«قصر البيكاديللي» بين الحياة والموت مجدداً

المنتج صادق الصباح وراء تحريك عجلة ترميمه

مسرح البيكاديللي أيام العز (الشرق الاوسط)
مسرح البيكاديللي أيام العز (الشرق الاوسط)
TT

«قصر البيكاديللي» بين الحياة والموت مجدداً

مسرح البيكاديللي أيام العز (الشرق الاوسط)
مسرح البيكاديللي أيام العز (الشرق الاوسط)

يتتبع اللبنانيون أخبار مسرح «قصر البيكاديللي» الذي لا يزال يكابد ويعيش صراعاً بين الحياة والموت بانتظار الفرج. أبوابه المقفلة منذ ما يقارب الـ28 عاماً تحلم من جديد بافتتاحها بفضل مبادرة يجري العمل على تحقيقها.
ففي عام 2011 كان البيكاديللي على وشك نفض الغبار عنه بعد حريق أصابه في عام 2000، وكانت الاستعدادات على مشارف نهايتها لإعادة ترميم المسرح عندما توقف كل شيء من دون أي توضيحات تذكر. وعادت الآمال تلوح من جديد لترميمه وافتتاحه في عام 2017 إثر زيارته من قبل وزير الثقافة آنذاك غطاس خوري، الذي أجرى مشاورات مع رئيس مجلس إدارة «مؤسسة ضمان الودائع» الدكتور خاطر بو حبيب، وهي المؤسسة التي في عهدتها هذا المسرح. ولكن الآمال تبخرت بعد عثرات وعراقيل ألقاها الطرفان كل على عاتق الآخر.
هذه المرة جاءت مبادرة إنقاذ «قصر البيكاديللي» من قبل المنتج اللبناني صادق الصبّاح. فهو واحد من المواطنين اللبنانيين الذي لا يزال يتمسك بلبنان الثقافة والفن رغم كل شيء. وتقول الحكاية أن الصباح الذي ينوي تصوير مسلسل «ميوزيكال» بعنوان «وتر» هو من يقف وراء تحريك عودة البيكاديللي إلى الحياة. فالمسلسل هو من كتابة كلوديا مرشيليان وإخراج إنجي جمال، يرتكز على قصة أبطالها موسيقيون. يتدربون على الرقص وعزف الموسيقى في مدرسة. وتدور أحداثه على خشبة مسرح أرادها الصباح شبيهة بالبيكاديللي. والموضوع كان يتطلب منه بناء مسرح شبيه بالصرح الثقافي البيروتي الشهير. وكي لا يذهب هذا الاستوديو سدى ويكون مصيره الهدم مع الانتهاء من عملية تصوير المسلسل، اقترحت عليه ابنته لمى مديرة الإنتاج في شركة الصباح، أن يحاول ترميم المسرح المذكور، فالنتيجة ستكون بالتأكيد أفضل على أصعدة عدة.
أعجب الصباح بالفكرة وبدأ رحلة مشاورات مع الجهات المسؤولة عنه وهما مؤسسة «كفالات» المالكة له، ووزارة الثقافة التي وضعت يدها عليه مؤخراً كمبنى تراثي يجب الحفاظ عليه.


المنتج صادق الصباح وراء تحريك عجلة ترميم «البيكاديللي» (الشرق الاوسط)

اللقاءات توالت بين الصباح والأطراف الأخرى فتشاور مع وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى الذي أبدى حماساً كبيراً للموضوع. كما التقى حبيب أبي خاطر مدير مؤسسة «كفالات» المالكة للمسرح. أما الوزير المرتضى فراح من ناحيته يقوم بالاتصالات اللازمة على قدم وساق لتنفيذ هذه المبادرة. فالتقى المهندس الداخلي جان لوي مانغي وزارا معاً البيكاديللي للوقوف على مستلزمات ترميمه. كذلك كانت له زيارة أخرى إلى هذا الصرح مع حبيب أبي خاطر. فالوزارة و«كفالات» تمثلان الجهتين المتنازعتين قضائياً على أحقية امتلاك هذا المعلم الثقافي العريق. ولأن الدولة تتقاعس عن دفع المستحقات عليها للمالك الأصلي، فموضوع تحديد هوية المالك يبقى معلقاً.
فهل هذه المبادرة ستدخل العدم مرة جديدة فلا تؤدي إلى نتائج إيجابية تماماً كسابقاتها في الأعوام الفائتة؟ يرد الوزير المرتضى، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن الأمور تميل أكثر نحو نجاح المبادرة، سيما وأن الصباح يتمسك بإعادة افتتاح البيكاديللي، وصراحة كان المسبب الرئيسي لتحريك هذه المبادرة مرة جديدة». ويتابع القاضي المرتضى: «في عام 2011 اتخذ القرار باستملاك البيكاديللي من قبل وزارة الثقافة اللبنانية. ووضعت العملية على هذه السكة ولكن من يومها لا إجراءات الاستملاك حصلت ولا الترميم أيضاً. وعندما قصدنا الصباح ليقترح علينا ترميم البيكاديللي، كونه يريد أن يصور فيه عملاً درامياً من إنتاجه، كانت مناسبة لإعادة تحريك هذا الملف. ومبدئياً سننكب على الموضوع من خلال مراحل متتالية. بحيث يتم الكشف على المسرح مع المهندس مانغي للوقوف على متطلبات ترميمه. ومن ثم ندرس كلفة إعادته إلى الحياة، خصوصاً أن المنتج الصباح يسهم بمبلغ 150 ألف دولار لترميمه. مبدئياً الصرح هو ملك وزارة الثقافة وحتى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، يجب أن نكون بدأنا بالعمل الجدي على المشروع. فلقد اتخذنا القرار بإكمال ما بدأنا به وعلينا أن نصل إلى خاتمة إيجابية».
شيد قصر البيكاديللي، الذي تبلغ مساحته 2000 متر مربع، المهندس اللبناني وليم صيدناوي، بعد أن اقتبس هندسته من قصر في البرتغال، وقد تميز بمقاعد مخملية حمراء وثيرة تتسع لـ800 شخص. وبثريات بلورية ضخمة بلغ سعر الواحدة منها 140 ألف ليرة لبنانية آنذاك. ويعتبر أول صرح فني وثقافي أقيم في شارع الحمراء المعروف في العاصمة بيروت، وقد صُمم وبُني وفق شروط هندسية وفنية تليق بالأعمال الضخمة آنذاك، ليعكس دور بيروت الفني والثقافي، فجذب كبار المثقفين والفنانين في العالمين العربي والغربي. افتتح هذا المسرح عام 1965 بحضور وزير الداخلية آنذاك الراحل بيار الجميل، ممثلاً لرئيس الجمهورية الراحل أيضاً شارل الحلو. وبقي همزة وصل وحيدة بين البيروتيين أثناء الحرب، إذ كان يقصده البيروتيون من كل جهة للتمتع في رحابه بمسرحية ناقدة أو ضاحكة تنسيهم ولو لساعات قليلة همومهم ومعاناتهم اليومية. اللبنانيون من أجيال سابقة وحالية يتمنون أن يعود هذا المسرح إلى الحياة لما يحمله لهم من ذكريات ورمز لبيروت أيام العز.
ولمجرد الإعلان عن هذه المبادرة التي يقف وراءها صادق الصباح ويسانده فيها وزير الثقافة القاضي المرتضى، انفرجت أسارير اللبنانيين وتفاءلوا خيراً بوجود مواطنين لبنانيين كالصباح لا يزال يؤمن ببيروت كراية للثقافة والفن. ويقول الصباح في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «القصة متشابكة إلى حد ما بسبب نزاعات تحصل حول أحقية استملاكه بين الجهة المالكة ووزارة الثقافة. ولكنني سأحاول تدوير الزوايا للوصول إلى خواتيم سعيدة. فهذا الصرح يعني للبنانيين الكثير وأنا مستعد لبذل كل ما في وسعي لتحقيق هذه المبادرة».
ويؤكد الصباح أن حالة البيكاديللي بعد الحريق الذي أصابه ليست سيئة كثيراً، وأن عملية الترميم ستشمل كواليسه المهملة وسجاد الموكيت الممدود على أرضه. فجدرانه المذهبة نجا قسم منها وكذلك الأمر بالنسبة للمسرح وبعض أدوات الإضاءة. ويتابع الصباح: «إننا كشركة الصباح عندنا مشروع درامي يهمنا أن نصوره في البيكاديللي لأنه موسيقي من نوع الـ(ميوزيكال) يلائم تماماً أجواء هذا المسرح العريق. وقد لجأنا إلى أرشيف مجلة الشبكة كي نقف على بعض تفاصيل أثاثه وهيكليته عامة، فنستطيع ترميمه ونحن نحافظ على نفس صورته المحفورة في ذاكرتنا».
ويشير الصباح إلى أنه عندما دخل البيكاديللي مؤخراً استعاد كل ذكرياته فيه، لا سيما تلك المتعلقة بمسرحيات فيروز والرحابنة التي شاهدها هناك. «رائحة هذا المسرح بحد ذاتها تعبق بالعراقة والأصالة وبزمن لبنان الجميل».
ومن لم يعايش تلك الفترة الذهبية لبيروت لا بد أن يعلم أن هذا الصرح شهد محطات فنية مميزة، بدءاً بفرقة أوركسترا فيينا العالمية للموسيقى الكلاسيكية التي افتتحته مروراً بمسرحيات الرحابنة، وبينها «هالة والملك» و«المحطة» و«الشخص» و«صح النوم» و«يعيش يعيش» وغيرها، وصولاً إلى العروض الأجنبية على أنواعها، كاستضافته لفريق «البوني إم» الغنائي العالمي.



كوبا على حافة الانهيار... حين تأكل الثورة أبناءها

يواجه الشباب الكوبي تحديات اقتصادية كبيرة فاقمتها العقوبات الأميركية (رويترز)
يواجه الشباب الكوبي تحديات اقتصادية كبيرة فاقمتها العقوبات الأميركية (رويترز)
TT

كوبا على حافة الانهيار... حين تأكل الثورة أبناءها

يواجه الشباب الكوبي تحديات اقتصادية كبيرة فاقمتها العقوبات الأميركية (رويترز)
يواجه الشباب الكوبي تحديات اقتصادية كبيرة فاقمتها العقوبات الأميركية (رويترز)

أمتار قليلة تفصل «ميدان الثورة» عن مجموعة من أكواخ الصفيح والكرتون التي يتراكض بينها صبية حفاة على مرأى من امرأة مُسنّة، تجلس على صندوق خشبي مخلّع، شاردة بنظراتها نحو الميدان الفسيح الفارغ، حيث كان فيديل كاسترو يؤلّب الجماهير بخطبه النارية في المناسبات الكبرى. روائح كريهة تنبعث من أكوام القمامة المكدّسة في الأزقّة الضيّقة حيث تجلس السيّدة نوفاليس فالديس وتجيب عن سؤال بخصوص أولادها، فتقول وعيناها سارحتان إلى بعيد: «أربعة هاجروا منذ زمن... والخامس الذي تعذرت عليه الهجرة، قرر أن يهاجر هنا، في مسقط رأسه، على غرار الآلاف مثله الذين انسدّت آفاق الرحيل أمامهم».

شحّ الأدوية

الشكوى التي تقلق السيدة فالديس أكثر من غيرها، هي تدهور الخدمات الصحية الكوبية التي كانت، لسنوات طويلة، موضع إعجاب وحسد في أميركا اللاتينية والعالم. حتى أن منظمة الصحة العالمية كانت تعد برنامج «أطباء الأسرة» في كوبا هو المثال الذي يجب أن يحتذى به في توفير الخدمات الصحية الأساسية والشاملة.

تعاني كوبا من ارتفاع كبير بمستويات الفقر وفي الصورة أشخاص بأحد أحياء هافانا يوم 24 فبراير (أ.ب)

لكن كوبا اليوم تعاني من شحّ الأدوية، ومن نقص حاد في الأطباء الذين يغادرون الجزيرة بالآلاف، فيما المستشفيات تكتفي فحسب بإجراء الجراحات المستعجلة بسبب من الانقطاع الدائم في التيار الكهربائي، وعدم توفّر المولّدات الكافية والمحروقات لتشغيلها. المدائح التي كانت المنظمات الدولية تكيلها للمنظومة الصحية الكوبية تحوّلت اليوم إلى تحذيرات مُتكرّرة من تفاقم الأزمة الإنسانية والصحية في الدولة التي كانت أوّل مصدّر للأطباء في العالم.

انهيار الخدمات الصحية في كوبا دليل ساطع ومؤلم على تداعي النموذج الذي أرست دعائمه الثورة، بما له وما عليه، بوصفه مختبراً اشتراكياً في أميركا اللاتينية وكوبا، حاولت دول عدة الاقتداء به. وهو نموذج أصبح اليوم ينازع تحت وطأة الحصار الاقتصادي الذي رفع دونالد ترمب منسوب قسوته بفرض حظر شامل على تصدير الوقود إلى كوبا، بعد سنوات من الإعياء الاقتصادي الذي بدأ مع جائحة «كوفيد - 19»، وما تسببت به من انهيار القطاع السياحي.

إغلاق الجامعات وإلغاء المنح الدراسية

حتى الركائز الأساسية التي قام عليها النظام وصمد عقوداً، هي أيضاً في طور الانهيار. «إجازات الثورة»، كما كان يسمّيها فيديل كاسترو، أصبحت اليوم أثراً بعد عين. الصحة، والتعليم، ومكافحة الفقر والأمان المجتمعي. كل ذلك يتداعى باطّراد منذ سنوات، باستثناء أجهزة المخابرات التي تمكنت حتى الآن من خنق كل الاحتجاجات الشعبية.

طيلة عقود، كانت كوبا قوة طبّية وتعليمية عظمى، بشهادة المنظمات الدولية. «الرفيق فيديل» كان يردد: «لا تعليم من غير ثورة»، ويفاخر بأنه لا يوجد طفل كوبي واحد خارج المدرسة. لكن أمام النقص الحاد في المحروقات، قرّرت حكومة الرئيس ميغيل دياز كانيل هذا الأسبوع إغلاق الجامعات مؤقتاً، وإلغاء المنح الدراسية التي تُعطى لطلاب المحافظات لمتابعة تحصيلهم في العاصمة، حيث المعاهد الابتدائية والثانوية فحسب هي التي تتابع أنشطتها من غير تيار كهربائي في معظم الحالات.

«لجان الدفاع عن الثورة»

في المقابل، تُكثّف الأجهزة الأمنية ملاحقتها للذين تشتبه بتحريضهم على الاحتجاج في منشوراتهم وتعليقاتهم على منصات التواصل الاجتماعي، وتحيل المئات منهم إلى مراكز الاعتقال من غير محاكمة، فيما عادت تنشط «لجان الدفاع عن الثورة» التي تحرّك خيوطها المخابرات للتشجيع على الوشاية بين السكان كلما شعر النظام بأنه مُهدد، لكن بتجاوب ضئيل بعد أن ابتلعت الثورة آيديولوجيتها، وصارت هي التي تأكل أبناءها، بعد أن صارت ديمومة النظام تقاس بكمية المحروقات الموجودة في مخزونه الاحتياطي.

يلجأ غالبية الكوبيين إلى الألواح الشمسية وسط انقطاعات مستمرّة للطاقة (رويترز)

الأرقام الاقتصادية تنذر هي أيضاً بوصول كوبا إلى حافة الانهيار الكبير. في السنوات الخمس الماضية تراجع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 11 في المائة وفقاً للبيانات الرسمية، منها 5 في المائة العام الماضي. منذ سنوات لم تعد الحكومة تنشر أرقام التضخم، لكنّ المراقبين يقدّرون أنه من بين أعلى المعدلات في أميركا اللاتينية، ويتوقعون انهيار قطاع الطاقة بحلول نهاية الشهر المقبل، إذ إن المصافي الكوبية المترهلة باتت عاجزة عن معالجة الإنتاج المحلي من النفط الذي لا يكفي لأكثر من 40 في المائة من الاحتياجات المحلية. خدمات النقل العمومي مشلولة تماماً في هافانا، والطوابير بمئات الأمتار أمام المصارف، فيما القمامة تتكدّس على امتداد العاصمة، في بلد لا يتجاوز متوسط الدخل الشهري فيه 15 دولاراً، والمعاشات التقاعدية 7 دولارات.

فقر مدقع

وفي محلات التموين التي تبيع المواد الغذائية الأساسية المدعومة، بالكاد يجد المواطنون ما يسدّون به جوعهم من الأرز والدقيق والملح والسكر، ويسأل بعضهم متى ستصل المعونة الغذائية التي وعدت بها المكسيك، آخر الدول المورّدة للنفط إلى كوبا بعد سقوط مادورو في فنزويلا، والتي تحاول اليوم الالتفاف على العقوبات التي أعلنتها الإدارة الأميركية، وتجهد لإيصال المساعدات الإنسانية إلى الجزيرة.

في الماضي، كانت كوبا الدولة الوحيدة في أميركا اللاتينية التي لا يعاني أطفالها من قلة التغذية، لكن منظمة «اليونيسف» تؤكد اليوم أن 10 في المائة من أطفال كوبا يعيشون في ظروف «فقر غذائي حاد».

تعاني كوبا من شحّ في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)

وتعترف وزارة الصحة الكوبية بأن عدد الكوبيين الذين يتناولون وجبة غذائية واحدة في اليوم يزداد، وأن 70 في المائة من المواطنين قد تخلّوا عن تناول إحدى الوجبات اليومية الثلاث بسبب من عدم توفر المال أو الأطعمة، فيما يعيش 89 في المائة من السكان البالغين في حال من «الفقر المدقع».

نزف الهجرة من الجزيرة بلغ مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، حيث انخفض عدد السكان في السنوات الثلاث الماضية من 11 مليوناً إلى 8.5 مليون، فيما ازدادت أعمال العنف والسرقات، «لأن الناس تجد صعوبة في تأمين عيشها» كما يقول رودريغو، الصديق الذي يرافقني في جولتي على بعض الأحياء الشعبية.

وعلى بُعد 140 كيلومتراً من هافانا، يقع شاطئ فاراديرو، الرئة السياحية لكوبا، وهو دليل آخر على الانهيار العام، بعد أن كان المصدر الرئيسي للعملة الصعبة إلى الجزيرة، وأصبح اليوم مُجرّد هيكل عظمي سياحي بفنادقه الخاوية ورماله البيضاء التي تغسلها مياه صافية وتضجّ بالفراغ.

كل ما تقع العين عليه في هذه الجزيرة له نكهة الاحتضار، ويدفع إلى الحسرة على حلم أطلقته ذات يوم مجموعة من الثوار الذين نزلوا من «الهضبة الكبرى» إلى هافانا لتحريرها من قبضة الاستبداد، وأضاء دروب الملايين في أميركا اللاتينية والعالم، ليتحوّل اليوم إلى كابوس مجبول بالخوف والعذاب.


محامي مادورو يتهم السلطات الأميركية بعرقلة سداد فنزويلا مستحقاته القانونية

 الرئيس الفنزويلي المحتجز في أميركا نيكولاس مادورو (أ.ب)
الرئيس الفنزويلي المحتجز في أميركا نيكولاس مادورو (أ.ب)
TT

محامي مادورو يتهم السلطات الأميركية بعرقلة سداد فنزويلا مستحقاته القانونية

 الرئيس الفنزويلي المحتجز في أميركا نيكولاس مادورو (أ.ب)
الرئيس الفنزويلي المحتجز في أميركا نيكولاس مادورو (أ.ب)

اشتكى محامي نيكولاس مادورو من أن السلطات الأميركية تعرقل تسديد مسؤولين فنزويليين أتعابه القانونية، وذلك وفق وثيقة قضائية نُشرت الأربعاء في نيويورك، حيث يحاكم الرئيس الفنزويلي المحتجز في أميركا بتهمة تهريب المخدرات.

وفي رسالة مؤرخة في 20 فبراير (شباط)، أوضح المحامي باري بولاك للقاضي ألفين هيلرستين أنه طلب ترخيصاً خاصاً من وزارة الخزانة الأميركية لتلقي أتعابه من السلطات الفنزويلية الخاضعة للعقوبات الأميركية.

وأوضح بولاك أنه حصل على هذا الترخيص في 9 يناير (كانون الثاني) من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية «أوفاك» لكل من نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس التي تُحاكم معه ويتولى هو أيضاً تمثيلها.

لكن تم إلغاء الترخيص فقط بالنسبة لنيكولاس مادورو، بعد ساعات فقط من إصداره ومن دون إعطاء تفسيرات، بحسب المحامي.

وكتب باري بولاك: «برفضها السماح للحكومة الفنزويلية بدفع أتعاب محامي مادورو، تعرقل أوفاك قدرته على الحصول على تمثيل قانوني، وبالتالي الحق الدستوري (...) المكفول بموجب التعديل السادس للدستور (...) في أن يمثل المتهم محامٍ من اختياره».

وأضاف المحامي أنه لا يطلب أي إجراء من القاضي في هذه المرحلة، وإنما يرغب فقط في إطلاعه على الوضع.

ومع ذلك، حذر محامي نيكولاس مادورو قائلاً: «إذا لم توافق أوفاك على طلب إعادة العمل بالترخيص الأولي أو رفضته، فسيتقدم مادورو بطلب رسمي في الأيام المقبلة لطلب تدخل المحكمة».

ونُقل الرئيس الفنزويلي البالغ 63 عاماً وزوجته البالغة 69 عاماً، قسراً إلى الولايات المتحدة في أوائل يناير (كانون الثاني) بعد اعتقالهما في كاراكاس خلال عملية عسكرية أميركية.

ووجهت إليهما رسمياً تهمة الاتجار بالمخدرات من قبل محكمة مانهاتن، وتم إيداعهما في سجن فيدرالي في بروكلين.

ومن المقرر أن يمثلا أمام المحكمة مجدداً في 26 مارس (آذار).


صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)

اقترح صندوق النقد الدولي مزيجاً بديلاً من السياسات الاقتصادية لتحقيق تطلعات الإدارة الأميركية دون التسبب في ارتدادات عالمية سالبة. وفي مراجعته السنوية لعام 2026، أكد الصندوق أن اعتماد آليات ضريبية وهيكلية أكثر استدامة بدلاً من الرسوم الجمركية سيخدم الأهداف الوطنية لواشنطن ويحمي في الوقت ذاته استقرار النظام المالي الدولي من مخاطر التضخم والدين المتصاعد.

وأشار البيان إلى أن سياسات الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها بشكل واضح، حيث اقترح الصندوق إحلال «ضريبة استهلاك مبنية على الوجهة» محل الرسوم الجمركية، والتحول نحو نظام هجرة قائم على المهارات.

وترى المديرة العامة، كريستالينا غورغييفا، أن هذا التحول سيعالج الاختلالات التجارية بفاعلية أكبر، متفادياً الآثار الجانبية للرسوم التي تسببت في ضغوط على جانب العرض وأججت تضخم السلع، مما شكل عائقاً أمام تحقيق معدلات نمو أقوى.

حماية الاستقلالية

أثنى الصندوق على النهج النقدي المتبع خلال عام 2025، معتبراً توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير خطوة صائبة لمواجهة تباطؤ التوظيف. ويتوقع الصندوق استقرار الفائدة عند نطاق 3.25 في المائة – 3.50 في المائة بنهاية عام 2026، مما يمهد لعودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة بحلول أوائل 2027.

كما شدد التقرير على ضرورة صون «استقلالية الفيدرالي» كأصل استراتيجي يحمي مصداقية السياسات النقدية بعيداً عن التجاذبات السياسية.

العجز المالي ومخاطر الدين العام

لفت الصندوق إلى أن الفجوة في المالية العامة لا تزال تمثل مخاطر حقيقية، حيث حذر من بقاء العجز المالي عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. هذا المسار الصعودي، الذي قد يدفع بالدين العام إلى 140 في المائة بحلول عام 2031، يستوجب وضع خطة «ضبط مالي» واضحة لضمان استدامة الميزانية وتقليص المخاطر السيادية التي قد تمتد آثارها لتشمل الأسواق العالمية برمتها.

مرونة النمو في مواجهة التقلبات

توقع الصندوق أن يحافظ الاقتصاد الأميركي على زخم نمو صحي عند 2.4 في المائة خلال عام 2026، مع انخفاض معدلات البطالة إلى حدود 4 في المائة. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أكدت غورغييفا أن الصندوق يراقب بعناية التطورات القانونية المتعلقة بالرسوم الجمركية لتحليل تبعاتها في التقارير المقبلة، مشددة على أن تبني «مزيج السياسات البديل» هو الضمانة الأكيدة لنمو مستدام وشامل.