دروبادي مورمو... أول امرأة تتولى الرئاسة في الهند

ابنة أقلية قبلية من الطبقات الفقيرة حملها حزب بهاراتيا جاناتا إلى القمة

دروبادي مورمو... أول امرأة  تتولى الرئاسة في الهند
TT

دروبادي مورمو... أول امرأة تتولى الرئاسة في الهند

دروبادي مورمو... أول امرأة  تتولى الرئاسة في الهند

سطرت الهند فصلاً تاريخياً جديداً بانتخابها أخيراً رئيس جمهوريتها الخامس عشر. ومع أن رئاسة الجمهورية في الهند شرفية إلى حد كبير، فعندما أدت دروبادي مورمو اليمين الدستورية لأعلى منصب دستوري في البلاد، سجّلت بضع سوابق لافتة. إذ نجحت مورمو في كسر السقف الزجاجي للمرة الأولى عندما أصبحت أول شخص مولود بعد الاستقلال والأصغر سناً يشغل المنصب الأعلى للبلاد. ثم إنه، بجانب كونها ثاني رئيسة للهند، باتت مورمو أول رئيس من أبناء المجتمعات القبلية الأصلية، التي تعاني من التهميش رغم كونها تشكل قرابة 10 في المائة من إجمالي سكان الهند. ما يذكر، أن براتيبها باتيل كانت أول رئيسة للهند خلال الفترة من 2007 إلى 2012. أما مورمو، فقد نجحت في التفوق على منافسها ياشوانت سينها باستحواذها على نصيب الأسد من الأصوات. والمعروف، أن سينها شغل منصب وزير المالية بين عامي 1998 و2002 إبان فترة حكم حزب بهاراتيا جاناتا. غير أن سينها كان أحد القياديين الذين انشقوا عن «بهاراتيا جاناتا»، ومن ثم غادر الحزب عام 2018، في أعقاب خلاف دبّ بينه وبين ناريندرا مودي، زعيم الحزب اليميني ورئيس الحكومة الهندية الحالي، حول قضايا اقتصادية.

تتولّى انتخاب رئيس الجمهورية في الهند هيئة انتخابية، مُشكّلة من أعضاء من مجلسي البرلمان والجمعيات التشريعية للولايات والمجالس التشريعية للولايات والمجالس التشريعية لاتحاد إقليمي دلهي وبودوتشيري الاتحاديين الذاتيي الحكم. وقبل أسبوعين تقريباً سلّم الرئيس الهندي المنتهية ولايته رام ناث كوفيند منصب الرئاسة إلى خليفته دروبادي مورمو (64 سنة). وتعدُّ هذه المرة الثانية خلال فترة ولاية رئيس الوزراء ناريندرا مودي التي يرتقي فيها شخص من فئات متواضعة طبقياً إلى منصب الرئاسة، ذلك أن الرئيس المنتهية ولايته رام ناث كوفيند جاء كذلك من خلفية متواضعة للغاية.
بعد أدائها اليمين، قالت مورمو في خطابها «لقد انتُخبت في فترة مهمة تحتفل خلالها البلاد بمرور 75 سنة على الاستقلال. الوصول إلى هذا المنصب ليس إنجازاً شخصياً لي، بل إنجاز لجميع الفقراء في البلاد. إن انتخابي دليلٌ على حقيقة أنه يمكن في الهند للفقراء أن يحلموا وأن يحققوا هذه الأحلام. هنا تكمن قوة الديمقراطية في الهند، إن الفتاة المولودة في منزل قبلي فقير يمكن أن تصل إلى أعلى منصب دستوري».
ومن جانبه، كتب رئيس الوزراء مودي في تغريدة أطلقها عبر «تويتر» معلقاً «لقد تابعت الأمة كلها بكل فخر واعتزاز أداء السيدة دروبادي مورمو جي اليمين الدستورية كرئيسة للهند. إن توليها الرئاسة لحظة فاصلة في الهند، خاصة للفقراء والمهمشين والمضطهدين، وأنا أتمنى لها كل التوفيق في فترة رئاسية مثمرة».

- حياة متواضعة
كان الانتقال من منزل طيني إلى قصر رئاسي فخم، يضم 376 غرفة، رحلة طويلة للرئيسة مورمو، التي أمضت طفولتها في منزل من الطين بقرية نائية في ولاية أوديشا (أوريسا سابقاً) الساحلية بشرق الهند. ولا يزال كثيرون من أبناء قريتها يطهون طعامهم على الحطب، كما يؤمّنون حاجتهم من المياه عبر استخدام المضخات اليدوية المجتمعية. وحتى اليوم، لم تصل الكهرباء إلى القرية بعد (حتى الشهر الماضي، عندما جرى الإعلان عن ترشحها لانتخابات الرئاسة). وفي الواقع، قبل بضعة، عندما أُعلن حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي اليميني الحاكم عن اختيار مورمو مرشحة للرئاسة عنه، شوهدت الرئيسة العتيدة وهي تمسح أرض أحد المعابد الهندوسية قبل أداء الصلاة.
تجدر الإشارة هنا إلى رئيس الجمهورية في الهند، لا يمارس سلطات تنفيذية، بل هو فقط «رأس الدولة»، وعليه بموجب الدستور أن يعمل بناءً على مشورة الوزراء. ولكن في المقابل، فإن الرئيس – دستورياً – هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الهندية ويتولى تعيين جميع الضباط، بما في ذلك تعيين القيادات. كذلك عندما تعلن البلاد الحرب فإنها تعلنها باسم الرئيس، وباسمه تعقد السلام أيضاً، بفضل السلطة التي يتمتع بها الرئيس فوق البرلمان. وبناءً عليه، فإن الدور أقرب إلى دور العاهل البريطاني أو ملوك هولندا وبلجيكا ودول اسكندينافيا، بمعنى أنه يلعب دور «الحَكَم» في نظام برلماني تمتلك الحكومة الممثلة لغالبيته السلطة الحقيقية. ومن الجمهوريات، تشبه سلطات رئاسة الجمهورية في الهند - مثلاً - سلطات رئيسي ألمانيا وإسرائيل.

- رحلة الصعود اللافتة
بالنظر إلى انتماء مورمو إلى أسرة قبلية وافتقارها إلى ما يكفي من الموارد في حياتها، تبدو مسيرة انتقالها من قرية صغيرة فقيرة في ولاية أوديشا الصغيرة إلى رئاسة الهند... رحلة غير مسبوقة.
ولدت دروبادي مورمو، يوم 20 يونيو (حزيران) 1958، لأسرة فلاحية فقيرة جداً من السانثاليين، وهم من الشعوب الموندية القاطنة في شمال ووسط شرق الهند. ومثل مَن هم في ظروفها، واجهت خلال سنوات نشأتها الكثير من المصاعب. ولرغبتها في نيل التعليم بينما تناضل لتلبية احتياجاتها الاقتصادية، اضطرت مورمو إلى الرحيل عن قريتها وهي لا تزال في السنة الدراسية السابعة. لكنها بمساعدة أقارب لها، تمكنت من إنجاز تعليمها المدرسي في مدينة بهوبانيسوار، عاصمة أوديشا، ثم التحقت بجامعة راما ديفي للنساء.
وبعد التخرّج بشهادة بكالوريوس في الآداب، حصلت مورمو على وظيفة بوزارة الرّي والطاقة، إلا أنها استقالت من وظيفتها بعد زواجها. ثم، بدأ نجمها يصعد مع انطلاق مسيرتها السياسية، إذ دخلت مورمو المجلس المحلي في قضاء رايرانغبور (الذي تتبعه قريتها) في ولاية أوديشا عام 1997. وبعدها فازت في دورتي انتخاب متتاليتين لعضوية البرلمان (المجلس التشريعي) في أوديشا عامي 2000 و2004، مرشّحة عن حزب بهاراتيا جاناتا.
كذلك، شغلت مورمو منصب وزيرة التجارة والنقل، ثم وزارة الثروة السمكية والموارد الحيوانية، بين عامي 2000 و2004. وكانت المحطة التالية في مسيرتها، التي لم تخلُ من مآسٍ وآلام، عام 2007 عندما نالت جائزة أفضل مشرّعة من المجلس التشريعي.
مورمو لم تخض الانتخابات لفترة، عانت خلالها من سلسلة من المآسي والمحن الشخصية، على رأسها وفاة ابنيها (أحدهما عام 2009 في ظروف غامضة، والآخر في حادث سير عام 2013)، ووفاة زوجها جراء إصابته بنوبة قلبية عام 2014. وإضافة لذلك، فقدت والدتها وأحد أشقائها بين عامي 2009 و2015. ولكن، على الرغم من جميع هذه المآسي، تمكنت مورمو من النهوض من جديد والمضي قدماً في حياتها وعملها السياسي، وبالذات نشاطها الحزبي. لقد وجدت مورمو العزاء في الانغماس بالروحانيات والخدمة العامة. وكانت أخبرت صديقة لها أنه لولا تفاعلها مع الناس والتعرف إلى معاناتهم اليومية، لكان الاكتئاب ليقضي عليها.

- شخصية حازمة وقوية
تتميز شخصية مورمو بالحزم والقوة، وأيضاً بالبساطة الشديدة. فهي - وسط معاناتها الشخصية - أغرقت نفسها في العمل، وعملت بجد من أجل توفير الرعاية لآلاف الأطفال المعوّزين، ونشطت كثيراً في مجال الرعاية الاجتماعية... عاملة على توفير الموارد المائية لمناطق معرضة للجفاف وبناء مدارس ومراكز صحية، علاوة على دعم منشآت تتعلق بمجال الدعم.
وفي العام 2016، صارت أول امرأة تتولى منصب حاكم ولاية جهارخاند. ولقد شغلت هذا المنصب لفترة 6 سنوات، رجعت بعد انتهائها إلى قريتها يوم 12 يوليو (تموز) 2021، وظلت تعيش هناك منذ ذلك الحين قبل أن تنتقل إلى القصر الرئاسي في دلهي.
بوجه عام، تحرص مورمو على الابتعاد عن الأضواء وعن الجدل، لكنها أثبتت قوة كبيرة كحاكمة لجهارخاند. وفي حينه، رفضت المصادقة على التعديلات التي أدخلتها الحكومة بقيادة «بهاراتيا جاناتا» على قانون الإيجارات القائم منذ عام 1908، والذي يسمح باستغلال الأراضي القبلية لأغراض تنموية دون تغيير في الملكية. وأثارت التعديلات اضطرابات داخل المناطق القبلية التي رأت فيها تمييعاً لحقوق القبائل؛ ما أجبر الحكومة على إعادة التفكير في الأمر.
من ناحيتها، لا تزال فاسانث كومار غيري، معلّمة مورمو السابقة، تتذكر الابتسامة التي حملها وجه فتاة صغيرة تتشبث بيد والدها في أول زيارة لها للمدرسة. وبحماسة شديدة لنجاح تلميذتها «الرئيسة»، قالت كومار غيري (85 سنة) «نحن معشر المعلمين كنّا على يقين من أنها ستصل إلى مناصب كبرى وتجعلنا فخورين بها. لقد شاهدتها تكافح وتتألق، من عضو مجلس بلدي ثم مجلس تشريعي فوزيرة وحاكمة ولاية جهارخاند». وأضافت بصوت مرتجف عبر الهاتف «بعد أن أصبحت الحاكمة، أهدت جميع المعلمين شالات حريرية، بمَن فيهم أنا».
في الحقيقة، لم يسمع كثيرون من سكان قرية «الرئيسة» عن حي رايزينا هيل - حيث تقع أهم مقرات السلطة في نيودلهي ومنها العنوان السكني الجديد لمورمو ـ ولا هم على دراية بحدود السلطات الدستورية للرئيس الهندي، إلا أنهم في الوقت الذي يصلّون من أجلها، يطالبون بالمزيد من التنمية في مناطق الغابات التي يسكنون بها. وعلى مستوى شخصي حميم، تقول رابندرا باتنايك، صديقة الأسرة منذ 40 سنة، وهي صحافية مقيمة في رايرانغبور، عن مورو «إنها امرأة بسيطة واحتياجاتها قليلة، وطعامها المفضل (الباخالا)، وهو طبق يصنع من الأرز واللبن الرائب. وهي نباتية صارمة، ملتزمة بالتعاليم الهندوسية، وفي حين تنأى عن الخرافات فإنها مؤمنة جداً بقيَم ثقافتها القبلية».

- مكاسب حزبها السياسية
على صعيد آخر، مع أن رحلة مورمو تشكل مصدر إلهام للجميع، فإن ترشيحها من قِبل حزب قومي هندوسي قوي مثل حزب بهاراتيا جاناتا يثير مسألة الرمزية في السياسة. ويرى خبراء سياسيون، أنه مع فوز مرشحته الرئاسية - أي مورمو - يتطلع «بهاراتيا جاناتا» بقيادة رئيس الوزراء مودي نحو التقارب مع المجتمعات القبلية، وفي الوقت ذاته على خلق جمهور انتخابي عبر مختلف أرجاء الهند.
وهنا يقول المحلل السياسي رابي داس «فيما يتعلق بحكومة حزب بهاراتيا جاناتا الحاكمة، فإن مورمو تشكل جزءاً جوهرياً من المشروع الأكبر لرئيس الوزراء مودي... وهو استراتيجية مدروسة لزيادة انتشار صورة من الهندوسية المتعاطفة والشاملة بين سكان القبائل في عموم الهند». ويضيف «يُعدّ انتخاب مورمو ضربة بارعة من مودي تبعث برسالة سياسية قوية إلى المضطهدين، وتحمل دلالات سياسية قوية، وأيضاً دلالات اجتماعية ودينية مهمة، تهدف إلى هدم ثنائية التمييز بين القبائل والفئات غير القبلية التي نمّاها في البداية الحكام الاستعماريون، ثم السياسيون الهنود في وقت لاحق على مدى الـ150 سنة الماضية. أما الهدف، فهو إنهاء حد لسياسات الهوية السياسية المفتتة التي طبّعتها وأضفت عليها الشرعية دولة الاستقلال النهروية».
من ناحية أخرى، لم تُلهم رحلة مورمو النساء فحسب، بل ألهمت أيضاً الأقليات الأخرى، وسيعمل انتخابها رئيسة في المستقبل على حث المزيد من الناس على امتهان السياسة. ومع ذلك، ثمة مخاوف من أن يصبح الأمر مجرد مهمة يقوم بها الحزب الحاكم من أجل خدمة علاقاته العامة؛ الأمر الذي سيقلل من فرص التأثير الفعلي الذي يمكن أن يحققه القرار.


مقالات ذات صلة

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

العالم 11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

قتل 11 شخصاً بعد تسرب للغاز في الهند، حسبما أعلن مسؤول اليوم (الأحد)، في حادثة صناعية جديدة في البلاد. ووقع التسرب في منطقة جياسبورا وهي منطقة صناعية في لوديانا بولاية البنجاب الشمالية.

«الشرق الأوسط» (أمريتسار)
العالم الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

قُتل عشرة من عناصر الأمن الهنود وسائقهم المدني في ولاية تشاتيسغار اليوم (الأربعاء) في انفجار عبوة ناسفة لدى مرور مركبتهم، حسبما أكدت الشرطة لوكالة الصحافة الفرنسية، متهمة متمردين ماويين بالوقوف وراء الهجوم. وقال فيفيكانند المسؤول الكبير في شرطة تشاتيسغار «كانوا عائدين من عملية عندما وقع الانفجار الذي استهدف مركبتهم».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق «الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

«الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

قالت منظمة الصحة العالمية إنه تم العثور على مجموعة من أدوية الشراب الملوثة والمصنوعة في الهند، تحديداً في جزر مارشال وميكرونيزيا. وحذرت المنظمة من أن العينات المختبرة من شراب «غيوفينسين تي جي» لعلاج السعال، التي تصنعها شركة «كيو بي فارماشيم» ومقرها البنغاب، أظهرت «كميات غير مقبولة من ثنائي إيثيلين جلايكول وإيثيلين جلايكول»، وكلا المركبين سام للبشر ويمكن أن يكونا قاتلين إذا تم تناولهما. ولم يحدد بيان منظمة الصحة العالمية ما إذا كان أي شخص قد أُصيب بالمرض. يأتي التحذير الأخير بعد شهور من ربط منظمة الصحة العالمية بين أدوية السعال الأخرى المصنوعة في الهند ووفيات الأطفال في غامبيا وأوزبكستان.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
العالم الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

أعلنت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين)، أن الهند ستتجاوز الأسبوع المقبل الصين من ناحية عدد السكان، لتغدو الدولة الأكثر اكتظاظاً في العالم بنحو 1.43 مليار نسمة. وقالت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة إنه «بحلول نهاية هذا الشهر، من المتوقع أن يصل عدد سكان الهند إلى 1.425.775.850 شخصاً، ليعادل ثم يتجاوز عدد سكان البر الرئيسي للصين». وطوال أكثر من مائة عام، كانت الصين الدولة الأكثر سكاناً في العالم، تليها الهند في المرتبة الثانية على مسافة راحت تتقلّص باطراد في العقود الثلاثة الأخيرة. ويأتي ذلك رغم غياب إحصاءات رسمية لعدد السكان في الهند منذ أواخر القرن الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

أفاد مسؤول في شرطة ولاية البنجاب الهندية، اليوم (الأحد)، بأن قوات من الأمن ألقت القبض على «الانفصالي» المنتمي للسيخ أمريتبال سينغ، بعد البحث عنه لأكثر من شهر، في خطوة ضد إقامة وطن مستقل في الولاية المتاخمة لباكستان. وأدى بزوغ نجم سينغ (30 عاماً)، وهو واعظ بولاية البنجاب الشمالية الغربية حيث يشكّل السيخ الأغلبية، إلى إحياء الحديث عن وطن مستقل للسيخ. كما أثار مخاوف من عودة أعمال العنف التي أودت بحياة عشرات الآلاف في الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي أثناء تمرد للسيخ. وقال مسؤول كبير بشرطة البنجاب لصحافيين: «ألقي القبض على أمريتبال سينغ في قرية رود بمنطقة موجا في البنجاب، بناء على معلوم

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.