آمال كبرى معلقة على الرئيس الجديد لدويتشه بنك الألماني لتجاوز أزمته

البراغماتي الصارم جون كريان يخلف رئيسي البنك المستقيلين

جون كريان
جون كريان
TT

آمال كبرى معلقة على الرئيس الجديد لدويتشه بنك الألماني لتجاوز أزمته

جون كريان
جون كريان

يطرح جون كريان، المدير المالي السابق لمجموعة (يو بي إس) الذي اختاره دويتشه بنك كما أعلن أول من أمس الأحد في منصب المدير التنفيذي، الكثير من الصفات المميزة إلى طاولة البنك العريق، حسبما أفاد زملاؤه.
يتميز كريان بالذكاء، والمقدرة التحليلية العالية، ربما وبمزيد من الأهمية، قدرته على إجبار البنوك العملاقة على ابتلاع أقراص الأزمات المريرة.
في عام 2008، في خضم أيام الأزمة المالية الحالكة، تولى منصب المدير المالي لدى مجموعة (يو بي إس) المالية التي تعرضت لعملية إعادة هيكلة شاقة وجذرية وأجبرت فيها على شطب ما قيمته 50 مليار دولار من مجمل أصولها.
يقول كين مويليس، المدير التنفيذي لمؤسسة مويليس وشركاه، الذي عمل عن قرب مع كريان في مجموعة (يو بي إس) «إنه يتميز بصدق ذهني رائع وانضباط حازم. وهو ليس من الذين ينظرون للمشاكل ولا يعيرونها جل اهتمامهم».
هذا وقد أعلن دويتشه بنك الأحد الماضي عن استقالة كل من يورجن فيتشن وانشو جين، الرئيسين التنفيذيين المشاركين السابقين للبنك، في استجابة مباشرة، في جزء منها، إلى الضغوط الممارسة من قبل المساهمين الذين وجهوا للبنك الكثير من الانتقادات بشأن استراتيجيته المالية، وعوائد الأرباح الباهتة، بالإضافة إلى الأزمات القانونية المتواصلة. وقد أعرب المستثمرون عن قلقهم من أن البنك لم يعمل بصورة كافية على علاج قضاياه القانونية أو ميزانيته العمومية.
وتعتبر استقالة جين (52 عاما) نافذة المفعول اعتبارا من نهاية يونيو (حزيران) الحالي. غير أن فيتشن (66 عاما) سوف يستمر في متابعة مهام عمله لعام آخر ضمانا لانتقال سلس لسلطاته إلى كريان حسبما أفاد بذلك دويتشه بنك. أما كريان فسوف يقود أعمال البنك برفقة فيتشن حتى نهاية العام القادم، ومن ثم يستأثر بمفرده بمهام الرئيس التنفيذي للبنك العملاق.
كثيرا ما نال جين الكثير من الانتقادات إثر رئاسته لبنك الاستثمار ضمن دويتشه بنك قبل سيطرته الكاملة على البنك. وقد كان بنك الاستثمار هو السبب الرئيسي لغالبية المشاكل الحالية التي تواجه دويتشه بنك. وقد تساءل البعض ما إذا كان جين قريبا للغاية من تلك المشاكل حتى يتمكن من التعامل معها وحلها.
في أبريل (نيسان)، وافق دويتشه بنك على سداد مبلغ 2.5 مليار دولار إلى السلطات الأميركية والبريطانية من أجل تسوية الاتهامات الدافعة بأن بعض موظفي البنك كانوا قد تآمروا على التلاعب بأسعار الفائدة القياسية. ولم توجه الاتهامات إلى جين بالاضطلاع بأي دور في تلك المسألة، غير أن الانتقادات وجهت إلى البنك لعدم تعامله مع القضية بصورة أفضل.
يحدو الكثيرون الأمل في أن كريان، وهو المصرفي الذي عمل في مؤسسات مالية كبيرة من قبل، سوف يأتي بمنظور جديد من حيث الميزانية العمومية واستراتيجية البنك الكلية. يقول عمر فول، وهو محلل اقتصادي لدى مؤسسة جيفريز «مع اعتلاء جون كريان لمنصب الرئيس التنفيذي فإننا نعتقد بانتقال دويتشه بنك من إحدى الفرق الإدارية ضعيفة الكفاءة، من زاوية المستثمرين، إلى واحد من أكثر الفرق المتمتعة بالمصداقية».
ويتوقع ديفيدي سيرا - وهو أحد مديري صناديق التحوط في لندن، والذي يستثمر صندوقه البالغ 2.5 مليار دولار في أسهم الخدمات المالية والائتمان - أن كريان سوف يجري تغييرات مهمة في دويتشه بنك، ويقول: «أتوقع منه أن يزيد من رأس المال ويقلص بقوة أكبر من إمبراطورية الخسائر المستمرة التي خلفها انشو جين».
كان كريان رئيس سيرا الأول حينما كانا يعملان سويا في بنك إس جي واربورغ في لندن، كما أضاف سيرا بأنه استمتع كثيرا بالتعلم من كريان، وأردف يقول: «إنه عقلاني، وهادئ، ومفكر عميق، وليس من عشاق المظاهر. إنه يعبر عن الصورة المضادة للنموذج الشائع لكبار المتداولين أو الرؤساء التنفيذيين بالبنوك الكبرى».
وكان كريان، المحاسب المخضرم، قد التحق بالعمل لدى بنك إس جي واربورغ في عام 1987. وظل في عمله هناك حتى صار البنك جزءا من مجموعة (يو بي إس) المالية. ولقد عاش كذلك في ألمانيا لفترة خلال حياته المهنية ويتحدث الألمانية بطلاقة، مما قد يفيده كثيرا في منصبه الجديد حيث إن دويتشه بنك هو أكبر بنوك البلاد قاطبة.
كما كان كريان جزءا من فريق الخدمات المالية المصرفية. ولقد تقدم بنصائحه لصالح بنك إيه بي إن أمرو الهولندي خلال دفاع البنك ضد جهود الاستيلاء والسيطرة عليه في عام 2007. كما كان مصرفي العلاقات الرئيسي لدى بنك ستاندرد تشارترد حيث عمل على الكثير من عمليات الاستحواذ، ومن بينها الاستحواذ على مانهاتن كارد بواسطة بنك مانهاتن تشيس في عام 2000 وبنك ناكورنثون في تايلاند عام 1999. وكان وكيل الاكتتاب العام المبدئي في بنك الصين.
ولقد غادر منصبه في مجموعة (يو بي إس) في عام 2011. بعد ترقيته إلى منصب المدير المالي للمجموعة فضلا عن رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لفرع المجموعة في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي العام التالي، صار مدير فرع أوروبا في تيماسيك، وهو صندوق الثروة السيادية الضخم لدولة سنغافورة، حيث بقي هناك لمدة عامين.
يأتي كريان إلى دويتشه بنك وبرفقته معرفة وخبرة عميقة بأعمال البنك. في عام 2013، التحق بالمجلس الرقابي لدى دويتشه بنك، حيث شغل منصب رئيس لجنة التدقيق والمراجعة وكعضو في لجنة تقدير المخاطر.
جاء رحيل جين بمثابة مفاجأة كبيرة، رغم كافة مآسي وأزمات البنك. حيث إن المجلس الرقابي قد منحه مؤخرا المزيد من الصلاحيات للإشراف على عملية إعادة هيكلة أخرى يُقصد منها تبسيط البنك وحفظ مبلغ يقدر بـ3.5 مليار يورو أو ما يساوي 3.9 مليار دولار. ولم تلق تلك الخطة قبولا أو استحسانا.
كتب هيو فان شتينس، رئيس أبحاث الأسهم للبنوك الأوروبية لدى بنك مورغان ستانلي «كان من شأن استراتيجية دويتشه بنك أن تشكل نقطة انعطاف قوية بالنسبة للأسهم - غير أنها أحبطت على كثير من المستويات». وأضاف أن المستثمرين أرادوا للبنك أن يمتلك القوة والمقدرة على النمو، وتحقيق عوائد الأسهم المستديمة، واستراتيجية أعمال واضحة، والقدرة على تنفيذ تلك الاستراتيجية مع تحديد مواضع ذكية للتعافي من الأزمات. وأردف قائلا: «بمنتهى البساطة، ليس دويتشه بنك هو غولدمان ساكس الأوروبي بحال».

* خدمة «نيويورك تايمز»



تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.


لا انقطاع بصرف الحصص الدولارية للمودعين في بنوك لبنان

مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)
مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)
TT

لا انقطاع بصرف الحصص الدولارية للمودعين في بنوك لبنان

مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)
مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

بدَّد مصرف لبنان المركزي الهواجس المتداولة في الأسواق بشأن وقف العمل بدفع حصص شهرية بالدولار النقدي لصالح المودعين في البنوك، عبر التحضير لتمديد المهلة الزمنية لتطبيق مفعول التعميمين 158 و166، قبل آخر شهر يونيو (حزيران) المقبل، وريثما يتم اعتماد آليات جديدة بموجب مشروع قانون «الفجوة» المحال من الحكومة إلى مجلس النواب.

وأكد مسؤول كبير في البنك المركزي -في اتصال مع «الشرق الأوسط»- اتخاذ القرار لإصدار تعميم يقضي بتمديد العمل بالتعميمين لمدة 6 أشهر على الأقل، واستطراداً استمرار صرف الحصص وفق الآلية السارية، نقداً وعبر بطاقات الدفع الإلكتروني، بما يؤمِّن سيولة فعلية بقيمة ألف دولار شهرياً للتعميم الأول، وبمبلغ 500 دولار للمستفيدين من التعميم الثاني.

وليس ممكناً -وفق المسؤول المعني- التخلي عن ضخ الحصص الشهرية، ريثما يحدد مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع -بعد إقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب- الآليات النهائية لضخ شرائح الودائع المضمونة بحد أقصى يبلغ 100 ألف دولار لكل مودع، مهما تعددت حساباته، خلال 4 سنوات، ولإصدار شهادات مالية بضمانة أصول لدى البنك المركزي للشرائح الأعلى من السقف المضمون، وموزعة حسب المبالغ، على آجال 10 و15 و20 سنة.

ويجري التداول في المجلس المركزي لمصرف لبنان، باحتمال الاضطرار إلى رفع السقوف المجمعة لمبالغ التعميمين، بما يضمن عدم الانقطاع عن صرف الحصص الشهرية في حال استمرار التأخير بتشريع خطة متكاملة لإعادة الاستقرار المالي، والقوانين اللازمة لإصلاح وضع المصارف وتنظيمها، والانتظام المالي واسترداد الودائع.

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد يُطلع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على آخر التطورات النقدية (الرئاسة اللبنانية)

ويلفت المسؤول المعني إلى إشهار مصرف لبنان تأكيده على متابعة دفع المتوجبات ضمن التعاميم: «لما في ذلك من أهمية لدعم المودعين وقدرتهم المالية بشكل خاص والاقتصاد المحلي بشكل عام، لما في ذلك من مسؤولية قانونية واجتماعية تجاه المودعين؛ خصوصاً في هذه الظروف الصعبة».

وقد تسببت الهواجس من تداعيات تراجع التدفقات النقدية وانكماش واردات الموازنة العامة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، جرَّاء الحرب في لبنان والمنطقة، وتأثيراتها المستمرة على مصادر مهمة لدخول العملات الصعبة وفي مقدمها السياحة والتحويلات من الخارج، في شيوع مخاوف مشروعة من تناقص مخزون الاحتياطيات بالدولار لدى البنك المركزي، واستتباعاً الاضطرار إلى تقنين الصرف النقدي من قبله، والذي يتعدَّى 500 مليون دولار شهرياً، بالمناصفة تقريباً بين سداد مخصصات القطاع العام وصرف الحصص الشهرية للمودعين المستفيدين من التعميمين.

لكن تجربة الحرب السابقة كرَّست -حسب المسؤول الرفيع المستوى- نجاعة السياسة النقدية التي يعتمدها البنك المركزي في إدارة السيولة، وسد منافذ أي مضاربات محتملة تصيب العملة الوطنية من خلال التحكم الصارم بسيولة الليرة؛ بل ساهمت بفاعلية في طمأنة عامة المواطنين والأسواق من خلال ديمومة صرف المستحقات للقطاع العام، ومبادرة الحاكم السابق بالإنابة، وسيم منصوري، مرتين متتاليتين، إلى مضاعفة حصص المودعين، بهدف تعزيز الثقة، ومعاونتهم على مواجهة أعباء الإنفاق المستجدة.

مصرف لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

وفي انتظار الخطة المتكاملة، شكَّلت هذه السياسة المعتمدة من حاكمية البنك المركزي: «استجابة للحاجة الملحَّة والإنسانية لمئات آلاف المودعين الذين لا تزال أموالهم محجوزة في النظام المالي والمصرفي منذ سنوات عدة، وساهمت في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي، وضمن صلاحياته الحصرية بموجب قانون النقد والتسليف، وباستخدام الأداة القانونية الوحيدة المتاحة»، والمترجمة عملياً بتطبيق التعميم 158 منذ منتصف عام 2021، وإلحاقه بالتعميم 166 بدءاً من فبراير (شباط) من عام 2024.

ووفق رصد إحصائي، يتبيَّن أنَّ صافي الرصيد للحساب المتفرع الأعلى، والمتبقي لدى المستفيدين من التعميم الأساسي، سيبلغ نحو 10 آلاف دولار بنهاية الشهر المقبل، مما يستلزم فترة 10 أشهر لصرفه، طبقاً للحصص المعتمدة بواقع 800 دولار نقداً و200 دولار عبر بطاقات الدفع. في حين أن جميع المستفيدين من التعميم عينه، والذين كانت ودائعهم تساوي أو تقل عن 40.2 ألف دولار قد استردوا كامل مدَّخراتهم حتى نهاية شهر أبريل (نيسان) 2026.

وبموجب الجداول الإحصائية المنجزة لدى البنك المركزي؛ بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للاستفادة من التعميمين 158 و166، نحو 611 ألف طلب، وبلغ العدد الإجمالي للمستفيدين نحو 578 ألف مودع حتى نهاية مارس (آذار) الماضي، من بينهم نحو 266 ألف مودع، أي ما نسبته 46 في المائة من الإجمالي، استعادوا كامل ودائعهم في الحساب الخاص المتفرع، ما أفضى إلى انخفاض بنحو مليوني دولار في مبالغ الدفعات الشهرية للتعميمين، لتصل إلى نحو 240 مليون دولار.

وبلغت الحصيلة المجمعة لعمليات السداد من بدء تطبيقها للتعميمين، نحو 6.1 مليار دولار حتى نهاية الفصل الأول من العام الحالي، موزعة بنحو 4.18 مليار دولار، أي بنسبة 68.4 في المائة، تكفل البنك المركزي بضخها من الاحتياطي الإلزامي، بينما غطت المصارف التجارية نحو 1.92 مليار دولار، أي ما نسبته 31.5 في المائة من مجموع المدفوعات الخاصة بالتعميمين.