ليبيا.. لغز تمدد «داعش»

التهم مدنًا وبلدات {بتواطئ إخواني} .. وعينه على مثلث النفط

ليبيا.. لغز تمدد «داعش»
TT

ليبيا.. لغز تمدد «داعش»

ليبيا.. لغز تمدد «داعش»

هي خطة مُحكمة من جانب تحالفات المتطرفين، لإطالة أمد الأزمة الليبية وتشتيت الجيش، وصولا إلى نهاية المدة القانونية للبرلمان الشرعي التي يمكن أن تكون في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. خلال الأيام الأخيرة أخذ تنظيم داعش يتمدد وينتشر ويستعد للسيطرة على الهلال النفطي الليبي الواقع بين سرت وبنغازي بطول نحو 500 كيلومتر على البحر المتوسط. فجأة بدأت قوات من ميليشيات المتطرفين الأخرى تتسرب إلى طرابلس لتعزيز سيطرتها على العاصمة قبل دخول الجيش إليها.

الواقع على الأرض أكبر مما يمكن تصوره. حتى ما قاله رئيس الحكومة المؤقتة، عبد الله الثني، عن وجود أمر مريب وراء ملابسات انتشار «داعش» في سرت وما حولها هذا الأسبوع، لا يقارن بالمجريات الخطيرة، وفقا لإفادات من مصادر عسكرية. فقد بدأ الجيش الليبي يستغيث بالمجتمع الدولي لمساعدته في كبح جماح التمدد والانتشار لهذا التنظيم الدموي الذي أصبح يهدد باقتحام بلدة هراوة المجاورة لسرت، بالإضافة إلى هيمنته على منطقة النوفلية في اتجاه بنغازي.
وتقع كل هذه البلدات في منطقة الهلال النفطي. مصادر في القوات الجوية الليبية تقول لـ«الشرق الأوسط» إن الطائرات الحربية القليلة التي يملكها الجيش تتعامل بصعوبة مع مقاتلي التنظيم، ورغم تمكنها من رصد تجمعاته على مشارف عدة بلدات ليبية، فإن مسألة توجيه ضربات له أمر ما زال صعب المنال. في درنة لم يتمكن الجيش من دخول المدينة رغم حصاره لها منذ أكثر من ستة أشهر. يقول أحد شيوخ القبائل في «هراوة»: «ربما لن يسمع أحد عن بلدتنا إلا بعد أن يرتكب داعش مجازر فيها.. سبق وفرَّ إلى هنا عدة مئات من العمال العرب الذين كانوا في مدينة سرت، خوفا من بطش التنظيم. نخشى ارتكاب داعش لمذابح بحق هؤلاء العمال وغالبيتهم من المصريين».
على الجانب الآخر تسعى قبائل ليبية إلى رفع الغطاء الاجتماعي عن أبنائها المتورطين في القتال مع التنظيمات المتطرفة، بما فيها «داعش». ويحذّر الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، المستشار في الجيش الليبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من خطورة التطورات التي تشهدها البلاد خلال الفترة الأخيرة، بعد أن تمكن «داعش» من إتمام سيطرته على سرت، والنوفلية، وهي مناطق رئيسية للنفط الليبي، وتقع إلى الغرب من مدينة بنغازي.
الدكتور عبد الكريم يتهم مقاتلي مصراتة، أو ما يعرف بقوات «فجر ليبيا» التي تديرها جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة، بالتنسيق مع تنظيم داعش، لكي يحتل هذا التنظيم المناطق التي تقوم قوات فجر ليبيا بإخلائها، من أجل تشتيت جهود الجيش وفتح أكثر من جبهة أمامه سعيا لإرهاقه بعد أن تمكن من تحقيق إنجازات على الأرض في الشهور الماضية.
يضيف مستشار الجيش أن قوات مصراتة (فجر ليبيا) تريد تركيز وجودها في طرابلس لمواجهة القوات المسلحة الليبية التي تستعد لتحرير العاصمة من المتطرفين والميليشيات المسلحة، ولهذا تقوم بإخلاء المواقع التي كانت تحتلها في سرت والهلال النفطي، وتسليمها لقوات «داعش»، مشيرا إلى أنه جرى رصد أرتال لميليشيات مصراتة في الأيام الأخيرة وهي «تتسرب ساعة بعد ساعة إلى العاصمة طرابلس، فرادى، حتى لا يكتشفها الجيش وحتى لا تتعرض لقصف من القوات العسكرية».
قوات فجر ليبيا تقوم أيضا - وفقا لعبد الكريم - بتعزيز مواقعها في مصراتة لمواجهة التقدم الذي أحرزه الجيش الوطني في الأسابيع الماضية، لكنه أوضح أن التطور الخطير هو قيام قوات مصراتة بترك الساحة في سرت وما حولها لـ«داعش» الذي يسعى بدوره للسيطرة على النفط، ويقول: «لا بد من تعزيز التحالف الإقليمي لمساعدة الجيش. لو وصل تنظيم داعش لمنابع النفط ستكون كارثة. لا بد من تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك لإنقاذ ليبيا من التنظيمات المتطرفة».
وجود «داعش» في ليبيا يتركز في ثلاث مناطق هي درنة وسرت في الشرق، وصبراتة القريبة من الحدود الليبية التونسية من ناحية الغرب، ومحيط مدينة سبها في الجنوب. وينخرط في هذا التنظيم مقاتلون عرب وأجانب، وارتكب خلال الشهور الماضية مذابح ضد عمال مصريين وأفارقة، ويحظى بغطاء من جانب عدة تنظيمات متطرفة أخرى بما فيها جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة، وهي تنظيمات تقول عنها السلطات الليبية إنها تغض الطرف عن تحركات «داعش» وتسهل وصول الأسلحة والمقاتلين إليه عبر الممرات التي تهيمن عليها سواء الممرات البرية عبر الصحراء أو الموانئ البحرية، إلى جانب ثلاثة مطارات على الأقل موجودة قرب طرابلس وفي مصراتة وفي تمنهد في الجنوب.
ومنذ مطلع هذا العام اضطر مئات المقاتلين الدواعش خاصة الأجانب للهروب من درنة بسبب حصار الجيش لهذه المدينة منذ عدة أشهر، واشتراك هؤلاء المقاتلين في مواجهة ضد الجيش في بنغازي والفرار إلى مناطق سرت والنوفلية إلى الغرب من بنغازي.
يقول الشيخ القبلي، عبد الناصر العبيدي، أحد قيادات لجنة المصالحة الليبية، والذي يقيم على مشارف درنة، في رده على أسئلة: «الشرق الأوسط» بشأن «داعش» إن «الدواعش جزء من الليبيين.. هم مجموعة من الشباب يتبنون مثل هذا الفكر، وليسوا جميعهم من خارج البلاد كما تقول بعض وسائل الإعلام. أنا أسكن في مدينة القبة القريبة من درنة وليس لي تعامل مع داعش. كل منا في حاله. لكن إذا جرى التوصل إلى مصالحة بين الليبيين فإن هذه التنظيمات المتطرفة ستختفي».
الشيخ العبيدي يشغل أيضا موقع «المنسق العام لمجلس حكماء مدينة القبة»، وهي مدينة شهدت تفجيرات بسيارات مفخخة على يد «داعش» خلال الفترة الأخيرة. وعما إذا كان تنظيم «داعش» يمثل قوة كبيرة في درنة على سبيل المثال، قال إنه «يوجد تهويل إعلامي كبير بهذا الخصوص.. الجيش قادر على سحقهم في لحظات في حال دخل إلى درنة، لكنه حتى الآن لم يقرر دخولها بسبب وجود سكان ومدنيين، ويكتفي بفرض حصار عليها».
وفيما يتعلق بما إذا كانت هناك صلة بين «داعش» في سرت و«داعش» في درنة، قال إن العلاقة المشتركة بينهما ربما لا تزيد عن اسم «داعش» فقط، لأن درنة محاصرة من كل الجهات على يد الجيش.. من الغرب والشرق. أحيانا يقوم «داعش» بعملية تفجير أو ما أشبه ذلك.
ووقعت هذه التطورات الخاصة بتمدد «داعش» وانتشاره في منطقة الهلال النفطي رغم الجهود التي يبذلها السيد برناردينو ليون، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ومساعي دول الجوار للمصالحة بين أطراف النزاع في ليبيا. لكن الشيخ العبيدي، والكثير من زعماء القبائل الليبية ينظرون بتشكك لموقف المجتمع الدولي تجاه بلادهم.
يقول العبيدي عن السيطرة المفاجئة لـ«داعش» على سرت: «لا أعرف كيف أفسر الموضوع». لكنه يرى أن هناك خطوات يمكن اتباعها للتخلص من «داعش» في ليبيا ومن المتطرفين.. «هذا ممكن.. أولا الناس الذين جاءوا من الخارج والتحقوا بداعش ووجدوا من يحميهم، ويوفر لهم الغطاء للإقامة والتحرك.. نحن نسعى لرفع الغطاء الاجتماعي عمن يوفر الحماية لهؤلاء المتطرفين الأجانب».
ويوضح أنه توجد منذ فترة مشاورات قبلية عن أن كل من يثبت أنه يحمي «داعش» من أبناء القبائل لا بد من رفع الالتزام القبلي تجاهه، بحيث لا يتم المطالبة بدماء مثل هؤلاء أو الثأر لهم في حال تعرضهم للقتل. بهذا يمكن تحجيم «داعش» خاصة أن هذا التنظيم يعتمد على منح المقاتلين الذين يعملون معه أموالا.. «كلها أموال تأتي من الخارج. هناك أناس ضعفاء تجاه المادة، خاصة أولئك الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة، ونعدهم أطفالا، وصبية.. أمام الأموال يمكن أن يقوموا بأي شيء».
وعن علاقة «داعش» بالقبائل الليبية، يرى الشيخ العبيدي، أن «داعش» لا يشكل أي شيء في وسط القبائل لأنه لم يتغلغل فيها.. «نحن نعد هذا التنظيم جسما غريبا وكل الناس ضده. بمجرد اجتماع الليبيين مع بعهم في مؤتمر أو اجتماع للمصالحة خال من أي أجندات خارجية، وهدفه الوطن، فهذا يمكن أن يؤدي للقضاء على داعش».
ويشير إلى أن آخر الإجراءات التي قامت بها لجنة الحكماء والمصالحة المحلية، هي الاتفاق على أنه لا بد أن تكون المصالحة من الداخل الليبي، وليس بعقد لقاءات في الخارج.. «الناس تقول ما حكَّ جسمك مثل ظفرك. لا نريد اجتماعات في الخارج تحيط بها الشكوك عن تمويلات ومصالح لا تهدف لتحقيق المصلحة الليبية».
وعن التطورات الجديدة يقول إن لجنة الحكماء والمصالحة تتواصل في الوقت الحالي مع كل القبائل بما فيها قبائل الغرب، و«الكل يمد يده للسلام والرغبة الحقيقية في التوصل للمصالحة بعد أن جرب الجميع ويلات الحرب.. كل واحد أخذ نصيبه من الحرب.. من قتل وتشريد وغيره. ولذلك الكل يسعى للخير والسلام». ويضيف أنه سيكون هناك اجتماع قريب في الغرب وبالتحديد في مدينة «جادو» في جبل نفوسة.. «سوف يشارك فيه جميع ممثلي القبائل الليبية، من دون استثناء».
وعن الطريقة التي ينظر بها لجهود السيد ليون، يقول الشيخ العبيدي إن هذه الجهود «فيها أشياء غير واضحة، ويتحدث مع الطرفين.. مع الجسم الشرعي والجسم غير الشرعي، وهناك من يفسر أن هذا الأمر وراءه أجندة خفية غير واضحة. نحن ضد الاجتماعات التي تعقد خارج ليبيا. نحن نريد حوارا في داخل ليبيا يحضره الجميع من أولياء الدم ومن المتضررين وغير المتضررين». ويوضح أنه «حين تكون اللقاءات في الخارج، فإن كل مجموعة تقوم بحشد من يسير معها في نفس الخط، بينما نحن أمام قضية وطن ومصير دولة».
مصادر في الجيش الليبي، رغم هذا، تكشف عن صعوبات تواجه القوات المسلحة في الحرب ضد المتطرفين والتي بدأت منذ منتصف العام الماضي، لعدة أسباب على رأسها استمرار الحظر الدولي على مد الجيش بالسلاح، واتساع مساحة الأراضي الليبية التي تحتاج إلى قدرات أكبر من العتاد لمطاردة المتطرفين الذين يتحركون في مجموعات بسيارات الدفع الرباعي عبر الدروب الصحراوية.
مستشار الجيش، الدكتور عبد الكريم، يكشف عن نوايا «داعش» للسيطرة على النفط للحصول على أموال للإنفاق على التنظيم المتطرف في ليبيا. يقول: الآن يمكن الحديث عن أنه أصبحت توجد خطورة كبيرة.. هؤلاء الدواعش سيتجهون للنفط الليبي. برميل البترول يبيعونه بـ25 دولارا في السوق السوداء. أحد أسباب انخفاض أسعار النفط في السوق الدولية هو «داعش» في العراق حيث يبيعه لشركات تركية، ويريدون تكرار التجربة في ليبيا، لأن بيع بترول ليبيا سيكون أسهل بكثير بالنسبة لهم، حيث لا تمر شحنات النفط عبر دول أخرى كما هو الحال في العراق، ولكن عبر البحر المتوسط مباشرة.
وعن إتمام «داعش» سيطرته على سرت التي بدأ نشاطه فيها منذ أواخر العام الماضي، يضيف عبد الكريم قائلا إن الأمر يتطور سريعا وإنه حان الوقت للاستعانة بقوات عربية مشتركة، لمساعدة الجيش الليبي في بسط سلطة الدولة على أراضيها. يتخوف الكثير من القادة الليبيين من وجود خطة للمتطرفين بمساعدة بعض الأطراف الإقليمية والدولية لتعطيل حسم الجيش لعملياته ضد الميليشيات المسلحة وصولا إلى شهر أكتوبر المقبل، وهو موعد انتهاء عمل البرلمان الحالي المعترف به دوليا، وهو البرلمان الداعم لحملة الجيش ضد المتطرفين والمنبثقة عنه حكومة السيد الثني. الثني نفسه اتهم قبل يومين قوات «فجر ليبيا» بتسليم مدينة سرت إلى «داعش»، ووصف ذلك بأنه «تواطؤ كبير جدا».
اتهامات الثني لفجر ليبيا التي يهيمن عليها قادة من جماعة الإخوان ومن مدينة مصراتة، تأتي رغم أن الكثير من القوات المحسوبة على المدينة، صاغت اتفاقات للتهدئة مع قبائل في محيط العاصمة طرابلس منذ مطلع الشهر الماضي.
المستشار عبد الكريم، من جانبه، يرى أن الهدف من اتفاقات مصراتة هو كسب الوقت.. «قاموا بالإفراج عن بعض الأسرى لإرضاء بعض العائلات. هذه محاولة لكسب الوقت للوصول إلى يوم 21 أكتوبر 2015، وهو اليوم الذي يروجون له على أنه نهاية المدة القانونية للبرلمان، رغم أن الإعلان الدستوري يقول إنه لا بد أن يسلم البرلمان سلطته إلى مجلس منتخب آخر».
يتابع موضحا أن قوات فجر ليبيا وقادة من مصراتة والإخوان، بدأوا يتحدثون عن قرب انتهاء مدة البرلمان الحالي رغم أنه لا يوجد تاريخ محدد لنهاية عمله. ويضيف: الآن السيد ليون، وفجر ليبيا، يريدون الوصول إلى هذه النتيجة. ويشير إلى أن المجتمع الدولي الذي يرفض تسليح الجيش الوطني يغض الطرف عن الطيران الذي يأتي بمدد للإرهابيين في ليبيا، من تركيا إلى مطار مصراتة.. «ويغض الطرف أيضا عن المراكب التي تحمل الإرهابيين والإمدادات للمتطرفين، وهو يرى هذه المراكب وهي تأتي من تركيا للسواحل الليبية أمام أعين الأساطيل الغربية في البحر المتوسط».
من جانبه يوضح الشيخ محمد الشحومي، أمين سر اللجنة التحضيرية لملتقى القبائل الليبية، أن ثورة المصريين على حكم جماعة الإخوان، في 30 يونيو (حزيران) 2013. قلبت الموازين في المنطقة، خاصة في ليبيا، ويضيف أن «فشل المخطط الدولي لتمكين الإخوان من السلطة في مصر وليبيا، غيَّر الكثير من الاستراتيجيات»، مشيرا إلى أن الاستراتيجية الجديدة أصبحت تتلخص في أنه «لا بد من السيطرة على ليبيا من أجل العودة للسيطرة على مصر».
وسبق لمصر توجيه ضربات لمواقع لتنظيم «داعش» قرب مدينة درنة، كما أن لها علاقات تعاون رسمية مع السلطات الشرعية والجيش الوطني، لكن بعض القادة الليبيين يتحدثون عن الحاجة لمزيد من الدعم المصري للحرب على الإرهاب في بلادهم. يقول الشيخ الشحومي لـ«الشرق الأوسط»: «مصر هي القلب. من يسيطر على مصر يسيطر على المنطقة كلها. في الحقيقة ما يحدث في ليبيا من صراع هو من أجل السيطرة على مصر، والليبيون يخوضون الآن قتالا من أجل مصر».
وللشيخ الشحومي نظرة مختلفة فيما يتعلق بالاتفاقات التي عقدتها ميليشيات محسوبة على مصراتة خلال الأسابيع الماضية. فبينما يرى البعض، مثل الدكتور عبد الكريم، أنها محاولة لكسب الوقت، يقول الشحومي إن هذه الاتفاقات بين مصراتة وبعض القبائل في الغرب تعكس درجة من الوعي لتصحيح المسار، مشيرا إلى أن قوات مثل كتيبة «الحلبوص» و«حطين» و«المجدوب»، إضافة إلى مجلس بلدية مصراتة المنتخب، أصدرت بيانات تحمل توجهات عن رغبتها في الخروج من تحت عباءة الإخوان المسلمين.
وأعطت بوادر حسن نية من جانب مصراتة بعض الأمل في إمكانية التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة يمكنها تعضيد الجيش في حربه ضد «داعش» والمتطرفين الذين يصرون على مواصلة حمل السلاح والهجوم على رموز السلطات الشرعية. ويقوم عدد من وجهاء مصراتة منذ أيام بهدم منصات كانت منصوبة في شوارع المدينة، وتحرض ضد الجيش والبرلمان، ويسيطر عليها قادة من جماعة الإخوان، بالتزامن مع تراجع ميليشيات محسوبة على المدينة عن خوض المعارك ضد الجيش في المنطقة الغربية.
لكن الانسحاب المفاجئ لكتائب أخرى تابعة لمصراتة من سرت وما حولها، واتجاهها إلى طرابلس، أعاد الشكوك مرة ثانية في نوايا هذه الميليشيات. تبدو هذه الخطوة، وفقا لشهادات من قادة في الجيش وقادة من القبائل، نذير خطر. يقول أحد شيوخ بلدة «هرواة» التي تقع على البحر المتوسط على بعد نحو 65 كيلومترا إلى الشرق من مدينة سرت، في اتصال مع «الشرق الأوسط»: «الدواعش يحاصرون البلدة منذ أيام.. خاطبنا العمليات الجوية في الجيش لسرعة التدخل. الأمور خطيرة في المنطقة الوسطى».
بالإضافة إلى مسؤولي الجيش يشعر الكثير من قادة القبائل بالقلق من تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الليبية وتمدد «داعش». من بين هؤلاء الشيخ عادل الفايدي، منسق مؤتمر القبائل الليبية. يقول في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» بهذا الخصوص إن تركيز الليبيين في الوقت الحالي ينصب على دعم البرلمان والجيش في هذه المرحلة الحرجة من أجل التخلص من «الإرهاب الأسود» الذي يضرب البلاد، مشيرا إلى قيام المتطرفين بأعمال وحشية من الابتزاز إلى الاختطاف وقطع الرؤوس.
وهو يتفق مع وجهة نظر الشيخ العبيدي بشأن رفع الغطاء الاجتماعي عن أي شخص يتعاون مع الميليشيات ومع «هذه التنظيمات الإرهابية والأجسام الغريبة». ورغم تأكيده على دعمه لها، إلا أنه يرى أن ما تقوم به السلطات الشرعية حتى الآن ما زال دون المستوى، خاصة فيما يتعلق بإيجاد حلول وفرص عمل للشباب الذين انخرطوا في تلك الميليشيات سواء بدمجهم في الجيش أو في الشرطة أو غيرهما. ويضيف أن استمرار الأحوال على ما هي عليه دون تقدم يجعل الأمور تمضي من سيئ إلى أسوأ.
وعن موقف دول الجوار من القضية الليبية، يعبّر الشيخ الفايدي عن تفاؤله بالاجتماعات التي عقدت حول مشكلة الإرهاب في ليبيا، منذ أواخر العام الماضي، لكنه يقول إنه، للأسف، لم ينتج عنها شيء ذو شأن. يقول: «لقد أثلج صدورنا ما نتج عن لقاء السادة وزراء خارجية دول الجوار الليبي، من مقررات، وبالأخص ما يتعلق بتجفيف منابع دعم الإرهاب في ليبيا، لكن للأسف لم يجففوا أي شيء، وربما تسببوا في زيادة هذه المنابع أكثر من السابق».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.