«الفيديو آرت» حراك يواكب رقمنة الفنون في السعودية

الملتقى الدولي يفتتح دورته بـ49 عملاً من 23 دولة

دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)
دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)
TT

«الفيديو آرت» حراك يواكب رقمنة الفنون في السعودية

دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)
دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)

ألوان غنية، وأصوات متداخلة، وفلسفات متنوعة... بهذه القوالب جاءت أعمال ملتقى «الفيديو آرت» الدولي، الذي افتتح دورته الرابعة مساء أول من أمس، بتنظيم جمعية الثقافة والفنون بالدمام، تحت شعار «تأمّل الضوء... انطلق نحو الخيال»، وبمشاركة 49 عملاً فنياً من 23 دولة، إذ توقف الزوار طويلاً أمام الأعمال، في رحلة تأمل عميقة لاستيعاب هذا الفن الحديث.
وتأتي الأعمال في شاشات إلكترونية، بعضها مرفق بسماعات تساعد المتلقي على سماع الأصوات المتنوعة، لعيش الحالة الكاملة التي صنعها الفنان، في استعراض بصري يعتمد على عُنصري الخيال والضوء. كما يبدو لافتاً أن هذا الفن جذب الفنانين التشكيليين نحوه، ممن لجأوا إليه كنمط فني جديد لجيل منبهر بالصورة، وشديد الالتصاق بالتقنيات الحديثة.
يصف يوسف الحربي، وهو مدير جمعية الثقافة والفنون بالدمام والمشرف العام على الملتقى، هذه الدورة، قائلاً: «هي انعكاس نضج ثلاث دورات سابقة كان فيها التحدي الأكبر لنا هو نشر (الفيديو آرت) والتعريف به وبالتجارب المحلية والدولية، وتعريف التجارب السعودية على هذا الفن من خلال البرامج والأنشطة والندوات، وهو ما مكّننا من كسب الثقة والتعاون وفسح المجال نحو التجريب والمشاركة».
ويرى الحربي أن هذه الدورة تأتي كهمزة وصل بين مرحلتين: مرحلة ما قبل «كورونا» وما بعدها، خصوصاً مع التحوّل مجدداً نحو النشاط المباشرة والتواصل الحقيقي بين البشر، مضيفاً: «هذه الدورة بمثابة المرصد الموجّه لوعينا ونضجنا وحركتنا لمدى تأملنا للضوء وانطلاقنا بمحبة وشغف نحو الخيال».

يركز فن «الفيديو آرت» على الإبهار البصري

التجارب السعودية
بسؤال الحربي عن تجارب الفنانين السعوديين في «الفيديو آرت»، يجيب: «التجارب السعودية ومنذ انطلاقنا في ترسيخ الملتقى -كتظاهرة سنوية- هي عبارة عن تجارب لافتة أسلوباً وتقنية ومحتوى، إذ نجد أنها على مستوى بصري عالٍ وحضور استطاع أن يتملّك رؤية النقاد ودهشة المتابعين، خصوصاً أن التجارب لم تكتفِ بالتقليد العام للتجريب الغربي والتجارب العربية المختلفة، بل استطاعت أن تستحوذ على ذاتها بكل عمق وتعبّر عن خصوصياتها وهويتها بكل تفاعل وتأثير جمالي».
ورغم أنها تجارب متنوعة في التركيب والانستاليشن والوسائط المتعدّدة والأداء والأنيميشن والكرتون التجريبي وتنفيذ التعبيرية المعاصرة، فإنه يأتي السؤال: هل توازي جودة التجارب العالمية؟ هنا يقول الحربي بثقة: «نعم، التجارب السعودية قادرة على المنافسة العالمية لأنها في التجريب والتعبير استطاعت أن تفرض حضورها».
ويردف: «دور المنظمين هو توفير فضاءات عرض واستقبال معارض رقمية وبصرية معاصرة قادرة على احتواء التجارب السعودية وتقييمها، لأن التجربة السعودية مع عمقها تستحق الدعم والتشجيع والخوض الداخلي في التعريف والتجريب وتملّك روح الانتماء، فالكثير من التجارب السعودية في (الفيديو آرت)، متأثرة بأسماء عالمية مثل: ماثيو برناي، وبيل فيولا، ودان غراهام، وهذا التأثر لا يأتي ضمن التقليد، بل ضمن الابتكار والتمشي والتعلّم».

قصص متنوعة قدمها الفنانون في أعمالهم

«مفر»
وقوفاً على إحدى التجارب السعودية المشاركة في الملتقى، توضح الفنانة التشكيلية غادة باجنيد التي تشارك لأول مرة، أن تخصصها الجامعي في دراسة الفنون سهّل لها مهمة خوض هذه التجربة، وعن عملها تقول: «سمّيته (مفر)، وأجريت بحثاً علمياً حوله، تناول دمج فن الفيديو مع اللوحة التصويرية».
وتتابع حديثها لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «العمل عبارة عن لوحة تصويرية مرسومة وجزء منها معروض كفيديو، تعبر فكرته عن فرار الإنسان من الواقع الذي يعيشه لرغبته في الرجوع للماضي والذكريات، ويبدو الواقع خلال العمل مملاً ومهمشاً، حيث يركز الفيديو على الماضي، بحيث إن الذكريات تمر بمرور الوقت، ونجد الإنسان يركز على جزء معين من ذكرياته».

«الجسر»
على شاشة ضخمة عُرض عمل «الجسر» للفنان الجزائري بوكاف محمد الطاهر، مدته خمس دقائق ونصف، حيث استوقف الزوار لكونه فيديو أنيميشن أُنتج منذ عام باستعمال الطرق التقليدية (اليدوية) في رسم الصور، بمجموع 700 رسمة باليد، مع استعمال نوع معين من أقلام الرصاص.
وفي هذا الفيلم، فإن صانعه هو نفسه الكاتب والمحرك والمطاف بكل ما هو تقني أو فني، حيث يحاكي الفيلم معاناة الطبقة الدنيا من مجتمعات العالم الثالث، وعلاقتها بالأنظمة السياسية السائدة فيها، إلى جانب مفاهيم الحق والقانون وغيرها، في قصة تروي رحلة أب لعلاج ابنه والبحث عن أقرب مستشفى، لكنه يفاجأ بنهاية غير متوقعة قبيل وصوله.

يجذب عمل «الجسر» زوار ملتقى «الفيديو آرت»

49 فناناً
الملتقى غنيٌّ بأسماء أخرى لافتة، إذ يتضمن مشاركة: عبدول درماني (من ألمانيا) في عمله «جائحة فيروس كورونا»، وأحمد محسن منصور ويارا مكاوي (من مصر) في عمل «لا تستسلم لضغوط الوضع الصعب»، وأندريه بريم (من البرازيل) في عمل «تفكيك قوس قزح»، وأغوسطو كالكادا (من البرازيل) في عمل «هل عالمك عالمي؟».
بالإضافة إلى برونو بافيتش (من كرواتيا) عن عمل «الصورة المقلقة لفنجان»، ودييغو برناتشينا (من شيلي) عن عمل «من دون عنوان»، وغادة باعوش (من السعودية) عن عملها «إنساني»، وهاجر أحمد الهادي (من مصر) عن عملها «صوت المدينة»، وهيرويا سوكاراي (من اليابان) عن عمله «التيار الحادي عشر»، وكواتشيليو باتيستا (من البرازيل) عن عمله «كيف تختفي من التطبيق؟».
كما يشارك يون يوهان يونغ (من تايوان) عن عمله «قطعة»، وخليل شريف (من البرازيل) عن عمله «تسارع»، وماركوس بوتويسون (من البرازيل) عن عمله «صور محروقة»، وميتاس شانتافونغس (من تايلاند) عن عمله «معاصر»، ومصطفى بن غرنوط (من الجزائر) عن عمله «فقط عرض»، وعلا عباس (من سوريا) عن عمله «مستقبل أوكلافا»، وبيير أجافون (من فرنسا) عن عمله «دموع الزجاج»، وروان الدهام (من السعودية) عن عملها «روتين»، وصفاء الفهدي (من عمان) عن عملها «لغة امرأة»، وسيرج بولات (من أميركا) عن عمله «اعتيادي»، وتومي (من أميركا) عن عمله «الذهاب في أي وقت مجدداً».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»


لقاء مفاجئ بين المنفي وبلقاسم حفتر يضع الليبيين أمام علامات استفهام

المنفي وبلقاسم حفتر في أول لقاء بينهما 26 مارس (مكتب المنفي)
المنفي وبلقاسم حفتر في أول لقاء بينهما 26 مارس (مكتب المنفي)
TT

لقاء مفاجئ بين المنفي وبلقاسم حفتر يضع الليبيين أمام علامات استفهام

المنفي وبلقاسم حفتر في أول لقاء بينهما 26 مارس (مكتب المنفي)
المنفي وبلقاسم حفتر في أول لقاء بينهما 26 مارس (مكتب المنفي)

للمرة الأولى وبشكل مفاجئ اجتمع محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، مع بلقاسم حفتر مدير «صندوق التنمية وإعادة الإعمار»، وهو الأمر الذي فاجأ قطاعات واسعة من المواطنين، ووضعهم أمام علامات استفهام حول طبيعة هذا اللقاء، والهدف منه.

وجاء الاجتماع الذي كشف عنه المنفي مساء الخميس، دون تحديد مكان انعقاده، في وقت تعاني فيه ليبيا حدة الانقسام بين سلطات غرب البلاد التي يمثّلها المنفي، وشرقها التي يقف خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» على رأسها.

ومع تزايد التساؤلات حول دوافع الاجتماع، الذي علمت «الشرق الأوسط» أنه عُقد خارج ليبيا، قال مكتب المنفي إنه جاء في إطار «مواصلة المشاورات الوطنية الرامية إلى تعزيز الاستقرار، ودفع عجلة البناء والتنمية في مختلف أنحاء البلاد».

ويقضي المنفي عطلة عيد الفطر المبارك في إسبانيا، وهو دأب قيادات ليبية تفضّل أن تمضي إجازتها صحبة عائلتها خارج البلاد، وهو أمر يستقبله عدد من الليبيين بشيء من «السخرية والاتهامات»، بالنظر إلى ما تعنيه ليبيا من توتر سياسي وأزمات اقتصادية انعكست بقدر كبير على حياة المواطنين، خصوصاً في أيام رمضان الماضي وخلال الاحتفال بعيد الفطر.

وأوضح مكتب المنفي، في بيان مساء الخميس، أن لقاءه مع بلقاسم تناول «مستجدات ملف إعادة الإعمار، حيث تم تأكيد الأهمية الاستراتيجية لبرامج التنمية، بصفتها ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار وترسيخ وحدة الدولة».

ونقل مكتب المنفي إشادته بـ«الدور الذي يضطلع به الصندوق في الإعمار والتنمية»، مثمناً بشكل خاص «الجهود المبذولة في مدينة درنة لمعالجة آثار كارثة (إعصار دانيال)، وما يشهده ملف إعادة الإعمار فيها من تقدم في تنفيذ المشروعات، وإعادة تأهيل البنية التحتية».

كما نُقل عن بلقاسم حفتر تأكيده «الدور الذي يضطلع به المنفي في دعم مسارات التنمية وإعادة الإعمار، وحرصه المستمر على توحيد الجهود الوطنية، وتذليل الصعوبات أمام تنفيذ المشروعات الحيوية، بما يُسهم في تحسين جودة الحياة، وعودة النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق، لا سيما المدن المتضررة».

وتطرّق اللقاء -حسب مكتب المنفي- إلى «ضرورة الدفع بالعملية السياسية، بوصفها الإطار الضامن لاستدامة الاستقرار، حيث أكد الجانبان أهمية تهيئة الظروف لإجراء الاستحقاقات الوطنية، بما ينهي حالة الانقسام ويؤسّس لمرحلة قائمة على التوافق والشراكة الوطنية».

وشدد المنفي على «أن نجاح جهود الإعمار يتطلّب وجود مؤسسات موحدة وإدارة مالية رشيدة»، مؤكداً «أهمية العمل على إقرار ميزانية عامة موحّدة، تضمن توزيعاً عادلاً للموارد وتدعم تنفيذ المشروعات التنموية، وفق أولويات وطنية واضحة».

وتمثّل اجتماعات الأضداد في ليبيا علامة فارقة في البلد المنقسم، من بين ذلك لقاءات سابقة، بعضها سرية بين نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الفريق صدام حفتر، ومستشار الأمن القومي لرئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إبراهيم الدبيبة، في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس، ومن قبله في روما.

كما سبق أن التقى صدام حفتر عماد الطرابلسي، وزير الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، خلال مشاركتهما في معرض «ساها إكسبو 2024» في تركيا خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته، وسط اندهاش أنصار الفريقين.

وتعاني ليبيا انقساماً مؤسسياً حاداً منذ عام 2014، لكن ذلك لم يمنع الأفرقاء المنقسمين من عقد «لقاءات سرية وعلنية»، سرعان ما تتكشف لتلقي بعلامات استفهام كبيرة في الأوساط السياسية.

وينظر مصدر سياسي من العاصمة الليبية إلى هذه اللقاءات على أنها «ترتبط عادة بالسعي للحل»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الأطراف السياسية أو العسكرية في البلاد «تلعب دورها وليست هي محور الأزمة»، لافتاً إلى أن «المحور الأساسي في المعضلة الليبية يتمثّل في دور الأطراف الدولية المتصارعة».

وانتهى لقاء المنفي وبلقاسم إلى نقطة فارقة في تاريخ الخلاف بين طرابلس وبنغازي، يتمثّل في تأكيدهما «ضرورة تعزيز آليات الرقابة والإفصاح، بما يضمن حماية المال العام، وتحقيق أعلى درجات الكفاءة في إدارة الموارد، إلى جانب أهمية تعزيز التنسيق بين المؤسسات الوطنية، والانفتاح على الشراكات الإقليمية والدولية، بما يدعم جهود إعادة الإعمار، ويعزّز مسار التعافي الاقتصادي في ليبيا».

وسبق أن انتقد «المجلس الأعلى للدولة» تمرير مجلس النواب ميزانية خاصة بـ«صندوق إعادة الإعمار»، الذي لا يخضع لرقابة على أعماله، وقال إن «اعتماد الميزانية -بما في ذلك البنود الاستثنائية- يجب أن يتم وفقاً لمسار دستوري واضح».


وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
TT

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)

تلامس حرب إيران شهرها الثاني، بينما تتصاعد جهود دبلوماسية تتصدرها مصر وتركيا وباكستان، لوقف التصعيد وسط تهديدات أميركية وإسرائيلية وإيرانية متبادلة بالتصعيد رغم أحاديث المفاوضات المتواصلة من الرئيس دونالد ترمب، التي لا تقرها طهران.

ذلك الحراك يراه وزير مصري سابق ومحلل مختص بالشأن الإيراني تحدثا لـ«الشرق الأوسط» يحمل «تفاؤلاً حذراً»، خاصة أن فرص نجاحه محدودة لكن ليست مستحيلة، مشيرين إلى أن الأطراف الثلاثة يملكون قدرة على جذب طرفي الصراع رغم التحديات والتهديدات الموجودة.

اتصالات للوسطاء مستمرة

وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيره الأميركي، ماركو روبيو، تناول «المستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة».

وأعرب الوزير الأميركي عن «تقدير الإدارة الأميركية للقيادة المصرية، وللدور البنَّاء الذي تقوم به مصر في الوساطة، وخفض التصعيد بالمنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وأشار عبد العاطي إلى «الجهود الصادقة التى تبذلها مصر وتركيا وباكستان لتحقيق التهدئة، ودفع الأطراف المعنية لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وسبق ذلك اتصالان هاتفيان بين عبد العاطي ووزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، ونظيره التركي، هاكان فيدان، لبحث «الجهود والاتصالات المكثفة التي تضطلع بها الدول الثلاث بغية بدء مسار التفاوض المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وتعزيز خيار الدبلوماسية والحوار بدلاً من التصعيد العسكري»، وفق بيان ثانٍ لـ«الخارجية المصرية»، الجمعة.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الموقف»، معرباً عن «أمله أن تسفر الجهود المصرية التركية الباكستانية المشتركة والمستمرة الأيام المقبلة إلى خفض التصعيد، وبدء مسار متدرج للتهدئة يسفر عن إنهاء الحرب».

تفاؤل حذر

ويرى رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية ووزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي، أنه رغم الوساطة الجارية والرغبة في حدوث وقف إطلاق نار سريع فإنه يجب تبنِّي حالة من «التفاؤل الحذر الشديد».

وأوضح العرابي أن عملية التفاوض قد لا تخرج عن كونها تكتيكاً متبادلاً من كلا الطرفين؛ حيث تسعى إيران من خلالها إلى كسب المزيد من الوقت، وتحقيق نوع من التهدئة، في حين تحاول الولايات المتحدة تصوير نفسها في موقف المنتصر.

وزير الخارجية المصري في لقاء سابق مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الخارجية المصرية)

ويرى رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، والخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمد محسن أبو النور، أن هذه الدول الثلاث تمتلك مزايا نسبية تجعلها مؤهلة لهذا الدور، فمصر تحتفظ بقنوات تقليدية متوازنة مع واشنطن وعلاقات غير تصادمية مع طهران، وتركيا تمتلك خبرة تفاوضية طويلة وتوازناً دقيقاً بين عضويتها في «الناتو» وعلاقاتها الإقليمية، بينما تتمتع باكستان بصلات أمنية وتاريخية مع الطرفين، خصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي والتنسيق الإسلامي.

ويرى أن ترحيب ماركو روبيو بهذه الجهود يعكس إدراكاً داخل بعض الدوائر الأميركية أن خيار الضغط الأقصى بلغ حدوده، وأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يقود إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، لافتاً إلى أن هذا الترحيب يمنح الوساطة غطاءً سياسياً مهماً، ويشير إلى أن واشنطن ربما تكون مستعدة لاختبار قنوات غير تقليدية لنقل الرسائل واستكشاف نقاط التلاقي.

سجالات بطريق الوساطة

تحركات الوساطة الثلاثية تأتي وسط تبادل بين طهران وواشنطن بشأن سجال المفاوضات، والتلويح باستمرار الحرب.

وقال الرئيس الأميركي إنه «لا يهتم» بالتوصل إلى اتفاق إذا لم تكن الشروط مناسبة، مضيفاً: «لدينا أهداف أخرى نريد ضربها قبل أن نغادر».

في المقابل، قال وزير الخارجية عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي إن بلاده «لا نية لديها للتفاوض»، مضيفاً أن سياسة طهران هي «الاستمرار في المقاومة». مستطرداً: «تُنقل رسائل أحياناً... لكن لا يمكن أبداً اعتبار ذلك حواراً أو مفاوضات نريد إنهاء الحرب بشروطنا وضمان عدم تكرارها».

مبنى سكني في طهران تضرر جراء غارة جوية وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران (رويترز)

وليس التحدي فقط في أن «الفجوة بين الموقفين الإيراني والأميركي لا تزال بعيدة تماماً»، ولكن في موقف إسرائيل التي لا تنظر إلى موضوع الاتفاق بشكل إيجابي، وهي مستعدة لإفشاله عبر استمرار غاراتها وهجماتها على أهداف إيرانية، بحسب العرابي.

وأوضح العرابي أنه في إيران لا يوجد صوت واحد موحد يعبر عن الموقف الرسمي، وفي الولايات المتحدة يتخذ الرئيس قراراً منفرداً بتمديد الفترات الزمنية لوقف الضرب لمنشآت الطاقة، بينما يتبنى نتنياهو أسلوباً مغايراً بالإصرار على استمرار الضربات.

ويعتقد أبو النور أن طهران تنظر عادة إلى مثل هذه الوساطات من زاوية كسر العزلة، وتخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما يجعل نجاح الوساطة مرهوناً بقدرتها على خلق حوافز متبادلة، وليس مجرد إدارة الأزمة إعلامياً أو مرحلياً.

لكنه يشير أيضاً إلى أن هذه الوساطة تواجه جملة من التهديدات البنيوية، منها تعارض الأهداف الاستراتيجية بين واشنطن وطهران؛ فالأولى تسعى إلى تقييد النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني، بينما ترى الثانية أن هذه الملفات تمثل أدوات قوة سيادية لا يمكن التفاوض عليها بسهولة، بخلاف تعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، وهو ما يجعل أي تصعيد ميداني قادراً على إفشال المسار الدبلوماسي في لحظة.

ويخلص أبو النور إلى أن فرص نجاح المفاوضات تظل «محدودة لكنها غير مستحيلة»، ذلك أن نجاح الوساطة لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق شامل، بل قد يتمثل في تحقيق اختراقات جزئية مثل خفض التصعيد، أو فتح قنوات اتصال مباشرة، أو الاتفاق على قواعد اشتباك غير معلنة.