«فيرا»... فقدان الحب والإيمان في روسيا المعاصرة

«فيرا»... فقدان الحب والإيمان في روسيا المعاصرة

تعكس التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية في السنوات الأخيرة
الخميس - 6 محرم 1444 هـ - 04 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15955]

يمثل البحث عن السعادة هماً رئيسياً في رواية «فيرا» للكاتب الروسي ألكسندر سنيجريوف، الصادرة حديثاً ضمن سلسلة «الإبداع القصصي»، عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، وترجمها عن الروسية المترجم محمد رياض غلوش، كما أنها تعكس الاتجاهات الجديدة في الأدب الروسي، والتطورات السياسية والاقتصادية والثقافية التي مرت بها موسكو في السنوات الأخيرة.
تقف بطلة الرواية «فيرا» الفتاة العادية في مفترق طرق، ما بين أحلامها بالأمومة والحب، ومفارقات الواقع والاختيارات السيئة، وهو موقف يتعرض له أغلب النساء الروسيات، بخاصة وسط الظروف القاسية في السنوات الأخيرة، وازدياد الهيمنة الذكورية. وتطرح الرواية سؤالاً مهماً: هل يمكن للجمال أن يحيا في بيئة ذكورية تخلو من الحساسية؟ الدكتور أنور إبراهيم، وهو حاصل على دكتوراه في فقه اللغة والأدب الروسي من جامعة موسكو 1983. يذكر في تقديمه للرواية أن ألكسندر سنيجروف يطرح أمامنا قضايا في منتهى الأهمية والحيوية، لافتاً إلى أنه بعد الأحداث الدامية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاج روسيا بقيادة ميخائيل جورباتشوف سياسة إعادة الإصلاح «البيريسترويكا»، كان السؤال الذي يتردد على لسان الكثيرين سواءً في روسيا أو في العالم العربي حيث يحظى الأدب الروسي بمكانة مرموقة بين القراء والمثقفين: هل لا يزال هناك أدب روسي؟ وعندما اقترب القرن العشرين من نهايته تبين أن الإقبال على القراءة تراجع في روسيا على نحو كارثي، وأن مهمة الكتابة فقدت جاذبيتها بالنسبة للجيل الشاب آنذاك، حيث بدت آفاق العمل في مجالات البنوك والنفط أكثر إغراء.
ويشير إبراهيم إلى أنه بعد ستة وعشرين عاماً من تأسيس جائزة «البوكر» الروسية عام 1992 إذا بالروس يجدون أنفسهم في وضع فريد، فقد غطت شبكة من الجوائز الأدبية المهمة الفضاء الأدبي الروسي شملت كافة جوانبه لتوزع دون توقف طوال شهور العام تقريباً. في الماضي كانت الجوائز الأدبية في روسيا تحمل مغزى سياسياً ما، أما الآن فقد أصبحت تحمل طابعاً تجارياً أيضاً شديد الوضوح لأن مؤلف الأدب التجاري بات يحصل على أجر مرتفع يمكنه الاعتماد عليه في حياته.
والمتابع لردود الفعل على رواية «فيرا»، يتأرجح بين عديد من الآراء التي تشيد بالرواية، وبين تلك التي تقف على النقيض منها فقط جائزة «البوكر الروسية»، هي التي ثمنت جهد مؤلف العمل «ألكسندر سنيجريوف» لاستحقاق الجائزة رغم أن الأعمال المنافسة له كانت روايات قوية.
تحمل الرواية اسم البطلة الرئيسية، فتاة عادية ترغب في أن يكون لديها أطفال وتسعى جاهدة لأن تجد لنفسها رجلاً مناسباً، بيد أن تحقيق هذه الرغبة يصبح أمراً مستحيلاً. لذا يرى كثيرون أن هذه الرواية هي نص عن فقدان الإيمان، فاسم «فيرا» يعني بالروسية «إيمان»، لكن الأمر ليس على هذا النحو. إنها تحديداً عن الحب والإيمان هذا ما أعلنه ألكسندر سنيجريوف نفسه إبان مراسم تسلمه جائزة «البوكر الروسية» عام 2015 عن هذا العمل حين قال: «إنها امرأة تمر بتجربة فقدان السعادة والحياة وإن كانت تدرك معنى السعادة ومعنى الحياة، لقد كنت أقود بطلتي أحياناً عبر هذا الطريق الذي قطعته أنا نفسي آنذاك».
وبحسب ما ورد في مقدمة الكتاب لأنور إبراهيم، يرى البعض في بطلة الرواية نموذجاً لروسيا. وإذا ما ابتعدنا عن الرموز فإن «فيرا» هي كائن رائع إلى حد لا يمكن تصوره خلقه الله لهدف محدد، لكنها لا ترى أمامها هدفها بوضوح، بل وتقوم بتزييفه. يضم هذا العمل بين دفتيه القضايا المركزية في الأدب الروسي مثل الحب والبحث عن السعادة والجمال الهش في بيئة قاسية، كما يعكس الواقع المعاصر والآيديولوجيات المتصارعة بداخله. من المستحيل النظر إلى «فيرا» بعيداً عن السياق السياسي وإلا فقدت التفاصيل العديدة فيها قيمتها. يصرخ أحد عشاق البطلة فيها: غبية، عن أي طفل تبحثين! النهاية قادمة على وجه السرعة «كما أن ترتيب الحياة الشخصية لها يحمل كثيراً من الدلالات، لقد هرعت (فيرا) إلى اجتماع لجماهير غفيرة من المعارضة وراحت تفاضل بين جانبين سياسيين متعارضين. وهنا نقرأ: «كثيراً ما كانت الشوارع والميادين تمتلئ بالطوابير المنظمة من أنصار المسار الرسمي وبمجموعات متنافرة من المعارضين الثائرين قليلي العدد. وإذا كان الطرف الأول يطالب بنزع الأراضي الروسية القديمة من الجيران فإن الطرف الثاني كان يدعو إلى توزيع أراضيهم الخاصة».
المؤلف في هذه الرواية هو شخص يقف على مقربة من الأحداث، تأتي لغته محايدة دون تعاطف مع شخصياته. على سبيل المثال فإن ألكسندر سنجريوف يصف الموت على هذا النحو: «إن الجهاز القلبي والوعائي النهم والضعيف في الوقت نفسه لدى سليمان فيودروفيتش المولود عام ثمانية وثلاثين وتسعمائة وألف لم يتحمل ذلك وسقط بالمناسبة بجوار طاقم السباكة التشيكي الذي قام فانيا بتركيبه مع كل انعطافة مفاجئة في الموضوع». وهنا ينبغي على القارئ أن يضبط حواسه الداخلية لكي يدرك إلى أين تأخذه أحداث الرواية، ولكن عليه أيضاً ألا يتنبأ مقدماً بما سيحدث، فالنص ملئ بالمفاجآت.
ما نطالعه في الجزء الأول من الرواية هو سيرة تفصيلية لامرأة لا تبدو نهايتها متسقة على الإطلاق مع سبق وعشناه معها. يقص «سنيجريوف» علينا كيف جاءت بطلته إلى الدنيا بصعوبة وكيف بدأت علاقتها بالجنس الآخر بالاغتصاب، كيف سافرت إلى بلد آخر هو أميركا ثم عادت وأين عملت ومع من عاشت وكيف اضطرت عند ولادتها إلى مخالفة واحدة من الوصايا العشر: «لا تقتل»، وذلك عندما اضطرت لأن تقتل أختها في رحم أمها لكي تخرج هي إلى الحياة!. تتسم الرواية في بعض أجزائها بالإيقاع البطيء مع وفرة من التفاصيل الوصفية، حيث يستخدم المؤلف باقتدار الإمكانات اللغوية كافة، ويرسم شخصيات رائعة ومشاهد قريبة للغاية من الحياة، كما يستخدم أيضاً مجازات مفاجئة لكنها شديدة الدقة.
يذكر أن «البوكر الروسية»، التي نالها ألكسندر سنجريوف عن هذا العمل لم تكن الجائزة الأولى في مسيرة الكاتب المولود في السادس من يناير (كانون الثاني) 1980 بمدينة موسكو، فقد نال «جائزة ديبات» عام 2005 عن مجموعته القصصية «الانتخابات»، كما نالت روايته «فينوس البترول» جائزة «الأكثر مبيعاً» عام 2009.


كتب

اختيارات المحرر

فيديو