هل تُنهي موجة الحر الأوروبية «الاستقطاب المناخي»؟

بعدما بات تأثير «البيت الزجاجي» واضحاً

موجه الحر أشعلت الحرائق في بريطانيا (غيتي)
موجه الحر أشعلت الحرائق في بريطانيا (غيتي)
TT

هل تُنهي موجة الحر الأوروبية «الاستقطاب المناخي»؟

موجه الحر أشعلت الحرائق في بريطانيا (غيتي)
موجه الحر أشعلت الحرائق في بريطانيا (غيتي)

قبل سنوات، أثناء ندوة نظمتها مكتبة الإسكندرية للعالم المصري الراحل أحمد زويل، داعب الرجل شخصيات سياسية بارزة احتلت المقاعد الأولى من القاعة، قائلاً «نحن نستمع للسياسيين كثيراً، من فضلكم أنصتوا للعلم ولو لساعة واحدة». كان زويل يقصد بحديثه، أن القضايا السياسية التي كانت تعجّ بها الساحة المصرية وقتها، تفرض حضوراً مميزاً للسياسيين في أجندة وسائل الإعلام، لكن الحال تغير كثيراً، ولم يعد السياسيون يكتفون بالحديث في قضايا السياسة، بل أقحموا أنفسهم أيضاً في قضايا علمية مثل التغيرات المناخية؛ ما ساهم في خلق حالة من الاستقطاب الحاد بين قطاعات من الجمهور تقلل من خطورة تلك التغيرات المناخية تأييداً لرأي الحزب السياسي الذي تنتمي إليه، وقطاعات أخرى تستشعر خطورتها، لتبني حزبها هذا الموقف. ويحتدم هذا الجدل بين الفريقين منذ سنوات، وعلى الرغم من تأكيد العلماء، أصحاب الحق الأصيل في الحديث بهذا الموضوع، على خطورة وحجم المشكلة، تعليقاً على ظواهر مناخية متطرفة شهدها العالم في السنوات الأخيرة، فإن هذا الاستقطاب الحاد ظل قائماً. بيد أن الخبراء يعوّلون الآن على موجة الحر غير المسبوقة التي تضرب أوروبا، بالتزامن مع اندلاع حرائق الغابات في أكثر من مكان، في أنها قد تكتب فصل النهاية لهذه الفجوة؛ إذ لم يعد هناك مجالاً للشك أن التغيرات المناخية تطبع بصماتها الواضحة على حياتنا.
تجتاح أوروبا حالياً موجة من الحر الشديد «غير المسبوقة»، وصلت معها درجة الحرارة في كثير من الدول الأوروبية إلى أكثر من 40 درجة مئوية. ووفق الخبراء، يبدو أن هذه الموجة المناخية القاسية ستصبح أكثر تواتراً خلال العقود المقبلة، و«بات تغير المناخ السبب الواضح لذلك»، كما أوضح الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية بيتيري تالاس، خلال مؤتمر صحافي في جنيف الثلاثاء الماضي. هذا الواقع جعل تالاس يتلمّس «نقطة مضيئة في هذه الظروف المناخية القاسية». وأردف «إنها قد تؤدي إلى زيادة الوعي لدى الكثير من الحكومات بقضية التغيرات المناخية».
ولم تسهم أحداث مناخية قاسية شهدها العالم في السنوات الماضية، في تحقيق ما يرجوه تالاس، كما لم تسهم نفس الأحداث في سد الفجوة بين من يؤمن بخطورة التغيرات المناخية، وبين من ينكرها من الأساس، وهو ما عزته دراسات عديدة حول العالم إلى تأثير «التحزب» الذي تجاوزت سطوته شعور المواطنين بتأثير الظواهر المناخية على حياتهم.
لقد ظهر تأثير هذا التحزب على خلق حالة «الاستقطاب المناخي» في العديد من الدراسات واستطلاعات الرأي حول العالم، منها الدراسة التي نشرها مركز «بيو للأبحاث» في 16 أبريل (نيسان) من عام 2020، وأرّخت لبدايات هذا الاستقطاب المناخي في أميركا. تقول الدراسة، إنه في عام 1997، كانت أعداد متساوية من الديمقراطيين والجمهوريين يؤمنون بأن تأثيرات الاحتباس الحراري بدأت بالفعل، ولكن في 2007 بلغت الفجوة بين المعسكرين نحو 34 في المائة؛ إذ أعرب 76 في المائة من الديمقراطيين عن اعتقادهم بأن تأثيرات التغير المناخي بدأت بالفعل، بينما كانت النسبة 42 في المائة فقط عند الجمهوريين.
ولم تضق تلك الفجوة كثيراً حتى 2020، فبينما قال نحو 78 في المائة من الديمقراطيين و(المستقلين الذين يميلون إلى الحزب الديمقراطي)، إن التعامل مع تغير المناخ العالمي يجب أن يكون على رأس أولويات الرئيس والكونغرس، أيّد 21 في المائة فقط من الجمهوريين و(المستقلين ذوي الميول الجمهورية)، هذا الرأي.

«تصدير» الاستقطاب الأميركي
من جهة ثانية، صدّرت أميركا هذا الاستقطاب المناخي إلى العالم، كما ترى دراسة للحالة الفنلندية نشرتها دورية «غلوبال إنفيرمنتال تشاينج» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وفي هذه الدراسة حلل الباحثون مضامين لتغريدات الفنلنديين على موقع «تويتر». وأظهر التحليل، أن اتجاهات الرأي العام حول سياسات المناخ خلال الانتخابات الفنلندية لعام 2019 خضعت للفرز الحزبي؛ إذ مال الجمهور بشكل وثيق إلى الرأي الذي تروج له أحزابهم المفضلة.
كذلك، أشارت الدراسة، في مقدمتها، إلى حالات أخرى من الاستقطاب المناخي ظهرت في 11 دولة، بينها بريطانيا وأستراليا والنرويج. وليس ثمة سبب واضح لهذه الحالة التي اسمتها الدراسة بـ«الفرز الحزبي»، سوى أن السياسيين أقحموا أنفسهم في هذه القضية العلمية، حتى باتوا يتحدثون فيها أكثر من العلماء المتخصصين.
الأمر ذاته كشفت عنه دراسة أميركية لباحثين من جامعة ميتشيغان نشرتها دورية «ساينس كوميونيكيشن». وفي هذه الدراسة المنشورة في مارس (آذار) من عام 2020، حلل الباحثون مقالات عن تغير المناخ من 11 صحيفة أميركية، بما فيها «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«لوس أنجليس تايمز» و«شيكاغو تريبيون»، بين عامي 1985 و2017. وهنا نظر الباحثون في عدد المرات التي ذكرت فيها تلك المقالات الجمهوريين والديمقراطيين والعلماء، فوجدوا أنه في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كانت هناك إشارات إلى العلماء أكثر من السياسيين في تغطية تغير المناخ، لكن هذا الاتجاه تغير في العقد الأول من القرن الـ21؛ إذ جرى الاستشهاد بالسياسيين في كثير من الأحيان. ومن ثم، قالت الدراسة، إن الأصوات الحزبية لم تهيمن على تغطية تغير المناخ فحسب، بل إن هذه الأصوات كانت مرتبطة أيضاً برسائل متباينة بشكل متزايد، زادت من حدة الاستقطاب المحيط بالسياسات المناخية. وفي سياق متصل، نبّهت دراسة علمية لباحثين من جامعة واشنطن الأميركية نشرتها دورية «سوشيال فورسيس» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2019، إلى خطورة هذا الاستقطاب في إحداث تأثيرات غير مرغوب فيها على جهود التخفيف من آثار تغير المناخ.
مخاطر الانقسام
ولكن «مع موجة الحر التي تضرب أوروبا ودولاً أخرى من العالم راهناً، لم يعد العالم يملك رفاهية هذا الانقسام»، كما يقول الدكتور مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط».
علام أعرب عن غضبه، وبلهجة بدت حادة بعض الشيء، عند سؤاله حول تأثير موجة الحر التي تشهدها أوروبا في إنهاء حالة الاستقطاب المناخي؛ إذا قال «لا مجال بعد الآن لإقحام السياسة ومفرداتها، مثل كلمة الاستقطاب لدى الكلام عن التغير المناخي؛ وذلك لأننا أمام قضية علمية بحتة، وليست قضية سياسية تحتمل آراء ومذاهب مختلفة». ووصف الخبير البيئي موجة الحر التي تشهدها أوروبا حالياً بأنها «ناقوس خطر لما قد نعيشه في المستقبل، إذا لم ننجح في النزول بدرجة حرارة سطح الكرة الأرضية».
حتى الآن لم يصل العالم إلى نسبة الـ1.5 في المائة زيادة في درجة حرارة سطح الكره الأرضية، مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهي العتبة التي يعتقد العلماء، أنه لا ينبغي أن نتجاوزها، ومع هذا يشعر الناس الآن بهذه التأثيرات غير المسبوقة، فكيف سيكون الحال إذا كانت الزيادة بنسبة 2.5 في المائة؟
يجيب علام «إذا استمرت معدلات انبعاثات الغازات بنفس القدر الحالي، سنصل إلى عتبة الـ2.5 في المائة بحلول 2050، وستكون الحياة حينئذ مستحيلة على كوكب الأرض، وبالتالي، سيتوجب على البشر البحث عن كوكب آخر يعيشون عليه».
حقائق علمية
ما يجعل الحياة ممكنة على كوكب الأرض، بحيث لا يكون طقسها بارداً جداً كالقمر أو شديد الحرارة مثل كوكب الزهرة، هو حدوث التوازن بين كمية الإشعاع الشمسي الواصلة للأرض والمنعكسة منها. إلا أن معدلات استهلاك الوقود الأحفوري المتزايدة والغازات التي تخلفها الأنشطة الصناعية، خلقت غطاءً يمتص الأشعة تحت الحمراء ويمنعها من الهروب نحو الفضاء الخارجي؛ وهو ما يخل بمعادلة التوازن التي هي سر الحياة على كوكب الأرض، ويُسبب تسخيناً تدريجياً للغلاف الجوي للأرض وسطحها، ليحولها إلى ما يشبه «البيوت الزراعية الزجاجية».
تمر الأشعة فوق البنفسجية في «البيت الزجاجي» بسهولة عبر جدرانه الزجاجية فتمتصه بعض النباتات، وفي المقابل تمر الأشعة تحت الحمراء الأقل طاقة بصعوبة عبر هذه الجدران وتُحتجز في الداخل... وبالتالي تُسخن «البيت الزجاجي». ويسمح هذا التأثير للنباتات الاستوائية بالازدهار داخل البيوت الزجاجية، حتى خلال فصل الشتاء البارد، وهذا ما يشهده كوكب الأرض حاليا من تأثيرات مرشحة للزيادة، كما يؤكد علام.
يتسبب ما بات يعرف علمياً بـ«تأثير البيت الزجاجي» في تسخين الغلاف الجوي للأرض وسطحها، وما ترتب على ذلك من ذوبان للجليد أدى إلى ارتفاع مستويات سطح البحر؛ وهو ما سيؤدي إلى غرق بعض المدن ومناطق الدلتا حول العالم.
وخلال كلمة الافتتاح في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي «كوب 26» الذي عُقد في مدينة غلاسغو الاسكوتلندية خلال الفترة من 31 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 12 نوفمبر، ذكر رئيس الوزراء البريطاني (المستقيل) بوريس جونسون مدينة الإسكندرية المصرية كإحدى المدن المهددة. وكان جونسون، في رأي علام «كريماً عندما قال إن ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 4 درجات مئوية (7.2 درجة فهرنهايت) سيؤدي إلى هذا التأثير». وأعاد علام ما سبق وأشار إليه من أن 2.5 في المائة، كافية لتحويل الأرض إلى جحيم.
وبالفعل، تستشعر كثير من الدراسات التي صدرت أخيرا بوادر هذا «الجحيم»، ومنها دراسة بقيادة «المركز الأورومتوسطي حول تغير المناخ» تناولت تأثير الجفاف الناتج عن الانحباس الحراري على غلة محاصيل الأرز والقمح والذرة وفول الصويا. ووفق الدراسة المنشورة في 6 أبريل الماضي بدورية «سيانتيفيك ريبورتس»، فإن غلة هذه المحاصيل الرئيسة عُرضة لأنماط من الجفاف أكثر تعقيداً مما دلت عليه دراسات سابقة.
ولقد تسببت موجات الجفاف الحالية، التي لم تصل بعد للمستوى الذي توقعته الدراسة، في اتخاذ الهند، التي هي ثاني أكبر منتج للقمح في العالم، قراراً بحظر تصدير الحبوب بعدما أثرت موجة الحر على المحاصيل. وتسببت هذه الخطوة في تفاقم نقص الحبوب عالمياً، لتزامنها مع الحرب الروسية – الأوكرانية، حيث المصدر الرئيس للحبوب.
وكما تضامنت الحرب الروسية - الأوكرانية مع تأثيرات تغير المناخ، لتسببا معاً تهديداً مباشراً للأمن الغذائي العالمي، فإنه من المتوقع أن تلقي الحرب أيضاً بظلالها، على قمة المناخ «كوب 27» التي تستضيفها مدينة شرم الشيخ المصرية في نوفمبر من العام الحالي. وللعلم، المأمول من هذه القمة هو تحقيق ما فشلت فيه قمة غلاسغو، وبالذات، انتزاع موافقة الدول على «التخلص التدريجي» من الفحم، وليس «الخفض التدريجي». وما يُذكر أن بوريس جونسون سار في اتجاه إقرار «التخلص التدريجي» في قمة غلاسغو، لكن اعتراض الهند، دفع الوفود المشاركة في المؤتمر إلى الموافقة على استبدال هذه العبارة بـ«الخفض التدريجي»، إنقاذاً للاتفاقية.
ولا يتوقع الدكتور محمد عبد المنعم، كبير مستشاري التغيرات المناخية بالمكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو)، أن تكون مهمة إقرار عبارة «التخلص التدريجي» سهلة في قمة «كوب 27»، بعدما عادت بعض الدول التي كانت قد تخلصت من الفحم نهائياً، ومنها ألمانيا، إلى إعادة استخدامه مجدداً لتوليد الكهرباء، وذلك بعدما أثرت الحرب الروسية - الأوكرانية على إمدادات الغاز التي تصلها من روسيا.
وهنا يقول عبد المنعم لـ«الشرق الأوسط»، إن موجة الحر غير المسبوقة في أوروبا «ناقوس خطر يجعل المشكلة أوضح أمام زعماء العالم في قمة (كوب 27)، ولكن تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية ستجعل مهمة إقرار عبارة التخلص التدريجي صعبة، وربما مستحيلة».



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟