«الفيديو آرت» حراك يواكب رقمنة الفنون في السعودية

الملتقى الدولي يفتتح دورته بـ49 عملاً من 23 دولة

دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)
دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)
TT

«الفيديو آرت» حراك يواكب رقمنة الفنون في السعودية

دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)
دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)

ألوان غنية، وأصوات متداخلة، وفلسفات متنوعة... بهذه القوالب جاءت أعمال ملتقى «الفيديو آرت» الدولي، الذي افتتح دورته الرابعة مساء أول من أمس، بتنظيم جمعية الثقافة والفنون بالدمام، تحت شعار «تأمّل الضوء... انطلق نحو الخيال»، وبمشاركة 49 عملاً فنياً من 23 دولة، إذ توقف الزوار طويلاً أمام الأعمال، في رحلة تأمل عميقة لاستيعاب هذا الفن الحديث.
وتأتي الأعمال في شاشات إلكترونية، بعضها مرفق بسماعات تساعد المتلقي على سماع الأصوات المتنوعة، لعيش الحالة الكاملة التي صنعها الفنان، في استعراض بصري يعتمد على عُنصري الخيال والضوء. كما يبدو لافتاً أن هذا الفن جذب الفنانين التشكيليين نحوه، ممن لجأوا إليه كنمط فني جديد لجيل منبهر بالصورة، وشديد الالتصاق بالتقنيات الحديثة.
يصف يوسف الحربي، وهو مدير جمعية الثقافة والفنون بالدمام والمشرف العام على الملتقى، هذه الدورة، قائلاً: «هي انعكاس نضج ثلاث دورات سابقة كان فيها التحدي الأكبر لنا هو نشر (الفيديو آرت) والتعريف به وبالتجارب المحلية والدولية، وتعريف التجارب السعودية على هذا الفن من خلال البرامج والأنشطة والندوات، وهو ما مكّننا من كسب الثقة والتعاون وفسح المجال نحو التجريب والمشاركة».
ويرى الحربي أن هذه الدورة تأتي كهمزة وصل بين مرحلتين: مرحلة ما قبل «كورونا» وما بعدها، خصوصاً مع التحوّل مجدداً نحو النشاط المباشرة والتواصل الحقيقي بين البشر، مضيفاً: «هذه الدورة بمثابة المرصد الموجّه لوعينا ونضجنا وحركتنا لمدى تأملنا للضوء وانطلاقنا بمحبة وشغف نحو الخيال».

يركز فن «الفيديو آرت» على الإبهار البصري

التجارب السعودية
بسؤال الحربي عن تجارب الفنانين السعوديين في «الفيديو آرت»، يجيب: «التجارب السعودية ومنذ انطلاقنا في ترسيخ الملتقى -كتظاهرة سنوية- هي عبارة عن تجارب لافتة أسلوباً وتقنية ومحتوى، إذ نجد أنها على مستوى بصري عالٍ وحضور استطاع أن يتملّك رؤية النقاد ودهشة المتابعين، خصوصاً أن التجارب لم تكتفِ بالتقليد العام للتجريب الغربي والتجارب العربية المختلفة، بل استطاعت أن تستحوذ على ذاتها بكل عمق وتعبّر عن خصوصياتها وهويتها بكل تفاعل وتأثير جمالي».
ورغم أنها تجارب متنوعة في التركيب والانستاليشن والوسائط المتعدّدة والأداء والأنيميشن والكرتون التجريبي وتنفيذ التعبيرية المعاصرة، فإنه يأتي السؤال: هل توازي جودة التجارب العالمية؟ هنا يقول الحربي بثقة: «نعم، التجارب السعودية قادرة على المنافسة العالمية لأنها في التجريب والتعبير استطاعت أن تفرض حضورها».
ويردف: «دور المنظمين هو توفير فضاءات عرض واستقبال معارض رقمية وبصرية معاصرة قادرة على احتواء التجارب السعودية وتقييمها، لأن التجربة السعودية مع عمقها تستحق الدعم والتشجيع والخوض الداخلي في التعريف والتجريب وتملّك روح الانتماء، فالكثير من التجارب السعودية في (الفيديو آرت)، متأثرة بأسماء عالمية مثل: ماثيو برناي، وبيل فيولا، ودان غراهام، وهذا التأثر لا يأتي ضمن التقليد، بل ضمن الابتكار والتمشي والتعلّم».

قصص متنوعة قدمها الفنانون في أعمالهم

«مفر»
وقوفاً على إحدى التجارب السعودية المشاركة في الملتقى، توضح الفنانة التشكيلية غادة باجنيد التي تشارك لأول مرة، أن تخصصها الجامعي في دراسة الفنون سهّل لها مهمة خوض هذه التجربة، وعن عملها تقول: «سمّيته (مفر)، وأجريت بحثاً علمياً حوله، تناول دمج فن الفيديو مع اللوحة التصويرية».
وتتابع حديثها لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «العمل عبارة عن لوحة تصويرية مرسومة وجزء منها معروض كفيديو، تعبر فكرته عن فرار الإنسان من الواقع الذي يعيشه لرغبته في الرجوع للماضي والذكريات، ويبدو الواقع خلال العمل مملاً ومهمشاً، حيث يركز الفيديو على الماضي، بحيث إن الذكريات تمر بمرور الوقت، ونجد الإنسان يركز على جزء معين من ذكرياته».

«الجسر»
على شاشة ضخمة عُرض عمل «الجسر» للفنان الجزائري بوكاف محمد الطاهر، مدته خمس دقائق ونصف، حيث استوقف الزوار لكونه فيديو أنيميشن أُنتج منذ عام باستعمال الطرق التقليدية (اليدوية) في رسم الصور، بمجموع 700 رسمة باليد، مع استعمال نوع معين من أقلام الرصاص.
وفي هذا الفيلم، فإن صانعه هو نفسه الكاتب والمحرك والمطاف بكل ما هو تقني أو فني، حيث يحاكي الفيلم معاناة الطبقة الدنيا من مجتمعات العالم الثالث، وعلاقتها بالأنظمة السياسية السائدة فيها، إلى جانب مفاهيم الحق والقانون وغيرها، في قصة تروي رحلة أب لعلاج ابنه والبحث عن أقرب مستشفى، لكنه يفاجأ بنهاية غير متوقعة قبيل وصوله.

يجذب عمل «الجسر» زوار ملتقى «الفيديو آرت»

49 فناناً
الملتقى غنيٌّ بأسماء أخرى لافتة، إذ يتضمن مشاركة: عبدول درماني (من ألمانيا) في عمله «جائحة فيروس كورونا»، وأحمد محسن منصور ويارا مكاوي (من مصر) في عمل «لا تستسلم لضغوط الوضع الصعب»، وأندريه بريم (من البرازيل) في عمل «تفكيك قوس قزح»، وأغوسطو كالكادا (من البرازيل) في عمل «هل عالمك عالمي؟».
بالإضافة إلى برونو بافيتش (من كرواتيا) عن عمل «الصورة المقلقة لفنجان»، ودييغو برناتشينا (من شيلي) عن عمل «من دون عنوان»، وغادة باعوش (من السعودية) عن عملها «إنساني»، وهاجر أحمد الهادي (من مصر) عن عملها «صوت المدينة»، وهيرويا سوكاراي (من اليابان) عن عمله «التيار الحادي عشر»، وكواتشيليو باتيستا (من البرازيل) عن عمله «كيف تختفي من التطبيق؟».
كما يشارك يون يوهان يونغ (من تايوان) عن عمله «قطعة»، وخليل شريف (من البرازيل) عن عمله «تسارع»، وماركوس بوتويسون (من البرازيل) عن عمله «صور محروقة»، وميتاس شانتافونغس (من تايلاند) عن عمله «معاصر»، ومصطفى بن غرنوط (من الجزائر) عن عمله «فقط عرض»، وعلا عباس (من سوريا) عن عمله «مستقبل أوكلافا»، وبيير أجافون (من فرنسا) عن عمله «دموع الزجاج»، وروان الدهام (من السعودية) عن عملها «روتين»، وصفاء الفهدي (من عمان) عن عملها «لغة امرأة»، وسيرج بولات (من أميركا) عن عمله «اعتيادي»، وتومي (من أميركا) عن عمله «الذهاب في أي وقت مجدداً».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

كاسيميرو يدخل اهتمامات الاتحاد... وينتظر مصير فابينيو

كاسيميرو (أ.ف.ب)
كاسيميرو (أ.ف.ب)
TT

كاسيميرو يدخل اهتمامات الاتحاد... وينتظر مصير فابينيو

كاسيميرو (أ.ف.ب)
كاسيميرو (أ.ف.ب)

أفادت مصادر لشبكة «إي إس بي إن» بأن نادي الاتحاد، المنافس في الدوري السعودي لكرة القدم، مهتم بالتعاقد مع لاعب خط وسط مانشستر يونايتد كاسيميرو في صفقة انتقال حر.

ووفقاً للمصادر نفسها، فإن نادي الاتحاد بحاجة لأن يتخذ قراراً أولاً بشأن مستقبل فابينيو بالتجديد أو السماح له بالرحيل بعد نهاية الموسم الحالي بنهاية عقده مع الفريق.

وأعلن كاسيميرو في يناير (كانون الثاني) الماضي أنه سيغادر مانشستر يونايتد بمجرد انتهاء عقده مع النادي بنهاية الموسم الحالي.

وأفادت مصادر لشبكة «إي إس بي إن»، في ذلك الوقت، بأن اللاعب الدولي البرازيلي، البالغ من العمر 34 عاماً، لا يزال يشعر بأنه يمتلك القوة لمواصلة مسيرته في أحد أفضل الدوريات الأوروبية، ومع ذلك، ذكرت المصادر نفسها أن نادي الاتحاد يراقب الوضع من كثب، ويحرص على إغراء اللاعب والتوجه إلى الدوري السعودي.

وأضافت المصادر لشبكة «إي إس بي إن» أن التعاقد المحتمل مع كاسيميرو مرتبط بمستقبل فابينيو نفسه؛ حيث من المقرر أن ينتهي عقد لاعب خط الوسط فابينيو -الذي انضم إلى نادي الاتحاد في عام 2023- هذا الصيف، ويبقى أن نرى ما إذا كان سيجدد عقده أم سيرحل في صفقة انتقال حر.

وقد أدى عودة كاسيميرو إلى مستواه المعهود تحت قيادة مايكل كاريك إلى دفع البعض القول بأن مانشستر يونايتد يجب أن يحتفظ بلاعب خط الوسط البرازيلي لما بعد نهاية الموسم.


سكياباريللي: حين تتجلَّى الموضة لتصبح فناً يفتح أبوابه في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
TT

سكياباريللي: حين تتجلَّى الموضة لتصبح فناً يفتح أبوابه في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم. فقد فتح متحف «فيكتوريا أند ألبرت» أبوابه لاحتفاء استثنائي هو الأول من نوعه في المملكة المتحدة، وهو مكرّس لها ولإرثها المتواصل. معرض بعنوان سكياباريللي: حين تتجلَّى الموضة لتصبح فناً (Schiaparelli: Fashion Becomes Art) لا يدخلك عالم إلسا وحدها، بل أيضاً عوالم أصدقائها سلفادور دالي وجان كوكتو وبابلو بيكاسو وغيرهم ممن تعاونت معهم.

لم تفقد الدار في أي مرحلة روحها الإبداعية المسكون بجنون الفن (سكياباريللي)

أثَّرت فيهم بقدر ما أثَّروا فيها، وأثبتت أنها كانت ندّاً لهم في مجالها. فرادتها تتمثل في أنها لم تتعامل مع الموضة كأزياء يجب أن تكون جميلة وأنيقة فحسب، بل أن تكون ذكية ومرحة تعبق بالفن أولاً وأخيراً. بهذا الجنوح نحو كل ما هو سريالي كانت كمَن يُعبِر عن فن يسري في دمها.

في مذكراتها تروي كيف أنها كانت ترى نفسها عادية لا تتمتع بجمال تُحسد عليه، وكيف كانت تأخذ بذور أزهار حديقة بيت العائلة وتزرعها في فمها وأنفها وأذنيها على أمل أن تتفتح كوردة. ما كانت تشعر بأن ما تفتقده من جمال كلاسيكي عوَّضت عنه بثقافة ورؤية فنية فذة. فتصميم الأزياء بالنسبة لها، وفق قولها «ليس مهنة، بل هو فن».

يتتبع المعرض قصة الدار من التأسيس إلى اليوم (سكياباريللي)

هذه الروح هي التي تسري في أرجاء معرض مليء بالتلاعبات البصرية، حيث يتحول حذاء إلى قبعة، وتتفرع عظام على سطح فستان، ويصبح قرص هاتف مرآة مدمجة وهلم جرا من التصاميم التي تتراوح بين الغرابة والإبداع.

تتنقل بين أرجاء المعرض في رحلةٍ آسرة تمتد من عشرينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. يروي فيها كل قسم فصلاً من قصتها كواحدة من بين أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الموضة، كاشفاً عن إرث الدار منذ لحظاتها التأسيسية وصولاً إلى تجلّياتها الراهنة بقيادة المدير الإبداعي دانيال روزبيري. هذا الأخير جعل لقاء الماضي بالحاضر لعبته، بدليل حواره الإبداعي المتواصل بينه وبين المؤسسة.

كان الفن بالنسبة للمصممة جزء لا يتجزأ من الموضة (سكياباريللي)

يضم المعرض أكثر من 400 قطعة، تشمل 100 إطلالة و50 عملاً فنياً، إلى جانب الإكسسوارات، والمجوهرات، واللوحات، والصور، وقطع الأثاث، والعطور، والمواد الأرشيفية. من أبرز المعروضات: فستان «الهيكل العظمي» من عام 1938 - وهو النسخة الوحيدة المعروفة الباقية حتى اليوم، وجزء من المجموعة الدائمة لمتحف فيكتوريا وألبرت، إلى جانب فستان «الدموع» من العام نفسه، بالإضافة إلى القبعة الأيقونية التي تستحضر شكل حذاء مقلوب؛ وجميعها جاءت ثمرة تعاونها مع الفنان سلفادور دالي. كما يضم المعرض أعمالاً لفنانين كبار، من بينهم بابلو بيكاسو، جان كوكتو، مان راي، وإيلين آغار، فضلاً عن عدد من تصاميمها المخصّصة لعالمَي المسرح والسينما.

يرسخ المعرض صوتها كفنانة سريالية من الطراز الرفيع (سكياباريللي)

يُختتم المعرض بلمسة معاصرة آسرة، تتجلّى فيها إبداعات لدانيال روزبيري، تألَّقت بها نجمات عالميات مثل أريانا غراندي ودوا ليبا، في خاتمة درامية تشكل حواراً بصرياً بين إرث الدار ورؤيتها الراهنة.

في هذا السياق، صرَّح تريسترام هانت، مدير متحف فيكتوريا وألبرت: «يحتفي معرض (سكياباريللي: حين تتجلّى الموضة لتصبح فناً) بإحدى أكثر المصممات إبداعاً وجرأة في تاريخ الموضة. ويضمّ متحف فيكتوريا وألبرت واحدة من أكبر وأهم مجموعات الأزياء في العالم، إلى جانب أبرز مجموعة لقطع سكياباريللي في بريطانيا. إن التعاون الذي جمع الدار بعالم الفن وعوالم الأداء يجعل من الدار والمرأة التي كانت وراء تأسيسها موضوعاً مثالياً لمعرض استثنائي بهذا المستوى في متحف فيكتوريا وألبرت».

يخلق المصمم الحالي دانيال روزبيري في كل موسم حوارا إبداعيا مع إرثها (سكياباريللي)

كما قالت دلفين بيليني (Delphine Bellini)، الرئيسة التنفيذية لدار سكياباريللي: «لقد أعادت إلسا سكياباريللي، بخيالها الجريء ورؤيتها الراديكالية، رسم الحدود بين الموضة والفن. وهذا ما يحتفي به هذا المعرض: تأثيرها المتجدد من خلال تعاوناتها الأيقونية مع كبار فناني القرن العشرين، وبذلك المزج الريادي بين الإبداع وعالم الأعمال. وبفضل مجموعاته الاستثنائية، وخبرته العميقة في مجالي الموضة والتصميم، وتأثيره الثقافي الواسع، وقدرته على وصل التراث بالابتكار، يشكِّل متحف فيكتوريا وألبرت الإطار الأمثل لعرض إرثها، إلى جانب إبداعات دانيال روزبيري، التي تواصل حمل روحها السريالية قدماً، من خلال تصاميم نحتية جريئة في تكريم لرؤيتها الإبداعية وإعادة ابتكارها لقرنٍ جديد».

فنية الدار لم تخفت بل زاد وهجها في السنوات الأخيرة ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

في عام 1973 توفيت بعد 19 عاماً من اعتزالها، ودُفنت باللون الوردي، لونها المفضل الذي جعلته جزءاً من هويتها وهوية دار لم تنسَها. فمديرها الإبداعي الحالي روزبيري، لا يزال يرسم ملامحها. نجاحه في خلق الاستمرارية يكمن في أنه لم يُقدس إرث الماضي إلى حد التقيد به، بل يحاوره بلغة معاصرة وواقعية.


«صلاحيات حرب» في بغداد... وتصعيد أميركي متسارع

فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
TT

«صلاحيات حرب» في بغداد... وتصعيد أميركي متسارع

فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)
فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)

كثفت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما الجوية خلال الأيام الخمسة الماضية على مواقع «الحشد الشعبي»، وطالت أيضاً الجيش العراقي؛ ما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى، في وقت تبادلت فيه واشنطن وبغداد الاتهامات بشأن التنسيق العسكري، وسط انزلاق متسارع نحو مواجهة مفتوحة داخل الساحة العراقية.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن بلاده طلبت مراراً من الحكومة العراقية تزويدها معلومات عن مواقع انتشار قواتها «لضمان سلامتها»، مؤكداً أن بغداد «لم تقدّم هذه المعلومات حتى الآن»، ومشدداً على استعداد واشنطن للعمل مع السلطات العراقية «لهزيمة الإرهاب الذي تسعى الميليشيات الموالية لإيران إلى نشره».

في المقابل، استدعت بغداد القائم بالأعمال الأميركي وسلّمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة، بالتوازي مع استدعاء السفير الإيراني على خلفية تطورات ميدانية متزامنة.

عناصر من «الحشد الشعبي» بالعراق يحملون نعش قائد عمليات الأنبار في بغداد يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

قصف دون تمييز

ميدانياً؛ أعلنت وزارة الدفاع العراقية، الأربعاء، مقتل 7 عسكريين وإصابة 13 آخرين في غارة استهدفت مستوصف الحبانية العسكري غرب الأنبار، أعقبها قصف بمدفع الطائرة. ووصفت الوزارة الهجوم بأنه «انتهاك صارخ وخطير للقوانين الدولية» التي تحظر استهداف المنشآت الطبية، مؤكدة استمرار عمليات البحث عن ضحايا.

وتوقع مسؤول في الدفاع المدني العراقي ارتفاع عدد القتلى من الجنود مع استمرار عمليات انتشال الجثث من تحت الأنقاض.

ووفق مصادر أمنية، فإن الضربة استهدفت أيضاً مقراً للاستخبارات تابعاً لـ«الحشد» داخل قاعدة الحبانية، وأسفرت عن مقتل ضابط برتبة رفيعة يشغل منصب آمر طبابة مقر الجيش، إضافة إلى إصابة عناصر من «الحشد الشعبي». وأشارت المصادر إلى أن طائرات من طراز «إيه10» شاركت في الهجوم رداً على مصدر نيران من داخل القاعدة.

ويأتي هذا الهجوم بعد أقل من 24 ساعة على غارة مماثلة استهدفت القاعدة نفسها، وأسفرت عن مقتل 15 عنصراً من «الحشد»، بينهم القيادي سعد دواي، في مؤشر على تصعيد لافت في وتيرة الاستهدافات.

كما أفادت مصادر أمنية بوقوع غارتين إضافيتين استهدفتا مقر «اللواء45» التابع لـ«الحشد الشعبي» في مدينة القائم قرب الحدود السورية، في وقت تتحدث فيه بغداد عن «قصف دون تمييز» نتيجة تداخل مواقع الجيش والفصائل المسلحة.

صورة وثقها سكان محليون لهجوم على موقع لـ«الحشد الشعبي» غرب العراق

«حق الرد» و«صلاحيات حرب»

سياسياً؛ منحت السلطات العراقية قواتها و«الحشد الشعبي» حق الرد والدفاع عن النفس، في قرار غير مسبوق يوسّع قواعد الاشتباك.

وأكد رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، أن الحكومة «لن تقف صامتة» أمام استهداف قواتها، مشدداً على امتلاك بغداد حق الرد «بكل الوسائل المتاحة وفق ميثاق الأمم المتحدة»، مع توجيه شكوى رسمية إلى مجلس الأمن.

وفي تطور لافت، عقد «الإطار التنسيقي» اجتماعاً طارئاً بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، أفضى إلى منح الحكومة صلاحيات واسعة تُوصف بـ«صلاحيات حرب»، بعد تعثر القوى السياسية في تشكيل حكومة جديدة.

وأكد «الإطار» تمسكه بحصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، مع دعم إجراءات الرد العسكري، وإدانة استهداف المنشآت الحيوية والبعثات الدبلوماسية.

وأوضح زيدان خلال الاجتماع الآليات الدستورية لإعلان «حالة الحرب»، والإجراءات القضائية بحق الجهات التي تستهدف مؤسسات الدولة، في محاولة لإضفاء غطاء قانوني على التصعيد العسكري.

في المقابل، يسعى أعضاء في مجلس النواب إلى عقد جلسة «طارئة» في أقرب وقت؛ لاستضافة رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، محمد شياع السوداني، والوزراء الأمنيين؛ للتباحث بشأن «الانتهاكات»، وسط مطالبات نيابية بتأمين منظومات دفاع جوي متطورة من الصين أو روسيا، وفق مصادر سياسية.

اجتماع سابق لـ«قوى الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

توازن هش

يأتي هذا التصعيد في سياق صراع نفوذ طويل بين واشنطن وطهران داخل العراق، الذي تحوّل منذ عام 2003 ساحة توازن دقيق بين الطرفين.

ومع امتداد التوترات الإقليمية، تصاعدت الهجمات المتبادلة: غارات أميركية وإسرائيلية على فصائل موالية لإيران، مقابل هجمات تستهدف المصالح الأميركية، وضربات إيرانية ضد أهداف مختلفة وضد مجموعات معارضة في شمال العراق.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، أن طهران أقرت بوقوع «خطأ» في ضربة صاروخية استهدفت مواقع للبيشمركة، وقدمت تعازيها للضحايا. في مؤشر على محاولة احتواء جانب من التوتر.

مخاطر الانزلاق

ويرى مراقبون أن منح بغداد قواتها «حق الرد»، و«توسيع صلاحيات الحكومة»، قد يفتحان الباب أمام مواجهة مباشرة متعددة الأطراف داخل الأراضي العراقية، خصوصاً مع تداخل مواقع الجيش و«الحشد» والفصائل المسلحة؛ مما يزيد من مخاطر «الاستهداف العشوائي».

وفي ظل غياب قنوات تنسيق فعّالة، وتحذيرات أميركية متكررة، وتصعيد ميداني متواصل، يبدو العراق أمام مرحلة أشد تعقيداً، حيث يتقاطع الصراع الإقليمي مع أزمة داخلية سياسية؛ مما يهدد بتحويل البلاد مجدداً ساحة مواجهة مفتوحة.