الحلقة الاولى: ميانمار أم بورما؟ وجهان لبلد يبحث عن هوية وطنية

تعيش ميانمار حالة انتقال نوعية متسارعة نادرا ما يشهدها بلد بهذا الزخم، شغلت وسائل الإعلام خلال السنتين الأخيرتين، وشدت الغرب المتطلع لمد جسور معها على حساب الحليف الصيني التقليدي، بينما زادت مخاوف المسلمين من نسيان العالم معاناتهم في هذا البلد ذي الأغلبية البوذية. وزارت «الشرق الأوسط» ميانمار وج...
تعيش ميانمار حالة انتقال نوعية متسارعة نادرا ما يشهدها بلد بهذا الزخم، شغلت وسائل الإعلام خلال السنتين الأخيرتين، وشدت الغرب المتطلع لمد جسور معها على حساب الحليف الصيني التقليدي، بينما زادت مخاوف المسلمين من نسيان العالم معاناتهم في هذا البلد ذي الأغلبية البوذية. وزارت «الشرق الأوسط» ميانمار وج...
TT

الحلقة الاولى: ميانمار أم بورما؟ وجهان لبلد يبحث عن هوية وطنية

تعيش ميانمار حالة انتقال نوعية متسارعة نادرا ما يشهدها بلد بهذا الزخم، شغلت وسائل الإعلام خلال السنتين الأخيرتين، وشدت الغرب المتطلع لمد جسور معها على حساب الحليف الصيني التقليدي، بينما زادت مخاوف المسلمين من نسيان العالم معاناتهم في هذا البلد ذي الأغلبية البوذية. وزارت «الشرق الأوسط» ميانمار وج...
تعيش ميانمار حالة انتقال نوعية متسارعة نادرا ما يشهدها بلد بهذا الزخم، شغلت وسائل الإعلام خلال السنتين الأخيرتين، وشدت الغرب المتطلع لمد جسور معها على حساب الحليف الصيني التقليدي، بينما زادت مخاوف المسلمين من نسيان العالم معاناتهم في هذا البلد ذي الأغلبية البوذية. وزارت «الشرق الأوسط» ميانمار وج...

تعيش ميانمار حالة انتقال نوعية متسارعة نادرا ما يشهدها بلد بهذا الزخم، شغلت وسائل الإعلام خلال السنتين الأخيرتين، وشدت الغرب المتطلع لمد جسور معها على حساب الحليف الصيني التقليدي، بينما زادت مخاوف المسلمين من نسيان العالم معاناتهم في هذا البلد ذي الأغلبية البوذية. وزارت «الشرق الأوسط» ميانمار وجالت في عدد من مدنها والتقت ناشطين سياسيين ورجال دين وغيرهم لرصد هذا الانتقال التاريخي ومعرفة الآفاق المقبلة لهذا البلد الحيوي. وعبر حلقات تنشر يوميا، تبرز «الشرق الأوسط» أهم القضايا في البلاد. وتمر ميانمار بحالة انفتاح سياسي واقتصادي لافت، بعد أن كانت من أكثر الدول انغلاقا وتشابها لكوريا الشمالية في سياسات الحكام العسكريين الظالمة، إلا أن ظلال الماضي تلقي بثقلها على حالة الانفتاح هذه. فهناك عقبات كثيرة أمام ميانمار، مثل التحرر من أساليب قمعية لدولة انغلقت عن العالم لعقود طويلة، واقتصاد تشوبه مشاكل الفقر والتضخم، ولكن ربما العقبة الأبرز هي تحديد هوية الدولة. وهذه الهوية مرتبطة مباشرة باسم الدولة الرسمي الذي سيس على مدار العقود الماضية ليصبح مصدر خلاف في البلاد ليس فقط بسبب دلالاته السياسية بل بسبب ما تعنيه «بورما» للغالبية الإثنية في البلاد المعروفة باسم «البامار».
وتمثل الخلافات حول اسم دولة ميانمار، التي ما زال كثيرون وعلى رأسهم زعيمة المعارضة الشهيرة انغ سان سو تشي الحاصلة على جائزة «نوبل» للسلام يسمونها بورما، المثال الأبرز للصراع حول هوية البلاد. فاسم «جمهورية ميانمار الاتحادية» هو الاسم الرسمي للبلاد منذ عام 1989 بناء على قرار من القادة العسكريين للبلاد والذين حكموه منذ انقلاب عام 1962. إلا أن الاسم له جذور تاريخية لقرون عدة، كما لدى اسم بورما المرتبط بثقافة البلاد وحضارتها وتم اعتماده رسميا أيام السيطرة البريطانية.
واعتمدت الأمم المتحدة منذ عام 1989 اسم ميانمار رسميا، مما جعل غالبية دول العالم تقبل اعتماده أيضا. إلا أن دولا عدة كانت على خلاف مع حكم العسكر رفضت اعتماد الاسم الجديد وتمسكت باسم بورما كاسم رسمي للبلاد، في دلالة على رفضهم للواقع السياسي له وخاصة حكم العسكر. وكانت هذه من أبرز النقاط التي تثير غضب العسكر في التعامل مع الدول الغربية، معتبرين رفض اعتماد الاسم الجديد دليلا على «إمبريالية» غربية.
واليوم اسم ميانمار وبورما يحمل دلالات سياسية: القادة العسكريون والمسؤولون الحكوميون والمؤيدون للنظام يسمون بلدهم ميانمار، وغالبية السكان غير المسيسين أيضا يستخدمون اسم ميانمار المعتمد في المدارس والدوائر الحكومية. إلا أن المعارضة والمطالبين بالديمقراطية ومناصريهم الغربيين يعتمدون استخدام اسم بورما. وكان هذا الفرق لافتا خلال مؤتمر «المنتدى الاقتصادي العالمي» الذي عقد في يونيو (حزيران) الماضي في العاصمة ناي بي تاو، ليصبح أول مؤتمر دولي يعقد في البلاد منذ 5 عقود، إذ في خطاباته ومشاركته في المؤتمر تحدث رئيس الجمهورية تين سين مطولا عن ميانمار، بينما في قاعة مجاورة له كانت المعارضة الشهيرة انغ سان سو تشي تتحدث مطولا عن بورما. وحينما سئلت في المنتدى عن تمسكها باسم بورما على الرغم من دخولها برلمان ميانمار، أجابت بأنها متمسكة باسم بورما إلى حين تنتهي إصلاحات البلاد ويصبح تغيير الاسم جزءا من انتقال حقيقي في البلاد بدلا من تغيير سطحي لصرف النظر عن القضايا الجوهرية.
وقضية الاسمين للبلد الآسيوي واضحة أيضا على المسرح الدولي. فعلى الرغم من تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وميانمار خلال السنة الماضية، فإن واشنطن ما زالت تعتمد اسم بورما وهو نفس موقف المملكة المتحدة ودول غربية عدة. إلا أنه خلال زيارة الرئيس تين سين إلى واشنطن في مايو (أيار) الماضي، وهي الأولى لرئيس من ميانمار منذ عام 1966، بادر الرئيس الأميركي باراك أوباما باستخدام اسم ميانمار في الإشادة بدور تين سين في انفتاح البلاد. وقال أوباما حينها: «نحن نقدر كثيرا جهودك القيادية بقيادة ميانمار في اتجاه جديد ونريدك أن تعلم أن الولايات المتحدة ستبذل كل جهد في مساعدتك فيما أعلم أنه طريق طويل وأحيانا صعب لكنه في النهاية هو الطريق الصائب».
وأوضح الناطق باسم البيت الأبيض جاي كارني أن استخدام اسم ميانمار خلال زيارة تين سين، على الرغم من أن الاسم الرسمي المعتمد لدى الولايات المتحدة ما زال بورما، هو استخدام محدود كـ«مجاملة دبلوماسية» لإظهار الاعتراف بالإصلاحات في البلاد والطريق الذي يتبعه تين سين. وهذه المجاملة الدبلوماسية أخذت تمتد إلى عواصم غربية من دون تغيير رسمي للاسم بشكل محدد ومن دون رفع جميع العقوبات المفروضة على ميانمار، على الرغم من تخفيف بعضها.
أما موقف وزارة الخارجية البريطانية، فهو أن «حركة الديمقراطية في بورما تفضل تسمية بورما لأنهم لا يعترفون بمصداقية نظام عسكري غير منتخب قام بتغيير الاسم الرسمي للبلاد. ودوليا، هناك اعتراف بالاسمين».
وتستخدم «الشرق الأوسط» اسم ميانمار، تماشيا مع اعتراف الأمم المتحدة به كاسم رسمي للبلاد. وعند زيارة ميانمار والبحث فيها، وجدت «الشرق الأوسط» أن غالبية من التقتهم من أبناء البلاد ينادونها باسمها الرسمي، إلا أن الذين يعترضون على حكم العسكر وينادون بالإصلاح يلتزمون باسم بورما للتذكير بأهمية الانتقال الحقيقي في البلاد ومحاسبة حكامها.



ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا، قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمنى ترمب لبوتين النجاح والرفاهية خلال اتصال هاتفي يوم الجمعة، كما حرص على نقل تحيات زوجته ميلانيا. وأعرب بوتين عن شكره لترمب على التهنئة، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء «تاس» عن مستشار الرئاسة الروسية للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف.

وصرح أوشاكوف بأن الاتصال - الذي يعد السادس بين الرئيسين هذا العام وفقاً لـ«الكرملين» - قد سار بشكل جيد، مشيراً إلى أن كلاً من بوتين وترمب لم يكن يرغب في أن يكون البادئ بإنهاء المكالمة.

وبعد اتصاله الأخير مع بوتين، أعلن ترمب عن اتفاق سيتم بموجبه توفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل على الفور للولايات المتحدة والسوق العالمية.

وقال أوشاكوف إن بوتين وترمب ناقشا أيضاً الحرب في أوكرانيا. وأوضح بوتين أن موقف روسيا بشأن أهداف ما تسميه موسكو «عمليتها العسكرية الخاصة»، لم يتغير.

وأضاف أن بوتين أعرب عن تقديره لتركيز ترمب وفريقه على الحوار مع روسيا. وربما يجتمع الرئيسان في قمة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) بالصين في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، على الرغم من أنه لم يتم الاتفاق على موعد بعد.

يذكر أنه في يوم الأربعاء، الذي كان يوافق عيد ميلاد بوتين الـ74، شنت روسيا هجمات قوية بشكل خاص على أوكرانيا، مما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل، وفقاً للسلطات الأوكرانية.

بوتين يقلل من أهمية استئناف المحادثات مع أوكرانيا

كما قال «الكرملين» إن بوتين أبلغ ترمب أمس (الجمعة)، بأن كييف قوضت إمكانية الاستئناف ​الفوري لمحادثات السلام الثلاثية بشأن أوكرانيا، بعد أن شنت هجمات بطائرات مسيرة على موسكو خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وحاول ترمب حتى الآن، دون جدوى، التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت مع الغزو الروسي للبلاد في فبراير (شباط) 2022.

وقال وزير ‌الخارجية الأميركي ‌ماركو روبيو، يوم الخميس، إن ​الحرب الروسية ‌في ⁠أوكرانيا ​وصلت إلى ⁠مأزق خطير، وإن الولايات المتحدة ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع.

وذكر بوتين أن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات مع كييف بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي جرت الشهر الماضي، لكن أوكرانيا شنت هجمات على موسكو واستهدفت ⁠مراكز التصويت، مضيفاً أن ذلك عرّض عملية ‌السلام للخطر.

وأفاد ‌أوشاكوف ​تعليقاً على الاتصال الهاتفي مع ‌ترمب: «من خلال شن هجوم واسع النطاق بالطائرات المسيرة ‌على موسكو ومدن أخرى ومراكز التصويت، فضلاً عن استهداف أفراد معينين شاركوا في تنظيم الانتخابات، في يوم الانتخابات الرئيسي، أدى النظام في كييف فعلياً إلى تعطيل ‌إمكانية الاستئناف الفوري لعملية التفاوض».

وأضاف: «والآن، كما قال الرئيس، سننظر في موعد استئناف ⁠تلك المفاوضات»، ⁠في إشارة إلى المفاوضات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا».

وكان ترمب قد ذكر أمس (الجمعة)، بعد الاتصال مع بوتين، أن روسيا وافقت على توريد الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية الشهر ​المقبل، على الرغم ​من أن المحللين قالوا إن الكميات لن تؤدي على الأرجح إلى انخفاض كبير في الأسعار.


زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.