح تسلسل مياه الصرف الصحي واكتشاف الفيروسات، وذكروا أن البرنامج حدد بفاعلية «المتغيرات الفيروسية الجديدة المثيرة للقلق»، وحتى 14 يوماً قبل الاختبارات السريرية التقليدية، يمكن استخدامه بشكل موثوق للتنبؤ بالزيادات القادمة في معدلات الإصابة والحالات المحلية.
وقدرت دراسة نُشرت سابقاً أن مراقبة مياه الصرف الصحي وفّرت الكشف المبكر عن 85 في المائة من حالات «كوفيد - 19» في حرم جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، مما يسمح بجهود التخفيف والوقاية الأكثر فاعلية.
يقول الباحثون إنهم يستكشفون إمكانية إضافة مسببات أمراض أخرى إلى برنامج مراقبة مياه الصرف الصحي، بما في ذلك فيروس شلل الأطفال، الذي ظهر مرة أخرى في أجزاء من الولايات المتحدة.
يقول سمروثي كارثيكيان، مهندس بيئي وباحث ما بعد الدكتوراه في مختبر «نايت»، الذي أشرف على مراقبة مياه الصرف الصحي في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو: «من السهل إلى حد ما إضافة مسببات أمراض جديدة إلى العملية، ويمكن القيام بذلك في غضون مهلة قصيرة».


مقالات ذات صلة

5 بدائل يلجأ لها الإيرانيون لتجاوز حجب الإنترنت

شؤون إقليمية أدخنة تصعد في السماء خلف عدد من المواطنين في يوم القدس في طهران أمس (أ.ب) p-circle

5 بدائل يلجأ لها الإيرانيون لتجاوز حجب الإنترنت

كيف يواجه الإيرانيون حجباً واسعاً للإنترنت تفرضه السلطات منذ أكثر من 14 يوماً؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص طفلان يحملان مساعدات غذائية في مركز إيواء للنازحين بزحلة شرق لبنان (الشرق الأوسط)

خاص القصف الإسرائيلي يشتّت سكان بعلبك في شرق لبنان

دفعت الحرب، عشرات الآلاف من سكان البقاع في شرق لبنان، لإخلاء منازلهم في قرى بعلبك

حسين درويش (بعلبك (شرق لبنان))
الاقتصاد تزيد ألمانيا من اعتمادها على استيراد الغاز الطبيعي المسال (رويترز)

مطالب في ألمانيا باستئناف استيراد النفط والغاز الروسي

عقب قرار الولايات المتحدة تخفيف قيود التداول على النفط الروسي لفترة مؤقتة، طالبت رئيسة حزب «تحالف سارا فاجنكنشت» بالعودة إلى استيراد النفط والغاز الروسي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية هل يلعب منتخب إيران مبارياته بالمونديال في المكسيك؟ (رويترز)

إيران ترغب في خوض مبارياتها بالمونديال في المكسيك

اقترحت إيران نقل مبارياتها في كأس العالم لكرة القدم من أميركا للمكسيك بسبب الحرب الجارية حاليا في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (طهران)
رياضة عالمية فرحة الكوريات الجنوبيات تكررت ست مرات أمام الأوزبكيات (د.ب.أ)

«كأس آسيا للسيدات»: كوريا الجنوبية تكتسح أوزبكستان وتعبر لقبل النهائي

تقدم منتخب كوريا الجنوبية بثقة إلى الدور قبل النهائي ببطولة كأس آسيا لكرة القدم للسيدات، بعدما اكتسح أوزبكستان 6/ صفر.

«الشرق الأوسط» (سيدني)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.