مصمم «فالنتينو» يختزل تاريخ روما في ليلة «خالدة»

بيير باولو بكيولي لـ«الشرق الأوسط»: لست سياسياً لكني أقدر قوة الجمال في لمس المشاعر والتعبير عن الإنسانية

صورة من دار «فالنتينو» تظهر المصمم بيير باولو بكيولي في آخر العرض مصحوباً بفريق عمله من الأنامل الناعمة
صورة من دار «فالنتينو» تظهر المصمم بيير باولو بكيولي في آخر العرض مصحوباً بفريق عمله من الأنامل الناعمة
TT

مصمم «فالنتينو» يختزل تاريخ روما في ليلة «خالدة»

صورة من دار «فالنتينو» تظهر المصمم بيير باولو بكيولي في آخر العرض مصحوباً بفريق عمله من الأنامل الناعمة
صورة من دار «فالنتينو» تظهر المصمم بيير باولو بكيولي في آخر العرض مصحوباً بفريق عمله من الأنامل الناعمة

منذ أقل من أسبوعين، انطلق أسبوع الموضة لخريف وشتاء 2023 في عاصمة النور والأناقة باريس، لكن المحطة الأخيرة كانت في روما بعرض فخم نظمته دار «فالنتينو» في الهواء الطلق. في «بيازا دي سبانيا» الشهيرة تحديداً. قد يكون العرض نهاية لموسم حافل، لكنه كان البداية بالنسبة لمصمم الدار بيير باولو بيكيولي، الذي لم يختر روما مسرحاً لعرض تشكيلته اعتباطاً. كان بإمكانه تقديم عرضه ضمن أسبوع الموضة الباريسي إلا أن اختياره للمدينة الخالدة كانت له أسبابه: «ففيها يبدأ كل شيء، ولا شيء يبقى على حاله باستثناء التاريخ العريق والغني بشتى أنواع الفنون».
في لقاء خص به المصمم «الشرق الأوسط» لا يُخفي أهمية هذه المدينة بالنسبة له قائلاً: «كل تشكيلاتي استلهمت من روما... فهي تسكن وجداني وخيالي. كل خيوطها وخباياها بما في ذلك لغتها الصارمة المبنية بالإسمنت تُؤثر على أي عملية إبداع أخوضها. لا تعني لي روما الفخامة والفن والتاريخ والباروك فحسب، فهي أيضاً مدينة الحياة اليومية، حيث أقوم بأعمالي وأجري لقاءاتي ونشاطاتي الخاصة».

كانت الورود حاضرة بقوة على شكل رسمات أو أشكال مقطعة بالليزر لتزين فستاناً أو معطفاً  -  الأزياء الرفيعة تعني فخامة مطعمة بالعملية  -  حتى الرجل كان له نصيب في هذه التشكيلة

إلى جانب اختيارها ساحة دي سبانيا بسلالمها الـ136 لتكون مسرحاً لعرض أطلقت عليه عنوان «البداية»، حرصت الدار أيضاً على أن يبدأ على الساعة الثامنة تماماً ليتزامن مع غروب الشمس، فتكتسب الصورة تأثيراً شاعرياً. فهذ الصورة مهمة لمصمم درس فنون السينما قبل أن ينتقل إلى الموضة، ويؤمن بأن الصورة تلعب دوراً مهماً في تشكيل آرائنا والتأثير على حواسنا، لا سيما في هذا الموسم. فالـ«هوت كوتور» كما يقول: «ثقافة وسلاح قوة للتأثير على المجتمع». عندما أضيف أنها أيضاً فن، يرد: «أعتقد أن الفن والموضة شيئان مختلفان. فالفن بالنسبة لي لا يلبي احتياجات ملموسة في أرض الواقع، على العكس من الموضة. فهي مفيدة وتستهدف أموراً محددة وعملية في الحياة. لكن بالتأكيد هناك قواسم مشتركة كثيرة بينهما مثل بحثهما الدائم عن الجمال والرغبة في تحرير الخيال وإطلاق العنان للإبداع».
على نغمات موسيقى «لابرينث» وهواء عليل هبت نسائمه فجأة لتُرطب الأجواء في يوم حار، برهن بكيولي كيف يمكن أن يتحول الجمال إلى سلاح يمكنه أن يُؤثر بالإيجاب على كل فرد منا من دون أن نشعر. فحضور العرض كونوا مجتمعاً مصغراً من كل الجنسيات، يجمعهم الحلم بغد جديد وشغف بكل ما هو جميل. والأهم من كل هذا برهنوا أنه بإمكانهم أن يتعايشوا مع بعض بحب وسلام بغض النظر عن أهوائهم وجنسياتهم وطبقاتهم، بدليل الابتسامات المتبادلة بين غرباء جلسوا جنب بعض على كراسي تمتد من «بيازا دي سبانيا» إلى «بيازا ميغنانيلي» بعضهم يرطن باللغة الإيطالية والبعض الآخر يرد بالإنجليزية أو الفرنسية أو بلغة الإشارات.

منظر معبر عن الامتنان لكل العاملات على إنجاز هذه التشكيلة  -  السر في التفاصيل

كان هذا حواراً جانبياً خلقه المصمم دون قصد. أما المقصود في التشكيلة فكان حواراً فنياً من وحي الخيال مع مؤسس الدار فالنتينو غارافاني جسده فيما لا يقل عن 100 تصميم. اختزل في كل واحد رومانسية الماضي وشاعرية الحاضر. تخللته كذلك الكثير من الأفكار المعاصرة، مثل التنوع الذي ظهر في اختيار عارضات بمقاسات وألوان وأعمار مختلفة. فالحرفية تحافظ على تقاليدها والموضة على طقوسها ولا خوف عليهما من موجات التغيير بالنسبة لبكيولي لكن «ما يهمني في كل هذا هو الحضور الإنساني، الذي من دونه لا يوجد للموضة أي معنى». ويتابع: «دور الموضة أن تدافع على المبادئ والقيم بصوت عال. هناك حالات نختار فيها السكوت لننأى بأنفسنا عن إثارة أي سخط أو جدل، إلا أن الصدق مع النفس والمشاركة في النقاش العام جزء مهم في الحياة لكي تتحسن. أنا لست سياسياً، لكني أقدر قوة الصورة في لمس المشاعر والتأثير عليها، لهذا أحب توظيفها بشكل إيجابي لتعكس المجتمع وتُوقظ إنسانيته».
التصاميم هي الأخرى تميزت بالتنوع. وبدورها تباينت بين الشاعري والرومانسي والفني والمعاصر، وكأن المصمم أراد فيها أن يختزل تاريخ روما في ليلة خالدة. لم يكن بالإمكان وأنت تتابع العرض ونسمات الهواء تهب بين الفينة والأخرى لتداعب وجهك، أن تنسى أنك في مدينة تفوح رائحة الإبداع من كل ركن فيها. في الوقت ذاته يغمرك شعور جامح بأنك تتابع كتابة فصل جديد من تاريخ الموضة، يستمد فيه المصمم بييرباولو قوته وثقته على حد سواء من مدينة يعرف كل زاوية فيها وقرأ الكثير من دواوينها وكتب أدبائها. ولأنه درس السينما وعشق الأدب والشعر كان من السهل عليه أن يُتحفنا بقصة محبوكة بخيوط تمازج فيها الحلم بالواقع. مكمن قوته أنه كتبها بلغة «الهوت كوتور»... ميدانه. فتصاميمه من هذا الخط لا يمكن أن تخطؤها العين بفخامتها ودراميتها الجمالية المتمثلة في الأحجام والتفاصيل والألوان التي جاءت هذه المرة بألوان قوس قزح إلى جانب الأسود والأبيض.

التصاميم تميزت بالتنوع. فقد تباينت بين الشاعري والرومانسي والفني والمعاصر، وكأن المصمم أراد فيها أن يختزل تاريخ روما في ليلة خالدة  -  بالنسبة للمصمم فإن الـ«هوت كوتور» تجمع الجمال بالجانب الوظيفي

بدأ العرض وتوالت التصاميم الواحدة تلو الأخرى، لتقفز للذهن مقولة ليوناردو دافنشي الشهيرة بأن «البساطة هي أقصى علامات الرفاهية». فحتى أكثر التصاميم تعقيداً وفخامة وتفاصيلا كانت من السهل الممتنع، من ناحية أن العارضات كن يتحركن فيها بسهولة وهن ينزلن من على السلالم ويختلن بها على الممشى الطويل. كان من الواضح أن المصمم بكل التفاصيل السخية التي ضخها فيها، لم يكن يستهدف تعقيد حياتنا بقدر ما كان يريد أن يؤجج الحلم «في وقت أصبح فيه الحلم في زمن الأزمات الاقتصادية والقرارات السياسية المؤثرة على ثقافة المجتمع ترفاً». يوم الجمعة كان له ما أراد. فالتشكيلة التي أرسلها شدت الأنفاس بفخامتها وفنيتها رغم رفضه أن تكون الهوت كوتور فناً بمفهومه التقليدي، أي فرجة بلا وظيفة. عاد إلى أرشيف السيد فالنتينو غارافاني الذي أسس الدار في عام 1959 ليستقي منها بصمات لا يزال تأثيرها واضحاً إلى اليوم. ثم ترجمها بلغة العصر. والنتيجة كانت قصيدة من شأنها أن تنال إعجاب شاعره المفضل دانتي أليغيري. كل قَصة كانت لها قِصة، حيث استهل العرض بفستان دائري قصير جداً غطته ورود حمراء من التافتا. كان هو البداية وهو النهاية أيضاً على الممشى في رمزية لدورة الحياة. كانت هناك أيضاً مجموعة من القطع باللونين الأبيض والأسود تُذكرنا بشغف المؤسس فالنتينو بالموزاييك الروماني وكيف ألهم العديد من تشكيلاته قبل أن يتقاعد ويتسلم بكيولي المشعل. التصميم رقم 100 كان عبارة عن «كاب» طويل بثنيات كثيرة. رغم طوله وحجمه، يبدو من مشية العارضة أنه بوزن الريشة بفضل تقنيات خففت من وزنه وجعلته مناسباً للاستعمال في المناسبات.
كانت هناك أيضاً قطع مخصصة للرجل. فهذا الأخير يُقدر حسب قول المصمم الـ«هوت كوتور» ويريد أن يتميز في كل الأوقات، وهو ما لباه في بنطلونات مفصلة بتصاميم مبتكرة ومعاطف وجاكيتات طويلة لم يبخل عليها بالتفصيل ولا بالتفاصيل. معطف على شكل شرنقة مثلاً زينه بريش الأورغنزا ليعطي الانطباع بأنه ريش طبيعي. وآخر استعمل فيه أشرطة باللونين الأبيض والأسود لتزيد من رشاقة تصميمه، بينما زينت ورود كبيرة الصدر أو الكتف وهلم جرا من التصاميم التي لا تترك أدنى شك بأنها ستنال رضا الرجل: عن نفسه وعن الدار على حد سواء. فالجميل في هذه التشكيلة وكل تشكيلات بييرباولو بكيولي الأخيرة أن الإبداع لم يُفرق بين الجنسين كما أن كمية الجمال فيها لم تُستعمل كنوع من الهروب من الواقع الذي نعيشه، بل كتحدٍ لكسر الأفكار النمطية.

- 8 خلاصات من عرض «فالنتينو»
1 - آخر مرة قدمت فيها دار «فالنتينو» عرضها في «بيازا دي سبانيا» كانت في عهد المؤسس في التسعينات من القرن الماضي.
2 - تعمدت الدار أن يبدأ العرض على الساعة الثامنة مساء ليتزامن مع غروب الشمس. فالإضاءة مهمة بالنسبة للمصمم بييرباولو بكيولي كونه درس السينما قبل أن ينتقل إلى الموضة.
3 - كان العرض حواراً بين الماضي والحاضر، أو بالأحرى جدلاً فكرياً وفنياً مثيراً من وحي الخيال بين أسلوب السيد فالنتينو غارافاني الرومانسي الذي شكل فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وبين أسلوب المصمم الحالي الذي يجمع شاعرية الماضي بعملية الحاضر ومتطلباته.
4 - قوة الصورة كانت واضحة في العرض. قد تكون مستلهمة من أرشيف الدار وتشكيلات ماضية إلا أن ما تابعناه كان عصرياً بكل المقاييس. فقد كان صورة تعكس الواقع الحالي وتغيراته، ليس من ناحية الأزياء بل في نوعية العارضات والعارضين الذين تنوعت أشكالهم ومقاساتهم وألوانهم. كان واضحاً أن المصمم أراد أن يكسر التابوهات وتلك الصورة النمطية التي تعشقها الموضة وكانت غالبة في أسبوع باريس، بإعطاء العادي صوتاً ومنبراً غير عادي. فقد شاركت في العرض 40 عارضة سوداء إلى جانب عارضات من جنسيات وبمقاسات مختلفة
5 - رغم أن المصمم كما قال «ليس سياسياً» فإن العرض كان حركة اجتماعية تحلم بحاضر عادل وغد أفضل يُحركه الجمال واحتضان الآخر بكل اختلافه. فالـ«هوت كوتور» بالنسبة لبييرباولو يجب أن تحمل قضية ثقافية تبدأ بالحفاظ على الحرفية وطقوس وتقاليد الموضة الرفيعة لتمريرها للجيل القادم وتنتهي بالسلام والجمال.
6- استضاف المصمم 120 طالباً من معاهد الموضة الإيطالية مفسراً ذلك بأنه يتذكر جيداً كيف كان في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي مثلهم طالباً ينظر إلى الموضة من بعيد ويحلم بحضور أي عرض أزياء
7- أطلق المصمم عنوان «البداية» على هذه التشكيلة رغم أنه يعمل في الدار منذ 23 عاماً لأنه يعتقد أن «الهوت كوتور» هي دائماً عن بدايات جديدة تُطلق توجهات موضة غير مسبوقة
8- أول إطلالة في العرض كانت فستاناً أحمر تغطيه ورود ثلاثية الأبعاد من التافتا في إشارة إلى أول فستان باللون الأحمر صممه فالنتينو غارافاني في عام 1959


مقالات ذات صلة

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لمسات الموضة جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لعب العرض على فكرة السفر والترحال، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)

أناقة شتاء 2026... أزياء دافئة وطبقات متعددة

عندما تنخفض درجات الحرارة وتتلون السماء بالرمادي، تتغير الأولويات. لكن رحلة البحث عن الدفء لا تعني التنازل عن الأناقة بأي شكل من الأشكال. بل على العكس، يُفضِل…

«الشرق الأوسط» (لندن) «الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تجمع كل ساعة بين النقش اليدوي والرسم المصغّر ما يبرز التزام الدار بالحرفية الزخرفية (فاشرون كونستانتان)

لقاء بين تقنية الساعات وجمال الخيول

مع حلول رأس السنة الصينية، تعود العلامات الفاخرة إلى الأبراج الصينية، لإصدار مجموعات محدودة؛ احتفاءً وتبركاً بالعام الجديد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب يضع «فيتو» على مجتبى خامنئي ويطرح مشاركة أميركية في اختيار المرشد الجديد

ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)
ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)
TT

ترمب يضع «فيتو» على مجتبى خامنئي ويطرح مشاركة أميركية في اختيار المرشد الجديد

ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)
ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفضه تسمية مجتبى خامنئي مرشداً لإيران، قائلاً إنه ينبغي أن يشارك شخصياً في اختيار المرشد المقبل للجمهورية الإسلامية، في وقت تتقدم فيه عملية اختيار المرشد الجديد وسط ترقب داخلي وخارجي.

وقال ترمب لوكالة «رويترز» في مقابلة الخميس إنه ينبغي أن يكون مشاركاً شخصياً في اختيار المرشد المقبل لإيران، «تماماً كما حدث في فنزويلا»، وذلك في وقت يسود ترقب في طهران بشأن عملية اختيار خلف المرشد علي خامنئي الذي قتل في بداية حرب اندلعت السبت في ضربات إسرائيلية وأميركية على مقر إقامته في طهران.وقال ⁠ترمب أن عملية اختيار المرشد لا تزال في ⁠مراحلها الأولى، لكن ‌مجتبى ‌خامنئي ‌خيار مستبعد. ومضى قائلا «نريد أن نشارك في عملية اختيار ‌الشخص الذي سيقود إيران نحو المستقبل». وأوضح «لسنا ⁠مضطرين ⁠للعودة كل خمس سنوات ونكرر هذا الأمر... (نريد شخصا) يكون عظيما بالنسبة للشعب، وعظيما بالنسبة للبلاد».

وكرر ترمب التصريحات ذاتها لموقع «أكسيوس» ترمب خلال مكالمة هاتفية استمرت ثماني دقائق مع الموقع، أقرّ فيها بأن مجتبى خامنئي، نجل المرشد، يُعدّ المرشح الأكثر ترجيحاً لخلافة والده، لكنه أوضح أن هذه النتيجة غير مقبولة بالنسبة له.

وخلال الأيام الماضية، أرجأ مجلس القيادة المؤقت في إيران الإعلان عن اسم المرشد الجديد، غير أن تصريحات لسياسيين إيرانيين الخميس أشارت إلى أن الإعلان قد يكون وشيكاً.

وقال ترمب: «إنهم يضيعون وقتهم. ابن خامنئي شخصية ضعيفة. يجب أن أشارك في عملية التعيين، كما فعلت مع ديلسي رودريغيز في فنزويلا».

وأضاف أنه يرفض القبول بمرشد إيراني جديد يواصل سياسات خامنئي، معتبراً أن ذلك قد يدفع الولايات المتحدة إلى العودة إلى الحرب «خلال خمس سنوات». وقال: «ابن خامنئي غير مقبول بالنسبة لي. نريد شخصاً يجلب الوئام والسلام إلى إيران».

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمر صحافي الأربعاء إن الولايات المتحدة اطلعت على تقارير تفيد بأن مجتبى خامنئي يُنظر إليه على أنه المرشح الأوفر حظاً لخلافة والده، مشيرة إلى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تراقب هذا الأمر عن كثب.

ويتمتع مجتبى خامنئي، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع مرشحاً محتملاً، بعلاقات وثيقة مع «الحرس الثوري» الإيراني، ويُعتقد أنه يمارس نفوذاً كبيراً داخل المؤسسة الأمنية ويحظى بدعم واسع، بما في ذلك من الرتب الدنيا الأكثر تشدداً.

وقال مصدران إيرانيان لوكالة «رويترز» إن مجتبى خامنئي نجا من الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية التي أودت بحياة والده، ويُرجح أن يخلفه في منصب المرشد الأعلى.

وأوضح المصدران، اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتهما، أن مجتبى (56 عاماً) لم يكن في طهران أثناء الغارات التي قتلت أيضاً زوجة المرشد الأعلى وابناً آخر له وعدداً من كبار الشخصيات العسكرية والقادة.

وقال موقع «أكسيوس» أن تصريحات ترمب تمثل ادعاءً استثنائياً بنفوذ أميركي على مستقبل القيادة السياسية في إيران، ما يزيد من غموض أهداف الحملة العسكرية الأميركية الواسعة التي أطلقها يوم السبت.

وقد نفى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ومسؤولون أميركيون آخرون أن يكون هدف العملية «تغيير النظام»، مؤكدين أن الهدف يتمثل في إضعاف قدرات إيران الصاروخية وبرنامجها النووي وقواتها البحرية.

وعندما سُئل ترمب الثلاثاء عمّن قد يخلف خامنئي، قال للصحافيين في البيت الأبيض: «معظم الأشخاص الذين كنا نفكر فيهم قد ماتوا».

برز مجتبى خامنئي، 56 عاماً، بوصفه المرشح الأوفر حظاً لخلافة والده، رغم عدم صدور إعلان رسمي حتى الآن. ويُعدّ رجل دين متشدداً يتمتع بعلاقات وثيقة بـ"الحرس الثوري" الإيراني، لكنه لم يشغل أي منصب حكومي علني.

وكانت إسرائيل قد قصفت الثلاثاء مبنى الأمانة العامة لـ«مجلس خبراء القيادة» في مدينة قم بعد ساعات من استهداف مقر رئيسي للمجلس في طهران.

وفي طهران، قال محسن قمي، عضو هيئة رئاسة «مجلس خبراء القيادة»، الأربعاء إن عملية اختيار المرشد الجديد «تتقدم»، مشيراً إلى أن التكهنات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي «تفتقر إلى المصداقية».

وأضاف أن المجلس «يقوم حالياً بمهامه الموكلة إليه تمهيداً للإعلان عن المرشد الجديد في أقرب وقت»، داعياً إلى متابعة المعلومات المتعلقة بهذا الملف «حصراً عبر هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة».

وذكرت إيران أن مجلس الخبراء المكلف اختيار المرشد الجديد سيعلن قراره قريباً، في ثاني مرة فقط يتم فيها اختيار مرشد منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979.

وقال أحمد خاتمي، وهو عضو في المجلس، الأربعاء للتلفزيون الرسمي: «سيتم تحديد المرشد في أقرب فرصة، ونحن على وشك التوصل إلى قرار رغم أن الوضع في البلاد وضع حرب». وأضاف أنه تم تحديد المرشحين بالفعل، لكنه لم يكشف عن أسمائهم.

وبعد مقتل خامنئي في الضربات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مقر إقامته في طهران مع بداية الحرب السبت، تولى مجلس قيادة انتقالي إدارة البلاد إلى أن ينتخب مجلس الخبراء مرشداً دائماً.

وتضم القيادة الانتقالية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، وعضو مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي.

وأفادت وكالة «مهر» الحكومية الخميس ببدء تجهيز الموقع المخصص لإقامة مراسم عزاء المرشد الإيراني في مصلى طهران.

وقال محمود واعظي، مسؤول المكتب الإعلامي للرئيس الأسبق حسن روحاني، إن مستقبل إيران «مرتبط بعملية اختيار المرشد الجديد»، مؤكداً ضرورة أن يتم القرار «بعد دراسة جميع الأبعاد لتعزيز الانسجام الوطني».

وأضاف لوكالة «إيسنا» الحكومية أن «مجلس القيادة» تشكّل وفق الدستور ويعقد جلساته حالياً، معتبراً أن القرار يجب أن يكون «مدروساً وقائماً على العقلانية».

في المقابل، قال رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، إن أي شخص يخلف المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي على رأس الجمهورية الإسلامية «سيكون غير شرعي».

وكتب على منصة «إكس»: «أي شخص سيُرشح سيكون مفتقراً إلى الشرعية، وسيُعتبر متواطئاً في الحصيلة الدامية لهذا النظام وقادته». وأضاف بهلوي، المقيم في الولايات المتحدة والذي يقدم نفسه بديلاً لقيادة إيران، أن «النصر قريب».


مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

بثت الصحافية المصرية إيمان عادل، قبل أيام، مقطعاً عبر صفحتها بـ«فيسبوك» تناشد فيه الجهات الأمنية النظر إلى وضع والد نجلها، وهو سوري الجنسية، وقد حاول تجديد إقامته كما كان يفعل كل عام، لكنه صُدم بـ«الرفض الأمني»، بالتزامن مع حملات لترحيل الوافدين المخالفين، لافتة إلى أن ترحيله سيعني قطيعة بين طفل مصري وأبيه.

استغاثة الصحافية التي نتج عنها العديد من ردود الفعل المتعاطفة معها، هي جزء من محاولات آلاف الوافدين وعائلاتهم ممن يرغبون في البقاء بمصر، ويبحثون عن طريقة لتقنين أوضاعهم تجنباً للترحيل، بينما قرر آخرون العودة قبل توقيفهم، في ظل حملات أمنية لتدقيق أوراق المقيمين.

ومنذ حلول شهر رمضان، تشهد الحملات الأمنية هدوءاً نسبياً، أرجعه البعض إلى «تفاهمات» لمنح الوافدين فرصة لتقنين أوضاعهم أو الانخراط في مبادرات العودة الطوعية.

حملات موسعة

السيسي المصري يلتقي رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي أكمنة الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة. وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وكان مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد الأحمد، أشار في منشور عبر موقع «إكس»، في 8 فبراير (شباط) الماضي، إلى أنه منذ مطلع عام 2026 يجرون لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه السوريين في مصر، مضيفاً: «تقدمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين».

وخلال زيارته الأخيرة إلى مصر، في 26 فبراير (شباط) الماضي، تطرق رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، إلى ملف ترحيل الوافدين، مؤكداً خلال لقائه وفد الجالية السودانية بمصر، أنه «لا يوجد عودة قسرية للسودانيين، وأن الإقامات السياحية ما زالت متاحة لهم كما كان في السابق».

ورصدت «الشرق الأوسط» عبر جروبات الجاليات السودانية والسورية في مصر، تراجع منشورات الشكوى من توقيف الوافدين، مقابل زيادة في أخرى يستفسر أصحابها عن التأشيرات السياحية، أو الاستثمارية، أو المدى الزمني الذي يستغرقه غلق ملفاتهم بصفتهم لاجئين أو طالبي لجوء داخل «مفوضية شؤون اللاجئين في مصر» تمهيداً لعودتهم طوعياً، وكذلك أفضل الشركات التي تُسيّر رحلات للعودة.

«العودة الطوعية»

لقاء رئيس الوزراء السوداني بالجالية السودانية في القاهرة (متداولة)

ودفعت الحملات الأمنية خلال الفترة الماضية العديد من السودانيين من غير القادرين على تقنين أوضاعهم إلى اتخاذ قرار «العودة الطوعية» منتظرين استئناف رحلاتها، حسب أمين الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان إبراهيم عز الدين، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ملاحظته هدوء الحملات منذ بداية رمضان.

وأضاف عز الدين، وقد كان واحداً ممن حضروا لقاء رئيس الوزراء السوداني، أن مجموعة من رجال الأعمال السودانيين أعلنوا خلال اللقاء تكفلهم بتكلفة العودة للسودانيين الموقوفين في القاهرة، على متن 7 طائرات وقد تزيد إلى 10، بالإضافة إلى وعود من الحكومة السودانية باستئناف رحلات العودة الطوعية البرية في أقرب وقت.

الأمر نفسه أكده القنصل السوداني في أسوان عبد القادر عبد الله، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن رحلات العودة الطوعية البرية من المتوقع أن تُستأنف عقب شهر رمضان، بينما هناك استعدادات تجري حالياً في القاهرة لتسيير 7 رحلات جوية للعودة الطوعية بتمويل من رجال أعمال سودانيين.

وكان مشروع «العودة الطوعية» الذي تقوم عليه منظومة الدفاعات السودانية أسهم في زيادة أعداد العائدين بشكل لافت خلال الفترة الماضية، وقُدرت أعدادهم في الفترة بين مطلع 2024 وحتى نهاية العام الماضي بأكثر من 400 ألف شخص.

وأضاف القنصل السوداني: «حملات تدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين شهدت هدوءاً ملحوظاً في محافظات جنوب الصعيد منذ بداية رمضان».

من جانبه، قال مصدر أمني مصري، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهدوء النسبي حالياً في حملات تدقيق مخالفي الإقامة مقارنة بالشهرين الماضيين لا يعني التراجع عنها، مضيفاً: «تخفيفها يرجع إلى وجود أولويات أمنية أكثر إلحاحاً الفترة الحالية، خصوصاً مع الأوضاع الإقليمية في المنطقة».


الشعور بالوحدة يؤدي إلى العدوانية لدى المراهقين

الشعور بالوحدة يؤدي إلى العدوانية لدى المراهقين
TT

الشعور بالوحدة يؤدي إلى العدوانية لدى المراهقين

الشعور بالوحدة يؤدي إلى العدوانية لدى المراهقين

كشفت دراسة نفسية حديثة لباحثين من جامعة كاليفورنيا في ديفيس (University of California, Davis) بالولايات المتحدة، ونُشرت في النصف الثاني من شهر فبراير (شباط) من العام الحالي، في «مجلة علم النفس التنموي» (the journal Developmental Psychology)، عن احتمالية أن تؤدي الوحدة، والصراعات الأسرية، في مرحلة المراهقة إلى تصرفات عدوانية تجاه الآخرين.

المراهقون والبيئة الأسرية

قام الباحثون بتحليل بيانات تم جمعها في الفترة بين عامي 2016 و2021 من دراسة كبيرة عن التطور المعرفي للمخ في المراهقين، لعدد من طلبة المدارس يزيد عن 10 آلاف مراهق، وكانت نسبة الإناث حوالي 40 في المائة، وأكثر من نصف أفراد العينة بقليل من ذوي الأصول البيضاء، وتراوحت أعمارهم جميعاً بين 10 و13 عاماً.

ركزت الدراسة بشكل أساسي على الفئة العمرية التي تُعد نهاية الطفولة المتأخرة وبداية المراهقة المبكرة، لأنها الفترة الأساسية التي تحدث فيها التغيرات النفسية والجسدية الكبيرة، التي تحوّل الطفل إلى مراهق، بالتالي تُعد المرحلة الأهم في تكوين الصداقات الجديدة، التي تؤثر بشكل بالغ على الصحة النفسية والاجتماعية للمراهق.

قام الباحثون بتحديد أنماط اجتماعية معينة للحكم على مدى تمتع كل مراهق بحياة اجتماعية سليمة بناءً على مجموعة من العوامل، شملت هذه العوامل وجود أصدقاء من عدمه؟ وفي حالة وجود أصدقاء كم يبلغ عددهم (من المقربين، أو العموم)؟ ومن هم على وجه التحديد؟ (كان الهدف من معرفة هوية الأصدقاء سؤال الأقران هل يعدون هذا الطالب صديق فعلاً أم لا).

وتم سؤال المراهقين عن وجود صراعات بينهم وبين أقرانهم، وهل تعرضوا للإيذاء من عدمه، وأيضاً شملت الأسئلة طبيعة العلاقات مع الأقران ذوي السلوك الاجتماعي الإيجابي، وأصحاب السلوك الانطوائي.

وأوضحت النتائج أن المراهقين الذين عانوا من الوحدة وعدم وجود أصدقاء كانوا الأكثر عرضةً لممارسة السلوك العدواني تجاه الآخرين، كما كانوا أكثر عرضة لأن يكونوا ضحايا للعدوان، ولاحظ الباحثون أيضاً أن المراهقين الذين عانوا من وجود مشكلات أسرية، كان لهم نفس السلوك العدواني تجاه الآخرين، وفي المقابل كان المراهقون الذين يتمتعون بوجود صداقات إيجابية بصحة نفسية أفضل، ويُحسنون إدارة الضغوط.

وأظهر الأولاد والبنات اختلافات واضحة في خصائصهم الاجتماعية. وفي المجمل كانت البنات أكثر عرضةً لامتلاك عدد أقل من الصديقات مقارنة بالأولاد، وفي المقابل، كان الأولاد أكثر عرضة للعدوان على أقرانهم أو للوقوع ضحايا لعدوانهم.

أوضحت الدراسة وجود العديد من العوامل التي يمكن أن تساهم في زيادة السلوك العدواني، منها عوامل داخلية مثل صعوبة التحكم في تنظيم المشاعر وإدارة الغضب، ومنها عوامل خارجية تتعلق بالبيئة المحيطة بالمراهق، سواء في المدرسة مثل نبذ الأقران والتعرض للإقصاء أو التنمر، أو في المنزل مثل غياب الدعم الأسري أو التعرض للإساءة الجسدية أو اللفظية في المنزل، وهذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى تدني تقدير الذات والشعور بالعجز أو عدم الاستحقاق.

الوحدة والسلوك العدواني

قال الباحثون إن المراهقين عندما يشعرون بالوحدة، يعبرون عن ضيقهم من خلال ممارسة العدوان على الآخرين، كوسيلة للتأقلم أو لجذب الانتباه لمعانتهم النفسية، وفي بعض الأحيان يكون السلوك العدواني بمثابة صرخة استغاثة وطريقة لطلب المساعدة، وفي بعض الأحيان الأخرى يكون العدوان وسيلة لإخفاء مشاعر الوحدة.

أوضح الباحثون أن التمتع بحياة اجتماعية صحية يساهم بشكل أساسي في الشعور بالدعم والتقدير والتفهم، ما يحسن من صورة الذات ويدعم الصحة النفسية للمراهق، أما الحياة الاجتماعية الضعيفة، فغالباً ما تنطوي على العزلة أو الرفض أو الصراع، ما يخلق حالة نفسية سيئة تدفع المراهق إلى العدوان على الآخرين.

وأكدت الدراسة أن الوحدة تُدخل المراهق في دائرة مفرغة، لأن المراهق الذي يشعر بالوحدة قد يتصرف بعدوانية، ما قد يدفع أقرانه إلى الابتعاد عنه، مما يزيد من عزلته وهكذا، وهذه الحلقة تجعل من الصعب التحرر منها وتكوين علاقات اجتماعية صحية، ويتطلب كسر هذه الحلقة تدخلاً مبكراً ودعماً لتحسين المهارات الاجتماعية والصحة النفسية.

تبعاً لنتائج الدراسة، يجب على الآباء والمعلمين مراقبة العلامات المبكرة التي تدل على معاناة المراهق اجتماعياً، مثل الانعزال عن الأصدقاء أو التوقف عن ممارسة الأنشطة المختلفة، أو التعرض للتنمر والإقصاء الاجتماعي، والتعبير عن الشعور بالوحدة أو اليأس.

حذرت الدراسة من التهاون مع العلامات التي تشير إلى بداية ممارسة السلوك العدواني، مثل رد الفعل الغاضب المبالغ فيه مع أمور بسيطة، أو حدوث تقلبات مزاجية حادة، أو حدوث تغيرات مفاجئة في السلوك أو تراجع الأداء الدراسي بشكل واضح، وأكدت أن التعرف المبكر على هذه العلامات وتقديم الدعم في الوقت المناسب يمنعان تفاقم المشكلات.

ونصحت الدراسة بضرورة توفير الدعم الكافي للمراهقين لبناء علاقات اجتماعية صحية، من خلال عدة خطوات عملية منها:

- تشجيع التواصل المفتوح، عن طريق تهيئة بيئات آمنة يستطيع فيها المراهقون التعبير عن مشاعرهم دون خوف من الأحكام المسبقة.

- تنمية المهارات الاجتماعية للمراهقين، مثل تعليمهم الطرق السلمية لحل النزاعات، والتعاطف مع الآخرين، والعمل ضمن فريق.

- تهيئة بيئات شاملة، يجب على المدارس والنوادي وأماكن تجمع الشباب، العمل على الحد من التنمر والإقصاء.

- المشاركة الأسرية، لأن العلاقات الأسرية الصحية توفر الدعم النفسي للمراهق، ما يُعد الأساس في عمل علاقات اجتماعية سليمة.

- تقديم المساعدة المتخصصة، من خلال توفير جلسات تعديل السلوك للمراهقين الذين يتميزون بالسلوك العدواني، أو العلاج النفسي للمراهقين الذين يعانون من الوحدة.

* استشاري طب الأطفال