تعميق الشراكة السعودية ـ الأميركية في قطاعات حيوية

توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تعاون مشترك شملت الطاقة والفضاء والصحة والأمن السيبراني بحضور وزراء من الجانبين

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)
TT

تعميق الشراكة السعودية ـ الأميركية في قطاعات حيوية

الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي أثناء توقيع الاتفاق مع نظيره الأميركي ( واس)

دشنت السعودية وأميركا مرحلة جديدة أكثر عمقاً في التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين شملت مجالات الطاقة والاستثمار والاتصالات والفضاء والصحة بـ18 اتفاقية ومذكرات للتعاون المشترك، وذلك على هامش زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى المملكة.
ووقع الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي ووزراء الاستثمار والاتصالات والصحة في البلاد مع نظرائهم في الولايات الأميركية الاتفاقيات ومذكرات التعاون المشترك، والتي تأتي في ضوء ما توفره (رؤية المملكة 2030) بقيادة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء، من فرص واسعة للاستثمار في القطاعات الواعدة، وبما يعود بالنفع على البلدين والشعبين الصديقين. ومن بين الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، 13 اتفاقية وقعتها وزارة الطاقة، ووزارة الاستثمار، والهيئة الملكية للجبيل وينبع، وعدد من شركات القطاع الخاص، مع مجموعة من الشركات الأمريكية الكبرى كشركة «بوينغ لصناعة الطيران»، و«ريثيون للصناعات الدفاعية»، و«شركة ميدترونيك»، وشركة «ديجيتال دايجنوستيكس»، وشركة «إيكفيا في قطاع الرعاية الصحية»، وعدد آخر من الشركات الأمريكية المتخصصة في مجالات الطاقة والسياحة والتعليم والتصنيع والمنسوجات.
- قمة بين التحديات
وأكد وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح أن انعقاد القمتين السعودية الأمريكية، والخليجية الأمريكية بحضور الأردن والعراق ومصر يأتي في مرحلة مفصلية عامرة بالأحداث والتحديات، لافتا إلى التحديات التي يواجهها العالم كجائحة كورونا وما نتج عنها من آثار على الاقتصاد العالمي من تباطؤ الاستثمارات وتأثُّر سلاسل التوريد وكذلك ما يشهده العالم من اضطرابات جيوسياسية، ربما كان أبرزها المشكلة الروسية الأوكرانية، كان لها انعكاساتها على الأمن الغذائي، وتأثيرها الواضح في أسواق الطاقة، وكان التضخم القياسي الذي يشهده العالم إحدى نتائجها.
وأفاد الفالح بأن المذكرات والاتفاقيات الثلاث عشرة التي تم توقيعها تشمل قطاعات صناعات الطيران، والصناعات الدفاعية، والصناعة والتصنيع بشكلٍ عام، والصحة، والطاقة، بما في ذلك الطاقة المتجددة، والتعليم، والسياحة، مفصحا أن حجم الاستثمارات خلالها يزيد على 3 مليارات دولار.
وأكّد المهندس الفالح أن المملكة تسعى من خلال هذه المذكرات والاتفاقيات إلى تعزيز نمو وتطور عدد من القطاعات، مُشيراً إلى أن هناك اليوم أكثر من 740 شركة أمريكية مُسجلة كمؤسسات أجنبية تعمل في المملكة، وأنه يعمل بها أكثر من 67 ألف شخص، العديد منهم سعوديون.
وفيما يخص القطاعات، بيّن الفالح أن قطاعات الصناعات التحويلية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، والقطاعات المهنية والعلمية والتقنية، هي أكبر القطاعات من حيث عدد الشركات الأميركية المسجلة في المملكة، موضحا أن حجم الاستثمارات الأميركية في السعودية بلغ أكثر من 11 مليار دولار في عام 2020، فيما بلغ حجم حيازات المملكة في سندات الخزانة الأميركية 115.7 مليار دولار في أبريل (نيسان) من العام الحالي.
- قطاع مالي حيوي
من جانبه، أكد معالي وزير المالية محمد الجدعان على أهمية تطوير العلاقات المالية والمصرفية وتعزيز التعاون بين بلاده والولايات المتحدة في ‏إطار الشراكة والمصالح المشتركة، لافتا إلى أن هناك فرصا هائلة للمستثمرين لتعزيز التعاون في ‏التجارة والخدمات المالية.
وأبان الجدعان أن رؤية المملكة 2030 تشتمل على العديد من الفرص الاقتصادية والاستثمارية التي من الممكن أن تعزز الشراكة بين البلدين عبر إتاحة الفرص السعودية الواعدة للشركات الأمريكية للعمل في القطاعات الحيوية مثل البنية التحتية والتأمين والمصارف والتمويل وإدارة الأصول، إضافة إلى مجال الخدمات والتكنولوجيات المالية، بما يمكّنها من الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، في ظل العلاقة القوية التي ‏تربط البلدين.

السعودية والولايات المتحدة تبرمان 13 اتفاقية شراكة اقتصادية خلال القمة المشتركة المنعقدة في جدة (الشرق الأوسط)

- استكشاف الفضاء
وجاء من أبرز الاتفاقيات، توقيع الهيئة السعودية للفضاء مع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، اتفاقية (أرتميس) لاستكشاف القمر والمريخ مع وكالة (ناسا)، للانضمام للتحالف الدولي في مجال الاستكشاف المدني واستخدام القمر والمريخ والمذنبات والكويكبات للأغراض السلمية.
وتنسجم هذه الاتفاقية مع الأولويات الوطنية للابتكار التي أعلنت عنها السعودية نهاية يونيو (حزيران)، التي تتضمن اقتصاديات المستقبل، حيث يمثل الفضاء الفرصة التريليونة القادمة للعالم بحلول 2040، وبإمكانه دعم النمو في قطاعات متعددة، إضافة إلى توفير الآلاف من الوظائف.
وتم التوقيع على الاتفاقية بحضور رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للفضاء المهندس عبد الله السواحة، وسفيرة السعودية لدى أميركا الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، وتتضمن الاتفاقية 13 بندًا، تهدف في مجملها إلى تعزيز حضور المملكة دوليًا والمساهمة الفاعلة في المشاريع الدولية المشتركة، وترسيخ مكانة المملكة كدولة رائدة في مجال «الفضاء الجديد» من خلال مساهمتها في أنشطة الفضاء الناشئة من خلال المهمات العلمية والاستكشافية وتعزيز اقتصاد الفضاء، وتطوير القدرات البحثية ورأس المال البشري.
ويأتي انضمام المملكة إلى اتفاقية «أرتميس» ضمن أوائل الدول في العالم تأكيدًا لالتزامها بالاستكشاف والاستخدام السلمي والمسؤول المستدام للفضاء، وتعزيزاً لطموح المملكة في مجال الفضاء من خلال مساهمتها في أنشطة الفضاء الناشئة عبر المهمات العلمية والاستكشافية، وفي إطار خطتها للتنويع الاقتصادي التي تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير آلاف الوظائف للشباب السعودي.
- صحة وطاقة نظيفة
ووقع البلدان، اتفاقية شراكة في مجالات الطاقة النظيفة، تتضمن تحديد مجالات ومشروعات التعاون في هذا المجال، وتعزيز جهود البلدين في نشر الطاقة النظيفة والعمل المناخي بما في ذلك التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
كما وقعت وزارتا الصحة السعودية والأمريكية مذكرة تعاون مشترك في مجالات الصحة العامة، والعلوم الطبية والبحوث، تهدف إلى دعم وتعزيز العلاقات القائمة في مجالات الصحة العامة بين الأفراد والمنظمات والمؤسسات، وتوحيد الجهود لمواجهة قضايا الصحة العامة والتحديات الطبية والعلمية والبحثية، وتبادل المعلومات والخبراء والأكاديميين، إضافة إلى التدريب المشترك للعاملين في المجالات الصحية والطبية، والتطبيق السليم لنظم المعلومات الصحية، والبحث والتطوير والابتكار الصحي.
- الأمن السيبراني
من جانب آخر، أعلنت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني توقيع مذكرة تفاهم مع وزارة الأمن الوطني في الولايات المتحدة الأميركية ممثلة بوكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية للتعاون في مجالات الأمن السيبراني بين الطرفين، وتهدف المذكرة إلى تعزيز التعاون الثنائي في مجالات الأمن السيبراني من أجل حماية الفضاء السيبراني والمصالح الحيوية في السعودية والولايات المتحدة ، حيث تأتي امتداداً للتعاون القائم بين البلدين، وتضمنت مجالات عدة؛ من أبرزها مشاركة معلومات التهديدات السيبرانية بين البلدين، وتبادل أفضل الممارسات والخبرات في هذا المجال.
وتأتي المذكرة في إطار جهود الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الرامية إلى تعزيز موقع المملكة الرائد دولياً عبر توطيد التعاون والتكامل مع الجهات المماثلة خارج المملكة لتبادل الخبرات، وتأسيس آليات للتعاون وصناعة الشراكات الدولية في مجالات الأمن السيبراني بما يحقق فضاءً سيبرانياً سعودياً آمناً وموثوقاً يمكّن من النمو والازدهار.
- اتصالات وذكاء اصطناعي
كما وقعت الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي «سكاي» رائدة الذكاء الاصطناعي وشركة الاتصالات السعودية «إس تي سي» والممكّن الرقمي الرائد ومقدّم منصة وتقنيات الذكاء الاصطناعي شركة «داتا روبوت»، اتفاقية شراكة استراتيجية وذلك لابتكار وتمكين منظومة للذكاء الاصطناعي في المملكة.
وتخطّط «داتا روبوت» لتأسيس مقر إقليمي لها في المملكة العربية السعودية بهدف إنشاء مركز تطوير للذكاء الاصطناعي ومركز إقليمي للبحث والتطوير، وهو ما سيدعم نشر قدرات البحث والتطوير في المملكة لتنمية الممتلكات الفكرية المطورة محليًا والحلول المبتكرة بشكل مشترك ونشرها لبقية دول المنطقة، شاملًا تقديم الحلول التي تركز على مجالات مهمة مثل التكنولوجيا الخضراء والاقتصاد الدائري للكربون والنفط والغاز والرعاية الصحية؛ وتطوير استراتيجية للوصول إلى السوق لتمكين توزيع الحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي والخدمات المدارة من المملكة إلى السوق المحلية وبقية دول المنطقة والعالم.
إلى ذلك، وقعت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، مذكرة تفاهم مع شركة IBM الرائدة في مجال التقنية الرقمية، وذلك لتأهيل 100 ألف شاب وفتاة على مدى خمس سنوات، ضمن ثماني مبادرات مبتكرة من خلال اتفاقيات مستقبلية تهدف إلى تعزيز مكانة المملكة مركزاً محورياً للتقنية والابتكار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأكد عصام الذكير وكيل الوزارة للتعاون الدولي والشراكات، أن المذكرة تأتي تفعيلًا لرحلة المملكة نحو بناء حاضر مترابط ومستقبل مبتكر، إضافة إلى تمكين الفرص التي توفرها الثورة الصناعية الرابعة، ومن خلال اتفاقية إطارية مستقبلية، ستعمل IBM على تقديم برامج لتدريب وتطوير الكفاءات الوطنية في مجالات تقنية متعددة تستهدف رفع القدرات الرقمية لـ100 ألف سعودي وسعودية على مدى خمس سنوات، الأمر الذي سيعزز من ريادة المملكة التي تحتل المرتبة التاسعة عالميًا في مجال القدرات الرقمية بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي.
وتتضمن المذكرة تنفيذ مبادرات منها مبادرة للذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، ومبادرات في الأمن السيبراني والبحث المشترك، ومسرّعات للابتكار، ومعمل للسياسات، إضافةً إلى سحابة IBM ومركز للتقنية المفتوحة ذو قابلية للتشغيل البيني للبرمجيات. ومن المتوقع أن يصل عدد مشاريع الذكاء الاصطناعي التي ستنفذ مع الجهات العاملة في القطاع العام ما يقارب 66 مشروعًا، وتستهدف المذكرة خلال خمس سنوات إقامة 100 ورشة عمل مع الجهات الحكومية بالاعتماد على منهجية «التصميم التفكيري»، وتدريب 600 من موظفي وموظفات القطاع العام في المسرّعة التي سيتم إنشاؤها بموجب المذكرة.
كما سيعمل الجانبان معًا على إجراء العديد من الأبحاث والدراسات المشتركة بما يسهم في جهود الطرفين لتعزيز عملية التحوّل الرقمي، وتسريع نمو الاقتصاد الرقمي، بما يخدم الوطن والمواطن، ويرسخ لمكانة المملكة لكونها صاحبة أكبر اقتصاد رقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتتمتع بأعلى تمركز للقدرات الرقمية في المنطقة.
- تمديد التأشيرات
في حين أعلنت بعثة الولايات المتحدة لدى المملكة، عن تمديد مدة صلاحية تأشيرات الزيارة (بي 1/بي2) للمواطنين السعوديين من خمس سنوات إلى عشر سنوات، ابتداءً من 1 أغسطس (آب) 2022.
وأوضحت البعثة الأمريكية في بيان صحفي، أنه تم التوصل إلى اتفاق لتمديد مدة صلاحية تأشيرات الزيارة وذلك من خلال التعاون الوثيق مع حكومة المملكة وعلى أساس المعاملة بالمثل، لتسهيل السياحة والأعمال بين البلدين.
من ناحية أخرى، وقعت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات مذكرة تعاون مع الإدارة الوطنية للاتصالات والمعلومات الأمريكية (NTIA)، تتضمن تعاون البلدين في مجالات تقنيات الجيل الخامس والجيل السادس، وذلك بهدف تسريع نمو الاقتصاد الرقمي وتعزيز وتيرة البحث والتطوير والابتكار في المنظومة الرقمية بالمملكة.


مقالات ذات صلة

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد ميناء الجبيل التجاري الواقع شرق السعودية (واس)

السعودية: بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل باستثمارات تتجاوز نصف مليار دولار

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل التجاري، باستثمارات ضخمة تتجاوز قيمتها ملياري ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مستثمران يراقبان تحركات سهم «أرامكو» في السوق السعودية (رويترز)

خاص السوق السعودية تختتم مارس بصعود قوي وسط الصراعات الجيوسياسية

شهد شهر مارس (آذار) أداءً استثنائياً لسوق الأسهم السعودية، حيث واصلت ارتفاعها وسط تراجع معظم بورصات المنطقة، مدفوعاً بقدرة «أرامكو» على استمرار تدفقات النفط.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)

السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها سوق العمل في المملكة، برزت السعوديات بوصفهن عاملاً رئيساً في استقرار معدلات البطالة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

نما صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنحو 90 في المائة خلال الربع الأخير من 2025، في وقت تمضي فيه المملكة قدماً في تحسين بيئة الاستثمار.

عبير حمدي (الرياض)

من التفاؤل إلى القلق: كيف قلبت تهديدات ترمب مزاج الأسواق؟

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

من التفاؤل إلى القلق: كيف قلبت تهديدات ترمب مزاج الأسواق؟

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تسبَّبت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقصف إيران «حتى تعود إلى العصر الحجري» بتصعيد حاد في الحرب التي دخلت أسبوعها الخامس، مما بدَّد آمال المستثمرين في إنهاء سريع للصراع الذي يضغط على إمدادات النفط ويؤجج الضغوط التضخمية.

وتراجعت الأسواق العالمية يوم الخميس مع تفاقم المخاوف المرتبطة بالحرب، حيث هبطت الأسهم والسندات، بينما ارتفعت أسعار النفط، وصعد الدولار بعد أن قضت تصريحات ترمب على التوقعات بقرب وضوح مسار نهاية النزاع في الشرق الأوسط، وفق «رويترز».

شخص يراقب شاشة مؤشرات الأسهم في بورصة تايوان بتايبيه (إ.ب.أ)

وأشار ترمب إلى أن الجيش الأميركي «حقَّق تقريباً أهدافه في إيران»، دون تقديم جدول زمني واضح لإنهاء العمليات، مؤكداً أن الضربات العسكرية ستستمر خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة.

ولم تسهم هذه التصريحات في تهدئة قلق المستثمرين بشأن أفق الصراع، إذ قال مايك هولاهان، مدير شركة «إليكتوس فاينانشال» في أوكلاند: «الخطاب لم يحمل جديداً يُذكر، باستثناء تأكيد استمرار القصف خلال الأسابيع المقبلة»، مضيفاً أن ذلك يطيل أمد الأزمة ويثير تساؤلات حول تأثيره على سلاسل إمداد الطاقة.

دونالد ترمب يصل لإلقاء خطاب متلفز حول الصراع في الشرق الأوسط من البيت الأبيض 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

خيبة أمل في الأسواق

وكان المستثمرون قد علَّقوا آمالهم على تهدئة قريبة بعد تصريحات سابقة لترمب دعمت الأسهم وأضعفت الدولار، غير أن خطابه الأخير أعاد ترسيخ سيناريو الحرب طويلة الأمد، مما دفع المتداولين إلى تقليص مراكز المخاطر قبل عطلة نهاية أسبوع طويلة.

ويظل انقطاع إمدادات النفط وتأثيره على التضخم مصدر قلق رئيسي للأسواق، خاصة في ظل الغموض الذي يحيط بإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز، الممر الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، والذي أدَّى تعطله إلى واحدة من أشد صدمات الطاقة في التاريخ.

وقفز سعر خام برنت تسليم يونيو (حزيران) بنحو 5 في المائة ليصل إلى 106.16 دولار للبرميل عقب تصريحات ترمب.

وقال مات سيمبسون، كبير محللي الأسواق في شركة «ستونكس»: «في ظل غياب أي خطط لإعادة فتح مضيق هرمز، ستظل أسعار النفط مرتفعة لفترة غير محددة»، محذراً من موجة تضخمية جديدة تضغط على الاقتصاد العالمي.

دخان يتصاعد من مستودع نفطي في كاني قرجالا قرب أربيل إثر ضربة محتملة بطائرة مسيَّرة 1 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

مخاطر الركود التضخمي

ويرى محللون أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يعزِّز المخاوف من الركود التضخمي، وهو مزيج من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم، سبق أن هز الأسواق خلال مارس. (آذار).

وفي هذا السياق، حذَّر تويتشيرو أسادا، عضو مجلس إدارة بنك اليابان، من أن بلاده قد تواجه هذا السيناريو نتيجة تداعيات الحرب، مشيراً إلى صعوبة معالجته عبر أدوات السياسة النقدية التقليدية.

بدوره، قال راسل تشيسلر، رئيس الاستثمارات في شركة «فانيك»: «السؤال الذي يشغل المستثمرين هو: متى سينتهي هذا الصراع؟ وهذا الغموض هو ما يغذي التقلبات»، مضيفاً أن الأسواق تتجه نحو بيئة ركود تضخمي مع تباطؤ النمو وارتفاع توقعات التضخم.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية خلال التداولات الآسيوية، حيث صعد العائد على السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 5 نقاط أساس ليصل إلى 4.376 في المائة، وسط مخاوف من أن يؤدي التضخم المرتفع إلى تقليص فرص تيسير السياسة النقدية.

سفينة شحن في الخليج العربي، بالقرب من مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

الدولار والنفط إلى الواجهة

من المتوقع أن تظل الأسواق شديدة التقلب في الفترة المقبلة، مع ترقب المستثمرين تطورات الصراع خلال الأسابيع القادمة، بينما يرجح المحللون استمرار قوة الدولار وارتفاع أسعار النفط على المدى القريب، في ظل تنامي الإقبال على الأصول الآمنة.

وحقق الدولار مكاسب مقابل سلة من العملات الرئيسية، معوضاً خسائره خلال اليومين السابقين، مدعوماً بتصاعد التوترات الجيوسياسية.

وقالت كارول كونغ، استراتيجية العملات في «بنك الكومنولث الأسترالي»: «الدولار بدأ بالفعل في الارتفاع، ومع توقُّع استمرار الحرب حتى يونيو على الأقل، فإن لديه مجالاً لمزيد من الصعود».

وفي ظل تعقيد المشهد، يرى محللون أن التفاؤل بنهاية قريبة للحرب لا يزال محدوداً، نظراً لتعدد أطرافها، حيث لا تقتصر على الولايات المتحدة فحسب، بل تشمل أيضاً إسرائيل وإيران، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية سريعة.


تهديد «ترمب» بتكثيف الضربات ضد إيران يهبط بالأسهم الأوروبية 1 %

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

تهديد «ترمب» بتكثيف الضربات ضد إيران يهبط بالأسهم الأوروبية 1 %

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

انخفضت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشرات الأسهم الرئيسية في أوروبا بأكثر من 1 في المائة، يوم الخميس، وسط تراجع التفاؤل بإمكانية احتواء النزاع، وذلك عقب تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتكثيف الضربات ضد إيران.

وبحلول الساعة 06:36 بتوقيت غرينتش، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنحو 2 في المائة، في حين انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داكس» الألماني ومؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 1.7 في المائة و1.6 في المائة على التوالي، وفق «رويترز».

وجاء هذا التراجع في معنويات المستثمرين بعد تصريحات ترمب التي قال فيها: «سنوجِّه لهم ضربات قاسية خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة، وسنعيدهم إلى العصر الحجري حيث ينتمون».

في المقابل، تجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل، مسجِّلاً ارتفاعاً يقارب 7 في المائة، مما يضع أسهم شركات الطاقة والقطاعات الدورية، مثل الصناعات والبنوك، في دائرة اهتمام المستثمرين مع افتتاح التداولات.

وكان مؤشر «ستوكس 600» قد قفز بأكثر من 2 في المائة يوم الأربعاء، عقب تصريحات سابقة لترمب أشار فيها إلى أن واشنطن قد تنهي عملياتها العدائية مع إيران قريباً، في دلالة واضحة على حالة التقلب الحاد التي تهيمن على الأسواق منذ أكثر من شهر.

ومن المتوقع أن يستمر التأخير في إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لواردات أوروبا، في ممارسة ضغوط إضافية على أسواق الأسهم، مع تغذية المخاوف المتصاعدة بشأن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي.

وفي السياق ذاته، تُظهر بيانات جمعتها مجموعة بورصة لندن أن أسواق العقود الآجلة لأسعار الفائدة باتت تسعّر احتمال تنفيذ زيادتين على الأقل بمقدار 25 نقطة أساس لكل منهما بحلول نهاية العام، في تحوُّل ملحوظ، مقارنة بالتوقعات السابقة التي رجَّحت تثبيت السياسة النقدية من قبل البنك المركزي الأوروبي قبل اندلاع الحرب.

وعلى صعيد الشركات، تترقَّب الأسواق تحركات سهم شركة «نوفو نورديسك»، عقب حصول الحبوب المخصصة لإنقاص الوزن التي تنتجها شركة «إيلي ليلي» الأميركية المنافسة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية.


قفزة في عوائد السندات الأميركية مع تبدد آمال التهدئة وتصاعد مخاوف التضخم

منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)
منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)
TT

قفزة في عوائد السندات الأميركية مع تبدد آمال التهدئة وتصاعد مخاوف التضخم

منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)
منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)

سجلت عوائد السندات الأميركية قفزة ملموسة خلال التعاملات الآسيوية يوم الخميس، مدفوعة بتبدد الآمال في نهاية قريبة لحرب إيران، مما أدى إلى اشتعال أسعار النفط وإثارة مخاوف واسعة من موجة تضخمية جديدة قد تقضي على أي فرص لتخفيف السياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي.

وارتفعت عوائد السندات لأجل عشر سنوات بمقدار 5 نقاط أساس لتصل إلى 4.376 في المائة، بعد أن قدم الرئيس دونالد ترمب رؤية ضبابية حول موعد إنهاء الصراع، وتنصل من مسؤولية إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي.

وأدت القفزة التي بلغت 6 في المائة في العقود الآجلة لخام برنت إلى إعادة تسعير الأسواق لتوقعات الفائدة؛ حيث استبعد المستثمرون تماماً خيار خفض الفائدة لهذا العام، بعد أن كانت التوقعات تشير إلى خفض بمقدار 50 نقطة أساس قبل اندلاع الحرب.

ويرى خبراء الاستراتيجية أن خطاب ترمب لا يوحي بقرب انفراج أزمة مضيق هرمز كما كانت تتوقع الأسواق، بل إن مخاطر الهجمات المضادة تشير إلى احتمال استمرار إغلاق المضيق لشهر إضافي على الأقل، وهو ما يضع سلاسل التوريد العالمية للمنتجات الحيوية - من البنزين والغاز إلى الأسمدة والأدوية - في حالة شلل تام.

وبدأت آثار هذه الموجة التضخمية في الظهور فعلياً مع تجاوز أسعار البنزين حاجز 4 دولارات للغالون في بعض الولايات الأميركية، في حين أظهرت مسوحات التصنيع الأخيرة قفزة هائلة في مؤشر الأسعار المدفوعة، وصلت إلى مستويات تتسق مع معدل تضخم سنوي يبلغ 4 في المائة. هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار سيجعل من الصعب على الاحتياطي الفيدرالي التفكير في خفض الفائدة، حتى مع تحول تكاليف الطاقة المرتفعة إلى «ضريبة» تنهك المستهلكين وتحد من الطلب المحلي، وهو ما دفع عوائد السندات لأجل عامين للارتفاع إلى 3.856 في المائة، بزيادة قدرها 48 نقطة أساس منذ بداية النزاع.

وتتجه الأنظار الآن بترقب شديد نحو تقرير الوظائف لشهر مارس (آذار)، حيث تشير التوقعات إلى نمو الوظائف بنحو 60 ألف وظيفة بعد القراءة الضعيفة لشهر فبراير (شباط). ويعتقد المحللون أن أي تعافٍ في وتيرة خلق الوظائف قد يدفع الأسواق إلى تغيير بوصلتها بشكل جذري نحو ترجيح كفة رفع أسعار الفائدة لمرة أو مرتين، تماشياً مع التوجهات السائدة في الاقتصادات المتقدمة الأخرى التي تواجه ضغوطاً مماثلة، مما يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام خيارات صعبة للموازنة بين ركود محتمل وتضخم جامح.