لوتريامون على حافة الجنون

مات في الرابعة والعشرين وحيدًا مهجورًا في غرفة فندق بباريس

لوتريامون
لوتريامون
TT

لوتريامون على حافة الجنون

لوتريامون
لوتريامون

ربما لم يشهد تاريخ الآداب الفرنسية شخصا في مثل هذه القسوة والرعونة والضرب عرض الحائط بكل المشاعر والقيم الإنسانية. هل ينبغي أن نستثني المركيز دو ساد؟ فعندما تقرؤه - هذا إذا ما تجرأت على قراءته - تصدمك صوره الشاذة وأفكاره المرعبة إلى أقصى الحدود. وربما بسبب ذلك - فإن السرياليين يضعونه على قمة الشعر الفرنسي. بل ويفضلونه على رامبو، معبودهم الأول، لأنه ذهب في الوحشية والخروج على المألوف مبلغا لم يتجرأ عليه صاحب «الإشراقات» و«فصل في الجحيم». إنه شخص لا أخلاقي بالمرة ولكنه يتمتع بعبقرية شعرية خارقة. هل هي عبقرية الشر؟ دون شك. ولكن أحيانا تمر به لحظات ناعمة إذا جاز التعبير، لحظات رومانطيقية لا تخلو من حنين مؤثر بل وحتى جارف. انظر مناجاته الشجية للمحيط الأطلسي وكأنه صديق شخصي قديم..أو قل إنه ينتقل فجأة من الشر إلى الخير، من الوحشية الصرفة إلى الغنائية العذبة. فمن هو هذا الشخص الذي أحدث بلبلة في الآداب الفرنسية فلعنه البعض ومجده الآخرون؟ تقريبا لا نعرف عنه أي شيء لأنه لم يعش أصلا لكي نعرف. لقد مات في الرابعة والعشرين وحيدا، مهجورا، في غرفة فندق بباريس. هل يعقل أن يشغل الآداب الفرنسية شخص مات في مثل هذه السن المبكرة؟ صحيح أن رامبو مات شعريا قبل ذلك. ولكن على الأقل رامبو كانت له علاقة بالحلقات الأدبية الباريسية وبفرلين على وجه الخصوص.ثم إنه كانت لرامبو حياة صاخبة نعرفها بكل مراحلها بدءا من مدينته الصغيرة شارلفيل وحتى باريس مرورا بلندن وبروكسل وانتهاء بعدن وحرار وبلاد العرب. أما إيزودور دوكاس الملقب بلوتريامون فلا يكاد أحد يعرف عنه شيئا يذكر. إنه سر الأسرار أو مجهول المجاهيل. ليست له بيوغرافيا أو حياة شخصية. من هنا الغموض المرعب الذي يحيط بهذا الشخص وكل إنتاجه الشعري الذي لا يتجاوز مجموعتين صغيرتين هما: أناشيد مالدورور، وأشعار. والثاني يشبه الكتابة النثرية التنظيرية وهو نقيض الأول!
بما أني لا أستطيع تحمل مسؤولية الحديث عنه فلأترك ذلك لمن هم أكبر مني وأهم. لأدع كبار نقاد فرنسا وكتابها يتحدثون عنه. وهكذا أنفض يدي منه تماما ولا أتحمل أي مسؤولية. يقول ذلك المجنون الرائع أنطونين ارتو: إنه - أي لوتريامون - شاعر مسعور بالحقيقة. لاحظوا هذه الكلمة الهامة جدا هنا: «مسعور». أما ليون بلوا فيقول هذه العبارة: إنه شخص مجنون هذا الذي يتكلم في ديوان أناشيد مادورور. إنه شخص تافه، أكثر المستلبين تمزقا. ثم يضيف عام 1890 أي عندما كانوا قد اكتشفوا للتو مجموعتي لوتريامون: إن الأشخاص الميالين إلى السوداوية والكآبة كانوا دائما يحبون الأنقاض. فموظفو الحزن ومحاسبو الألم ليس لهم بيت آخر لكي يأكلوا فيه، ويتناسلوا ويناموا. لقد اطلعنا مؤخرا على كتاب غير معروف حتى الآن على الرغم من أنه طبع في بلجيكا قبل عشر سنوات. ولكن لم ينتبه إليه أحد. واسمه أناشيد مالدورور لمؤلفه لوتريامون. إنه كتاب لا شبيه له في التاريخ وربما لقي صيتا عاليا وأصداء واسعة في المستقبل. وأما مؤلفه فقد مات في زنزانة، مجنونًا وهذا كل ما نعرفه عنه. من الصعب أن نعرف فيما إذا كانت كلمة وحش كافية لوصف هذا الشخص أو لوصف كتابه بالأحرى. فقد لا يكون هو حقيرا إلى مثل هذا الحد. ولكن لا ريب في أنه مستلب العقل كليا ذلك الشخص الذي يتحدث في الديوان بضمير الأنا. إنه مجنون حقيقي. أحيانا يتوقف فجأة عن الحلم بعالم لا نهائي لكي يطلق هذه الصرخة الممزقة: من هو إذن ذلك الشخص الذي سيضربني بقضيب من حديد على رأسي كما تضرب المطرقة السندان؟ فلعل رأسي تنكسر وأرتاح من هذه الحياة..
وأما أندريه مالرو فقد كتب عام 1920 مقالة عن لوتريامون ولكنها سلبية وهجائية جدا. فهو يعتبره صبيانيا وطفوليا أكثر من اللزوم. وهل يلام الأطفال على عبثهم وألاعيبهم؟ هل يمكن لشاب مراهق لم يعرك الحياة بعد ولم يشهد المعاناة والتجارب الكافية أن يكتب شعرا عظيما؟ يشك مالرو في ذلك كل الشك. ثم ينقل عنه صورة غير دقيقة، صورة أسطورية إذا جاز التعبير. فهو يعتقد أن لوتريامون كان يعيش دون طعام تقريبا، ولا يشتغل إلا في الليل بعد أن يكون قد عزف على البيانو طيلة ساعات وساعات. وكان يشرب عددا هائلا من فناجين القهوة إلى درجة أنه كان يزعج خادم الفندق..
ثم جاء السرياليون وأعطوا للوتريامون المكانة والشهرة المدوية بعد أن كان مغمورا تماما. وقد رفعه زعيمهم أندريه بريتون إلى أعلى عليين عندما صرح عام 1919: أعتقد أن الأدب يميل لأن يصبح بالنسبة للمحدثين آلة جبارة تحل محل الطرق القديمة للتفكير. ضمن هذا المعنى فإن لوتريامون تعبير عن إلهام خارق يتجاوز كل الإمكانيات البشرية! ثم يضيف: في نظر بعض الشعراء المعاصرين فإن مجموعتيه (أناشيد مالدورور، وأشعار) تشكلان إشراقة رائعة لا مثيل لها في تاريخ الشعر. ونفهم من كلام بريتون أن لوتريامون شاعر حديث بشكل مطلق ويائس بشكل مطلق أيضا. إنه أكثر شعراء فرنسا عداء للتقاليد والامتثاليات الاجتماعية. من هذه الناحية فهو يتفوق على رامبو الذي لم يبلغ من الوحشية مبلغه على الرغم من شذوذه وخروجه على المألوف. إنه أي لوتريامون - شخص خارج على المجتمع كليا. من هنا جاذبيته أصلا وبخاصة بالنسبة للسرياليين الذين كانت أفعالهم وفضائحهم تهز باريس. ألم ينتقموا من عدوهم أناتول فرانس بعد وفاته عندما دخلوا إلى الغرفة المسجى فيها وكشفوا عنه الغطاء وصفعوه عدة صفعات على وجهه وهو ميت؟ وكل ذلك أمام المعزين والشخصيات الحاضرة المذهولة التي لا تكاد تصدق ما يجري! من يفعل ذلك إلا السرياليون؟ لهذا السبب أحبوا لوتريامون لأنه مجنون مثلهم بل وأكثر منهم.لم يجدوا في تاريخ الآداب الفرنسية شخصا يتفوق عليهم جنونا واستهتارا إلا هو.
ثم دشن لوتريامون بواسطة فوضاه ونزعته التدميرية الهائلة كونا جديدا ترتبط فيه الكلمات والأشياء بعلاقات غريبة خارقة للعادة. من هنا جاذبيته أيضا وابتكاريته غير المسبوقة. فصوره الشعرية المبتكرة كليا أو مجازاته الإرهابية لا مثيل لها في تاريخ الأدب الفرنسي أو حتى العالمي. ولذا يمكن القول بأن لوتريامون يمثل بداية مطلقة لشيء آخر في الشعر. إنه شعر غير الشعر: لا قبله ولا بعده. إنه الجنون بعينه. لقد انتهت تلك الحدود الواضحة التي تحصر علاقات الكلمات ببعضها، أو الأشياء ببعضها. فلوتريامون انتهك كل العلاقات والمعقوليات. وطرأت طفرة دائمة على الأشياء كما على الأفكار. وسوف تؤدي إلى تحريرها كلها وتحرير الإنسان كما يعتقد أندريه بريتون. ثم يصل الأمر به وبقية السرياليين الآخرين من أمثال أراغون وايلوار إلى حد منع النقاد من دراسة هذا الشعر، أو حتى مسه مجرد مس. فأي دراسة نقدية تلوثه مهما كانت نافذة وكبيرة. إنه فوق الدراسة والنقد. إنه قدس الأقداس الشعرية!
وأما غاستون باشلار فقد أصدر عام 1939 كتابا بعنوان: لوتريامون. وقد طبق عليه منهجية التحليل النفسي لكي يضيئه من الداخل. ومنذ البداية طرح هذا السؤال: ما هي إذن تلك العقدة النفسية التي خلعت على أعمال لوتريامون كل طاقتها الإبداعية والتفجيرية الخارقة؟ والجواب: إنها عقدة الحياة الحيوانية. المقصود عقدة العدوان أو شهوة العدوان بالأحرى. ويبدو أنها كانت تعمر قلب هذا الشاعر الغريب الأطوار. وهذه العقدة هي ما ندعوها بعقدة المراهقين أو ضغينة المراهقين. وقد أحس بها الشاب لوتريامون عندما كان على مقاعد الدرس في المدرسة الثانوية. ولم يتخلص منها إلا بعد أن كتب ديوانه العبقري: أناشيد مالدورور. ويبدو أن لوتريامون بعد أن صب على الورق كل ما يعتمل في أحشائه من نزعات عدائية مدمرة، بعد أن كتب هذا الديوان الذي لا مثيل له في تاريخ الشعر الفرنسي، فإنه لم يعد يعني له شيئا. بل وأصبح معاديا له وكارها. والدليل أن ديوانه التالي كان مضادا له تماما. فبعد أن مجد الشر راح يمجد الخير والفضيلة. وهذا يعني أن الديوان الأول، الشيطاني النزعة، كان نتاج العقدة النفسية التي تؤرقه. وقد كتبه فقط لكي يتحرر منها ويسيطر على عقدته. وما إن نجح في ذلك حتى تنكر لإبداعه.
هذا على الأقل ما يعتقده الطبيب النفساني جان بول سولييه. فقد كرس للشاعر كتابا كاملا بعنوان: «لوتريامون: عبقري أم مريض عقلي؟» وقد صاغ أطروحته على النحو التالي: هناك تشابه مدهش بين أشعار لوتريامون والأعمال الفنية التي يرسمها المجانين المصابون بالشيزفرونيا: أي بانفصام الشخصية. ويقول الدكتور سولييه بأن لوتريامون ربما كان قد أصيب بذلك المرض الذي يصيب المراهقين عادة والمدعو بالذهان المزمن. وهو عبارة عن اختلال في الوظائف العقلية، اختلال ينتج عن اضطراب شامل في الشخصية فيصبح المرء عاجزا عن التكيف مع المجتمع. والواقع أن لوتريامون كان دائما وحيدا، يعيش بعيدا عن عائلته المقيمة في نيكارغوا فيما وراء المحيطات، وبعيدا عن أصدقائه النادرين المقيمين في الأقاليم الفرنسية البعيدة عن باريس. وبالتالي فهو شخص مقطوع. وكما ذكرنا فقد مات وحيدا في غرفته أثناء الليل. ولو لم ينتبه إليه موظف الفندق ويفتح الباب فجأة لربما ظل جثة هامدة عدة أيام قبل أن يكتشفوه.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.