كيف تفوز بكأس العالم؟

فرنسا آخر أبطال كأس العالم (الشرق الأوسط)
فرنسا آخر أبطال كأس العالم (الشرق الأوسط)
TT

كيف تفوز بكأس العالم؟

فرنسا آخر أبطال كأس العالم (الشرق الأوسط)
فرنسا آخر أبطال كأس العالم (الشرق الأوسط)

على مدى عقود من الزمان، كان يُنظر إلى المديرين الفنيين للمنتخبات على أنهم الأفضل، وأنهم يعملون في قمة اللعبة. وكانت كأس العالم هي المكان الذي يلتقي فيه كبار المديرين الفنيين، تماماً كما كان يلتقي أفضل اللاعبين داخل أرض الملعب. ورغم أن الأهمية المتزايدة للدوريات المحلية ودوري أبطال أوروبا قد قللت من سمعة كرة القدم الدولية في القرن الحادي والعشرين، لا يزال هناك سحر استثنائي لقيادة أحد المنتخبات الوطنية إلى تحقيق المجد، لأنه لا توجد وظيفة أخرى في عالم كرة القدم تمنح المدير الفني فرصة لإضفاء مثل هذه البهجة الكبيرة على هذا العدد الهائل من الناس.
علاوة على ذلك، لا يمكن لأي مدير فني أن يتحمل الضغوط الهائلة التي يواجهها من يعمل في هذه الوظيفة. لقد حاول بعض من أعظم المديرين الفنيين للأندية وبعض من أفضل اللاعبين السابقين في كرة القدم تكرار نجاحاتهم على الساحة الدولية، لكنهم اكتشفوا أن الأمر يتطلب شخصية استثنائية لتحقيق النجاح في هذا الأمر. وقد أدى ذلك إلى ظهور مجموعة من المديرين الفنيين والخبراء المتخصصين في قيادة المنتخبات الذين تُناسب حالتهم المزاجية وطريقة عملهم نوعاً مختلفاً من كرة القدم. إذن، ما هو نوع المدير الفني الذي يناسب كرة القدم على مستوى المنتخبات، وكيف يمكن للمديرين الفنيين للأندية أن يتأقلموا مع ذلك؟
لو سأل أي شخص روبرتو مارتينيز، قبل ثلاثة أشهر فقط من أن يصبح مديراً فنياً لمنتخب بلجيكا عما إذا كان العمل في كرة القدم على مستوى المنتخبات في تفكيره وخططه، لأعطاهم إجابة مباشرة، وهي لا، خصوصاً أنه كان أحد أهم المديرين الفنيين في الدوري الإنجليزي الممتاز على مدار المواسم السبعة السابقة. لقد كان مارتينيز مديراً فنياً مثالياً للأندية، ورغم أن فترته الثالثة مع إيفرتون لم تسر على ما يرام، فقد تفاجأ الكثيرون بتوليه القيادة الفنية لمنتخب بلجيكا، بل وربما كان ذلك مفاجئاً لمارتينيز نفسه!
قال لي مارتينيز، «إنه شيء لا تخطط له. تقول دائماً إن كرة القدم على مستوى المنتخبات تكون البداية بالنسبة للمدير الفني إذا كان لاعباً سابقاً، وهي الوظيفة الأولى التي تمثل مقدمة للعمل في مجال التدريب؛ أو يعمل بها المدير الفني في نهاية مسيرته إذا كان يمتلك خبرات كبيرة، ولا يريد العمل مع الأندية التي تتطلب قيادتها العمل بشكل يومي. وفي حالتي، فقد كنت منفتحاً على مشروع جديد».


أوتمار هيتسفيلد (الشرق الأوسط)

لقد دفعه إغراء العمل مع الجيل الذهبي لمنتخب بلجيكا المدجج بالنجوم للانتقال من العمل مع الأندية للعمل على مستوى المنتخبات، وهو في الثالثة والأربعين من عمره. لكن كان من الضروري إجراء تعديل كبير على طريقة عمله. يوضح مارتينيز ذلك قائلاً: «كان الأمر صعباً للغاية، وكنت أحارب باستمرار بالطريقة التي كنت أعمل بها. كرة القدم على مستوى الأندية تتطلب العمل على مدار 24 ساعة، وتتعلق دائماً بالتطلع إلى الأمام - من النادر جداً أن تحصل على فرصة للنظر إلى الوراء، فكل شيء يدور حول ما يمكنك القيام به من أجل الفوز بالمباراة التالية. وحتى المؤتمر الصحافي الذي يُعقد بعد 90 دقيقة من نهاية المباراة يركز على ما سيحدث في المباراة التالية، والطريقة التي يمكنك بها التأثير على الاستعدادات».


سكولاري أحد المدربين الذين قادوا البرازيل لإحراز كأس العالم (الشرق الأوسط)

ويضيف: «لكن كرة القدم على مستوى المنتخبات عكس ذلك تماماً، فهي تتعلق بالعمل لفترة مكثفة للغاية، وبعدها لا تشارك أي مشاعر مع اللاعبين، وهو الأمر الذي يُغير قوة العلاقات والمجموعة – فسواء حققت الفوز أو خسرت، يغادر اللاعبون ويعودون إلى أنديتهم. وفي هذه المرحلة، يتعلق الأمر بالتحضير للمباراة التالية من خلال النظر إلى الوراء وإعادة التقييم، وأنا أستمتع بذلك».
لكن الانتقال إلى العمل بشكل أبطأ ووجود فرصة كبيرة للنظر إلى الوراء لا يناسب جميع المديرين الفنيين، حيث يشعر بعض المدربين بالقلق بسبب عدم التواصل بشكل منتظم مع اللاعبين، وعدم القدرة على تدريب اللاعبين بشكل يومي، وخوض المباريات على فترات طويلة. وكان أنطونيو كونتي، يشتاق إلى ما وصفه بـ«ضغط» المباريات على مستوى الأندية خلال العامين اللذين قضاهما في قيادة منتخب إيطاليا.
كان يتعين على مارتينيز أن يتغلب على الأمر نفسه في البداية، لكنه سرعان ما تكيف مع الإيقاع الجديد. يقول عن ذلك: «على مستوى الأندية، يكون لديك 60 حصة تدريبية استعداداً لأول مباراة في الموسم الجديد. لكن عندما تنتقل إلى العمل مع المنتخبات، يكون لديك ثلاثة أيام فقط قبل المباراة. لدينا خمسة معسكرات كل عام، لذا فالأمر يختلف عن لقاء اللاعبين كل يوم. كنت أعتقد أن طريقة التحضير للمباريات ومحاولة التأثير على اللاعبين ستكون هي نفسها، لكنني كنت مخطئاً. لقد اضطررت إلى تغيير طريقة تفكيري، والتركيز على ما هو أساسي في هذه الوظيفة، ومحاولة التعلم بسرعة كبيرة فيما يتعلق بكيفية إعداد اللاعبين بأفضل طريقة ممكنة في فترة زمنية قصيرة».
ويضيف: «عندما تغير هذه العقلية، يصبح كل شيء أسهل كثيراً. من المستحيل العمل مع المنتخبات بالطريقة نفسها التي تعمل بها على مستوى الأندية. عندما تدرك أن الأمر مختلف تماماً، يمكنك حينئذ أن تتطور. ويعد التخلي عن هذه الأفكار المسبقة جزءاً مهماً من انتقال المدير الفني من العمل على مستوى الأندية إلى العمل مع المنتخبات. لا يتواصل المدير الفني كثيراً مع اللاعبين، ويصبح الصبر هو الصفة الأبرز التي تميز المديرين الفنيين للمنتخبات، بينما تدور الأفكار الجديدة داخل رؤوسهم وهم يشاهدون مباريات الأندية كل أسبوع من المدرجات بعدما كانوا يقفون بجوار خط التماس!».
ويتابع: «في النادي، يمتلك المدير الفني القدرة على التحكم في كل جانب من جوانب الاستعداد للمباراة، وبالنسبة لأولئك الذين يرغبون في التحكم في زمام الأمور بشكل كامل، يكون من الصعب للغاية الانتقال إلى بيئة يكونون فيها في الخارج ينظرون إلى اللاعبين من بعيد. ويتعين على المديرين الفنيين للمنتخبات أن يتأكدوا من أنهم لن يتعاملوا بوقاحة مع لاعبيهم أو مع المديرين الفنيين للأندية التي يلعب لها هؤلاء اللاعبون».
يقول المدير الفني السابق لمنتخب سويسرا، أوتمار هيتسفيلد، «لم يكن لدي الكثير من الاتصالات مع اللاعبين عندما يكونون مع أنديتهم، نظراً لأنه كان يتعين عليهم التركيز على كرة القدم في أنديتهم. وبما أنني سبق لي العمل كمدير فني على مستوى الأندية، فأنا أعلم تماماً أنه لا يتعين على المدير الفني للمنتخب التدخل في عمل الأندية. وعندما تأتي فترة التوقف الدولي مرة أخرى، يكون اللاعبون متاحين لك ويمكنك توصيل الأشياء إليهم، لكنني أتركهم عندما يكونون في أنديتهم، ما لم يتصلوا هم بي».
يعد هيتسفيلد واحداً من خمسة مديرين فنيين فقط فازوا بلقب دوري أبطال أوروبا مع فريقين مختلفين - بروسيا دورتموند في عام 1997، وبايرن ميونيخ في عام 2001 - لكنه يعترف بأن الانتقال إلى العمل في مجال التدريب على مستوى المنتخبات كان يتطلب «تعديلاً كبيراً». ويقول عن ذلك، «المدير الفني للنادي يرى اللاعبين كل يوم، ويمكنه تطوير اللاعبين بشكل أفضل على أساس يومي، كما يمكنه إجراء الكثير من المناقشات معهم، وتدريبهم بشكل مكثف. أما مع المنتخبات، فإنك ترى اللاعبين وتخوض معهم مباراة ثم تبتعد عنهم لمدة ثلاثة أو أربعة أسابيع. يتعين عليك أن تتواصل بصراحة، وأن تكون صادقاً مع اللاعبين. كما يتعين عليك أن تتحدث بوضوح عن أهدافك، وأن تناقشها بوضوح، وأن تكون متسقاً ولديك رغبة كبيرة في تحقيق ما تسعى إليه».
ويتطلب النجاح على مستوى المنتخبات القدرة على العمل بإيجاز مع اللاعبين، نظراً لأن ضيق الوقت يفرض على المدير الفني أن يكون أكثر انتقائية بشأن التعليمات التي يجب أن ينقلها للاعبين، وأن يكون أكثر تركيزاً على الحصص التدريبية، والتفاصيل المتعلقة بطرق اللعب. ومن المهم أيضاً التأكد من أن الرسائل التي ينقلها المدير الفني يفهمها اللاعبون بالشكل الصحيح، اعتماداً على خلفية كل لاعب.
وقال لويس فيليبي سكولاري، المدير الفني لمنتخب البرازيل عندما فاز بكأس العالم في 2002، «عندما تتولى قيادة منتخب البرازيل، يجب أن تدرك أن جميع اللاعبين يأتون من أماكن مختلفة، واعتادوا على مواجهة مواقف مختلفة مع أنديتهم، ويحتاجون إلى التكيف مع البيئة الجديدة. يتعين عليك أن تكون أكثر انتباهاً، ويجب أن تكون الخطط التكتيكية محددة جيداً للمجموعة بأكملها، لأنك في النادي يمكنك العمل على هذه الأمور بشكل يومي، على عكس الوضع في المنتخبات، حيث لا يمتلك المدير الفني الوقت الكافي. لذلك، يتعين على المدير الفني للمنتخب أن يكون أكثر انتباهاً، وأن يجمع المزيد من البيانات، وأن يعتني بشكل خاص ببعض اللاعبين، ويحاول خلق مواقف في اللعب يمكن لجميع هؤلاء اللاعبين من مختلف الأندية حول العالم التكيف معها».
إن تكوين علاقة قوية بين لاعبي الفريق فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين المدير الفني من جهة أخرى، هو أمر مهم للغاية بالنسبة لأي فريق، وهو الأمر الذي يكون أكثر صعوبة أيضاً على مستوى المنتخبات. يقول سكولاري، «إنها حالة خاصة، فكل لاعب بجانبه لاعب آخر مختلف تماماً عنه. إنهم يمتلكون خصائص مختلفة تماماً، لذلك يجب أن تكون هناك عملية تكيف كبيرة جداً. ولكي يتطور اللاعبون ويقدموا مستويات أفضل، يتعين عليهم التكيف وفهم زملائهم في الفريق».
لكن بعض المديرين الفنيين يفضلون مجموعة محددة من اللاعبين، ولا يتعاملون معهم بالقسوة نفسها التي قد يتعامل بها المديرون الفنيون للأندية مع لاعبيهم. يتذكر تيري بوتشر، الفترة التي تولى فيها بوبي روبسون قيادة المنتخب الإنجليزي خلال الفترة بين عامي 1982 و1990، قائلاً: «لقد كان واضحاً جداً. وكانت يشعر بالسعادة عندما ينفذ اللاعبون التعليمات التي يطلبها منهم، وكان مخلصاً للاعبين الذين يفعلون ذلك. لقد كان يتحدث إلى اللاعبين بطريقة مألوفة وعاطفية للغاية، لكن أيضاً بطريقة منظمة للغاية ومنضبطة تماماً».
كان بوتشر هو قائد نادي إيبسويتش تاون خلال الفترة التي تولى فيها روبسون قيادة الفريق، لذا فإنه أكثر دراية بطريقة عمل المدير الفني الإنجليزي المحبوب أكثر من أي شخص آخر. وعندما سأل لاعبو المنتخب الإنجليزي بوتشر عما إذا كان روبسون يعمل مع إيبسويتش تاون بالطريقة نفسها، رد عليهم قائلاً إنه كانت هناك بعض الاختلافات الدقيقة في أسلوب عمله على مستوى المنتخبات. وكان أحد أكبر هذه التغييرات يتمثل في طريقة تعامله مع اللاعبين، لخلق حالة من الترابط الشديد بينه وبين اللاعبين، لدرجة أن وجود روبسون على رأس القيادة الفنية للمنتخب الإنجليزي كان أحد أهم أسباب رغبة اللاعبين في الانضمام إلى منتخب بلادهم.
يقول بوتشر، «الشيء الذي أحببته حقاً في بوبي هو أنه كان يأخذك إلى أحد الجوانب، ويضع ذراعه حولك، ويقول لك تعال معي يا بني، ثم يبدأ في الحديث معك. كل لاعب يحب أن يعرف ما إذا كان يلعب بشكل جيد أم لا، وكيف يمكنه تحسين مستواه. كان بوبي يفعل ذلك بشكل جيد للغاية، خصوصاً مع منتخب إنجلترا. لم يكن يرى اللاعبين الدوليين كثيراً، لكنه كان يتحدث معهم بالطريقة التي تجعلهم يشعرون بأنهم مرغوبون ومحبوبون، وهو الأمر الذي كان يجعل اللاعبين مستعدين للقيام بأي شيء من أجله. لقد كان يتصرف بالشكل نفسه في إبسويتش تاون، لكن نظراً لأنه كان يعمل مع اللاعبين بشكل يومي فقد كان أكثر صرامة وأكثر شراسة فيما يتعلق بحديثه إلى اللاعبين، لأنه كان مطالب بتحقيق نتائج جيدة بسرعة كبيرة. لكنه لم يستطع فعل ذلك مع اللاعبين الدوليين لأنهم لم يكونوا ملكاً لإنجلترا، بل يمكن القول بأنهم كانوا معارين إلى المنتخب الإنجليزي من أنديتهم».
وفي ظل الحاجة إلى الموازنة الدقيقة بين كل هذه الأمور، فلا عجب أن أصبح منصب المدير الفني للمنتخبات متخصصاً للغاية. وخلال السنوات الأخيرة، أصبح المديرون الفنيون يصعدون عبر الفئات العمرية المختلفة للمنتخبات، تماماً كما يحدث مع اللاعبين، وهو الأمر الذي رأيناه مع مديرين فنيين مثل غاريث ساوثغيت مع منتخب إنجلترا، ويواخيم لوف مع منتخب ألمانيا.
لم تكن هذه هي طريقة تعيين المديرين الفنيين للمنتخبات في الماضي، فغالباً ما كان اللاعبون السابقون البارزون ينتقلون مباشرة بعد الاعتزال لتولي تدريب منتخبات بلادهم، وكانت أسماؤهم الكبيرة وحدها كافية لتولي هذا المنصب. وكان لهذا النهج نتائج متباينة، حيث كان يفشل البعض، في حين كان البعض الآخر يحققون نجاحات كبيرة بعدما نجحوا في اغتنام الفرصة ليثبتوا أنهم بارعون كمديرين فنيين، تماماً كما كانوا بارعين كلاعبين.
إن تأثير وجود مثل هذه الشخصيات القوية على رأس القيادة الفنية للمنتخب الوطني كان قوياً للغاية، كما حدث مع منتخب ألمانيا الغربية عندما حل فرانز بيكنباور محل يوب ديروال في عام 1984 - بعد شهور قليلة من اعتزال بيكنباور. كان بيكنباور أحد أبرز النجوم على مستوى العالم، وشارك في نهائي كأس العالم مرتين كلاعب، وفاز بكأس العالم في عام 1974 بعد أن خسر المباراة النهائية أمام إنجلترا في عام 1966، لقد كان مبتكراً ومبدعاً حتى قبل توليه قيادة منتخب بلاده بفترة طويلة، حيث كان متألقاً للغاية في مركز الليبرو وراء خط دفاع منتخب ألمانيا الغربية، لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من مواهبه الدفاعية واستحواذه على الكرة وتمريراته الدقيقة.
وفي حين أن طريق بيكنباور إلى رأس القيادة الفنية لمنتخب ألمانيا الغربية كان قد يبدو واضحاً تماماً، إلا أن تعيينه في هذا المنصب كان يمثل تغييراً كبيراً مقارنة بسابقه. كان ديروال لاعباً جيداً وشق طريقه في عالم التدريب لكي يصل إلى تدريب منتخب ألمانيا الغربية، لكنه لم يكن ببريق وبراعة بيكنباور.
يوضح الجناح بيير ليتبارسكي، الذي كان لاعباً في منتخب ألمانيا الذي وصل إلى نهائيات كأس العالم 1982 و1986 قبل أن يفوز أخيراً باللقب تحت قيادة بيكنباور في عام 1990، ذلك الأمر، قائلاً: «كانا مدربين مختلفين تماماً. كان ديروال أشبه بالأب. لقد كان ساذجاً بعض الشيء، لكنه كان لطيفاً جداً ويثق في اللاعبين. لكن بيكنباور كان يعرف كل الحيل بالفعل، لذلك لم يكن بإمكاننا أن نخدعه – لو لعبنا بشكل سيئ، كان يمكنه رؤية ذلك على الفور. كان هناك الكثير من الاحترام لبيكنباور في كل حصة تدريبية، وكان الجميع في قمة التركيز».
كان وجود بيكنباور وحده كافياً لتحفيز اللاعبين لتقديم أفضل أداء ممكن داخل المستطيل الأخضر. ورغم أنه لم يكن بارعاً بشكل استثنائي من حيث الخطط التكتيكية، فإن خبراته الكبيرة وفهمه القوي للعبة كانا يسعفانه عند الضرورة. ونظراً لأنه كان أسطورة كبيرة في كرة القدم الألمانية، كان من السهل عليه السيطرة على لاعبيه، بطريقة لم تكن موجودة لغيره من المديرين الفنيين. وكان مجرد وقوفه بجوار خط التماس كافياً لتحفيز لاعبيه.
يضيف ليتبارسكي: «مع بيكنباور، كان لدى الجميع الدافع لتقديم 100 من طاقتهم في كل دقيقة، لأن الشخصيات القوية في الفريق كانوا مقتنعين تماماً بقدراته لاعباً فذاً. كان لدى اللاعبين الكثير من الاحترام لبيكنباور وكانوا يريدون أن يظهروا له أنهم يستطيعون تقديم شيء مشابه لما كان يقدمه كلاعب. لكن ربما كان ذلك مختلفاً مع ديروال».
لكن هذا لا يعني أن كل اللاعبين البارزين نجحوا في تحقيق النجاح نفسه الذي حققه بيكنباور مع منتخب بلاده، لكن بعض اللاعبين الآخرين منحوا منتخبات بلادهم دفعة قصيرة المدى، كما حدث عندما تولى الأسطورة دييغو أرماندو مارادونا قيادة منتخب الأرجنتين في عام 2008 خلال فترة كان فيها منتخب التانغو متعثراً في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم. لقد أدت الرغبة في العمل مع الرجل الذي نشأ الكثيرون من اللاعبين وهم يعشقونه إلى زيادة الحافز بشكل هائل بين هؤلاء اللاعبين.
يقول جوناس غوتيريز، «كانت هذه هي المرة الأولى التي أقابل فيها مارادونا، فلم يسبق لي أن رأيته وجهاً لوجه. كانت مقابلتي له أمراً استثنائياً، لأنني كنت أعشقه عندما كنت طفلاً، وكان والداي يتحدثان عنه دائماً - لذلك عندما تولى قيادة المنتخب الوطني، كانت هذه لحظة استثنائية بالنسبة لي». ورغم أن فترة مارادونا على رأس القيادة الفنية لمنتخب الأرجنتين استمرت أقل من عامين، فإن تأثيره على الفريق كان فورياً، حيث قاد راقصي التانغو للفوز بأربع مباريات من مبارياته الخمس الأولى بعد توليه المسؤولية. وكانت المشكلة الوحيدة تتمثل في أن مكانته الكبيرة كلاعب فذ وأسطورة قد تسببت في إثارة أعصاب لاعبيه.
يقول غوتيريز، «لقد كنت متوتراً للغاية. لقد دخل غرفتي، وكنت مع إيزيكيل لافيزي، وكنت مصدوماً، ولم أستطع قول أي شيء. عندما غادر مارادونا الغرفة، كان لافيزي يضحك على ردة فعلي، فقد كنت أتصبب عرقاً. لقد استمعت إليه لكنني لم أستطع أن أقول له أي شيء. كان لدى مارادونا شيء مميز للغاية، حيث كان يمكنه أن ينقل لك شيئاً لا يمكن شرحه بالكلمات، بل كان يمكنك الشعور به فقط. كانت هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها ببطلي ومثلي الأعلى. كان يتحدث معي وكأنه شخص عادي، وسأظل أتذكر ذلك دائماً».
* كاتب رياضي


مقالات ذات صلة

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الرياضة الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

أصدرت محكمة في نابولي حكماً بالسجن، في حق مُدافع فريق «مونتسا» الدولي أرماندو إيتزو، لمدة 5 أعوام؛ بسبب مشاركته في التلاعب بنتيجة مباراة في كرة القدم. وقال محاموه إن إيتزو، الذي خاض 3 مباريات دولية، سيستأنف الحكم. واتُّهِم إيتزو، مع لاعبين آخرين، بالمساعدة على التلاعب في نتيجة مباراة «دوري الدرجة الثانية» بين ناديه وقتها «أفيلينو»، و«مودينا»، خلال موسم 2013 - 2014، وفقاً لوكالات الأنباء الإيطالية. ووجدت محكمة في نابولي أن اللاعب، البالغ من العمر 31 عاماً، مذنب بالتواطؤ مع «كامورا»، منظمة المافيا في المدينة، ولكن أيضاً بتهمة الاحتيال الرياضي، لموافقته على التأثير على نتيجة المباراة مقابل المال.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الرياضة الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

أعلنت رابطة الدوري الإسباني لكرة القدم، اليوم (الخميس)، أن الأندية قلصت حجم الخسائر في موسم 2021 - 2022 لأكثر من ستة أضعاف ليصل إلى 140 مليون يورو (155 مليون دولار)، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 23 في المائة لتتعافى بشكل كبير من آثار وباء «كوفيد - 19». وأضافت الرابطة أن صافي العجز هو الأصغر في مسابقات الدوري الخمس الكبرى في أوروبا، والتي خسرت إجمالي 3.1 مليار يورو، وفقاً للبيانات المتاحة وحساباتها الخاصة، إذ يحتل الدوري الألماني المركز الثاني بخسائر بقيمة 205 ملايين يورو. وتتوقع رابطة الدوري الإسباني تحقيق صافي ربح يقل عن 30 مليون يورو في الموسم الحالي، ورأت أنه «لا يزال بعيداً عن المستويات قب

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الرياضة التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

منح فريق التعاون ما تبقى من منافسات دوري المحترفين السعودي بُعداً جديداً من الإثارة، وذلك بعدما أسقط ضيفه الاتحاد بنتيجة 2-1 ليلحق به الخسارة الثانية هذا الموسم، الأمر الذي حرم الاتحاد من فرصة الانفراد بالصدارة ليستمر فارق النقاط الثلاث بينه وبين الوصيف النصر. وخطف فهد الرشيدي، لاعب التعاون، نجومية المباراة بعدما سجل لفريقه «ثنائية» في شباك البرازيلي غروهي الذي لم تستقبل شباكه هذا الموسم سوى 9 أهداف قبل مواجهة التعاون. وأنعشت هذه الخسارة حظوظ فريق النصر الذي سيكون بحاجة لتعثر الاتحاد وخسارته لأربع نقاط في المباريات المقبلة مقابل انتصاره فيما تبقى من منافسات كي يصعد لصدارة الترتيب. وكان راغد ال

الرياضة هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

يسعى فريق الهلال لتكرار إنجاز مواطنه فريق الاتحاد، بتتويجه بلقب دوري أبطال آسيا بنظامها الجديد لمدة عامين متتاليين، وذلك عندما يحل ضيفاً على منافسه أوراوا ريد دياموندز الياباني، السبت، على ملعب سايتاما 2022 بالعاصمة طوكيو، بعد تعادل الفريقين ذهاباً في الرياض 1 - 1. وبحسب الإحصاءات الرسمية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، فإن فريق سوون سامسونغ بلو وينغز الكوري الجنوبي تمكّن من تحقيق النسختين الأخيرتين من بطولة الأندية الآسيوية أبطال الدوري بالنظام القديم، بعد الفوز بالكأس مرتين متتاليتين موسمي 2000 - 2001 و2001 - 2002. وتؤكد الأرقام الرسمية أنه منذ اعتماد الاسم الجديد للبطولة «دوري أبطال آسيا» في عا

فارس الفزي (الرياض)
الرياضة رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

تعد الملاكمة رغد النعيمي، أول سعودية تشارك في البطولات الرسمية، وقد دوّنت اسمها بأحرف من ذهب في سجلات الرياضة بالمملكة، عندما دشنت مسيرتها الدولية بفوز تاريخي على الأوغندية بربتشوال أوكيدا في النزال الذي احتضنته حلبة الدرعية خلال فبراير (شباط) الماضي. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قالت النعيمي «كنت واثقة من فوزي في تلك المواجهة، لقد تدربت جيداً على المستوى البدني والنفسي، وعادة ما أقوم بالاستعداد ذهنياً لمثل هذه المواجهات، كانت المرة الأولى التي أنازل خلالها على حلبة دولية، وكنت مستعدة لجميع السيناريوهات وأنا سعيدة بكوني رفعت علم بلدي السعودية، وكانت هناك لحظة تخللني فيها شعور جميل حينما سمعت الج


طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة
TT

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

لا ترحم ملاعب كرة القدم الكبرى عثرات البدايات، ولا تشفع السير الذاتية لأعتى المدارس التدريبية أمام هدير الغضب الجماهيري وضغوط الإدارات، إذ تظل البطولات العالمية والقارية بمثابة حقل ألغام يعجل بنهاية مغامرات فنية لم تكد تبدأ.

إن الإقالة الفورية التي تعرض لها الفرنسي التونسي صبري لموشي مع منتخب تونس في قلب المونديال الحالي، لم تكن سوى امتداد لظاهرة كروية تاريخية تُعرف بـ«الإطاحة السريعة وسط المنافسات»، حيث تصبح التضحية برأس المدير الفني الخيار الأوحد لمحاولة إنقاذ السفينة من الغرق المبكر قبل فوات الأوان.

زلزال مونديال 2026: لموشي يدفع ضريبة «خماسية السويد» ورينارد طوق النجاة

صبري لموشي (رويترز)

وقد سطر الفرنسي من أصول تونسية، صبري لموشي، اسمه باعتباره أحدث وأسرع المدربين المبعدين في تاريخ كأس العالم الحديث خلال شهر يونيو من عام 2026. وجاء هذا القرار الحاسم والدراماتيكي من قِبل الاتحاد التونسي لكرة القدم عقب انتهاء المباراة الافتتاحية لـ«نسور قرطاج» في دور المجموعات أمام منتخب السويد، حيث فجّرت الخسارة الثقيلة والمذلة بنتيجة خمسة أهداف مقابل هدف واحد، والأداء الدفاعي الكارثي، موجة غضب عارمة عجلت بصدور قرار الإقالة، ليسارع الاتحاد بالتعاقد مع الخبير المونديالي الفرنسي هيرفي رينارد بديلاً له، ليتولى قيادة المنتخب في المباراتين المصيريتين المتبقيتين بدور المجموعات أمام اليابان وهولندا.

هيرفي رينارد (أ.ف.ب)

فرنسا 1998: بيريرا يغادر «الأخضر» بقرار في منتصف الطريق

المدرب البرازيلي كارلوس ألبرتو بيريرا (إكس)

هذا السيناريو القاسي يعيد إلى الأذهان ما حدث في يونيو من عام 1998، عندما شهد المونديال الفرنسي إقالة المدرب البرازيلي المخضرم كارلوس ألبرتو بيريرا من تدريب المنتخب السعودي. ورغم تاريخ بيريرا العريض وتتويجه باللقب العالمي مع البرازيل، فإن الصبر الإداري لم يدم طويلاً، فبعد تجرع خسارة أولى أمام الدنمارك بهدف نظيف، جاء السقوط أمام صاحب الأرض والجمهور المنتخب الفرنسي برباعية نظيفة في الجولة الثانية، ليعلن الاتحاد السعودي إقالة بيريرا فوراً وقبل خوض المباراة الثالثة والأخيرة ضد جنوب أفريقيا، معوضاً إياه بالمدرب الوطني محمد الخراشي الذي قاد المواجهة الختامية في محاولة عاجلة لترميم المعنويات المنهارة.

محمد الخراشي مدرب المنتخب السعودي في مونديال 98

مفارقة تونسية: كاسبرتشاك يذوق مرارة المقصلة مبكراً

المدرب البولندي هنري كاسبرتشاك (ويكيبيديا)

المفارقة التاريخية تكمن في أن المنتخب التونسي نفسه ذاق مرارة هذا الإجراء الاستثنائي في التوقيت ذاته وخلال مونديال فرنسا في يونيو 1998، حين أطيح بالمدرب البولندي هنري كاسبرتشاك في منتصف دور المجموعات. وجاء قرار الاستغناء عن كاسبرتشاك بعد تلقي الفريق خسارتين متتاليتين أمام إنجلترا بهدفين نظيفين ثم كولومبيا بهدف دون رد، حيث رأت الإدارة التونسية حينها أن النهج الفني للمدرب بات عقيماً ولا يلبي تطلعات الجماهير، ليتم استبعاده على الفور وتكليف مساعده المحلي علي السلمي الذي حل بديلاً عنه لتولي المهمة في المباراة الأخيرة للمجموعات أمام رومانيا.

المدرب التونسي علي السلمي (إكس)

زلزال في سيول: الإطاحة بأسطورة كوريا الجنوبية بعد خماسية الطواحين

أسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون (ويكيبيديا)

ولم تتوقف مقصلة مونديال 1998 عند حدود المنتخبات العربية، بل امتدت لتطيح بأسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون من تدريب منتخب كوريا الجنوبية. فبعد مشوار تصفيات مثالي خاضه الأخير، انهار المنتخب الكوري في النهائيات بخسارة أولى أمام المكسيك بثلاثية، ثم هزيمة كارثية بخماسية نظيفة أمام هولندا، مما دفع الاتحاد الكوري لإصدار قرار طرده فوراً في العشرين من يونيو وسط صدمة الشارع الرياضي، وتكليف مساعده كيم بيونغ-سوك بإنهاء المشوار في المباراة الختامية أمام بلجيكا.

الولايات المتحدة 1994: الصدام يطيح بهنري ميشيل من عرين الكاميرون

هنري ميشال المدرب السابق لمنتخب المغرب (أ.ف.ب)

ولم تكن القارة الأفريقية بعيدة عن هذه العواصف التدريبية في المنافسات العالمية، إذ شهدت نهائيات كأس العالم بالولايات المتحدة الأميركية في يونيو من عام 1994 نهاية مأساوية لولاية الفرنسي المخضرم هنري ميشيل مع منتخب الكاميرون. ورغم الآمال العريضة التي عُقدت على «الأسود غير المروضة»، فإن الانقسامات الداخلية الحادة بين المدرب واللاعبين حول التشكيل والمكافآت، والتي تزامنت مع تعادل مخيب أمام السويد بهدفين لمثلهما وسقوط ثقيل أمام البرازيل بثلاثية نظيفة، دفعت بمسؤولي الاتحاد الكاميروني إلى الإطاحة بميشيل من منصبه بقرار صارم في أوج معمعة البطولة، وإسناد المهمة بشكل عاجل وثنائي للمدربين المحليين جان مانغا أونغوين وجول نيونغا، اللذين قادا المواجهة الأخيرة التي انتهت بخسارة تاريخية أمام روسيا.

سويسرا 1954: أندي بيتي يستقيل في المعسكر ويترك اسكوتلندا بلا قائد

أما الجذور التاريخية لهذه الإقالات الطارئة فتعود إلى مونديال سويسرا عام 1954، عندما شهدت البطولة أقرب الحالات إلى مفهوم الانتحار التدريبي مع الاسكوتلندي أندي بيتي.

بيتي، الذي وجد نفسه مقيداً بقائمة هزيلة ومقننة من 13 لاعباً فقط أرسلها اتحاد بلاده لخوض المنافسات، لم يحتمل تبعات الخسارة الافتتاحية أمام النمسا بهدف نظيف، فتقدم باستقالته على الفور في قلب البطولة وغادر المعسكر غاضباً، تاركاً لاعبي «جيش التارتان» يواجهون مصيرهم بمفردهم ليتجرعوا بعدها هزيمة تاريخية قاسية أمام أوروغواي بسبعة أهداف دون رد.


عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير
TT

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

تحتفظ ذاكرة كأس العالم بصفحات خالدة سطرها جيل من المهاجمين الأفذاذ، الذين لم تكن أهدافهم مجرد أرقام في لوحات الملاعب، بل تحولت إلى صكوك دخلوا بها تاريخ الساحرة المستديرة من أوسع أبوابه. وفي صراع «الأحذية الذهبية» عبر العقود، يظل السؤال الأزلي يتردد مع كل نسخة مونديالية: من يجلس على العرش العالمي، ومن يهدد عروش السابقين؟

ميروسلاف كلوزه (المركز الأول - 16 هدفاً)

لم يكن الألماني ميروسلاف كلوزه أكثر المهاجمين موهبة في جيله، لكنه كان الأكثر فاعلية وحسماً أمام الشباك، حيث نجح عبر مشاركته في أربع نسخ متتالية (2002-2014) في اعتلاء قمة الهرم المونديالي، متوجاً مسيرته بلقب نسخة 2014 التي شهدت تحطيمه للرقم القياسي التاريخي في معقل البرازيل بالذات، مدفوعاً بذكاء تموقعه داخل منطقة الجزاء وإتقانه الأسطوري للضربات الرأسية.

مهاجم منتخب ألمانيا السابق ميروسلاف كلوزه (د.ب.أ)

رونالدو نازاريو (المركز الثاني - 15 هدفاً)

جسد البرازيلي رونالدو مفهوم «المهاجم المتكامل» أو «الظاهرة» الذي يجمع بين السرعة الخارقة والمهارة الفائقة والإنهاء القاتل، وتمكن عبر ثلاث بطولات فعلية شارك بها من كتابة التاريخ، لا سيما في مونديال 2002 عندما قاد «السامبا» لرفع الكأس الذهبية وتوج هدافاً للبطولة، ليبقى رقمه صامداً لسنوات كرمز للرعب التهديفي الذي عانت منه أعتى دفاعات العالم.

رونالدو نازاريو (أ.ف.ب)

غيرد مولر (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

عُرف الألماني غيرد مولر بلقب «المدفعجي» وكان بمثابة الثقب الأسود داخل منطقة جزاء الخصوم، إذ تميز بقدرة خارقة على التسجيل من أشباه الفرص وبمختلف أجزاء جسده، تاركاً بصمة تاريخية لا تُمحى في نسختي 1970 و1974، حيث أحرز هدف التتويج بلقب كأس العالم الأخير في شباك هولندا، ليظل نموذجاً كلاسيكياً للمهاجم القناص الذي يطوع المساحات الضيقة لخدمة الشباك.

غيرد مولر (1945-2021) هو أسطورة كرة قدم ألماني وأحد أعظم الهدافين في التاريخ (ويكيبيديا)

كيليان مبابي (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

مبابي يحمل كأس العالم بعد فوز منتخب فرنسا عام 2018 (أ.ف.ب)

يمثل الفرنسي كيليان مبابي الإعصار الحديث الذي يهدد العروش المونديالية السابقة، إذ نجح في غضون نسختين فقط (2018) و(2022) في الوصول إلى هدفه الثاني عشر وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، مستنداً إلى سرعته النفاثة وثلاثيته التاريخية «الهاتريك» في نهائي ملعب «لوسيل» بقطر، مما يجعله المرشح الأول في السنوات القادمة للانفراد بصدارة هذا السجل التاريخي.

وقد شهدت افتتاحية مباريات «الديوك» الفرنسية في مونديال (2026) حدثاً تاريخياً غير مسبوق، عندما فجر «الفتى الذهبي» طاقته التهديفية في شباك السنغال، فبعد أن هز الشباك في الدقيقة (66) ليفك الشراكة مع «الملك» بيليه ويرتقي مؤقتاً إلى المركز الرابع مكرر برصيد (13) هدفاً واضعاً نفسه على مسافة واحدة مع مواطنه الأسطوري جاست فونتين وغريمه المعاصر ليونيل ميسي، عاد مبابي ليرفض البقاء في تلك المرتبة طويلاً بتسجيله الهدف الثاني له في المباراة هدفه الـ14 تاريخياً ليتجاوز ميسي وفونتين دفعة واحدة، ويقتحم منصة التتويج التاريخية بالصعود إلى المركز الثالث مكرر ليتساوى مع «المدفعجي» مولر، ليصبح على بُعد هدفين فقط من معادلة «الظاهرة» رونالدو (15) هدفاً، وثلاثة أهداف من الجلوس وحيداً على العرش العالمي لميروسلاف كلوزه.

القفز من الثالث إلى الخامس... حجب المرتبة الرابعة

ومن عتبة المركز الثالث المشترك حالياً بين غيرد مولر وكيليان مبابي برصيد 14 هدفاً، تقفز الحسابات الرياضية التراكمية مباشرة إلى المركز الخامس لتلغي المرتبة الرابعة تماماً لعدم وجود أحد فيها، فحيث إن المركز الثالث مشغول بـ «اسمين»، فقد استهلكا الخانتين الحسابيتين (3 و4)، ليحل من يليهما في الرصيد وهما ميسي وفونتين بـ13 هدفاً في المركز الخامس.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

ليونيل ميسي (المركز الخامس مكرر - 13 هدفاً)

توج الأسطورة الأرجنتيني ليونيل ميسي مسيرته الخيالية بصعوده إلى المركز الرابع التاريخي بعد مونديال استثنائي في قطر 2022، حيث لم يكتفِ برفع الكأس الإعجازية بل سجل 7 أهداف حاسمة في تلك النسخة، ليثبت للعالم أن صانع الألعاب والعبقري الذي يتحكم في إيقاع المباريات يمكنه أيضاً أن ينافس أعتى المهاجمين الصرحاء في عقر دارهم التهديفية.

جاست فونتين نجم كرة القدم الفرنسي الراحل (ويكيبيديا)

جاست فونتين (المركز الخامس مكرر - 13 هدفاً)

حقق الفرنسي الراحل جاست فونتين إعجازاً كروياً عصياً على التكرار في تاريخ المستديرة، عندما سجل جميع أهدافه الثلاثة عشر في نسخة واحدة فقط وهي بطولة السويد 1958، ليمنح بلاده مركزاً متقدماً ويعلن عن نفسه كصاحب أعلى معدل تهديفي في بطولة منفردة، في محطة تاريخية تقف شاهداً على عبقرية هجومية سبقت عصرها بكثير.

وبذات الصرامة الحسابية، يتحرك قطار التوثيق من عتبة المركز الخامس المشترك بين ميسي وفونتين (13 هدفاً)، ليستهلك هذا الثنائي الخانتين الخامسة والسادسة، وبذلك يتجاوز الترتيب المرتبة السادسة المحجوبة تماماً ويحط الرحال عند المركز السابع حيث يبرز اسم «الملك» البرازيلي الراحل بيليه وحيداً برصيد 12 هدفاً.

بيليه (أ.ف.ب)

بيليه (المركز السابع - 12 هدفاً)

بينما يظل بيليه «الملك» واللاعب الوحيد المتوج بثلاثة ألقاب لكأس العالم، فإن أهدافه الاثني عشر كانت بمثابة اللوحات الفنية التي صاغت أمجاد البرازيل الكروية، حيث بدأ مسيرته مراهقاً مذهلاً في 1958 وختمها بعبقرية مطلقة في 1970، مسجلاً في المباريات النهائية الكبرى ومثبتاً أن النجومية ترتبط بالحضور الحاسم في المواعيد التي تصنع التاريخ.

تستمر قائمة العظماء بأسماء حفرت مكانتها بمداد من ذهب:

ساندور كوتشيس (المركز الثامن- 11 هدفاً)

يعد المجري ساندور كوتشيس صاحب الومضة الهجومية الأكثر رعباً في خمسينيات القرن الماضي، حيث سجل أهدافه الأحد عشر في نسخة واحدة فقط (سويسرا 1954) وخلال خمس مباريات، بفضل ارتقاءاته الخيالية التي منحت لقب «الرأس الذهبي»، ليدون أول ثنائية «هاتريك» في تاريخ البطولة قبل أن تنهي الظروف السياسية مسيرة جيله الذهبي مبكراً.

لاعب منتخب المجر السابق ساندور كوتشيس (ويكيبيديا)

يورغن كلينسمان (المركز الثامن مكرر - 11 هدفاً)

سطر الألماني يورغن كلينسمان قصة نجاح ممتدة على مدار عقد كامل في الملاعب المونديالية، نجح خلالها في توزيع أهدافه الأحد عشر على ثلاث نسخ متتالية بدأها في إيطاليا 1990 بثلاثة أهداف أسهمت في قيادة الماكينات لرفع الكأس العالمية، ثم بلغ ذروة توهجه في أميركا 1994 محرزاً خمسة أهداف من بينها مقصيته الشهيرة في شباك كوريا الجنوبية، قبل أن يختتم مشواره في فرنسا 1998 بثلاثة أهداف أخرى. وقد تميز كلينسمان بأدائه كمهاجم شامل يجمع بين السرعة والذكاء التكتيكي العالي والقدرة على حسم الهجمات من مختلف الوضعيات، فضلاً عن احتفاليته الأيقونية بالارتماء على العشب، ليظل واحداً من الرموز الخالدة التي صاغت أمجاد الهجوم الألماني في العصر الحديث.

الألماني يورغن كلينسمان (ويكيبيديا)

لغز الترتيب المحجوب... كيف ألغت حسابات «الفيفا» المركز التاسع؟

في عالم الأرقام والإحصاءات المونديالية، كثيراً ما تفرض «لعبة الكراسي الموسيقية» أحكاماً رقمية صارمة تُلغي مراكز بأكملها من لوائح الشرف، وهو تماماً ما يتجلى في هذا المنعطف من سباق الهدافين التاريخيين لكأس العالم، حيث يختفي «المركز التاسع» تماماً من المشهد. يعود السبب في هذا التواري الإحصائي إلى القواعد الدولية المعتمدة التي تقضي بأنه في حال تعادل لاعبين في مرتبة واحدة كما هو الحال مع كلينسمان وكوتشيس اللذين يتقاسمان المركز الثامن برصيد 11 هدفاً فإن المرتبة الرقمية التي تليها تُحجب تلقائياً لتكافؤ الفرص الشاغرة.

ومن هذا المنطلق الحسابي، يتجاوز قطار التاريخ محطة الرقم تسعة، ليقذف بنا مباشرة إلى «المركز العاشر»، وهو المركز الأكثر ازدحاماً وصخباً في الأرشيف المونديالي، حيث يتشارك في ثناياه ستة فرسان من أساطير اللعبة الذين اصطدمت طموحاتهم بجدار الـ10 أهداف، ليرسموا معاً لوحة كروية امتدت عبر مختلف الأجيال والمدارس الكروية.

غاري لينيكر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

النجم الإنجليزي غاري لينيكر (أ.ب)

يبرز الإنجليزي غاري لينيكر كأحد أذكى قناصي منطقة الجزاء في تاريخ الكرة البريطانية، حيث نال الحذاء الذهبي في مونديال 1986 برصيد 6 أهداف وأضاف 4 أخرى في نسخة 1990، متميزاً ببرود أعصابه أمام المرمى وسجله الأخلاقي الناصع، إذ اعتزل كرة القدم دون أن يتلقى بطاقة صفراء أو حمراء واحدة طوال مسيرته الدولية والمحلية.

توماس مولر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الألماني توماس مولر (ويكيبيديا)

أعاد الألماني توماس مولر تعريف مركز المهاجم في العصر الحديث من خلال ابتكاره لدور «صائد المساحات»، حيث فجر طاقته بخمسة أهداف في مونديال 2010 نال بها الحذاء الذهبي، ثم كرر الرقم ذاته في مونديال 2014 ليقود بلاده لمنصة التتويج، معتمداً على تحركاته الذكية الخالية من الكرة وتوقعه المثالي لأخطاء المدافعين.

غابرييل باتيستوتا (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا (ويكيبيديا)

حمل الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا لقب «باتي غول» لشدة وقوة تسديداته المدمرة التي لم ترحم حراس المرمى، ودخل التاريخ كونه اللاعب الوحيد في أرشيف كأس العالم الذي نجح في تسجيل ثلاثية (هاتريك) في نسختين متتاليتين من البطولة (1994 ضد اليونان و1998 ضد جامايكا)، مجسداً بقميص «التانغو» ذروة القوة البدنية والإنهاء الشرس.

تيو فيلو كوبيلاس (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو (ويكيبيديا)

يعتبر تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو وأحد أعظم لاعبي خط الوسط الهجومي في تاريخ أميركا الجنوبية، حيث وزع أهدافه العشرة بالتساوي بإحرازه 5 أهداف في مونديال 1970 و5 أخرى في مونديال 1978، مبهراً العالم بمهارته الفائقة في المراوغة وتنفيذه للركلات الحرة الملتفة التي سكنت شباك كبار حراس المرمى.

غرزيغورز لاتو (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الجناح السريع لمنتخب بولندا غرزيغورز لاتو (ويكيبيديا)

قاد الجناح السريع غرزيغورز لاتو منتخب بولندا إلى عصرها الذهبي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتوج هدافاً لمونديال 1974 برصيد 7 أهداف ليقود بلاده للمركز الثالث، قبل أن يعزز رصيده في نسختي 1978 و1982، مستغلاً سرعته النفاثة وانطلاقاته من الأطراف لضرب الدفاعات والتسجيل بكفاءة المهاجم الصريح.

هلموت ران (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

يحتل الألماني هلموت ران مكانة أسطورية مقدسة في الذاكرة الكروية لبلاده، فهو المدفعجي الذي سجل هدف الفوز التاريخي في نهائي مونديال 1954 ضد المجر في المباراة الشهيرة بـ«معجزة بيرن»، وتابع توهجه في مونديال 1958 برصيد 6 أهداف كاملة، ليؤكد إرثه كلاعب المواعيد الكبرى الذي يظهر عندما يحتاجه الوطن في اللحظات القاتلة.

ويبقى السؤال معلقاً فوق العشب الأخضر، هل يصمد عرش كلوزه أمام طموح مبابي الجارف، أم أن مونديال 2026 سيعيد كتابة التاريخ ويغير ملامح نادي العظماء؟


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.