الرئيس الإيطالي يحل البرلمان تمهيداً لانتخابات تشريعية مبكرة

عقب انسحاب 3 أحزاب من ائتلاف دراغي الحكومي

الرئيس ماتاريلا يعلن حل البرلمان الإيطالي أمس (إ.ب.أ)
الرئيس ماتاريلا يعلن حل البرلمان الإيطالي أمس (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الإيطالي يحل البرلمان تمهيداً لانتخابات تشريعية مبكرة

الرئيس ماتاريلا يعلن حل البرلمان الإيطالي أمس (إ.ب.أ)
الرئيس ماتاريلا يعلن حل البرلمان الإيطالي أمس (إ.ب.أ)

أعلن الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، الخميس، حل مجلسي الشيوخ والنواب، وتنظيم انتخابات مبكرة يتوقع عقدها في الخريف. وقال ماتاريلا إن «الوضع السياسي أدى إلى هذا القرار»، في إشارة إلى استقالة رئيس الوزراء ماريو دراغي بعد انسحاب ثلاثة أحزاب كبيرة الخميس من ائتلافه الحكومي. وأوضح أن «المناقشة والتصويت وكيفية التعبير عن التصويت في مجلس الشيوخ»، الأربعاء، أثبتت عدم وجود «دعم برلماني للحكومة، وانعدام إمكانات نشوء غالبية جديدة». وأضاف ماتاريلا أن «هذا الشرط جعل حل البرلمان أمرا لا مفر منه»، مؤكدا أنه «دائما الخيار الأخير».
وقدم دراغي استقالته بعد فشل الجهود لإيجاد أرضية مشتركة بين الأحزاب المنقسمة في البلاد، في خطوة أثارت استياء كثيرين. فكتبت صحيفة «لا ريبوبليكا» على صفحتها الأولى «إيطاليا تعرضت للخيانة»، فيما عنونت «لا ستامبا» «عار عليكم». ويبدو ائتلاف «يمين الوسط»، الذي يضم حزب «فورتسا إيطاليا» اليميني بزعامة سيلفيو برلوسكوني واليمين المتطرف الممثل بحزب الرابطة الشعبوي بزعامة ماتيو سالفيني، الأوفر حظا في الانتخابات المقبلة.
- فما الذي تسبب في هذه الأزمة الإيطالية المتجددة؟
ينقل المؤرخون عن الطاغية الفاشي بنيتو موسوليني أنه عندما سئل عن الصعاب التي تعترض الحكم في بلد بركاني البنية مثل إيطاليا، أجاب بقوله: «ليس الأمر مستحيلاً، إنه بلا جدوى على الإطلاق».
وليس مستبعداً أن ما يشبه هذا القول يتردد اليوم في ذهن ماريو دراغي، وأذهان غالبية الإيطاليين الذين كانوا يؤيدونه، بعد أن انسدل الستار على ملهاة الأزمة التي أنهت سبعة عشر شهراً من ولاية أنجح حكومة عرفتها إيطاليا خلال العقود الأخيرة، واستردت خلالها قسطاً كبيراً من ريادتها الأوروبية والدولية بفضل الحاكم السابق للبنك المركزي الأوروبي الذي أنقذ اليورو في أصعب الأزمات التي مر بها، والذي كان سادس رئيس وزراء إيطالي على التوالي لا يخرج من صناديق الاقتراع بسبب من العقم الذي تتخبط فيه الأحزاب السياسية الإيطالية وعجزها عن الحد الأدنى من التوافق ومعالجة الأزمات المستعصية في القوة الاقتصادية الثالثة في أوروبا.
ثمة ذهول يتملك الإيطاليين منذ أيام أمام تعاقب فصول هذه الأزمة السوريالية التي يعجزون عن فهم أسبابها، ويتساءلون بقلق شديد عن مصير إرث هذه الحكومة التي كانت قطعت شوطاً بعيداً في مسيرة تجديد الجمهورية المؤجل منذ عقود. وتقول السيدة المسنة ماريا، التي درست لسنوات علم الاجتماع السياسي في جامعة روما، إن دراغي الضالع في الرياضيات والمعادلات المالية، أخطأ في حساباته عندما ظن أنه قادر على ترويض «وحش السياسة الإيطالية الذي يتقن رياضة تدمير الذات، بقدر إتقانه لعبة الطعن بالخناجر المسمومة».
في أقل من ثلاث سنوات، تعاقبت على إيطاليا حكومتان متضاربتان في الاتجاه السياسي، لكن في الحالتين كان عمادها حركة النجوم الخمس الشعبوية التي لطالما فاخر مؤسسها الممثل الهزلي بيبي غريلو بأنها ليست من اليمين ولا من اليسار، بل من الاثنين معاً، وكان رئيسها جيوزيبي كونتي الذي دخل المعترك السياسي برمية نرد جعلت منه رئيساً للوزراء، ليصبح بعد سقوط حكومته الثانية زعيماً للحركة التي كانت بدأت شعبيتها بالأفول.
تلك كانت سنوات مضطربة على الصعيد السياسي وحافلة بالتهديدات الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، زادتها حدة جائحة (كوفيد - 19) وتداعياتها، قبل أن تنهار الحكومة الثانية أيضاً تحت وقع المكائد والطعنات الداخلية. يومها، ألقى رئيس الجمهورية سيرجيو ماتاريلا نظرة على ما يسميه الإيطاليون «احتياط الدولة»، واختار منه الرجل الذي يتمتع بسمعة طاهرة ومكانة دولية مرموقة، ماريو دراغي. تردد الحاكم السابق للبنك المركزي الأوروبي بعض الوقت قبل أن يتجاوب مع دعوة ماتاريلا له ليرأس حكومة إنقاذ حتى نهاية الولاية التشريعية، خشية منه أن يغرق في أوحال السياسة الإيطالية. لكنه اقتنع في النهاية بفكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية تعطيه الشرعية الديمقراطية التي لم يحصل عليها من صناديق الاقتراع، ليكتشف بعد سبعة عشر شهراً أن لا شيء يقوى على الطبائع المتأصلة في السياسة الإيطالية، وأن الشعبوية والنزوع إلى تدمير الذات ليست هي السقم، بل هي أعراض المرض الذي يعاني منه الجسم السياسي الإيطالي.
اختار دراغي تشكيلة وزارية من التكنوقراط والسياسيين، ونجح في إرضاء الأحزاب السياسية إلى جانب اعتماده على شخصيات مرموقة من المجتمع المدني وقطاع الأعمال كلفها معظم الحقائب الأساسية مثل الاقتصاد والانتقال البيئي والابتكار الرقمي. أعاد تصويب الخطة التي كانت وضعتها الحكومة السابقة لمشاريع النهوض من تداعيات الجائحة، التي أتاحت لإيطاليا الحصول على حصة الأسد من المساعدات الأوروبية التي تزيد على 230 مليار يورو. وباشر بالإصلاحات الاقتصادية اللازمة للحصول على هذه المساعدات، وفي طليعتها إصلاح النظام القضائي، والإدارة العامة، ونظام الضرائب، فيما كانت تزداد كل يوم دهشة الإيطاليين الذين لم يتعودوا على رئيس للحكومة ينجز هذا القدر في مثل هذا الوقت القصير.
أمسك دراغي بزمام الحكم في إيطاليا بهدوء وبعيداً عن الصخب الذي اعتاد عليه الإيطاليون، وقاد الجهود الأوروبية في تعميم التغطية اللقاحية ضد (كوفيد - 19) بعد أن كانت إيطاليا بين أكثر بلدان العالم تضرراً من الجائحة، وكان أول من فرض شهادة التلقيح كشرط للسفر وممارسة جميع الأنشطة المهنية تقريباً، رافضاً تخفيف القيود الوقائية حتى مرحلة متأخرة جداً برغم الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي تعرضت لها الحكومة.
إلى جانب ذلك، كانت مكانة إيطاليا الأوروبية والدولية ترتفع بسرعة، بعد الإصابات القاتلة التي لحقت بها بسبب سياسات الحكومات الشعبوية، وقبلها زلات وأخطاء الرئيس الأسبق برلوسكوني. وفيما كانت ألمانيا وفرنسا منهمكتين في شؤون الانتخابات المحلية، اندفع دراغي نحو صدارة المشهد الأوروبي على مسافة واحدة من برلين وباريس.
وعندما اندلعت الحرب في أوكرانيا، كان دراغي حازماً في موقفه إلى جانب كييف، طاوياً صفحة الغزل التي فتحتها كل الحكومات الإيطالية السابقة مع موسكو، وراهن على دعم أوكرانيا بالأسلحة، ما تسبب له بأول أزمة مع حركة النجوم الخمس التي تعارض هذا الاتجاه. وكان لافتاً أن بين الزعماء الدوليين الذين اتصلوا به مؤخراً لثنيه عن الاستقالة، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، الذي صرح بعد ذلك أن استقالة دراغي هي أفضل هدية يمكن تقديمها لفلاديمير بوتين هذه الأيام.
من المقرر أن تجرى الانتخابات المسبقة في النصف الثاني من سبتمبر (أيلول) المقبل، ما يعني أن الأحزاب الإيطالية ستمضي عطلة الصيف بين لظى الحملة الانتخابية ولهيب موجة الحر التي تضرب أوروبا، بحثاً عن إطفائي آخر يخمد الحرائق المشتعلة باستمرار في الجسم السياسي الإيطالي.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.