سياسات ميليشياوية لتطييف الإعلام اليمني

منظر عام للمنازل التي تزين المدينة القديمة في صنعاء (رويترز)
منظر عام للمنازل التي تزين المدينة القديمة في صنعاء (رويترز)
TT

سياسات ميليشياوية لتطييف الإعلام اليمني

منظر عام للمنازل التي تزين المدينة القديمة في صنعاء (رويترز)
منظر عام للمنازل التي تزين المدينة القديمة في صنعاء (رويترز)

يستمر الصحافيون المقيمون في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية بالتسرب؛ إما من مهنة الصحافة لكسب الرزق في أعمال أخرى، أو إلى خارج هذه المناطق بحثاً عن فرص أخرى، فإضافة إلى القمع والبطش اللذين انتهجتهما الميليشيات، نفذت أيضاً سياسة تعتيم إعلامي، وفرضت قيوداً أدَّت إلى تجريف الإعلام وتحويله إلى مهنة بلا جدوى.
وإضافة إلى إغلاق الصحف ومختلف وسائل الإعلام ونزوح الصحافيين من مناطق سيطرة الميليشيات منذ انقلابها قبل ثماني سنوات، لم تنشأ وسائل إعلام جديدة في هذه المناطق، إلا إذا كانت مؤيدة للانقلاب، وحتى المواقع الإلكترونية، أصدرت الميليشيات قراراً بمنع إطلاقها دون ترخيص.
يقول مراسل إحدى المؤسسات الإعلامية الشهيرة عالمياً لـ«الشرق الأوسط» إنه عندما يحاول الحصول على معلومات عادية، فإنه يضطر للتواصل بقيادات حوثية عليا؛ كون القيادات الوسطية والدنيا لديها تحفظات وأوامر بعدم الإدلاء بأي معلومات لأي طرف كان، ويشير إلى أنه يضطر إلى التحفظ على بعض المعلومات، نتيجة قلقه من ردة فعل الميليشيات.
يُذكر أنه، وفي العديد من المواد الصحافية التي كتبها، كانت القيادات التي تدلي إليه بالمعلومات تطالبه بعدم الإفصاح عن مصادره، خوفاً من ردة فعل قيادات أعلى منها، رغم أن ما يدلون به من تصريحات يتناسب مع نهج وخطاب جماعة الحوثي، لدرجة أن بعضهم يطالبونه بمحو المحادثات التي تجري بينه وبينهم.
ويردف: «هذا الطلب يتسبب لي بالمزيد من القلق، ووصل الأمر بأحدهم إلى أن اتفق معي على شفرات ورموز خلال الاتصالات الهاتفية والمراسلات بيننا، وإذا ما احتجتُ إلى معلومات مفصلة، أُضطر إلى مقابلته شخصياً، وبشكل شبه سري».
الصحافي معاذ منصر مراسل إحدى القنوات التلفزيونية يروي لـ«الشرق الأوسط» معاناته خلال سنوات ما بعد الانقلاب، وقبل نزوحه إلى مدينة تعز وسط البلاد: «أُجبرت على إيقاف عملي مع وسائل الإعلام التلفزيونية، ومكثتُ في البيت لفترة، قبل أن أبدأ العمل لصحف إلكترونية، وطوال ثلاثة أعوام عملت في خوف وقلق بالِغَين بسبب ملاحقة الحوثيين للصحافيين وفرض رقابة مشددة عليهم واختطافهم وإخفائهم قسرياً».
ويتابع: «كان من الصعوبة الحصول على المعلومات... جميع من أعرفهم في المؤسسات الرسمية يرفضون الإدلاء بأي شيء، ويحذرونني من البحث عنها، فاضطررت إلى العمل على التحليل الإخباري، وكان هذا صعباً أيضاً، إلا أنني كنت أتواصل مع الباحثين والكُتاب المقيمين خارج مناطق سيطرة الحوثيين؛ فهؤلاء يتحدثون بحرية، لكني لم أكن أتمتع بهذه الحرية».
ويواصل منصر روايته: «كنت أنشر تقاريري في وسائل إعلام تنشط خارج مناطق سيطرة الحوثيين، وهذه مخاطرة بحد ذاتها، وبمجرد نشر تقرير باسمي يبدأ مسلسل الخوف والقلق مما قد يطالني من ملاحقة، ولم أكن أغادر البيت إلا رفقة زوجتي لكي تكون على اطلاع إذا ما تم اختطافي».
وغادر منصر هارباً باتجاه مدينة تعز عقب اختطاف أحد زملائه الصحافيين بعد أيام من لقائهما في منزل زميله، رفقة زميل ثالث كان مُلاحَقاً هو الآخر، إلا أنه تمكن من الهروب في اللحظات الأخيرة، ولم يكن هروبه سهلاً؛ إذا اضطر إلى الاختباء في صنعاء أكثر من أسبوع قبل أن يتدبر خطة لذلك.
- تطييف الإعلام الرسمي
يشرح صحافي في مؤسسة إعلامية حكومية تحت سيطرة الميليشيات لـ«الشرق الأوسط»: «تم تسريح زملائنا الصحافيين العاملين في المؤسسات الحكومية من وظائفهم، لرفضهم العمل وفق الأجندة التي فرضتها الميليشيات، أو من رفضوا حضور الدورات الإلزامية التي قررتها الميليشيات، وهي دورات لا علاقة لها بالصحافة أو الإعلام، وأغلبها دورات مذهبية طائفية».
ويستدرك: «لم يتبقَّ من الكادر الصحافي في تلك المؤسسات سوى أقل من 10 في المائة من الصحافيين، وللتنويه والمصداقية؛ فأغلب هؤلاء اضطروا للعمل وتنفيذ آليات العمل الميليشياوية، التي لا تتناسب مع قناعاتهم ومهنيتهم، لأسباب اقتصادية، ولعجزهم عن توفير البدائل، كونهم يحصلون على مبالغ رمزية بسيطة جداً، تساعدهم على تدبر حياة أسرهم».
ويكشف صحافي آخر في إحدى وسائل الإعلام الرسمية التي تسيطر عليها الميليشيات أن شركة خدمات صغيرة استعانت به من أجل إصدار نشرة أسبوعية حول نشاطها تستهدف بها العملاء. وفوجئ هو ومالك الشركة بزيارة لجنة من وزارة الإعلام رفقة مسلحين حوثيين للقبض عليهم، ومصادرة معدات وأجهزة الشركة.
وتحججت اللجنة بأن الشركة تمارس نشاطاً إعلامياً من دون ترخيص، رغم أن النشرة التي تصدرها الشركة ليست عملاً صحافياً عاماً، وقد أخذت الإذن بإصدارها من وزارة التموين والتجارة. ولم يتم وقف الإجراءات التي كانت تزمع اللجنة اتخاذها بحق الشركة، إلا بعد إجبار مالكها على دفع غرامة غير قانونية، والتعهُّد بعدم مزاولة أي نشاط إعلامي.
وتتخذ الميليشيات الحوثية إجراءات عديدة، بعضها موجه وممنهج ضد العمل الصحافي، وبعضها عشوائي، ويجد الصحافيون صعوبة بالغة في العمل الصحافي حتى وإن كان عملاً مستقلاً ومحايداً تماماً.
وفرضت الميليشيات على الصحافيين الحصول على تصاريح عمل لكل تحرك أو مهمة صحافية، وحتى في الحصول على معلومة أو التواصل مع مصدر أو التقاط صور ميدانية.
يتحدث صحافي يعمل مراسلاً لوسيلة إعلام خارجية معاناته في العمل الميداني، حيث تطلب منه الجهة التي يراسلها العمل في الشارع لإنجاز التقارير والأخبار والتقاط الصور، إلا أنه يعدّ كل خروج إلى الشارع بمثابة مغامرة قد تؤدي إلى احتجازه ومصادرة معداته.
ويوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعمل في مؤسسة حكومية، وبسبب إيقاف راتبي بدأت العمل مع مؤسسة دولية معنية بحرية الصحافة، ولمرات عديدة تم إيقافي أثناء تصوير مؤسسات حكومية أو حتى التقاط صور عامة في الشارع، ويتم إجباري على حذف الصور، حتى وإن كانت باستخدام الهاتف».
ومنعت الميليشيات عمل المنظمات الدولية والمحلية المتخصصة في دعم الصحافة والإعلام من إقامة أي فعالية أو تدريب للصحافيين، وفرضت شروطاً تعجيزية للحصول على تصريح لعقد ورشة أو دورة، ما اضطر غالبية المنظمات إلى نقل أنشطتها إلى المحافظات المحررة.
- مؤيدو الميليشيات
هذه الإجراءات تنال حتى من الصحافيين والعاملين المنتمين إلى الميليشيات الحوثية والمتعاونين معها، حيث طالت الإجراءات التعسفية والقمعية مراسلي وسائل إعلام تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» وغيرهما من الكيانات الحليفة للميليشيات في المنطقة.
وأفرجت الميليشيات في أبريل (نيسان) الماضي عن الصحافي كامل المعمري بعد 10 أشهر من الاختطاف بتهمة التخابر مع دول الخارج، رغم أنه كان يعمل مراسلاً لقناة «الكوثر» وإذاعة «طهران» الإيرانيتين الناطقتين بالعربية، ومنذ الإفراج عنه لم يزاول المعمري أي نشاط صحافي.
وقبل اختطافه بأيام، نشر المعمري على مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً ومعلومات حول قضايا فساد ونهب الأموال العامة في مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها الميليشيات.
وفي السياق ذاته، تعرض مراسلا قناتي «الميادين» و«المنار» التابعتين لـ«حزب الله» لاتهامات بالعمل طابوراً خامساً، وتبنى رئيس «وكالة سبأ للأنباء»، التي تسيطر عليها الميليشيات، نصر الدين عامر، هذه الاتهامات، وجاء رد المراسلين عليه برفع دعوى قضائية في إحدى المحاكم تحت سيطرة الميليشيات في صنعاء، إلا أنه يرفض المثول أمامها.
وجاء في تغريدة لمراسل قناة «الميادين» في 16 مايو (أيار) الماضي: «بطريقة غير لائقة ولا محترمة تم التعامل مع الإعلاميين ومراسلي القنوات في مطار صنعاء أثناء تغطيتهم هبوط وإقلاع أول طائرة تجارية منذ 6 سنوات».
ولا يقتصر حجب ومنع المعلومات على الصحافيين فحسب، بل إن الأمر يشمل جميع الباحثين عن المعلومات من محامين وباحثين وطلاب جامعات، وحتى الموظفين في الجهات الرسمية ذاتها.
واشتكى طلاب درجة الماجستير في كلية الآداب التابعة لجامعة صنعاء من صعوبة الحصول على المعلومات والبيانات من أجل إكمال دراساتهم وأبحاثهم، حيث يُضطرون إلى الحصول على إذن مسبق للبحث عما يحتاجون إليه من أرقام وإحصائيات من الجهات والمؤسسات التي تسيطر عليها الميليشيات، وحتى في وجود الترخيص لا يحصلون على مبتغاهم.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
TT

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)

أثارت مجزرة حوثية في محافظة حجة بشمال غربي اليمن، موجة إدانات رسمية وحقوقية واسعة، حيث قتل وأصيب نحو 38 مدنياً، بينهم أطفال، جراء قصف مدفعي شنته الجماعة على تجمّع للأهالي أثناء تناولهم وجبة الإفطار في مديرية حيران.

ووفق مصادر محلية، استهدف القصف، مساء الأحد، ساحة أحد المنازل، حيث كان الأهالي مجتمعين لتناول الإفطار في إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، في مشهد اجتماعي معتاد يعكس تقاليد التكافل بين سكان المنطقة.

وأفادت معلومات رسمية أولية بأن القصف أسفر عن مقتل 8 مدنيين بينهم طفلان، إضافة إلى إصابة أكثر من 30 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، في حين سارعت فرق الإسعاف والأهالي إلى نقل المصابين إلى المراكز الطبية القريبة.

الحوثيون رفعوا صوراً ضخمة للمرشد الإيراني علي خامنئي عقب مقتله (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر، فإن الهجوم وقع بعد عملية رصد جوي باستخدام طائرة مسيّرة لتحديد موقع التجمع المدني، قبل أن يتم استهدافه بالقصف المدفعي، وهو ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة وترك آثار صادمة في أوساط السكان المحليين.

وأشارت التقارير الميدانية إلى أن شدة القصف تسببت في إصابات خطيرة بين الضحايا، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة القتلى.

إدانة حكومية

وأدانت الحكومة اليمنية الهجوم بشدة، ورأت أنه يمثل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وقالت وزارة حقوق الإنسان في بيان رسمي، إن الهجوم لم يكن عشوائياً؛ بل جرى تنفيذه عقب عملية رصد جوي دقيقة، ما يشير إلى وجود نية مسبقة لاستهداف المدنيين.

وأوضحت الوزارة أن التقارير الميدانية التي تلقتها تؤكد أن الضحايا كانوا مدنيين مجتمعين لتناول وجبة الإفطار، الأمر الذي يجعل الهجوم استهدافاً مباشراً لتجمع مدني.

عناصر حوثيون على متن عربة أمنية خلال تجمع في صنعاء دعا له زعيمهم (إ.ب.أ)

وأضافت أن هذا النوع من الهجمات يندرج ضمن الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها وفق القوانين الدولية.

كما أكدت الوزارة أن استمرار الصمت الدولي تجاه مثل هذه الانتهاكات، يشجع على تكرارها، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح لمنع استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وجددت الوزارة تأكيدها أن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين لن تسقط بالتقادم، وأن مسار العدالة للضحايا سيظل أولوية حتى تتم محاسبة جميع المتورطين.

اتهامات بالرصد المسبق

من جهتها، قالت منظمات حقوقية يمنية إن المعلومات الميدانية تشير إلى أن القصف جاء بعد استخدام طائرة مسيّرة لرصد موقع التجمع المدني قبل استهدافه.

وأوضحت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن فريقها الميداني في محافظة حجة، وثق أن القصف استهدف ساحة مجلس المواطن عادل جنيد في مديرية حيران، حيث كان الأهالي مجتمعين حول مائدة الإفطار.

وأكدت الشبكة أن استهداف تجمع مدني في وقت الإفطار خلال شهر رمضان يمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما مبادئ حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

وأضافت أن استخدام وسائل الاستطلاع الجوي لتحديد تجمعات مدنية ثم قصفها بشكل مباشر، قد يرقى إلى هجوم متعمد ضد المدنيين، وهو ما يندرج ضمن الجرائم الجسيمة التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.

كما أشارت إلى أن مثل هذه الهجمات تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق النزاع داخل اليمن، داعية إلى تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات الهجوم وتحديد المسؤولين عنه.

وقالت منظمة «تقصي للتنمية وحقوق الإنسان» إن الهجوم الصاروخي الذي استهدف تجمع الإفطار في مديرية حيران، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال، في حادثة تعكس خطورة استمرار استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وشددت المنظمة على أن استهداف تجمعات مدنية خلال شهر رمضان، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، داعية الأمم المتحدة إلى فتح تحقيق مستقل في الحادثة.

كما طالبت بتقديم مساعدات طبية عاجلة للجرحى ودعم أسر الضحايا الذين فقدوا أقاربهم في الهجوم.

التحقيق والمساءلة

ودعا مسؤولون حكوميون ومنظمات حقوقية يمنية، المجتمع الدولي، إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً إزاء الهجمات الحوثية التي تستهدف المدنيين في اليمن.

وقال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، إن استهداف مدنيين أثناء تجمعهم حول مائدة الإفطار، يمثل جريمة بشعة وانتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والدينية.

وأضاف أن الهجوم يكشف مجدداً خطورة استمرار العنف ضد المدنيين، مشيراً إلى أن هذه الجريمة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي شهدتها مناطق النزاع في البلاد.

وطالب الإرياني، الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، بإدانة الجريمة بوضوح، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكداً أن الإفلات من العقاب يشجع على استمرار الانتهاكات.

بدورها، حمّلت السلطة المحلية في محافظة حجة، جماعة الحوثيين، المسؤولية الكاملة عن الهجوم، داعية المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية لوقف استهداف المدنيين.

كما ناشدت السلطات المحلية المنظمات الإنسانية والإغاثية تقديم الدعم الطبي للجرحى ومساعدة أسر الضحايا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها المناطق المتضررة.


وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، محذراً من الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي بيان صدر الأحد بعدما تقدمت به وزارة الدولة للإعلام في مصر ووافقت عليه الدول العربية، حذر المجلس من «الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض».

ووجَّه المجلس التحية لوسائل الإعلام العربية التي نقلت تطورات الأحداث «بمهنية وشرف والتزام بالثوابت القومية العربية، وجسدت تماسك وقوة المجتمعات والدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، ونقلت حالة الإجماع الرسمي والشعبي العربي على التضامن مع شعوب الدول العربية وإقرار حقها في الدفاع الشرعي عن النفس، والإدانة الكاملة للعدوان عليها».

وناشد البيان جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية والرقمية، المسموعة والمقروءة والمرئية، القيام بدورها في توعية الرأي العام العربي والعالمي بشأن حقائق التطورات الجارية، مع التأكيد على أن ما تتعرض له بعض الدول العربية من هجمات إيرانية هو «اعتداء غاشم غير مبرر على دول مسالمة لم تبادر بالاعتداء على أي طرف، ولم تستخدم قواتها العسكرية في توجيه أي هجمات لإيران أو لأي طرف في الصراع الجاري».

وأكد البيان على أهمية اطلاع الرأي العام على حقيقة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية «قد استهدفت في معظمها مرافق مدنية، والبنية التحتية المدنية، ومقدرات الشعوب العربية وثرواتها، وإلحاق الضرر بأمن مواطنيها».

«خلط متعمد أو مغلوط»

وشدد البيان على ضرورة تجنب وقوع وسائل الإعلام «في الخلط المتعمد أو المغلوط بين الموقف من العمليات العسكرية والصراع المسلح بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الهجمات الإيرانية العدوانية على بعض الدول العربية».

وتابع: «أياً كان الموقف من الصراع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنه لا يبرر مطلقاً الخلط بينه وبين عدوان إيراني صريح وواضح على أهداف في دول عربية لم تستخدم قواتها في مهاجمة إيران، ولم تمس أراضيها أو أهدافها العسكرية أو المدنية».

كما ناشد المجلس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

وأشار إلى أن الظروف الراهنة «تتطلب من كل مواطن عربي التعبير عن التضامن العربي الكامل مع الشعوب التي تتعرض للعدوان، والحفاظ على وحدة الموقف العربي الثابت في وجه كل مساس بأي شعب عربي مسالم».

ودعا المجلس إلى تعاون وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة في نقل الحقائق إلى الرأي العام العربي استناداً إلى البيانات والمعلومات الرسمية التي تصدر عن الدول العربية التي تتعرض للاعتداءات الإيرانية، «لقطع الطريق على ما يتم ترويجه من أكاذيب متعمدة بشأن أهداف ونتائج هذه الاعتداءات».

كما دعا إلى «تعاون عربي شامل لاطلاع الرأي العام العالمي بحقائق الأمور بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية وانتهاك سيادتها، والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية الكبرى وتزويدها بالحقائق وتصحيح ما يتم ترويجه من مغالطات وأكاذيب».

المعلومات الموثقة

عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، ليلى عبد المجيد، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن من الطبيعي أن يقف أي عربي مع الدول العربية الشقيقة «لأننا كتلة واحدة نؤثر ونتأثر ببعضنا البعض، وبالتالي من البديهي أن يصدر وزراء الإعلام العرب بياناً تضامنياً وداعماً للدول التي تتعرض لاعتداءات من إيران».

وأضافت أن البيان تضمن لغة الخطاب التي حددت مجموعة من الأمور الأساسية المتفق عليها، «فكلنا ضد ما تتعرض له دول عربية من ضربات إيرانية رداً على الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها».

واستطردت: «يمكن أن نحقق ما جاء في البيان من خلال وسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية».

ثم قالت: «الإشكالية تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بعض الشخصيات غير المسؤولة والذين ليس لديهم معلومات موثقة أو رؤية واضحة ويتحدثون بشكل غير مسؤول لا يعكس وعياً بحقيقة الأمر».

وتابعت: «أتصور أن تكون هناك توعية لمن يوجدون على وسائل التواصل الاجتماعي العربي، كما أن هناك حسابات كثيرة مزيفة تحاول بث الفرقة ونشر الشائعات يجب التصدي لها، وفي المقابل هناك بعض الصحافيين المهنيين يحاولون توضيح الأخبار المزيفة ويعطون المعلومات الحقيقية للجمهور».


مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».