هل نشهد تهافت الأسواق الحرة قريباً؟

غاري غيرستل يكتب عن صعود النظام النيوليبرالي وسقوطه

غاري غيرستل
غاري غيرستل
TT

هل نشهد تهافت الأسواق الحرة قريباً؟

غاري غيرستل
غاري غيرستل

لو سألْنا أي شخص على درجة معقولة من الثقافة العامة: ما التوصيف الاقتصادي الذي تراه مناسباً لعصرنا؟ أظنّه سيسارعُ في القول: إنه الرأسمالية بكلّ تأكيد. وقد يستفيضُ بعضهم في الجواب فيضيفُ أنّ الآيديولوجيا الليبرالية هي الذراع السياسية للرأسمالية، وأنّ الأسواق الحرّة واليد الخفية التي تحدّث عنها جوزيف سمث إن هي إلا بعضُ أدوات الرأسمالية، وأنّ ميكانيكية التوازن الذاتي للأسواق الحرة هي الآلية التي تناظرُ فعل الطبيعة في بلوغ حالة التوازن لكلّ الفعاليات الطبيعية العديدة بما فيها فعاليات الكائن الإنساني. الأسواق الحرة – بموجب هذا المفهوم – هي شيء أقربُ إلى الكينونة البيولوجية التي تعلمُ كيف تعدّلُ ذاتها بذاتها؛ أي بمعنى آخر، إنها نظام ذاتي التصحيح Self – Correcting System. سيعلنُ البعض القليل من الأشخاص، بلهجة ظفر طافحة بالنشوة، أنّ إكليل الفوز بات معقوداً للآيديولوجيا الليبرالية والرأسمالية الاقتصادية والأسواق الحرة. ألم يكتب فرانسيس فوكوياما عقب تهاوي الاتحاد السوفياتي السابق عن نهاية التاريخ، وأنّ نموذج الكائن الليبرالي هو آخر نموذج يمكن أن تتاح له فرص الاستمرارية والديمومة؟
لو شئنا الحقيقة فسنقول، إن إجابات هؤلاء جميعاً خاطئة بنسبة 100 في المائة! عصرنا هذا ليس عصر الرأسمالية؛ إنه عصرُ (النيوليبرالية Neoliberalism) التي أراد لها بعضُ المنظّرين (من أمثال فريدريك فون هايك وميلتون فريدمان) أن تكون الوريثة الشرعية – وربما حتى الوحيدة - للرأسمالية، وفي هذا الفعل افتئاتٌ كبير لأسباب كثيرة، منها:
1- الرأسمالية ذات جذور فكرية لاهوتية بروتستانتية قائمة على فكرة الخلاص الفردي المقترن بضرورة العمل والانضباط والإخلاص في المسعى الفردي (وهذا ما جعله العالم الاجتماعي المعروف ماكس فيبر ميداناً بحثياً لكتابه الرائع «الأخلاقيات البروتستانتية وروح الرأسمالية»).

2- ثم إنّ الرأسمالية كانت دافعاً لحفز البحث العلمي وتطبيقاته التقنية في مرحلة الثورة الصناعية الأولى.
3- ثمة أمرٌ آخر: الرأسمالية ليست شكلاً واحداً له خصائصه المميزة؛ بل الأصحُّ هو الحديث عن رأسماليات متعددة. لا يمكن أن نقبل بالتكافؤ بين نموذج الرأسمالية الأميركية ونموذج رأسمالية دولة الرعاية الاجتماعية في الدول الاسكندنافية؛ بل الحقُّ أنّ نظام دولة الرعاية الاجتماعية ينطوي على جوانب لم تستطع الدول الشيوعية توفير مثيل لها.
4- شاعت في أعقاب كارثة الكساد الكبير (1929 – 1932)، وبخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، تطبيقات واسعة للسياسات الاقتصادية الكينزية في سياق ما سمّي (الصفقة الجديدة The New Deal) – تلك السياسات التي تدعو إلى تدخّل واسع النطاق للدولة وبالضد تماماً من سياسة الأسواق الحرة المنفلتة.
إذن، ثمة فرق كبير بين الرأسمالية والنيوليبرالية، وأظنُّ أنّ الكثير من موبقات النيوليبرالية صارت تلقى على أكتاف الرأسمالية جزافاً ومن غير تفكّر؛ لذا فإنّ كِتاباً يتناولُ النيوليبرالية في صعودها وانكفائها سيكون مرغوباً به وضرورة لازمة في الوقت ذاته.

يقدّمُ لنا المؤرخ والأكاديمي الأميركي، أستاذ التاريخ الأميركي في جامعة كمبردج، غاري غيرستل Gary Gerstle (المولود عام 1954) قراءة دقيقة لموضوعة تاريخ النيوليبرالية في كتابه الصادر في أبريل (نيسان) 2022 عن جامعة أكسفورد بعنوان:
صعودُ وانكفاء النظام النيوليبرالي: أميركا والعالم في حقبة السوق الحرة
حقق الكتاب أفضل المبيعات، وهو يستحق هذه المرتبة بكلّ جدارة.
الجميل في الكتاب هيكليته البسيطة التي يلحظها القارئ في محتوياته، والتي تجعله على الفور يحدسُ الخطّ الزمني لتطوّر النظام النيوليبرالي. يبدأ المؤلف كتابه بمقدمة متقنة أوضح فيها على مدى ما يقربُ من عشرين صفحة الجذور الفكرية للنيوليبرالية. ويتألف الكتاب جزأين: يتناول في الجزء الأول نظام الصفقة الجديدة الذي امتدّ في السنوات 1930 – 1980 وانتهى مع نهاية حقبة الرئيس كارتر ومجيء الرئيس ريغان؛ أما الجزء الثاني من الكتاب فيتناول فيه المؤلف النظام النيوليبرالي الذي امتدّ في السنوات المحصورة بين 1980 و2020، ويُفرِدُ له المؤلف ستة فصول تناول فيها بدايات النظام، وارتقاءه، وانتصاراته، وإخفاقاته الكارثية، وتشظّيه، ومن ثمّ نهايته المحتومة. يمتاز الكتاب بهوامشه الكثيرة وكثافة توثيقه وإحالاته المرجعية التي شغلت نحو 100 صفحة من الكتاب، وهي صفحاتٌ كثيرة إذا علمنا أنّ الكتاب بأكمله يقعُ في 393 صفحة.
ربما من النادر أن يوصف كتابٌ بأنه «مرجعي»، وبخاصة إذا ما كان قد نشِر حديثاً؛ لكنّ كتاب غيرستل يستحقُّ هذا الوصف تماماً؛ فهو يقدّمُ النيوليبرالية «من حيث إنها أسواقٌ حرة مطلقة اليد في الحركة، وانتقال حر لرأس المال والبضائع والناس، وإلغاء كل الضوابط التنظيمية، وإعلاء شأن العولمة» في سياق تاريخي يمتدُّ على مدى زمني يقارب المائة سنة، وهذا مسعى لا بد منه إذا شئنا فهم السياسات الحالية والكيفية التي جعلتنا ننتهي إلى الوضع العالمي الحالي على مستوى الولايات المتحدة الأميركية والعالم بأكمله.
يقدمُ المؤلف – فضلاً عن سياحته الفكرية التي امتدت على قرن من الزمن – صورة بانورامية للعلاقات السياسية والاقتصادية والتوجهات الاجتماعية المشتبكة خلال ذلك القرن؛ الأمر الذي لا بد منه لفهم الوضع الإشكالي التي انتهت إليه أميركا، وهو وضعٌ يلقي بظلاله – بالضرورة – على مجمل الوضع العالمي. ويقدم في الوقت ذاته توقعاً بالحالة المستقبلية التي ستمضي إليها أميركا والعالم.
أحدُ الأفعال المفيدة التي أقدم عليها غيرستل في كتابه، أنه يدفع القارئ دفعاً لتقويض التعريفات الكلاسيكية الراسخة للنزعة المحافظة Conservatism والنزعة الليبرالية Liberalism في الشأن الاقتصادي الأميركي على أقلّ تقدير. المثال في هذا الشأن واضح تماماً: كان الرؤساء رونالد ريغان وثنائي بوش (الأب وابنه) جمهوريين محافظين؛ في حين كان الرؤساء بل كلينتون وباراك أوباما ديمقراطيين ليبراليين؛ لكنهم جميعاً كانوا نيوليبراليين متى ما اختصّ الأمر بتوصيف سياساتهم الاقتصادية. النيوليبرالية في نهاية المطاف سياسات اقتصادية وليست آيديولوجيا سياسية، وبهذا فهي تتمايز جوهرياً عن الرأسمالية وتمظهراتها السياسية المتمثلة في الآيديولوجيا الليبرالية.
تمثلُ قراءة خط التطور الفكري والعملي للنيوليبرالية مسعى مطلوباً لفهم عالمنا المعاصر: سيفهم القارئ كيف أنّ عقوداً من ترك الأسواق الحرة بلا سياسات تنظيمية أدّت إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008 ومن ثمّ صعود التيار الشعبوي المتمثل برئاسة دونالد ترمب. سيفهم القارئ أيضاً بعضاً من المفردات الاقتصادية بالغة الضرورة مثل السياسات الكينزية وما بعد الكينزية، واتفاقيات برتون وودز، وسيعرف ظروف نشأة كلّ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما سيتعرّف على أسماء اقتصاديين كبار كانوا فلاسفة النيوليبرالية الأوائل، مثل: فريدريك فون هايك ولودفيع فون مايسز.
من المفيد في نهاية هذه القراءة الموجزة الإشارة إلى مسالتيْن:
الأولى: فهم السياسات النيوليبرالية ضرورة لازمة لكلّ مثقف فوضعنا الحالي إنما هو بعضُ نتاج هذه السياسات. وحتى لو كنا على أعتاب عصر ما بعد النيوليبرالية فإنّ فهم النظام النيوليبرالي سيكون ضرورة محتمة لمعرفة شكل المستقبل البشري القادم في نطاق السياسات الاقتصادية الأفضل للبشر والبيئة.
الثانية: الكتاب غير مترجم إلى العربية لكونه حديث الإصدار، ولو شاء القارئ باللغة العربية كتاباً مترجما إلى العربية فيمكنه الاستعانة بكتاب (الوجيز في تاريخ النيوليبرالية) لمؤلفه (ديفيد هارفي) وهو كاتب موسوعي ممتاز ذو امتدادات معرفية واسعة؛ لكن كتابه ليس بديلاً كاملاً عن كتاب (غيرستل).

صعودُ وانكفاء النظام النيوليبرالي: أميركا والعالم في حقبة السوق الحرة
The Rise and Fall of the Neoliberal Order: America and the World in the Free Market Era
المؤلف: غاري غيرستل
Gary Gerstle
الناشر: جامعة أكسفورد



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً