«الفيديو آرت» حراك يواكب رقمنة الفنون في السعودية

الملتقى الدولي يفتتح دورته بـ49 عملاً من 23 دولة

دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)
دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)
TT

«الفيديو آرت» حراك يواكب رقمنة الفنون في السعودية

دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)
دمج بين الفن التشكيلي والأصوات المسموعة (الشرق الأوسط)

ألوان غنية، وأصوات متداخلة، وفلسفات متنوعة... بهذه القوالب جاءت أعمال ملتقى «الفيديو آرت» الدولي، الذي افتتح دورته الرابعة مساء أول من أمس، بتنظيم جمعية الثقافة والفنون بالدمام، تحت شعار «تأمّل الضوء... انطلق نحو الخيال»، وبمشاركة 49 عملاً فنياً من 23 دولة، إذ توقف الزوار طويلاً أمام الأعمال، في رحلة تأمل عميقة لاستيعاب هذا الفن الحديث.
وتأتي الأعمال في شاشات إلكترونية، بعضها مرفق بسماعات تساعد المتلقي على سماع الأصوات المتنوعة، لعيش الحالة الكاملة التي صنعها الفنان، في استعراض بصري يعتمد على عُنصري الخيال والضوء. كما يبدو لافتاً أن هذا الفن جذب الفنانين التشكيليين نحوه، ممن لجأوا إليه كنمط فني جديد لجيل منبهر بالصورة، وشديد الالتصاق بالتقنيات الحديثة.
يصف يوسف الحربي، وهو مدير جمعية الثقافة والفنون بالدمام والمشرف العام على الملتقى، هذه الدورة، قائلاً: «هي انعكاس نضج ثلاث دورات سابقة كان فيها التحدي الأكبر لنا هو نشر (الفيديو آرت) والتعريف به وبالتجارب المحلية والدولية، وتعريف التجارب السعودية على هذا الفن من خلال البرامج والأنشطة والندوات، وهو ما مكّننا من كسب الثقة والتعاون وفسح المجال نحو التجريب والمشاركة».
ويرى الحربي أن هذه الدورة تأتي كهمزة وصل بين مرحلتين: مرحلة ما قبل «كورونا» وما بعدها، خصوصاً مع التحوّل مجدداً نحو النشاط المباشرة والتواصل الحقيقي بين البشر، مضيفاً: «هذه الدورة بمثابة المرصد الموجّه لوعينا ونضجنا وحركتنا لمدى تأملنا للضوء وانطلاقنا بمحبة وشغف نحو الخيال».

يركز فن «الفيديو آرت» على الإبهار البصري

التجارب السعودية
بسؤال الحربي عن تجارب الفنانين السعوديين في «الفيديو آرت»، يجيب: «التجارب السعودية ومنذ انطلاقنا في ترسيخ الملتقى -كتظاهرة سنوية- هي عبارة عن تجارب لافتة أسلوباً وتقنية ومحتوى، إذ نجد أنها على مستوى بصري عالٍ وحضور استطاع أن يتملّك رؤية النقاد ودهشة المتابعين، خصوصاً أن التجارب لم تكتفِ بالتقليد العام للتجريب الغربي والتجارب العربية المختلفة، بل استطاعت أن تستحوذ على ذاتها بكل عمق وتعبّر عن خصوصياتها وهويتها بكل تفاعل وتأثير جمالي».
ورغم أنها تجارب متنوعة في التركيب والانستاليشن والوسائط المتعدّدة والأداء والأنيميشن والكرتون التجريبي وتنفيذ التعبيرية المعاصرة، فإنه يأتي السؤال: هل توازي جودة التجارب العالمية؟ هنا يقول الحربي بثقة: «نعم، التجارب السعودية قادرة على المنافسة العالمية لأنها في التجريب والتعبير استطاعت أن تفرض حضورها».
ويردف: «دور المنظمين هو توفير فضاءات عرض واستقبال معارض رقمية وبصرية معاصرة قادرة على احتواء التجارب السعودية وتقييمها، لأن التجربة السعودية مع عمقها تستحق الدعم والتشجيع والخوض الداخلي في التعريف والتجريب وتملّك روح الانتماء، فالكثير من التجارب السعودية في (الفيديو آرت)، متأثرة بأسماء عالمية مثل: ماثيو برناي، وبيل فيولا، ودان غراهام، وهذا التأثر لا يأتي ضمن التقليد، بل ضمن الابتكار والتمشي والتعلّم».

قصص متنوعة قدمها الفنانون في أعمالهم

«مفر»
وقوفاً على إحدى التجارب السعودية المشاركة في الملتقى، توضح الفنانة التشكيلية غادة باجنيد التي تشارك لأول مرة، أن تخصصها الجامعي في دراسة الفنون سهّل لها مهمة خوض هذه التجربة، وعن عملها تقول: «سمّيته (مفر)، وأجريت بحثاً علمياً حوله، تناول دمج فن الفيديو مع اللوحة التصويرية».
وتتابع حديثها لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «العمل عبارة عن لوحة تصويرية مرسومة وجزء منها معروض كفيديو، تعبر فكرته عن فرار الإنسان من الواقع الذي يعيشه لرغبته في الرجوع للماضي والذكريات، ويبدو الواقع خلال العمل مملاً ومهمشاً، حيث يركز الفيديو على الماضي، بحيث إن الذكريات تمر بمرور الوقت، ونجد الإنسان يركز على جزء معين من ذكرياته».

«الجسر»
على شاشة ضخمة عُرض عمل «الجسر» للفنان الجزائري بوكاف محمد الطاهر، مدته خمس دقائق ونصف، حيث استوقف الزوار لكونه فيديو أنيميشن أُنتج منذ عام باستعمال الطرق التقليدية (اليدوية) في رسم الصور، بمجموع 700 رسمة باليد، مع استعمال نوع معين من أقلام الرصاص.
وفي هذا الفيلم، فإن صانعه هو نفسه الكاتب والمحرك والمطاف بكل ما هو تقني أو فني، حيث يحاكي الفيلم معاناة الطبقة الدنيا من مجتمعات العالم الثالث، وعلاقتها بالأنظمة السياسية السائدة فيها، إلى جانب مفاهيم الحق والقانون وغيرها، في قصة تروي رحلة أب لعلاج ابنه والبحث عن أقرب مستشفى، لكنه يفاجأ بنهاية غير متوقعة قبيل وصوله.

يجذب عمل «الجسر» زوار ملتقى «الفيديو آرت»

49 فناناً
الملتقى غنيٌّ بأسماء أخرى لافتة، إذ يتضمن مشاركة: عبدول درماني (من ألمانيا) في عمله «جائحة فيروس كورونا»، وأحمد محسن منصور ويارا مكاوي (من مصر) في عمل «لا تستسلم لضغوط الوضع الصعب»، وأندريه بريم (من البرازيل) في عمل «تفكيك قوس قزح»، وأغوسطو كالكادا (من البرازيل) في عمل «هل عالمك عالمي؟».
بالإضافة إلى برونو بافيتش (من كرواتيا) عن عمل «الصورة المقلقة لفنجان»، ودييغو برناتشينا (من شيلي) عن عمل «من دون عنوان»، وغادة باعوش (من السعودية) عن عملها «إنساني»، وهاجر أحمد الهادي (من مصر) عن عملها «صوت المدينة»، وهيرويا سوكاراي (من اليابان) عن عمله «التيار الحادي عشر»، وكواتشيليو باتيستا (من البرازيل) عن عمله «كيف تختفي من التطبيق؟».
كما يشارك يون يوهان يونغ (من تايوان) عن عمله «قطعة»، وخليل شريف (من البرازيل) عن عمله «تسارع»، وماركوس بوتويسون (من البرازيل) عن عمله «صور محروقة»، وميتاس شانتافونغس (من تايلاند) عن عمله «معاصر»، ومصطفى بن غرنوط (من الجزائر) عن عمله «فقط عرض»، وعلا عباس (من سوريا) عن عمله «مستقبل أوكلافا»، وبيير أجافون (من فرنسا) عن عمله «دموع الزجاج»، وروان الدهام (من السعودية) عن عملها «روتين»، وصفاء الفهدي (من عمان) عن عملها «لغة امرأة»، وسيرج بولات (من أميركا) عن عمله «اعتيادي»، وتومي (من أميركا) عن عمله «الذهاب في أي وقت مجدداً».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

صلاح وروبرتسون يتسلَّمان هدايا تذكارية في تدريبهما الأخير مع ليفربول

محمد صلاح مع مدرب ليفربول آرني سلوت (رويترز)
محمد صلاح مع مدرب ليفربول آرني سلوت (رويترز)
TT

صلاح وروبرتسون يتسلَّمان هدايا تذكارية في تدريبهما الأخير مع ليفربول

محمد صلاح مع مدرب ليفربول آرني سلوت (رويترز)
محمد صلاح مع مدرب ليفربول آرني سلوت (رويترز)

حرص الهولندي آرني سلوت ولاعبو ليفربول على تكريم النجم المصري محمد صلاح، والاسكوتلندي آندي روبرتسون، خلال الحصة التدريبية الأخيرة للفريق، قبل مباراته الختامية في الدوري الإنجليزي الممتاز أمام برنتفورد.

ويستعد صلاح وروبرتسون لتوديع ليفربول عقب نهاية الموسم، بعد 9 سنوات حافلة قضياها داخل ملعب «أنفيلد»، حققا خلالها كثيراً من الألقاب المحلية والأوروبية مع الفريق.

وخلال المران الأخير، تسلم اللاعبان هدايا تذكارية خاصة تجسد مسيرتهما مع النادي؛ حيث تضمنت الإطارات التذكارية رقم كل لاعب، والألقاب التي أحرزها، إضافة إلى صور بارزة من فترته بقميص ليفربول.

ويسعى ليفربول إلى حسم تأهله إلى دوري أبطال أوروبا الموسم المقبل؛ إذ يحتاج إلى نقطة واحدة أمام برنتفورد لضمان إنهاء الموسم في المركز الخامس بترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز.


«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه
TT

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً للكتابة، كاشفاً عن معاناته، وتحولاته النفسية والاجتماعية داخل فضاءات مختلفة. وقد تنوعت موضوعات الرواية التونسية بين قضايا الهوية، والعلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، مع اعتمادها على تقنيات سردية تعكس عمق التجربة الإنسانية، وتفاصيل الحياة اليومية، كما برز الاهتمام بالشخصيات الهامشية التي تعيش حالة من الضياع، والتنقل، مما منح الرواية بعداً إنسانياً واقعياً مميزاً.

وفي هذا السياق تندرج رواية «زمن حمودة الأخير»، التي تقدم صورة إنسانية لشخصية حمودة، ذلك الشيخ الذي يجد نفسه في رحلة تيه وترحال بين أمكنة متعددة، فيعيش تجارب مختلفة تكشف هشاشة الإنسان، ووحدته في مواجهة الحياة.

تجليات التيه

يتجلى التيه في رواية «زمن حمودة الأخير» من خلال شخصية حمودة التي تعاني اضطراب الذاكرة، ومرض ألزهايمر، ما جعلها تعيش حالة دائمة من الضياع، وفقدان الإدراك. فقد أصبح يتنقل بين الأمكنة دون وعي كامل بما يفعله، أو بالغاية من تحركاته، فيغادر مكاناً نحو آخر مدفوعاً بذاكرة متآكلة لم تعد قادرة على حفظ تفاصيل حياته، أو ربطه بواقعه. ومن هنا تحول التيه من مجرد حالة نفسية إلى تجربة وجودية يعيشها الجسد، والوعي معاً.

جاء في النص: «خرج مثل هبة الهواء. ولم يلتفت إلى صوت النداء يلاحقه؛ فقد كان صياح الشارع من كل الأصوات. ثم عبر زقاقاً طويلاً لا تذكره إلا قدماه. وكان ذلك الزقاق ينتهي عند محطة سيارات الأجرة، وهي محطة واسعة لا تفصلها عن داره غير مئات الأمتار». ص10.

كان حمودة يتحرك بلا هدف واضح، مدفوعاً بذاكرة متآكلة أفقدته القدرة على التمييز بين الأمكنة والأشخاص. فقد بدا كأنه يسير داخل عالم غامض لا يعرف ملامحه، ويتنقل من فضاء إلى آخر دون أن يدرك حقيقة ما يفعله، أو سبب وجوده في تلك الأماكن.

صور الكاتب حمودة بوصفه شخصية ضائعة فقدت صلتها بالعالم، وبذاتها، فلم تعد قادرة على تذكر تفاصيل حياتها، أو فهم ما يجري حولها، الأمر الذي جعلها تعيش عزلة نفسية عميقة: «حدق حمودة في الوجوه واحداً واحداً، يفتش عن وجه يربطه بما بقي من ذاكرته. تمنى لو عرف واحداً منهم. أعاد النظر مرة بعد مرة، لكنه لم يجد: لا عين تشبه عين أبيه، ولا وجه يذكره بأعمامه، ولا ملامح تلوح فيها أمه. حتى الأبدان بدت غريبة، كأن رأسه المنهك لا يملك لها صورة واحدة يستند إليها». ص56.

وهكذا أصبح التيه جزءاً من تكوينه الداخلي، لا يقتصر على ضياعه في المكان فحسب، وإنما يمتد إلى ضياع الوعي، والهوية، والذاكرة. ومن هنا تحولت الشخصية إلى صورة إنسانية مأزومة تجسد هشاشة الإنسان حين يفقد ذاكرته، وقدرته على الإمساك بحقائق حياته.

ويظهر التيه المكاني من خلال تنقل الشخصية المستمر بين الفضاءات، إذ تبدو الأمكنة غريبة، ومشوشة، ولا تمنحه الإحساس بالأمان، والاستقرار، فالمكان في الرواية صار انعكاساً لفقدان الذاكرة، وتشظي الإدراك، لذلك بدا حمودة كأنه يعيش غربة داخل الأمكنة التي كان يعرفها من قبل.

كما يتجلى التيه النفسي في حالة القلق والتشتت التي تلازم الشخصية نتيجة عجزها عن استيعاب ما يحدث حولها. فقدان الذاكرة جعله يعيش صراعاً داخلياً بين بقايا الماضي، وضبابية الحاضر، الأمر الذي عمّق شعوره بالوحدة، والانفصال عن العالم: «مر صوت بطاقة الهوية بمحاذاة حجر أصم. لم يلتقط الكلمة كاملة، بل التقط منها هوية فقط. عندها ارتج شيء في صدره: أي هوية؟ وأين تحفظ؟ ومن أي جيب تخرج؟ ظل يبكي، لا لأنه اختار البكاء، بل لأن الدموع كانت آخر وثيقة بقيت له حين ضاع الاسم». ص 96.

لقد أصبح عاجزاً عن فهم ما يدور حوله، واستيعاب حقيقة وضعه، الأمر الذي ولد داخله إحساساً بالعجز، والانكسار، كما بدت الشخصية مثقلة بالحيرة، والارتباك، وتتأرجح بين لحظات من التذكر الخافت، وحالات من النسيان التام، فتفقد قدرتها على التواصل الطبيعي مع الواقع، وقد جعل هذا الاضطراب النفسي حمودة يعيش عزلة داخلية عميقة، حيث يتحرك في الحياة بجسد حاضر، ووعي متشتت متشظٍ، حتى غدا أسير ذاكرة تتلاشى شيئاً فشيئاً، وهو ما منح الشخصية بعداً إنسانياً مؤلماً يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الوعي، وتفكك الذات.

البعد الإنساني

يتمثل البعد الإنساني في شخصية حمودة من خلال المعاناة العميقة التي يعيشها إثر تشظي ذاكرته، وفقدانه التدريجي لقدرته على إدراك العالم من حوله، إذ قدمه الكاتب بوصفه إنساناً هشاً يواجه قسوة المرض والعجز في صمت مؤلم. فقد تحولت حياة حمودة إلى رحلة شاقة داخل متاهة النسيان، حيث يبحث فيها عن ذاته، وعن بقايا تفاصيله القديمة التي بدأت تتسرب من ذاكرته دون قدرة على استرجاعها. تكشف الرواية من خلال هذه الشخصية حجم الألم النفسي الذي يرافق الإنسان حين يفقد علاقته بالمكان، والناس، والذكريات.

يظهر البعد الإنساني في حالة الضعف التي تطغى على الشخصية، إذ لم يعد حمودة قادراً على حماية نفسه، أو فهم ما يحدث حوله، الأمر الذي جعله يعيش حالة دائمة من التشتت، والارتباك، والخوف. وقد نجح الكاتب في تصوير هذه المعاناة بطريقة مؤثرة تجعل القارئ يشعر بعمق المأساة الإنسانية التي يعيشها الإنسان حين تنهار ذاكرته، ويتحول الماضي إلى صورة مبعثرة لا يستطيع الإمساك بها، وتعكس الشخصية كذلك حاجة الإنسان الدائمة إلى الأمان، والاحتواء، فحمودة لم يكن يبحث فقط عن مكان يذهب إليه، وإنما كان يبحث بصورة غير واعية عن معنى يربطه بالحياة، وعن شعور يخفف غربته الداخلية.

ومن خلال هذه التجربة قدمت الرواية صورة إنسانية مؤلمة عن الشيخوخة، والوحدة، والانكسار. إذ بدا حمودة نموذجاً للإنسان الذي تبتلعه العزلة تدريجياً، فيجد نفسه عاجزاً عن التواصل مع الآخرين، أو الحفاظ على توازنه النفسي، والاجتماعي. وقد منح الكاتب الشخصية أبعاداً إنسانية عميقة جعلتها تتجاوز حدود التجربة الفردية لتعبر عن مأساة إنسانية عامة تكشف هشاشة الإنسان أمام المرض، والزمن، وتحولات الحياة.

حمودة شخصية تحمل انكسارات داخلية، وأحلاماً مؤجلة، وصراعاً دائماً مع واقع يزداد قسوة. وهو يبدو إنساناً مثقلاً بالتجارب التي صنعت هشاشته النفسية، وأثقلت نظرته إلى العالم، فيتحرك داخل الرواية محاولاً التشبث ببقايا المعنى وسط التحولات التي تفرضها الحياة عليه.

تتجلى رواية «زمن حمودة الأخير» لعباس سليمان بوصفها نصاً إنسانياً استطاع أن يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الذاكرة، وقسوة الزمن، من خلال شخصية حمودة التي تحولت إلى صورة حية للضياع النفسي، والوجودي. فقد نجح الكاتب في تصوير معاناة الإنسان حين يفقد ارتباطه بالأمكنة، والوجوه، والذكريات، فيصبح أسير عالم مضطرب تختلط فيه الحقيقة بالوهم، ويتحول الماضي إلى شظايا متناثرة يعجز الوعي عن الإمساك بها. وقد أبرزت الرواية حالة التيه التي عاشتها الشخصية عبر تنقلاتها المستمرة، وبحثها الدائم عن مكان يحتويها، أو يمنحها الإحساس بالأمان، غير أن هذا البحث ظل مفتوحاً على الفراغ، والقلق، والانكسار.

كما كشفت الرواية أبعاداً إنسانية مؤثرة من خلال تصوير العزلة التي يعيشها الإنسان عندما يتآكل وعيه، وتضعف قدرته على التواصل مع العالم، فتغدو الحياة سلسلة من اللحظات المشوشة التي تفقد معناها تدريجياً. وقد استطاع الكاتب عباس سليمان أن يمنح الشخصية عمقاً نفسياً جعل القارئ يلامس حجم الألم الداخلي الذي يرافق فقدان الذاكرة، فحمودة لم يكن مجرد شخصية روائية تعاني مرضاً عضوياً، وإنما كان تجسيد إنسان أنهكه الزمن، وأفقده توازنه النفسي، والاجتماعي، والوجودي.

اعتمد الكاتب على لغة تأملية، وسرد وصفي دقيق مكنه من نقل التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من توتر، وحزن، وقلق، فبدت الرواية فضاء للكشف عن هشاشة الإنسان أمام التحولات القاسية التي قد تسلبه ذاكرته، وهويته، وإحساسه بالحياة. ومن هنا اكتسب النص قيمته الفنية، والفكرية، إذ تجاوز حدود الحكاية الفردية ليعبر عن معاناة إنسانية شاملة ترتبط بالخوف من الفقد، والنسيان، والوحدة.

*كاتبة جزائرية.


هال سيتي يعود إلى الدوري الإنجليزي الممتاز عبر بوابة «البلاي أوف»

لاعبو هال سيتي يحتفلون عقب صافرة النهاية بعد الفوز على ميدلسبره (أ.ف.ب)
لاعبو هال سيتي يحتفلون عقب صافرة النهاية بعد الفوز على ميدلسبره (أ.ف.ب)
TT

هال سيتي يعود إلى الدوري الإنجليزي الممتاز عبر بوابة «البلاي أوف»

لاعبو هال سيتي يحتفلون عقب صافرة النهاية بعد الفوز على ميدلسبره (أ.ف.ب)
لاعبو هال سيتي يحتفلون عقب صافرة النهاية بعد الفوز على ميدلسبره (أ.ف.ب)

حجز هال سيتي مقعده في الدوري الإنجليزي الممتاز، بعدما تغلب على ميدلسبره بنتيجة 1-0 في نهائي الأدوار الإقصائية «بلاي أوف» المؤهلة لـ«البريميرليغ»، على ملعب «ويمبلي» في العاصمة لندن.

وسجل أولي ماكبيرني هدف المباراة الوحيد في الدقيقة 95، بعدما استغل خطأ من حارس ميدلسبره سول برايان في التعامل مع كرة عرضية أرسلها الياباني يو هيراكاوا، ليودعها الشباك بسهولة.

أولي ماكبيرني يحتفل بتسجيل هدف الفوز لـهال سيتي برفقة زميله مات كروكس (رويترز)

وبهذا الفوز، لحق هال سيتي بكل من كوفنتري سيتي وإبسويتش تاون، اللذين ضمنا الصعود المباشر بعد احتلالهما المركزين الأول والثاني في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي.

وكان هال سيتي قد أنهى الموسم العادي في المركز السادس برصيد 73 نقطة، ليخطف آخر بطاقات «البلاي أوف» في الجولة الأخيرة.

أما ميدلسبره فاحتل المركز الخامس برصيد 80 نقطة، متأخراً بفارق الأهداف فقط عن ساوثهامبتون.

وفي نصف النهائي، تجاوز هال سيتي عقبة ميلوال، بينما بلغ ميدلسبره النهائي بعد قرار إداري بإقصاء ساوثهامبتون وخصم 4 نقاط من رصيده، على خلفية قضية تجسس على حصة تدريبية قبل مواجهة الفريقين في الأدوار الإقصائية.

وعاد هال سيتي إلى أجواء الدوري الإنجليزي الممتاز بعد غياب دام 10 سنوات، كما ضمن الحصول على عوائد مالية ضخمة تقدر بنحو 200 مليون جنيه إسترليني.

وواصل الفريق الملقب بـ«النمور» سجله المثالي في نهائيات «البلاي أوف»، بعدما حقق الصعود إلى «البريميرليغ» للمرة الثالثة من أصل 3 محاولات.