أسئلة ما بعد الظواهري: علاقة «القاعدة» بـ«طالبان»... وهل يستفيد «داعش» من غيابه؟

أيمن الظواهري (أ.ف.ب)
أيمن الظواهري (أ.ف.ب)
TT

أسئلة ما بعد الظواهري: علاقة «القاعدة» بـ«طالبان»... وهل يستفيد «داعش» من غيابه؟

أيمن الظواهري (أ.ف.ب)
أيمن الظواهري (أ.ف.ب)

بمقتل الدكتور أيمن الظواهري، زعيم تنظيم «القاعدة»، بغارة أميركية على مخبئه في كابل، تكون الولايات المتحدة قد أكملت إلى حد كبير انتقامها من القائمين على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، المنفذون أنفسهم قتلوا في الهجمات الدامية. زعيم «القاعدة»، أسامة بن لادن، قُتل بعملية للقوات الخاصة الأميركية ضد مخبئه في أبوت آباد بباكستان، في مايو (أيار) 2011. «العقل المدبر» للهجمات، خالد الشيخ محمد، يقبع في سجن غوانتانامو الأميركي بكوبا منذ سنوات طويلة إثر اعتقاله في باكستان. كثير من المتورطين الآخرين يقبعون هناك إلى جانبه، أو أنهم قد قُتلوا في هجمات أميركية نُفذ أكثرها بطائرات بلا طيار في مناطق القبائل على الحدود الأفغانية - الباكستانية.
ولكن ماذا يعني القضاء على الظواهري؟ يطرح مقتل الظواهري، في الحقيقة، تساؤلات كثيرة. هذا التقرير يحاول الإجابة عن بعضها.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1554440627030413314

«طالبان» - «القاعدة»: علاقة شائكة ومعقدة
التساؤل الأول لا بد أن يكون حول وجود الظواهري نفسه في كابل، وهل يعني ذلك أن زعيم «القاعدة» عاد إلى العاصمة الأفغانية برضى «طالبان» بعد سنة من استيلاء الحركة مجدداً على السلطة إثر سقوط حكومة الرئيس السابق أشرف غني وانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان. وكما هو معروف، انسحب الأميركيون من هذا البلد بناءً على اتفاق الدوحة الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب مع «طالبان» ونفذته إدارة جو بايدن. قضى ذلك الاتفاق، ضمن ما تضمن من بنود، بألا تسمح «طالبان» لتنظيمات إرهابية باستخدام أراضي أفغانستان، من جديد، للتخطيط أو لتنفيذ هجمات ضد أي دولة أخرى. شكّل ذلك إقراراً غير مباشر من «طالبان» بأن «القاعدة» استخدمت أفغانستان قاعدة خلفية لتنفيذ هجمات 11 سبتمبر، وبأنها لن تسمح بتكرار ذلك كونها تعلمت من «أخطاء الماضي». في الواقع، تحدث قادة «طالبان» كثيراً عن التعلم من أخطاء الماضي بعد رجوعهم إلى السلطة في كابل. لكن كثيرين شككوا فيما إذا كانت الحركة بالفعل قد تعلمت الدرس من خسارتها الحكم طوال 20 سنة نتيجة سماحها لتنظيمات إرهابية باستخدام أراضيها لتنفيذ اعتداءات على دول أخرى. أشار المشككون إلى أن «طالبان» وعدت، على سبيل المثال، بالسماح للفتيات بالالتحاق بالمدارس، لكنها لم تنفذ وعدها حتى اليوم، مبررة بأن الظروف لا تسمح حالياً بترتيب دراسة للفتيات في شكل يلبي شروط ذلك من ناحية شرعية، وفق مفهومها للشرع الإسلامي. في المقابل، هناك من يدافع عن سلوك الحركة بعد عودتها إلى الحكم، ويشير إلى أنها تعاملت تعاملاً حسناً مع خصومها السابقين الذين بقوا في كابل بعد فرار أشرف غني منها، حتى ولو كانت قد أقصتهم عن المشاركة في تكوين السلطة الجديدة التي قامت في العاصمة الأفغانية.

وبغض النظر عن قضية تعليم الفتيات أو التعامل مع المعارضين السابقين المهزومين، فإن المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، كان مهتماً بالدرجة الأولى بمعرفة هل ستعود أفغانستان مرتعاً للجماعات الإرهابية والمتشددة كما كانت في عهد «طالبان» الأول في تسعينات القرن الماضي. ولذلك؛ لم يكن من المستغرب أن ينصبّ الاهتمام في الأشهر الماضية على معرفة نوع العلاقة، إذا كانت موجودة فعلاً، بين «طالبان» و«القاعدة». وفي الواقع، كانت هناك تقارير عديدة عن عودة قيادات «القاعدة» إلى أفغانستان بعد عودة «طالبان» إلى الحكم قبل سنة من اليوم، لكن مثل هذه التقارير لم يكن من الممكن تأكيده في ظل صمت مطبق من الحركة. وتحدث مسؤولون أميركيون بالأمس عن مجيء مسؤولين في «طالبان» إلى المنزل الذي قُتل فيه الظواهري بضربة الدرون التي استهدفته على شرفة المنزل الآمن الذي كان يقيم فيه في كابل بهدف إزالة أي آثار لوجوده هناك؛ ما يعني أن زعيم «القاعدة» كان يقيم بالفعل تحت حماية قادة في الحركة أو جناح من أجنحتها، علماً بأن هذه العلاقة كانت قائمة منذ سنوات ولم تنقطع، لا سيما في ولايات شرق أفغانستان الذي تنشط فيه شبكة حقاني. ولا يعني ذلك أن هذه الشبكة التي يتولى قادتها مسؤوليات رفيعة في الحكم الجديد في كابل، هي التي كانت تؤمن بالفعل الحماية لزعيم «القاعدة» في العاصمة الأفغانية. ومن الصعب، في الحقيقة، الجزم في مثل هذه المسائل في غياب أدلة تؤكدها أو تنفيها، كما هي قضية معرفة على أخذ أسامة بن لادن إذن زعيم «طالبان» السابق الملا عمر قبل تنفيذ هجمات 11 سبتمبر، أم أنه قام بها من دون موافقة مضيفيه الأفغان. والأرجح، أن هذه المسألة ستتكرر اليوم في قضية إقامة الظواهري في كابل وهل كانت بإذن من زعيم «طالبان» الملا هبة الله أخوندزادة أم بإذن جناح فقط من أجنحة الحركة.

من سيخلف الظواهري؟
مع رحيل الظواهري، ستُطرح الآن تساؤلات حول من سيتولى قيادة «القاعدة» خلفاً له. بعد مقتل أسامة بن لادن عام 2011، سارع تنظيم «القاعدة» إلى اختيار الظواهري خليفة له. لم يكن ذلك مثار استغراب آنذاك. فقد كان الزعيم السابق لجماعة الجهاد المصرية هو الشخصية الأبرز في هرمية «القاعدة» بعد بن لادن نفسه. كما أن العلاقة التي كانت قائمة بينهما منذ اقامتهما معاً في الخرطوم وطردهما منها عام 1996، جعلت من الظواهري الخليفة الأول المحتمل لبن لادن، وهو ما تم مباشرة بعد مقتل زعيم «القاعدة» بغارة أبوت آباد. أما الآن، فالصورة تبدو مختلفة إلى حد كبير. فقادة «القاعدة» الكبار تم القضاء عليهم واحداً تلو الآخر، وعلى وجه الخصوص في باكستان وأفغانستان وسوريا. ومن بين أبرز القادة الحاليين من الرعيل القديم، سيف العدل وهو قيادي مصري كان مقيماً في إيران وربما ما زال موجوداً فيها، علماً بأن لديه علاقات مع «الحرس الثوري» الإيراني الذي استضافه بعد فراره من أفغانستان إثر الغزو الأميركي عام 2001.
وعلى رغم أن سيف العدل يبدو الشخصية الأبرز لخلافة الظواهري، فإن «القاعدة» ربما ستلجأ إلى اختيار شخصية أخرى انتقلت إلى أفغانستان للإقامة تحت حكم «طالبان» الجديد، كما فعل الظواهري نفسه. ويسمح مثل هذا الاختيار بأن يتجنب التنظيم اختيار شخصية تقيم تحت هيمنة الاستخبارات الإيرانية في شكل كامل، كما هو حال سيف العدل، إذا كان بالفعل ما زال مقيماً في إيران ولم يخرج منها كما فعل آخرون ضمن صفقات عديدة أبرمتها «القاعدة» مع مضيفيها الإيرانيين.
ومهما كانت هوية زعيم «القاعدة» الجديد، فإن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن التنظيم لم يعد اليوم تنظيماً مركزياً يتم التحكم به كلياً من مركز قيادة (القيادة العامة)، كما كان الحال في التسعينات أيام قيادة بن لادن. فقد أرغمت الحرب الأميركية ضد الإرهاب تنظيم «القاعدة» على التأقلم مع واقع جديد يفرض التحول إلى لامركزية القرار من خلال إقامة فروع مستقلة إلى حد كبير، على غرار فروع «القاعدة» في اليمن أو المغرب الإسلامي وبلدان الساحل الأفريقي وشرق أفريقيا وسوريا. وهذه الفروع تتصرف منذ سنوات في شكل مستقل عن قيادة «القاعدة» المركزية ممثلة بالظواهري الذي كان مختبئاً على ما يُعتقد في بلاد القبائل بباكستان، قبل انتقاله إلى أفغانستان. ومن المرجح أن تستمر «القاعدة» في اعتماد لامركزية القرار وترك مساحة واسعة لفروعها لاعتماد السياسة التي تناسب واقعها مهما كانت شخصية الزعيم الجديد للتنظيم.

ماذا عن «داعش»؟
لا يختلف اثنان على أن تنظيم «داعش» كان المنافس الأساسي لـ«القاعدة» خلال العقد الماضي، وألحق بها ضربات ربما تكون أشد من الضربات التي تلقاها التنظيم من الأميركيين أنفسهم. لكن وضع «داعش» اليوم يبدو، في الواقع، أسوأ بأشواط من وضع «القاعدة» نفسها. فقد خسر «داعش» «دولته» المزعومة في سوريا والعراق وتحول إلى مجرد خلايا قليلة العدد تشنّ هجمات متفرقة ضد القوات العراقية أو القوات الكردية في شرق الفرات بسوريا وضد قوات النظام السوري غرب الفرات. كما خسر «داعش» قادته واحداً تلو الآخر، بدءاً بأبو بكر البغدادي وانتهاءً بأبو إبراهيم القرشي. وحتى فروع «داعش» التي «التهمت» فروع «القاعدة» في السنوات الماضية تبدو حالياً في وضع بالغ الضعف. ففرع ليبيا الذي أقام «إمارة» متكاملة في معقله بسرت، تم القضاء عليه تماماً، كما يبدو، باستثناء بعض الخلايا التي ما زالت ناشطة في عمق الصحراء بجنوب ليبيا. أما فرع ولاية سيناء، فقد تفكك إلى حد كبير وتم طرده من معاقله بعد سلسلة هجمات واسعة شنّتها قوات الأمن المصرية خلال السنوات الماضية. وكذلك هو وضع «داعش» في بلاد الساحل الأفريقي؛ إذ تم القضاء على زعيم هذا التنظيم بعد أشهر فقط من مقتل منافسه الأبرز أبو بكر شيخاو زعيم فرع «القاعدة» في الساحل (بوكو حرام سابقاً).
ويبقى فرع «داعش» في بلاد خراسان أحد أكثر فروع التنظيم الإرهابي نشاطاً حالياً، لكن مشكلته الأساسية أنه يعيش صداماً دائماً مع حكام أفغانستان الجدد: حركة «طالبان» التي تستضيف «القاعدة»، غريمه «داعش»!



بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.