ملايين الحرائق تضرب الغابات سنوياً

تغيُّر المناخ يزيد تكرارها وشدّتها

من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT
20

ملايين الحرائق تضرب الغابات سنوياً

من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

بعد موجات الحرّ والجفاف الواسعة خلال السنوات الماضية، تشهد مناطق عدة حول العالم حرائق غابات مدمرة لا سابق لها. وتميّز هذا الموسم بتمدد الحرائق وقوَّتها؛ إذ لا يكاد مكان توجد فيه غابات على وجه الأرض إلا وطالته، من شرق البحر المتوسط إلى غربه مروراً بسوريا، ولبنان، وفلسطين، وتركيا، وإيران، واليونان، وسلوفينيا، وفرنسا، والبرتغال، وإسبانيا والمغرب، ومن أستراليا إلى قلب القارة الأفريقية وشمالاً باتجاه ألاسكا وسيبيريا، ومن الغابات الاستوائية في إندونيسيا إلى الغابات المطيرة في الأمازون والحدائق الوطنية في غرب الولايات المتحدة.
وخلال السنوات بين 2002 و2016، طالت الحرائق ما يقارب 423 مليون هكتار من سطح الأرض سنوياً، أي ما يعادل مساحة الهند ومصر مجتمعتين، وثلثا هذه الحرائق كانت في القارة الأفريقية. وخلال الفترة ذاتها حدث أكثر من 13 مليون حريق فردي على مستوى العالم، استمر كل منها ما بين 4 و5 أيام. وكان كل حريق يدمر 440 هكتاراً كمعدّل عالمي، في حين يصل المعدل في أستراليا إلى 1790 هكتاراً لكل حريق. لكن أفريقيا بدأت تشهد حرائق أقل في السنوات الأخيرة، مقارنة بالمناطق الأخرى؛ لأن مساحات شاسعة من أراضي الغابات فيها تحوَّلت إلى أنواع من الزراعات لا تساعد في انتشار الحرائق.
النشاط البشري يُفاقم الحرائق
يرجّح برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)، في تقريره الأخير عن القضايا الناشئة ذات الاهتمام البيئي، أن تؤدي الظروف المناخية إلى حرائق غابات أكثر خطورة بفعل تزايد تراكيز غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي المسببة لتغيُّر المناخ، وما يصاحب ذلك من تصاعد لعوامل الخطر. ويتسبب ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب المزيد من حالات الجفاف، بإطالة موسم الحرائق وتهيئة الأجواء لحصول حرائق مدمرة وامتدادها على مساحات شاسعة وإلى مناطق جديدة لم تصلها قبلاً.
وتُظهر الأبحاث التي تتناول مناطق غرب أميركا الشمالية، أن موجات الحرّ والجفاف لسنوات عدة لا تؤدي فقط إلى زيادة حرائق الغابات، ولكن تتسبب أيضاً في زيادة شدّتها واتساع نطاقها. وفي أميركا الجنوبية، يرتبط الجفاف الشديد والمديد وارتفاع درجات حرارة الهواء بزيادة عدد الحرائق وشدّتها في المناطق المدارية والأراضي الرطبة التي تغمرها الفيضانات موسمياً، بما في ذلك مناطق لم يسبق لها التعرض لحرائق. وقد تسببت الحرائق في الأرجنتين هذا الموسم بحجب نور الشمس عن عاصمة الباراغواي.
وفي المنطقة المناخية المعتدلة في أستراليا، انخفض هطول الأمطار في الفترة التي تسبق موسم الحرائق بأكثر من 10 في المائة منذ أواخر التسعينات. وفي تشيلي ونيوزيلندا وأجزاء من أفريقيا، أكّدت الأبحاث تأثير تغيُّر المناخ في زيادة ظروف الجفاف ونشاط حرائق الغابات. وفي جنوب أوروبا وعلى محيط البحر المتوسط، يتسبب تغيُّر المناخ في حدوث حرائق أكثر خطورة، حيث ينتقل حوض المتوسط بأكمله إلى نظام أكثر جفافاً.
وتخلص ورقة بحثية، نُشرت مؤخراً في دورية «ريفيو جيوفيزيكس»، إلى أن بعض مناطق الغابات الواقعة على خطوط العرض العليا شهدت زيادة في حرائق الغابات بنسبة 50 في المائة أو أكثر في العقدين الأولين من هذا القرن. في حين يتوقع تقرير صادر عن «يونيب» زيادة عالمية في «الحرائق الشديدة» تصل إلى 14 في المائة بحلول 2030 و50 في المائة مع نهاية القرن.
وفي المقابل، تُفاقم حرائق البراري مشكلة تغيُّر المناخ. وتشير الدراسات إلى أن فقدان غابات الأمازون المطيرة وذوبان الجليد الدائم في القطب الشمالي عاملان محتملان في تسريع تغيُّر المناخ. وتتسبب إزالة الغابات في منطقة الأمازون في تحويلها من مستوعب للكربون إلى مصدر له، كما تساهم الحرائق في المناطق السيبيرية إلى تسريع ذوبان الجليد القطبي. ومن مسببات حرائق الغابات أيضاً، تغيُّر استخدام الأراضي ونهج إدارة الحرائق الذي لا يقدّر العلاقة الوثيقة التي تطورت على مدى آلاف السنين بين الغطاء النباتي والنيران. وتؤسس التفاعلات بين الغطاء النباتي والمناخ على مدى فترات طويلة نمطاً معيّناً لتكرار حرائق الغابات في نظام بيئي محدد، ويُعرف هذا النمط بنظام الحرائق الطبيعي، الذي يُعدّ ضرورياً لعمل العديد من النظم البيئية. لكن الحرائق الشديدة والمتكررة التي يشهدها العالم اليوم تتجاوز نظام التوازن الطبيعي متسببة بالإخلال به.
أشجار الصنوبر، وأنواع شائعة أخرى في الغابات الشمالية وغابات حوض المتوسط، تخزن بذورها في أكواز لسنوات حتى يتسبب حدوث حريق في إطلاقها. وتحفّز حرائق الغابات الأزهار في النباتات المحلية المنتجة للأبصال مثل أنواع الأوركيد والزنابق، وفي الأعشاب المعمّرة. ويمكن أن يؤدي الدخان والخشب المتفحّم إلى أنبات البذور في العديد من الأنواع في أراضي الشجيرات المعرّضة للحرائق.
وتؤدي الانحرافات عن نظام الحرائق السائد، في التوقيت أو التواتر أو الحجم أو الشدّة، إلى تغيُّرات بيئية كبيرة في كل من النظم البيئية المعتمدة على الحرائق لتزدهر، وفي النظم البيئية الحساسة للحرائق، حيث تكون الآثار السلبية أكبر من الآثار الإيجابية.
على سبيل المثال، تُعدّ الغابات الاستوائية المطيرة حسّاسة للحرائق، ويندر أن تندلع وتنتشر فيها النيران بسبب غطائها النباتي الرطب، ومع ذلك جعلت الأنشطة البشرية حرائق الغابات شائعة في مناطق من غير المتوقع أن تحصل فيها. في غابات الأمازون المطيرة يتم قطع الغطاء النباتي الأصلي وانتقاء أنواع الأشجار الأكثر قيمة وإزالتها، وتُترك البقايا لتجف حتى يتم إشعالها عمدا لتحضير مساحات تصلح للزارعة أو للرعي. وفي المناطق الاستوائية، بشكل عام، تؤدي تجزئة الغابات وقضم مناطق السافانا والأراضي العشبية إلى خلق الظروف المواتية لحرائق الغابات وخسارة النظم البيئية.
ويعدّ التوسع الحضري المتزايد وتمدد المدن في البراري شكلاً آخر من أشكال تغيُّر استخدام الأراضي وتبديل المناظر الطبيعية. وقد شهدت العقود الأخيرة توسعاً سريعاً للمدن نحو مناطق الغابات في العديد من أنحاء العالم، وتمثل هذه الواجهة البرية الحضرية أكثر الأماكن التي تكون فيها مخاطر حرائق الغابات أكثر وضوحاً.
كما يسهم النشاط البشري إلى حدٍ بعيد في إدخال الأنواع الغازية التي يمكن أن تغيّر أنظمة الحريق، عن طريق تغيير بنية الغطاء النباتي داخل النظام البيئي. وتحتوي العديد من الأعشاب الغازية على كتلة حيوية ورطوبة منخفضة، مما يخلق ظروفاً مواتية لحرائق الغابات. وقد أدى غزو بعض الأعشاب غير الأصلية في الولايات المتحدة إلى زيادة فرص حصول الحرائق بنسبة 230 في المائة وزيادة تكرارها بنسبة 150 في المائة. كما يمكن أن تخلق أنظمة الحرائق المتغيّرة ظروف تعافٍ غير مناسبة للنباتات المحلية بعد حرائق الغابات، ولكنها مناسبة لغزو وازدهار الأنواع التي تتحمل الحرائق.
ويمكن لسياسات مواجهة الحرائق غير الملائمة ومحدودية المعرفة بالخبرات المحلية على إدارتها تقليدياً أن تزيد من تعقيد المشكلة. وفي حالات أخرى، يمكن أن تؤدي محاولات وقف الحرائق في النظم البيئية المعتمدة عليها إلى تراكم الكتلة الحيوية الميتة وزيادة مخاطر الاشتعال. وتؤدي ممارسات كهذه إلى تحولات في نظام الحرائق وتعزز فرص اندلاع الحرائق الكبيرة والمتكررة.
آثار حرائق الغابات ومواجهتها
تنبعث من حرائق الغابات الكبيرة كميات هائلة من الملوثات الجوية، مثل هباب الفحم والجسيمات المعلقة وغازات الاحتباس الحراري. ويمكن للرياح نقل هذه الملوثات إلى مسافات طويلة، حيث تترسب فوق المواقع الطبيعية البعيدة، بما في ذلك الأنهار الجليدية. ويقلل النقل الجوي وترسب هباب الفحم من بياض السطح؛ مما يزيد ذوبان الجليد والثلوج. وهناك دراسات تخلص إلى مساهمة هباب الفحم الناتج من حرائق حوض الأمازون في زيادة ذوبان الأنهار الجليدية على جبال الأنديز.
ويُلاحظ في أعقاب حرائق الغابات الكبيرة ارتفاع مستويات الرواسب في الأنهار، وتغيُّر درجات حرارة المياه وعكارتها، وينعكس ذلك على وفرة الأسماك. وتؤدي التعرية بعد حرائق الغابات إلى جلب مجموعة من العناصر الغذائية والملوثات إلى المسطحات المائية، فتؤثر على جودة المياه وسلامة الأنواع الحية. ويمكن أن تسبب المغذيات، مثل النيتروجين والفوسفور، في المسطحات المائية إلى ازدهار الطحالب وتقليل مستويات الأوكسيجين المذاب؛ مما يشكل خطراً على الكائنات المائية.
كما تؤدي التعرية الناتجة من حرائق الغابات في بعض الحالات إلى انهيار المنحدرات وحصول انزلاقات أرضية. وتطلق حرائق الغابات الواسعة والكبيرة كميات ضخمة من الهباء الجوي، بما في ذلك المعادن النزرة الحيوية الأساسية مثل الحديد. وقد تسبب الانتقال الجوي للهباء الغني بالحديد من حرائق الغابات الأسترالية في صيف 2019 و2020 في تكاثر الطحالب على نطاق واسع في جنوب المحيط الهادي على مدى 4 أشهر.
ويمكن أن تؤدي حرائق الغابات الأكثر تواتراً وشدة إلى تغيير طويل الأجل في تركيبة أنواع النباتات وفي بنية النظم البيئية للغابات. وعندما تصبح الحرائق أكثر تكراراً وشيوعاً، تتناقص فرص تجدد الطبيعة بعد الحرائق. واعتماداً على نوع الغابة الأصلي، يمكن أن يؤدي تكرار الحرائق في التحول إلى الغطاء النباتي غير الحرجي.
ولمواجهة الأسباب والنتائج، تعمل العديد من البلدان على تبني برامج مراقبة وتحذير من اندلاع حرائق الغابات، وإنجاز مبادرات لاستعادة النظم البيئية. في سوريا، على سبيل المثال، أطلقت الهيئة العامة للاستشعار عن بعد في 2021 «منصة الغابات ومراقبة الحرائق»، التي تقدم تحذيرات مسبقة من مخاطر حصول الحرائق في شرق المتوسط. وفي المغرب، جرى رصد ميزانية تناهز 28 مليون دولار لإعادة تشجير نحو 9 آلاف هكتار من الغابات التي أتت عليها الحرائق في شمال المملكة في منتصف هذه السنة.
مع التأثير المركّب للاحترار العالمي الذي يطيل موسم الحرائق ويؤدي إلى مزيد من أحداث الاشتعال الطبيعي، والتغيُّرات في استخدام الأراضي التي تقدم المزيد من الوقود القابل للاحتراق وتعزز المخاطر، وتوسع التجمعات السكانية التي اتخذت موطئاً لها على الواجهة البرية، تنمو التحديات حول قدرة البشر على التعايش مع عنصر النار في النظم البيئية التي يشغلونها. ولتجنب الآثار الكارثية الناتجة من حرائق الغابات العنيفة، يجب أن تتوافق قدرة المجتمعات واستجابتها للحرائق مع معدل تغيُّر المناخ أو تتجاوزه.
وهنا تأتي أهمية زيادة الموازنات المخصصة للتكيُّف مع آثار تغيُّر المناخ لمواجهة مضاعفاته، بدلاً من أن يذهب معظمها لتدابير الحدّ من الانبعاثات. وفي طليعة المهمات اعتماد إدارة سليمة للغابات، وتدريب القوى البشرية المؤهلة للتعامل مع الحرائق وتزويدها بالتجهيزات اللازمة. والمفارقة، أن بعض الدول الأكثر تعرُّضاً للحرائق هي الأقل استعداداً للتعامل معها. ففي حين تبلغ الموازنة المخصصة لمكافحة حرائق الغابات مليار دولار سنوياً في الولايات المتحدة، لا تتجاوز 50 مليون دولار في المكسيك المجاورة، ولا وجود لها على الإطلاق في دول أخرى. المناخ حتماً يتغيّر، والتصدي للآثار لا ينحصر في خفض الانبعاثات الكربونية.



أسلاف البشر كانوا يصنّعون أدوات عظمية قبل 1.5 مليون سنة

صورة أرشيفية لعظام (رويترز)
صورة أرشيفية لعظام (رويترز)
TT
20

أسلاف البشر كانوا يصنّعون أدوات عظمية قبل 1.5 مليون سنة

صورة أرشيفية لعظام (رويترز)
صورة أرشيفية لعظام (رويترز)

توصلت دراسة نُشرت الأربعاء في مجلة «نيتشر» إلى أنّ أشباه البشر، وهم الممثلون الأوائل للسلالة البشرية، كانوا يصنّعون أدوات عظمية قبل 1.5 مليون سنة؛ أي في مرحلة أبكر بكثير مما كان يُعتقد.

ومن المعلوم أنّ بعض هؤلاء الأسلاف البعيدين، على سبيل المثال شبيه الإنسان الأسترالي (القرد الجنوبي)، استخدموا بقايا العظام لحفر تلال النمل الأبيض أو حفر الدرنات. واليوم مثلاً، لا تزال قردة الشمبانزي، وهي من سلالة قريبة من البشر، تستخدم عيدان تناول الطعام للوصول إلى النمل الأبيض في موائلها.

قبل أكثر من مليونَي سنة، أنتج أشباه البشر من شرق أفريقيا في مضيق أولدوفاي في تنزانيا، وهو أحد أهم مواقع ما قبل التاريخ في العالم، أدوات حجرية. لكن حتى اليوم، ما كان يُعرَف أي مثال على الإنتاج المنهجي لأدوات عظمية يعود تاريخها إلى ما قبل 500 ألف سنة قبل الميلاد، باستثناء بضعة أمثلة متفرقة في أفريقيا.

وكان لاكتشاف أجرته مجموعة تضم علماء من مختلف أنحاء العالم، دور في تغيير هذا السيناريو من خلال إعادة عقارب الساعة مليون سنة إلى الوراء.

وحددت الدراسة التي وقعها إغناسيو دي لا توري من المعهد الإسباني للتاريخ في مدريد، 27 أداة مصنوعة من عظام الفخذ والساق وعظم العضد لحيوانات كبيرة، خصوصاً لفيلة وأفراس نهر.

وفي حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يقول عالم الآثار فرنشيسكو ديريكو من جامعة بوردو، والذي أشرف على الدراسة مع أنجيليكي تيودوروبولو من المعهد الإسباني للتاريخ: «هذه المرة الأولى التي نكتشف فيها مجموعة من هذه الأدوات تعود إلى الأرض نفسها في أولدوفاي».

صورة أرشيفية لعظام هيكل بشري (رويترز)
صورة أرشيفية لعظام هيكل بشري (رويترز)

ولن ترى عيون غير الخبراء سوى قطع كبيرة من العظام. لكن بالنسبة إلى عالم الأنثروبولوجيا، تشكل هذه العظام شاهداً على قدرات معرفية مميزة، وتؤشر إلى إتقان «أنماط ذهنية» للغرض الذي رغبوا في الحصول عليه، واختيار المادة المناسبة، والاستراتيجية المستخدمة لإنجازه.

ويُظهر تحليل الأدوات أن مبتكريها فضّلوا استخدام عظام الفخذ المأخوذة مباشرة من الجيفة في حالة فرس النهر مثلاً، ولكن أيضاً من الأفيال، رغم ندرتها في هذا المكان، مما يؤشر إلى أنه تم الحصول عليها في مكان آخر.

وكانت هذه العظام تُشذّب بالحجارة التي كانت تُستَخدم كمطارق، للحصول على أداة يتراوح طولها بين 20 و40 سنتيمتراً، ويصل وزنها إلى أكثر من كيلوغرام.

يقول ديريكو: «لاحظنا وجود رغبة في تغيير شكل العظم، وإنتاج أدوات ثقيلة جداً وطويلة. وحتى في بعض الحالات، إنشاء نوع من الشق في وسط العظم، ربما للتمكّن من حمله بشكل أفضل في اليد».

ويُفترض أن هذه العظام الضخمة وذات الرؤوس المدببة قد استُخدمت لذبح ثدييات كبيرة، في وقت كانت لا تزال فيه الأدوات الحجرية، في الثقافة المسماة أولدوفاية تيمّناً بموقع أولدوفاي، مشذبة بطريقة بدائية.

وبحسب عالم الآثار، فإنه «ثمة عدد قليل جداً من الأدوات الكبيرة» المصنوعة من الحجر في موقع أولدوفاي، وهو نوع من الكوارتز لا يناسب العمليات الوحشية لذبح الفرائس الكبيرة.

وكانت الثقافة الأشولية التي ظهرت في المرحلة نفسها هي التي اخترعت قطع الحجارة ثنائية السطح التي أتاحت قطع لحم الطرائد وكشط جلودها.

ويقول فرنشيسكو ديريكو إن «فرضية الدراسة هي أن هذا الحجم من العظام في أولدوفاي هو اختراع أصلي، في لحظة تحوّل نحو السطوح الثنائية».

ويتابع أنّ «الاحتمال الآخر هو أنّ هذا التقليد استمر، لكن لم يتم تحديد هذه العظام فعلياً في مواقع أثرية أخرى».

وبالتالي، فإن التقنية التي بدأ اعتمادها في أولدوفاي «اختفت» لمليون عام، قبل أن تعاود الظهور لاحقاً، كما الحال في منطقة روما الحالية التي كانت تفتقر إلى الصوان ذي الحجم المناسب، فقام السكان بقطع عظام الفيل على شكل قطع ثنائية.

ويتبع استخدام العظام تطوّر السلالة البشرية؛ إذ انتقل ممثلوها من نحت عظام الفخذ قبل 1.5 مليون سنة إلى نحت قطع أكثر تعقيداً، مثل إبر الخياطة التي «تم اختراعها في الصين وسيبيريا ولم تصل إلى أوروبا إلا اعتباراً من 26 ألف سنة قبل الميلاد»، بحسب عالم الآثار.