الشبكات الاجتماعية تتنصت على عادات التصفح والتسوق

مخاوف من اختراقات يومية للخصوصية سببها ملفات مخفية تسجل نزعات ورغبات مستخدمي الإنترنت

الشبكات الاجتماعية تتنصت على عادات التصفح والتسوق
TT

الشبكات الاجتماعية تتنصت على عادات التصفح والتسوق

الشبكات الاجتماعية تتنصت على عادات التصفح والتسوق

هل تفاجأت بظهور مقترحات لبناء صداقة في شبكتك الاجتماعية المفضلة لشخص قرأت عنه قبل أيام في إحدى الصفحات الإلكترونية؟ هل أجريت بحثا حول شركة ما لعملك أو دراستك ثم تفاجأت بتكرار ظهور إعلانات أو اقتراحات في الشبكات الاجتماعية تطلب منك الإعجاب بصفحات تلك الشركات ومتابعة أخبارها؟ هل تصفحت منتجا ما في متجر إلكتروني، لتتفاجأ بكثرة ظهور إعلاناته في «يوتيوب» بعدها؟
هذه الأمور لم تحدث بمحض الصدفة، بل إنها مرتبطة بتقنيات خفية وظيفتها مراقبة تحركات المستخدمين في الإنترنت عبر النظم المشتركة بهدف عرض الإعلانات التي تتناسب مع رغبات المستخدمين، الأمر الذي قد يُشعرهم بفقدان خصوصيتهم.

* ملفات تعقب مخفية
لدى تصفح المواقع، يتم تكوين ملفات نصية جديدة في جهاز المستخدم اسمها «كوكي» Cookie، والتي يمكن تعريف وظيفتها بتخزين بعض الإعدادات اللازمة لعرض تلك المواقع، وعملها بشكل صحيح، بالإضافة إلى بعض المعلومات الصغيرة الأخرى. ويمكن للموقع قراءة هذا الملف الصغير في كل زيارة لتخصيص التجربة وفقا لإعدادات جهاز المستخدم واختياراته السابقة. وبالنسبة للمواقع التي يسجل فيها المستخدم اسم الدخول وكلمة السر، فمن المفترض أن تُحذف هذه الملفات الصغيرة بعد تسجيل الخروج أو إغلاق المتصفح، ولكن من الصعب على المستخدم العادي معرفة ما إذا كان الموقع يقوم بذلك بالفعل أم لا.
وكمثال على ذلك، أطلقت شبكة «فيسبوك» زر «الإعجاب» Like للجميع ليستخدموه في مواقعهم للتفاعل مع الزوار. ويقدر عدد الصفحات التي تستخدمه حاليا بنحو 13 مليون صفحة. وبإمكان شبكة «فيسبوك» قراءة هذا الملف لدراسة وفهم نزعات التصفح الخاصة بكل مستخدم يزور الصفحة، وما الذي أعجبه وما الذي لا يرغب فيه، وذلك للترويج لإعلان ما أو شخصية مشهورة تدير حملة ترويجية لنفسها من خلال الشبكة. وليس من الضروري أن ينقر المستخدم على الزر لإيجاد أو تعديل الملف، حيث يكفي أن يزور المستخدم تلك الصفحة لمرة واحدة لإيجاد الملف، والذي سيتم تعديل محتواه في حال ضغط المستخدم على زر الإعجاب.
وتجدر الإشارة إلى أن بإمكان المستخدمين اختيار عدم تتبع تحركاتهم عبر الإنترنت، ولكن بعض الشركات، مثل «فيسبوك»، تقوم بالفعل بالتوقف عن قراءة وتعديل ملفات التتبع للزيارات، ولكنها في الوقت نفسه توجد ملفا جديدا طويل الأمد وظيفته تحديد ما إذا كان المستخدم قد اختار عدم تتبعه، ومن دون أن تستطيع الشبكة معرفة هوية ذلك المستخدم، الأمر المحير بسبب عدم وجود سبب ظاهر يستدعي إيجاد هذا الملف، أو ما هي المعلومات التي ستستفيد منها شركة «فيسبوك» جراء ذلك.

* تحايل وتصيد
ورغم وجود قوانين صارمة تمنع الشركات التي تعمل في الاتحاد الأوروبي من تتبع وسرقة بيانات المستخدمين من دون علمهم، فإن بعض الشركات تنقل البيانات سحابيا إلى مراكز بيانات مختلفة حول العالم «لدواعي الصيانة وتحديث البرمجيات»، الأمر الذي قد ينجم عنه نقل البيانات إلى دول لا تفرض تلك القوانين، وبالتالي إمكانية تحليل المرغوب من البيانات، وإعادتها إلى مراكز البيانات في البلدان الصارمة «من دون انقطاع الخدمة» عن المستخدمين، ومن دون أن يشعروا بذلك. هذا، وتخزن بعض الشبكات الاجتماعية بعض صفحاتها (وخصوصا صفحات قائمة الأصدقاء) في أجهزة خادمة تابعة لشركات معلنة، الأمر الذي ينجم عنه قدرة تلك الشركات على قراءة ملفات الـ«كوكيز» الخاصة بالمستخدمين من دون تحميل الشبكة الاجتماعية أي مسؤولية قانونية تجاه تسريب البيانات.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض المتاجر الإلكترونية قد تغير من سعر المنتج نفسه وفقا للموقع الجغرافي للمستخدم (يتم زيادة السعر إن كانت منطقة المستخدم تعتبر من مناطق أصحاب الدخل المرتفع)، وتاريخ تصفحه ونظام التشغيل المستخدم (تزيد بعض المواقع الأسعار إن كان جهاز المستخدم يعمل بنظام التشغيل «ماك أو إس»، نظرا لأنه يدل على وجود دخل أعلى من المعدل، على خلاف الشراء من الهواتف الجوالة)، أو حتى معدل أسعار المنتجات التي اشتراها المستخدم من المتجر نفسه في السابق، فيما يعرف بـ«التسعير الديناميكي» Dynamic Pricing.
وتستطيع بعض هذه المتاجر معرفة ما إذا زار المستخدم متاجر إلكترونية أخرى وقارن سعر المنتج قبل زيارة المتجر الذي يراقب تحركات المستخدم، أو زار مواقع متخصصة بمقارنة أسعار المنتجات بين المتاجر الإلكترونية، ليخفض ذلك المتجر السعر فورا بهدف إغراء المستخدم للشراء منه، ليصبح «متجرا ذكيا»! ولكن بعض المواقع لا تغير السعر، بل تقدم عروضا إضافية وفقا لذلك، مثل شحن المنتج مجانا أو تقديم كوبونات لتخفيض أسعار عمليات الشراء التالية، وغيرها.

* تحول جذري
ولكن انتشار الأجهزة الجوالة قد يحد من هيمنة ملفات الـ«كوكيز»، الأمر الذي جعل شركات كبرى، مثل «غوغل» و«آبل» و«فيسبوك»، تطور نظما جديدة لذلك، حيث حدّت «آبل» من قدرات هذه الملفات في البداية لدى إطلاق «آيفون» في عام 2007 لحماية مشاركة المعلنين الكثير من معلومات المستخدمين (يدعم متصفح «سفاري» الخاص بـ«آبل» إيجاد وتعديل هذه الملفات بشكل كامل بهدف عرض الصفحات وتشغيل الخدمات «كما ينبغي»)، مع عدم قدرة الملفات الموجودة على الأجهزة التي تعمل بنظام التشغيل «آندرويد» معرفة التطبيقات التي يستخدمها المستخدم، الأمر الذي كان نقطة إيجابية لصالح خصوصية المستخدمين.
وطورت هذه الشركات بدائل لحل هذه «العقبات»، حيث ربطت «آبل» البريد الإلكتروني للمستخدم بجميع خدماتها التي تعمل على الهواتف الجوالة والأجهزة اللوحية والكومبيوترات الشخصية، وحتى حساب متجر «آي تونز». وتوجد الشركة مُعرفا خاصا اسمه «المُعرف للمعلنين» Identifier For Advertisers IDFA لكل مستخدم يستخدم أو يشتري من خدمات الشركة. وإن أرسلت شركة معلنة إعلانا ما لشركة «آبل» لتعلنه في شبكتها وفقا لشروط محددة، تستطيع «آبل» معرفة كل مستخدم بربط كل ما يقوم به ويستخدمه، ومعرفة الأجهزة والخدمات الأكثر استخداما لذلك المستخدم وعرض الإعلانات أمامه فيها. وتستخدم «غوغل» نظاما شبيها اسمه «معرف الإعلانات» AdID، حيث يهدف النظامان إلى حماية المستخدم من المعلنين، ولكنهما يضعان القوة بيد الشركات المالكة لهذه النظم.
وتعتمد الكثير من الشركات المعلنة على بيانات مفصلة من شركات أبحاث متخصصة، مثل «لايف رامب» LiveRamp و«إكسبيريان» Experian، حيث تستطيع الشركات المعلنة معرفة الكثير من البيانات حول العمليات اليومية التي يقوم بها شخص ما في الإنترنت بمجرد إدخال عنوان بريده الإلكتروني، مثل معرفة ما إذ قاد إعلان ما المستخدم إلى شراء المنتج من المتجر أم لا.
وعلى صعيد ذي صلة، قررت الحكومة الروسية مواجهة الهيمنة الأميركية على نظم التشغيل الخاصة بالكومبيوترات الشخصية والأجهزة المحمولة بالتعاون مع شركة «يولا» Jolla الفنلندية التي أسسها موظفون سابقون من شركة «نوكيا»، والتي تعمل على تطوير نظام تشغيل اسمه «سيلفيش» Sailfish مبني على نظام التشغيل مفتوح المصدر «لينوكس»، وذلك بهدف تطوير نظام تشغيل يتكامل مع الخدمات الإلكترونية الكثيرة للحكومة الروسية، وذلك عقب تسريبات حديثة حول تجسس الحكومة الأميركية على الدول الأخرى من خلال نظم التشغيل الأميركية الخاصة بالأجهزة المختلفة، والثغرات الأمنية الموجودة في تلك النظم.

* نصائح للحفاظ على الخصوصية
ينصح بتغيير خيارات الخصوصية في متصفح الإنترنت وقوائم خيارات نظام التشغيل للأجهزة الجوالة (تختلف الخيارات والقوائم وفقا للمتصفح ونظام التشغيل المستخدم) لمنع تخزين ملفات «كوكيز» في حال كان المستخدم لا يرغب في ذلك، مع القدرة على تحميل امتدادات Extensions للمتصفحات تحجب هذه الملفات لدى زيارة الموقع، أو بعد الانتهاء منه. ومن الامتدادات التي يمكن استخدامها على الكثير من متصفحات الكومبيوترات الشخصية لرفع مستوى الخصوصية RequestPolicy وHTTPS Anywhere وAdblock وBlueHell Firewall وNoScript وScriptSafe وFlashblock وDisconnect وDoNotTrackMe وGhostery.
ويمكن كذلك استخدام نظام التصفح السري (اسمه Incognito في متصفح «كروم»، و«التصفح الخاص» Private Browsing في متصفحات «سفاري» و«فايرفوكس» و«أمازون سيلك»، و«إن برايفيت براوزينغ» inPrivate Browsing في متصفح «إنترنت إكسبلورر»، و«النافذة الخاصة» Private Window في متصفح «أوبيرا») الذي لا يسجل تاريخ التصفح، ويمنع القدرة على حفظ ملفات مؤقتة أثناء التصفح، الأمر الذي من شأنه رفع خصوصية المستخدم، ولكنه لا يحجب قدرة المواقع على التعرف على موقع المستخدم من خلال عنوانه في الإنترنت IP من خلال الشركة المزودة للاتصالات. ويمكن تحميل واستخدام متصفح «تور» Tor الذي يخفي عنوان الإنترنت الخاص بالمستخدم ومزايا متصفحه، ليظهر المستخدم وكأنه يتصفح المواقع من مكان آخر.



«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.


روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
TT

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

لطالما سعى المهندسون في مجال الروبوتات إلى محاكاة ركوب الدراجة واحدة من أبسط القدرات البشرية ظاهرياً. لكن ما يبدو سهلاً للإنسان هو في الواقع عملية توازن معقدة تتطلب تعديلات مستمرة واتخاذ قرارات سريعة وتنسيقاً دقيقاً بين الحركة والثبات. واليوم يقترب الباحثون من تمكين الآلات من إتقان هذه المهارة، بل وتجاوزها.

يُظهر نظام روبوتي جديد أن الآلة القائمة على الدراجة لا تقتصر على الحفاظ على توازنها، بل يمكنها التحرك بسرعات عالية، والحفاظ على توازن ديناميكي، وتجاوز العقبات بطرق تحاكي مهارات متقدمة لدى راكبي الدراجات.

تصميم عالي الكفاءة

يرتكز هذا المشروع على سؤال أساسي في علم الروبوتات: إلى أي مدى يمكن تحقيق الأداء بحد أدنى من التعقيد الميكانيكي؟

بدلاً من الاعتماد على عدد كبير من المحركات والمكونات، صمّم الفريق نظاماً بعدد محدود من الحركات المتحكم بها. ورغم ذلك، يتمكن الروبوت من تحقيق حركة مستقرة وسريعة ومناورات مرنة.

تكمن أهمية هذا النهج في أنه يخالف الأساليب التقليدية التي تعتمد على أنظمة معقدة لتحقيق التوازن. فالدراجة بطبيعتها غير مستقرة، وتتطلب تصحيحات مستمرة للبقاء في وضعية مستقيمة. ومحاكاة هذا السلوك في روبوت، خاصة عند السرعات العالية، تتطلب تحكماً دقيقاً واستجابة فورية من الحساسات.

بيئات واقعية متغيرة

ما يميز هذا النظام قدرته على التعامل ليس فقط مع الحركة السلسة، بل أيضاً مع التغيرات المفاجئة في البيئة. يستطيع الروبوت اكتشاف العقبات والتفاعل معها بشكل ديناميكي، مع الحفاظ على توازنه أثناء التنقل. وهذا ينقله من بيئة المختبرات إلى سيناريوهات أقرب للواقع وأكثر تعقيداً.

استُلهم التصميم من راكبي الدراجات المحترفين، خصوصاً في رياضات مثل ركوب الدراجات الجبلية أو الاستعراضية. يعتمد هؤلاء على الزخم والتوازن والتوقيت لتجاوز العقبات والتكيف الفوري مع البيئة. نقل هذه القدرات إلى نظام روبوتي يمثل خطوة نحو آلات قادرة على العمل في بيئات مشابهة.

أنظمة تحكم متكيفة

يعتمد أداء الروبوت على نظام تحكم يجمع بين تخطيط الحركة والتعديل اللحظي. فبدلاً من اتباع مسار ثابت، يقوم النظام بتقييم موقعه وتوازنه بشكل مستمر، ويجري تصحيحات سريعة عند الحاجة. هذا النهج يتيح له الحفاظ على السرعة دون فقدان الاستقرار. كما أن السرعة تضيف تحدياً إضافياً، إذ تقلل من زمن الاستجابة المتاح. لذلك، يتطلب الحفاظ على التوازن دقة في الاستشعار وسرعة في المعالجة، وهو ما يعكس تطوراً في كل من تصميم العتاد والخوارزميات.

تفاعل مع العقبات

ميزة أخرى لافتة هي قدرة الروبوت على التعامل مع العقبات بدلاً من مجرد تجنبها. يمكنه تجاوز بعض العوائق أو التفاعل معها مباشرة، ما يعكس مستوى أعلى من الحركة الذكية. هذا يتماشى مع توجهات أوسع لتطوير روبوتات قادرة على العمل في بيئات مصممة للبشر.

تتجاوز أهمية هذا الابتكار النظام نفسه. فالروبوت القائم على الدراجة يمثل نموذجاً فعالاً للحركة، خاصة في البيئات الضيقة أو المتغيرة. مقارنة بالأنظمة الأكبر، قد يوفر هذا التصميم كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة وسهولة في المناورة. كما يسهم هذا العمل في إعادة التفكير في كيفية تحقيق الرشاقة الحركية دون تعقيد ميكانيكي مفرط، ما قد يؤثر على تصميم الجيل القادم من الروبوتات.

يعتمد النظام على تصميم بسيط بعدد محدود من الحركات دون تعقيد ميكانيكي كبير (Bokser, et al)

نحو التطبيق العملي

قد يفتح هذا النهج المجال لتطبيقات مستقبلية في مجالات تتطلب السرعة والمرونة، مثل التنقل الحضري أو مهام الاستكشاف. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة بين التجارب المخبرية والتطبيقات الواقعية، حيث تفرض البيئة الحقيقية تحديات إضافية مثل الأسطح غير المستوية والعوامل الجوية. مع ذلك، فإن التقدم واضح. ما كان يُعد تحدياً كبيراً. فالحفاظ على التوازن على عجلتين أصبح اليوم نقطة انطلاق نحو قدرات أكثر تعقيداً تشمل السرعة والتفاعل مع البيئة. ومع تطور هذا المجال، لم يعد الهدف مجرد منع الروبوت من السقوط، بل تمكينه من التحرك بثقة ومرونة في العالم الحقيقي، على غرار الإنسان.


تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
TT

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

في المراحل الأولى من ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان الحديث يدور في معظمه حول الإمكانات المستقبلية أكثر من النتائج الفعلية، إلا أن هذه المرحلة بدأت تتلاشى تدريجياً. فبيانات الشركات اليوم تشير بوضوح إلى أن هذه التقنية لم تعد مجرد تجربة، بل أصبحت محركاً حقيقياً للعوائد المالية وتحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز القدرة التنافسية.

تقرير عالمي أعدته شركة «سنوفليك»، استند إلى آراء نحو 1900 من قادة الأعمال وتقنية المعلومات في تسع دول، يقدم صورة واضحة عن كيفية قياس المؤسسات لأثر استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. وتشير النتائج إلى نمط متكرر، حيث إن المؤسسات التي تبنّت التقنية مبكراً قد بدأت بالفعل في تحقيق عوائد ملموسة، وفي بعض الحالات عوائد كبيرة.

الاستثمارات بدأت تؤتي ثمارها

أبرز ما يكشفه التقرير هو حجم النجاح في تبني التقنية. إذ أفادت 92 في المائة من المؤسسات بأن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تحقق عائداً على الاستثمار.

هذا الرقم لافت، خاصة أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات العمل ما زال حديثاً نسبياً. وهو مؤشر على انتقال التقنية من مرحلة التجارب إلى مرحلة التأثير الفعلي في الأعمال.

أما على صعيد المستقبل، فتبدو الصورة أكثر وضوحاً، حيث إن 98 في المائة من المشاركين يخططون لزيادة استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. هذا الجمع بين العوائد الحالية المرتفعة والرغبة شبه الجماعية في زيادة الاستثمار يعكس تحولاً هيكلياً، وليس مجرد موجة مؤقتة.

يمتد أثر الذكاء الاصطناعي إلى تحسين الكفاءة وتجربة العملاء وتسريع الابتكار وليس فقط خفض التكاليف (غيتي)

من التجربة إلى العائد القابل للقياس

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مجرد وعود، بل بدأت الشركات في قياس أثره بدقة.

فنحو ثلثي المؤسسات باتت تقيس العائد على الاستثمار من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشير البيانات إلى أن متوسط العائد يبلغ 1.41 دولار مقابل كل دولار يتم إنفاقه، أي ما يعادل عائداً بنسبة 41 في المائة.

عملياً، يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يسهم أيضاً في خلق مصادر دخل جديدة. وتأتي هذه العوائد من تحسين الكفاءة وتسريع العمليات وتعزيز القدرة على استخراج الرؤى من البيانات، كما يظهر التقرير أن 88 في المائة من المؤسسات سجلت تحسناً في الكفاءة في حين لاحظت 84 في المائة تحسناً في تجربة العملاء. كما أن 84 في المائة أيضا شهدت تسارعاً في الابتكار. ويشير ذلك إلى أن أثر الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في حالات استخدام محدودة، بل أصبح يمتد إلى وظائف الأعمال الأساسية.

تفاوت بين القطاعات

رغم أن متوسط العائد يقارب 41 في المائة، فإن الأداء يختلف بين القطاعات. فبعض الصناعات تحقق نتائج أسرع من غيرها. على سبيل المثال، سجلت شركات الإعلام والإعلان عوائد تصل إلى 69 في المائة، مقارنة بمتوسط عام يبلغ نحو 49 في المائة في بعض القياسات الأحدث. يعكس هذا التفاوت طبيعة الاستخدام. فالقطاعات التي توظف الذكاء الاصطناعي مباشرة في التفاعل مع العملاء، مثل التسويق وصناعة المحتوى، تحقق عوائد أسرع وأكثر وضوحاً.

ومع ذلك، يبقى الاتجاه العام ثابتاً، فعبر مختلف القطاعات، يحقق الذكاء الاصطناعي قيمة قابلة للقياس حتى في المراحل المبكرة من اعتماده.

البيانات... العامل الحاسم

رغم هذه النتائج الإيجابية، يسلط التقرير الضوء على تحدي جاهزية البيانات. فنجاح الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كبير على جودة البيانات وتنظيمها. وتشير الأرقام إلى أن 80 في المائة من الشركات تقوم بالفعل بتخصيص نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بياناتها الخاصة.

لكن التحديات لا تزال كبيرة، إذ تواجه 64 في المائة صعوبة في دمج البيانات عبر الأنظمة المختلفة.

وتعاني 59 في المائة من تحديات في حوكمة البيانات ومراقبة جودتها، إضافة إلى ذلك تجد 58 في المائة صعوبة في جعل البيانات جاهزة للاستخدام في الذكاء الاصطناعي، كما تشير التقديرات إلى أن ما بين 80 في المائة إلى 90 في المائة من بيانات المؤسسات غير مهيكلة، بينما لا يُستخدم سوى جزء محدود منها فعلياً في تدريب النماذج. تعني هذه النتائج أن هناك فجوة واضحة بين قدرات النماذج المتقدمة والبنية التحتية للبيانات.

تمثل جودة البيانات وتكاملها التحدي الأكبر مع فجوة واضحة بين قدرات النماذج والبنية التحتية للبيانات (شاترستوك)

تكاليف أعلى وتحديات في التوسع

رغم العوائد الإيجابية، لا يخلو المشهد من التحديات، خاصة فيما يتعلق بالكلفة والتوسع، إذ تشير البيانات إلى أن 96 في المائة من المؤسسات تجاوزت توقعاتها من حيث التكلفة في جانب واحد على الأقل من مشاريع الذكاء الاصطناعي، كما تفيد 78 في المائة منها بأن نصف حالات الاستخدام أو أكثر كانت أعلى تكلفة من المتوقع. يُفهم من هذا الواقع أن تحقيق نتائج أولية ممكن، لكن توسيع نطاق الاستخدام عبر المؤسسة يفرض تحديات تقنية ومالية إضافية، كما أن متطلبات البنية التحتية، خصوصاً في مجالات التخزين والمعالجة، تتزايد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

انتقال نحو تبنٍ مؤسسي شامل

أحد أبرز التحولات هو اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات إذ لم يعد مقتصراً على فرق محددة أو مشاريع تجريبية، بل أصبح يُستخدم في مجالات متعددة مثل عمليات تقنية المعلومات وخدمة العملاء وتطوير البرمجيات والتسويق، كما تستثمر المؤسسات في عدة محاور متوازية، 83 في المائة منها في البرمجيات الداعمة و82 في المائة في البنية التحتية و81 في المائة في البيانات و78 في المائة في النماذج اللغوية الكبيرة و76 في المائة في الكفاءات البشرية.

يؤكد هذا أن تبني الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالأدوات فقط، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل البيانات والتقنيات والمهارات.

نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي

تشير هذه الأرقام مجتمعة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغ مرحلة مفصلية، فبعد سنوات من الاستثمارات في التحول الرقمي دون عوائد فورية في بعض الأحيان، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقدم قيمة ملموسة منذ المراحل الأولى. ويتضح ذلك من خلال معدلات عائد تتجاوز 40 في المائة وأن أكثر من 90 في المائة من المؤسسات تحقق نتائج إيجابية.

إضافة إلى التزام شبه كامل بزيادة الاستثمارات ما يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة تنافسية فقط، بل أصبح معياراً أساسياً في بيئة الأعمال.

92 في المائة من المؤسسات تحقق عائداً على الاستثمار مع متوسط عائد يقارب 41 في المائة لكل دولار يُنفق (شاترستوك)

المرحلة المقبلة: التوسع والاستدامة

رغم هذه النتائج، لا تزال المؤسسات في مراحل مبكرة نسبياً من التبني. تشير البيانات إلى أن 71 في المائة من الشركات لديها حالات استخدام للذكاء الاصطناعي أكثر مما يمكنها تنفيذه حالياً، ما يعكس ضغطاً متزايداً لتحديد الأولويات، كما ستركز المرحلة المقبلة على توسيع نطاق الاستخدامات الناجحة، مع معالجة تحديات الكلفة والبيانات والتكامل.

من الإمكانات إلى الأداء الفعلي

يمثل الانتقال من الوعود النظرية إلى العوائد الفعلية نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي. فالتقنية لم تعد تُقاس بما يمكن أن تفعله، بل بما تحققه بالفعل. الشركات اليوم ترى نتائج مالية وتشغيلية واضحة. ومع ذلك، تبقى الرحلة في بدايتها. فالتحديات المرتبطة بالبيانات والتكلفة والتوسع لا تزال قائمة. لكن ما أصبح مؤكداً هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً. بل أصبح جزءاً أساسياً من طريقة عمل المؤسسات وتنافسها ونموها.