هل نشهد تهافت الأسواق الحرة قريباً؟

غاري غيرستل يكتب عن صعود النظام النيوليبرالي وسقوطه

غاري غيرستل
غاري غيرستل
TT

هل نشهد تهافت الأسواق الحرة قريباً؟

غاري غيرستل
غاري غيرستل

لو سألْنا أي شخص على درجة معقولة من الثقافة العامة: ما التوصيف الاقتصادي الذي تراه مناسباً لعصرنا؟ أظنّه سيسارعُ في القول: إنه الرأسمالية بكلّ تأكيد. وقد يستفيضُ بعضهم في الجواب فيضيفُ أنّ الآيديولوجيا الليبرالية هي الذراع السياسية للرأسمالية، وأنّ الأسواق الحرّة واليد الخفية التي تحدّث عنها جوزيف سمث إن هي إلا بعضُ أدوات الرأسمالية، وأنّ ميكانيكية التوازن الذاتي للأسواق الحرة هي الآلية التي تناظرُ فعل الطبيعة في بلوغ حالة التوازن لكلّ الفعاليات الطبيعية العديدة بما فيها فعاليات الكائن الإنساني. الأسواق الحرة – بموجب هذا المفهوم – هي شيء أقربُ إلى الكينونة البيولوجية التي تعلمُ كيف تعدّلُ ذاتها بذاتها؛ أي بمعنى آخر، إنها نظام ذاتي التصحيح Self – Correcting System. سيعلنُ البعض القليل من الأشخاص، بلهجة ظفر طافحة بالنشوة، أنّ إكليل الفوز بات معقوداً للآيديولوجيا الليبرالية والرأسمالية الاقتصادية والأسواق الحرة. ألم يكتب فرانسيس فوكوياما عقب تهاوي الاتحاد السوفياتي السابق عن نهاية التاريخ، وأنّ نموذج الكائن الليبرالي هو آخر نموذج يمكن أن تتاح له فرص الاستمرارية والديمومة؟
لو شئنا الحقيقة فسنقول، إن إجابات هؤلاء جميعاً خاطئة بنسبة 100 في المائة! عصرنا هذا ليس عصر الرأسمالية؛ إنه عصرُ (النيوليبرالية Neoliberalism) التي أراد لها بعضُ المنظّرين (من أمثال فريدريك فون هايك وميلتون فريدمان) أن تكون الوريثة الشرعية – وربما حتى الوحيدة - للرأسمالية، وفي هذا الفعل افتئاتٌ كبير لأسباب كثيرة، منها:
1- الرأسمالية ذات جذور فكرية لاهوتية بروتستانتية قائمة على فكرة الخلاص الفردي المقترن بضرورة العمل والانضباط والإخلاص في المسعى الفردي (وهذا ما جعله العالم الاجتماعي المعروف ماكس فيبر ميداناً بحثياً لكتابه الرائع «الأخلاقيات البروتستانتية وروح الرأسمالية»).

2- ثم إنّ الرأسمالية كانت دافعاً لحفز البحث العلمي وتطبيقاته التقنية في مرحلة الثورة الصناعية الأولى.
3- ثمة أمرٌ آخر: الرأسمالية ليست شكلاً واحداً له خصائصه المميزة؛ بل الأصحُّ هو الحديث عن رأسماليات متعددة. لا يمكن أن نقبل بالتكافؤ بين نموذج الرأسمالية الأميركية ونموذج رأسمالية دولة الرعاية الاجتماعية في الدول الاسكندنافية؛ بل الحقُّ أنّ نظام دولة الرعاية الاجتماعية ينطوي على جوانب لم تستطع الدول الشيوعية توفير مثيل لها.
4- شاعت في أعقاب كارثة الكساد الكبير (1929 – 1932)، وبخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، تطبيقات واسعة للسياسات الاقتصادية الكينزية في سياق ما سمّي (الصفقة الجديدة The New Deal) – تلك السياسات التي تدعو إلى تدخّل واسع النطاق للدولة وبالضد تماماً من سياسة الأسواق الحرة المنفلتة.
إذن، ثمة فرق كبير بين الرأسمالية والنيوليبرالية، وأظنُّ أنّ الكثير من موبقات النيوليبرالية صارت تلقى على أكتاف الرأسمالية جزافاً ومن غير تفكّر؛ لذا فإنّ كِتاباً يتناولُ النيوليبرالية في صعودها وانكفائها سيكون مرغوباً به وضرورة لازمة في الوقت ذاته.

يقدّمُ لنا المؤرخ والأكاديمي الأميركي، أستاذ التاريخ الأميركي في جامعة كمبردج، غاري غيرستل Gary Gerstle (المولود عام 1954) قراءة دقيقة لموضوعة تاريخ النيوليبرالية في كتابه الصادر في أبريل (نيسان) 2022 عن جامعة أكسفورد بعنوان:
صعودُ وانكفاء النظام النيوليبرالي: أميركا والعالم في حقبة السوق الحرة
حقق الكتاب أفضل المبيعات، وهو يستحق هذه المرتبة بكلّ جدارة.
الجميل في الكتاب هيكليته البسيطة التي يلحظها القارئ في محتوياته، والتي تجعله على الفور يحدسُ الخطّ الزمني لتطوّر النظام النيوليبرالي. يبدأ المؤلف كتابه بمقدمة متقنة أوضح فيها على مدى ما يقربُ من عشرين صفحة الجذور الفكرية للنيوليبرالية. ويتألف الكتاب جزأين: يتناول في الجزء الأول نظام الصفقة الجديدة الذي امتدّ في السنوات 1930 – 1980 وانتهى مع نهاية حقبة الرئيس كارتر ومجيء الرئيس ريغان؛ أما الجزء الثاني من الكتاب فيتناول فيه المؤلف النظام النيوليبرالي الذي امتدّ في السنوات المحصورة بين 1980 و2020، ويُفرِدُ له المؤلف ستة فصول تناول فيها بدايات النظام، وارتقاءه، وانتصاراته، وإخفاقاته الكارثية، وتشظّيه، ومن ثمّ نهايته المحتومة. يمتاز الكتاب بهوامشه الكثيرة وكثافة توثيقه وإحالاته المرجعية التي شغلت نحو 100 صفحة من الكتاب، وهي صفحاتٌ كثيرة إذا علمنا أنّ الكتاب بأكمله يقعُ في 393 صفحة.
ربما من النادر أن يوصف كتابٌ بأنه «مرجعي»، وبخاصة إذا ما كان قد نشِر حديثاً؛ لكنّ كتاب غيرستل يستحقُّ هذا الوصف تماماً؛ فهو يقدّمُ النيوليبرالية «من حيث إنها أسواقٌ حرة مطلقة اليد في الحركة، وانتقال حر لرأس المال والبضائع والناس، وإلغاء كل الضوابط التنظيمية، وإعلاء شأن العولمة» في سياق تاريخي يمتدُّ على مدى زمني يقارب المائة سنة، وهذا مسعى لا بد منه إذا شئنا فهم السياسات الحالية والكيفية التي جعلتنا ننتهي إلى الوضع العالمي الحالي على مستوى الولايات المتحدة الأميركية والعالم بأكمله.
يقدمُ المؤلف – فضلاً عن سياحته الفكرية التي امتدت على قرن من الزمن – صورة بانورامية للعلاقات السياسية والاقتصادية والتوجهات الاجتماعية المشتبكة خلال ذلك القرن؛ الأمر الذي لا بد منه لفهم الوضع الإشكالي التي انتهت إليه أميركا، وهو وضعٌ يلقي بظلاله – بالضرورة – على مجمل الوضع العالمي. ويقدم في الوقت ذاته توقعاً بالحالة المستقبلية التي ستمضي إليها أميركا والعالم.
أحدُ الأفعال المفيدة التي أقدم عليها غيرستل في كتابه، أنه يدفع القارئ دفعاً لتقويض التعريفات الكلاسيكية الراسخة للنزعة المحافظة Conservatism والنزعة الليبرالية Liberalism في الشأن الاقتصادي الأميركي على أقلّ تقدير. المثال في هذا الشأن واضح تماماً: كان الرؤساء رونالد ريغان وثنائي بوش (الأب وابنه) جمهوريين محافظين؛ في حين كان الرؤساء بل كلينتون وباراك أوباما ديمقراطيين ليبراليين؛ لكنهم جميعاً كانوا نيوليبراليين متى ما اختصّ الأمر بتوصيف سياساتهم الاقتصادية. النيوليبرالية في نهاية المطاف سياسات اقتصادية وليست آيديولوجيا سياسية، وبهذا فهي تتمايز جوهرياً عن الرأسمالية وتمظهراتها السياسية المتمثلة في الآيديولوجيا الليبرالية.
تمثلُ قراءة خط التطور الفكري والعملي للنيوليبرالية مسعى مطلوباً لفهم عالمنا المعاصر: سيفهم القارئ كيف أنّ عقوداً من ترك الأسواق الحرة بلا سياسات تنظيمية أدّت إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008 ومن ثمّ صعود التيار الشعبوي المتمثل برئاسة دونالد ترمب. سيفهم القارئ أيضاً بعضاً من المفردات الاقتصادية بالغة الضرورة مثل السياسات الكينزية وما بعد الكينزية، واتفاقيات برتون وودز، وسيعرف ظروف نشأة كلّ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما سيتعرّف على أسماء اقتصاديين كبار كانوا فلاسفة النيوليبرالية الأوائل، مثل: فريدريك فون هايك ولودفيع فون مايسز.
من المفيد في نهاية هذه القراءة الموجزة الإشارة إلى مسالتيْن:
الأولى: فهم السياسات النيوليبرالية ضرورة لازمة لكلّ مثقف فوضعنا الحالي إنما هو بعضُ نتاج هذه السياسات. وحتى لو كنا على أعتاب عصر ما بعد النيوليبرالية فإنّ فهم النظام النيوليبرالي سيكون ضرورة محتمة لمعرفة شكل المستقبل البشري القادم في نطاق السياسات الاقتصادية الأفضل للبشر والبيئة.
الثانية: الكتاب غير مترجم إلى العربية لكونه حديث الإصدار، ولو شاء القارئ باللغة العربية كتاباً مترجما إلى العربية فيمكنه الاستعانة بكتاب (الوجيز في تاريخ النيوليبرالية) لمؤلفه (ديفيد هارفي) وهو كاتب موسوعي ممتاز ذو امتدادات معرفية واسعة؛ لكن كتابه ليس بديلاً كاملاً عن كتاب (غيرستل).

صعودُ وانكفاء النظام النيوليبرالي: أميركا والعالم في حقبة السوق الحرة
The Rise and Fall of the Neoliberal Order: America and the World in the Free Market Era
المؤلف: غاري غيرستل
Gary Gerstle
الناشر: جامعة أكسفورد



الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.