تزايد المطالبات الدينية والعشائرية بإنهاء ظاهرة «الفصلية» في المجتمع العراقي

بعد حالات تزويج قسرية لنساء إرضاءً لعشائر لها قضايا ثأر

تزايد المطالبات الدينية والعشائرية بإنهاء ظاهرة «الفصلية» في المجتمع العراقي
TT

تزايد المطالبات الدينية والعشائرية بإنهاء ظاهرة «الفصلية» في المجتمع العراقي

تزايد المطالبات الدينية والعشائرية بإنهاء ظاهرة «الفصلية» في المجتمع العراقي

بعد يوم واحد من إعلان المرجعية الشيعية العليا في العراق رفضها «الفصلية» كمبدأ لحل النزاعات العشائرية، انتقد زعيم المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم أمس عودة هذه الظاهرة، المتمثلة بتزويج الفتيات قسرا بدلا من الدية، في «فض النزاعات» لدى بعض العشائر، لا سيما في محافظات الجنوب.
وقال الحكيم في بيان أمس إن «عودة ظاهرة الفصلية في فض النزاعات العشائرية لدى بعض العشائر العراقية أمر غير مرغوب به لا سيما أنها تشوه نظرة العالم للمجتمع العراقي»، عادًا إياها «ظاهرة سلبية تسيء للقيم الإسلامية والعشائرية». وأضاف الحكيم، أن «العشائر العراقية يجب أن تستثمر ثقلها المجتمعي ودورها التاريخي في العراق للحد من ظاهرة النزاعات العشائرية والفصلية والتدخل لإنهاء الخلافات وفق السنن العشائرية التي تتطابق في غالبيتها مع الشريعة الإسلامية»، مبينًا أن «دور عشائر العراق يكمن في حفظ المجتمع العراقي ووحدة العراق والتواصل مع عشائر المناطق الغربية للحفاظ على وحدة البلد».
وأوضح الحكيم أن «تصاعد النزاعات العشائرية في الجنوب فجأة وبهذه الحدة تصاعد لا يحمل البراءة وأن هناك أجندات خارجية تعمل على إشعالها»، محذرًا «العشائر العراقية من النزاعات العشائرية التي راجت في الآونة الأخيرة بمناطق جنوب العراق».
وكان ممثل المرجعية الدينية في كربلاء أحمد الصافي انتقد خلال خطبة الجمعة أول من أمس حل المشكلات العشائرية بإجبار النساء على الزواج ممن لا يرغبن، عادا إياه «مستنكرًا أخلاقًا وشرعًا ولا ولاية للأب أو غيره في تزويج المرأة خلافًا لمصلحتها»، داعيًا «العشائر إلى الاستفادة من العلماء وطلبة العلوم الدينية والتشاور معهم في وضع الحلول للمشكلات العشائرية».
من جهته، أكد مسؤول العشائر في المجلس الأعلى الإسلامي حسين أبو رغيف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «قضية الفصل العشائري هي الحلقة الأخيرة من سلسلة تحمل أهدافًا خبيثة وأجندات خارجية على صعيد تفتيت المنظومة القيمية للمجتمع العراقي من خلال إغراق العشائر بمجموعة من النزاعات العشائرية التي وصلت إلى حد القتال بالأسلحة المتوسطة والثقيلة»، مشيرًا إلى أن «العراق مجتمع عشائري لكن قضايا الفصل العشائري ووصولها إلى الفصلية التي تمثل امتهانًا للمرأة إنما هي عودة للعصر الجاهلي وبالتالي فإن مثل هذه الممارسات تشوه النظرة إلى القيم العربية والإسلامية الصحيحة وتمثل ردة خطيرة باسم العشائرية، بينما كل شيوخ العشائر الأصليون يرفضون مثل هذه الممارسات التي تهدف في النهاية إلى إضعاف هيبة الدولة وإضعاف سلطة القانون». ودعا أبو رغيف «رجال الدين وشيوخ العشائر والحكومة إلى العمل على الحد من هذه الظاهرة الخطيرة من أجل الحفاظ على وحدة العراق».
في سياق متصل، أكد الشيخ عدنان الدنبوس عضو البرلمان العراقي وأحد شيوخ العشائر في المحافظات الجنوبية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ظاهرة الفصلية لها جذور تاريخية في المجتمع العراقي لكنها تتنافى مع القيم الحقيقية للمجتمع العراقي الذي بلغ مرحلة من التطور المدني وفرض سيادة القانون بعد أن كان هذا الأمر مرتبطًا في الماضي بقضية الثأر، حيث كانت العشائر تقوم بتزويج النساء لأبناء العشيرة الأخرى صاحبة الثأر من أجل ترطيب الأجواء ونسيان الأحقاد من خلال المصاهرة والنسب ونهاية الكراهية». وأوضح الدنبوس أن «عودة هذه الظاهرة هي مؤشر على ضعف هيبة الدولة والقانون بالإضافة إلى أن مثل هذه الظاهرة تمثل أعرافا بالية غادرناها كعشائر ولم نعد نتعامل بها كشيوخ عشائر». وردًا على سؤال بشأن أن من يتولى عملية الفصل العشائري هم شيوخ عشائر قال الدنبوس إن «المشكلة هي أن سلطة شيخ العشيرة تراجعت إلى حد كبير حين تسلط على قراراتها وأنظمتها مجموعة ممن باتوا يدعون المشيخة العشائرية وهي التي بدأت تعمل على عودة مثل هذه الأعراف المرفوضة عشائريا ودينيا». وكان زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، هاجم هو الآخر هذه الظاهرة داعيًا إلى تحكيم العقل والشرع ومراجعة الحوزة الدينية.



الحوثيون يكثفون انتهاكاتهم بحق الأكاديميين في الجامعات

فعالية حوثية داخل جامعة صنعاء تضامناً مع «حزب الله» (إعلام حوثي)
فعالية حوثية داخل جامعة صنعاء تضامناً مع «حزب الله» (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يكثفون انتهاكاتهم بحق الأكاديميين في الجامعات

فعالية حوثية داخل جامعة صنعاء تضامناً مع «حزب الله» (إعلام حوثي)
فعالية حوثية داخل جامعة صنعاء تضامناً مع «حزب الله» (إعلام حوثي)

كثّفت الجماعة الحوثية استهدافها مدرسي الجامعات والأكاديميين المقيمين في مناطق سيطرتها بحملات جديدة، وألزمتهم بحضور دورات تعبوية وزيارات أضرحة القتلى من قادتها، والمشاركة في وقفات تنظمها ضد الغرب وإسرائيل، بالتزامن مع الكشف عن انتهاكات خطيرة طالتهم خلال فترة الانقلاب والحرب، ومساعٍ حثيثة لكثير منهم إلى الهجرة.

وذكرت مصادر أكاديمية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن مدرسي الجامعات العامة والخاصة والموظفين في تلك الجامعات يخضعون خلال الأسابيع الماضية لممارسات متنوعة؛ يُجبرون خلالها على المشاركة في أنشطة خاصة بالجماعة على حساب مهامهم الأكاديمية والتدريس، وتحت مبرر مواجهة ما تسميه «العدوان الغربي والإسرائيلي»، ومناصرة فلسطينيي غزة.

وتُلوّح الجماعة بمعاقبة مَن يتهرّب أو يتخلّف من الأكاديميين في الجامعات العمومية، عن المشاركة في تلك الفعاليات بالفصل من وظائفهم، وإيقاف مستحقاتهم المالية، في حين يتم تهديد الجامعات الخاصة بإجراءات عقابية مختلفة، منها الغرامات والإغلاق، في حال عدم مشاركة مدرسيها وموظفيها في تلك الفعاليات.

أكاديميون في جامعة صنعاء يشاركون في تدريبات عسكرية أخضعهم لها الحوثيون (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الإجراءات متزامنة مع إجراءات شبيهة يتعرّض لها الطلاب الذين يجبرون على حضور دورات تدريبية قتالية، والمشاركة في عروض عسكرية ضمن مساعي الجماعة لاستغلال الحرب الإسرائيلية على غزة لتجنيد مقاتلين تابعين لها.

انتهاكات مروّعة

وكان تقرير حقوقي قد كشف عن «انتهاكات خطيرة» طالت عشرات الأكاديميين والمعلمين اليمنيين خلال الأعوام العشرة الماضية.

وأوضح التقرير الذي أصدرته «بوابة التقاضي الاستراتيجي»، التابعة للمجلس العربي، بالتعاون مع الهيئة الوطنية للأسرى والمختطفين، قبل أسبوع تقريباً، وغطّي الفترة من مايو (أيار) 2015، وحتى أغسطس (آب) الماضي، أن 1304 وقائع انتهاك طالت الأكاديميين والمعلمين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية التي اتهمها باختطافهم وتعقبهم، ضمن ما سمّاها بـ«سياسة تستهدف القضاء على الفئات المؤثرة في المجتمع اليمني وتعطيل العملية التعليمية».

أنشطة الجماعة الحوثية في الجامعات طغت على الأنشطة الأكاديمية والعلمية (إكس)

ووثّق التقرير حالتي وفاة تحت التعذيب في سجون الجماعة، وأكثر من 20 حالة إخفاء قسري، منوهاً بأن من بين المستهدفين وزراء ومستشارين حكوميين ونقابيين ورؤساء جامعات، ومرجعيات علمية وثقافية ذات تأثير كبير في المجتمع اليمني.

وتضمن التقرير تحليلاً قانونياً لمجموعة من الوثائق، بما في ذلك تفاصيل جلسات التحقيق ووقائع التعذيب.

ووفق تصنيف التقرير للانتهاكات، فإن الجماعة الحوثية نفّذت 1046 حالة اختطاف بحق مؤثرين، وعرضت 124 منهم للتعذيب، وأخضعت اثنين من الأكاديميين و26 من المعلمين لمحاكمات سياسية.

وتشمل الانتهاكات التي رصدها التقرير، الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي والمحاكمات الصورية وأحكام الإعدام.

عشرات الأكاديميين لجأوا إلى طلب الهجرة بسبب سياسات الإقصاء الحوثية وقطع الرواتب (إكس)

وسبق أن كشف تقرير تحليلي لأوضاع الأكاديميين اليمنيين عن زيادة في طلبات العلماء والباحثين الجامعيين للهجرة خارج البلاد، بعد تدهور الظروف المعيشية، واستمرار توقف رواتبهم، والانتهاكات التي تطال الحرية الأكاديمية.

وطبقاً للتقرير الصادر عن معهد التعليم الدولي، ارتفعت أعداد الطلبات المقدمة من باحثين وأكاديميين يمنيين لصندوق إنقاذ العلماء، في حين تجري محاولات لاستكشاف الطرق التي يمكن لقطاع التعليم الدولي من خلالها مساعدة وتغيير حياة من تبقى منهم في البلاد إلى الأفضل.

إقبال على الهجرة

يؤكد المعهد الدولي أن اليمن كان مصدر غالبية الطلبات التي تلقّاها صندوق إنقاذ العلماء في السنوات الخمس الماضية، وتم دعم أكثر من ثلثي العلماء اليمنيين داخل المنطقة العربية وفي الدول المجاورة، بمنحة قدرها 25 ألف دولار لتسهيل وظائف مؤقتة.

قادة حوثيون يتجولون في جامعة صنعاء (إعلام حوثي)

لكن تحديات التنقل المتعلقة بالتأشيرات وتكلفة المعيشة والاختلافات اللغوية الأكاديمية والثقافية تحد من منح الفرص للأكاديميين اليمنيين في أميركا الشمالية وأوروبا، مقابل توفر هذه الفرص في مصر والأردن وشمال العراق، وهو ما يفضله كثير منهم؛ لأن ذلك يسمح لهم بالبقاء قريباً من عائلاتهم وأقاربهم.

وخلص التقرير إلى أن العمل الأكاديمي والبحثي داخل البلاد «يواجه عراقيل سياسية وتقييداً للحريات ونقصاً في الوصول إلى الإنترنت، ما يجعلهم يعيشون فيما يُشبه العزلة».

وأبدى أكاديمي في جامعة صنعاء رغبته في البحث عن منافذ أخرى قائمة ومستمرة، خصوصاً مع انقطاع الرواتب وضآلة ما يتلقاه الأستاذ الجامعي من مبالغ، منها أجور ساعات تدريس محاضرات لا تفي بالاحتياجات الأساسية، فضلاً عن ارتفاع الإيجارات.

إجبار الأكاديميين اليمنيين على المشاركة في الأنشطة الحوثية تسبب في تراجع العملية التعليمية (إكس)

وقال الأكاديمي الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على بياناته خوفاً على سلامته، إن الهجرة ليست غاية بقدر ما هي بحث عن وظيفة أكاديمية بديلة للوضع المأساوي المعاش.

ويقدر الأكاديمي أن تأثير هذه الأوضاع أدّى إلى تدهور العملية التعليمية في الجامعات اليمنية بنسبة تتجاوز نصف الأداء في بعض الأقسام العلمية، وثلثه في أقسام أخرى، ما أتاح المجال لإحلال كوادر غير مؤهلة تأهيلاً عالياً، وتتبع الجماعة الحوثية التي لم تتوقف مساعيها الحثيثة للهيمنة على الجامعات ومصادرة قرارها، وصياغة محتوى مناهجها وفقاً لرؤية أحادية، خصوصاً في العلوم الاجتماعية والإنسانية.

وفي حين فقدت جامعة صنعاء -على سبيل المثال- دورها التنويري في المجتمع، ومكانتها بصفتها مؤسسة تعليمية، تُشجع على النقد والتفكير العقلاني، تحسّر الأكاديمي اليمني لغياب مساعي المنظمات الدولية في تبني حلول لأعضاء هيئة التدريس، سواء في استيعابهم في مجالات أو مشروعات علمية، متمنياً ألا يكون تخصيص المساعدات لمواجهة المتطلبات الحياتية للأكاديميين غير مشروط أو مجاني، وبما لا يمس كرامتهم.