المستقبل الرقمي.. مليارات المستشعرات وتدفق لا محدود للبيانات

أكثر من 100 مليار جهاز وأداة ستتصل بشبكات الكومبيوتر

مصابيح «إل إي دي» لإضاءة الشوارع في كوبنهاغن عاصمة الدنمارك تصمم بمستشعرات ترتبط بشبكة لا سلكية مع الإنترنت
مصابيح «إل إي دي» لإضاءة الشوارع في كوبنهاغن عاصمة الدنمارك تصمم بمستشعرات ترتبط بشبكة لا سلكية مع الإنترنت
TT

المستقبل الرقمي.. مليارات المستشعرات وتدفق لا محدود للبيانات

مصابيح «إل إي دي» لإضاءة الشوارع في كوبنهاغن عاصمة الدنمارك تصمم بمستشعرات ترتبط بشبكة لا سلكية مع الإنترنت
مصابيح «إل إي دي» لإضاءة الشوارع في كوبنهاغن عاصمة الدنمارك تصمم بمستشعرات ترتبط بشبكة لا سلكية مع الإنترنت

يتطلع عالم التكنولوجيا إلى التوصل لطرق تضمن فعالية وكفاءة كل شيء. والسؤال هو: هل سيكون هذا في صالح الكثيرين، أم في صالح القلة القوية؟ في بداية الشهر الحالي، أعلنت شركة «جنرال إلكتريك» عن خطط تتعلق بتوصيل الصمامات الثنائية الباعثة للضوء «إل إي دي» (LED) المنصوبة في الشوارع، بالكومبيوتر، بحيث تتمكن المدن من جمع وتحليل بيانات الأداء بتكلفة أقل مع تحقيق درجات أعلى من الأمان. وهذه المصابيح الغنية بالمستشعرات، ستصل في النهاية إلى المكاتب والمنازل.
وقال بيل رو، رئيس مركز برامج «جنرال إلكتريك»: «لدى الجيل القادم من المصابيح دورة حياة مدتها 20 عاما. ويمكن تركيب كاميرات، والمزيد من المستشعرات عليها، ونظم قياس الحركة، والحرارة، وجودة الهواء». وأوضح أنه قد يريد تجار التجزئة مثل تلك الوحدات الخاصة بالإضاءة من أجل توجيه المتسوقين، في الوقت الذي يمكن فيه للمستهلكين أن يعرفوا المزيد عن استهلاكهم للكهرباء.

* مليارات المستشعرات
ولا تزال موجة المستشعرات في بدايتها، حيث تقدر شركة «هاواي» الصينية، التي تعمل في مجال تصنيع أجهزة الكومبيوتر، والاتصالات، وتحقق عائدات قدرها 47 مليار دولار، أن أكثر من مائة مليار جهاز وأداة من بينها الهواتف الذكية، والمركبات، والأجهزة المنزلية، والمعدات الصناعية، سيتم توصيلها بنظام الحوسبة السحابية بحلول عام 2025.
وسيكون الإنترنت أكثر اندماجا وتفاعلا مع العالم المادي. وسوف تصبح طريقة متابعة شركة «غوغل» حاليا للنقرات على الإنترنت من أجل معرفة الإعلان التالي الذي ستضعه أمامك هي الطريقة التي تتمكن بها الشركات من تحديد أنماط الطبيعة والمجتمع التي كانت خفية في وقت من الأوقات.
وتتوقع كل من «جنرال إلكتريك»، و«غوغل»، وغيرهما من الشركات أن تصبح معرفة تلك الأنماط واستغلالها جوهر عهد جديد للفعالية العالمية، التي ترتكز على الآلات القادرة على التعلم وتوقع ما يمكن أن يحدث بعد ذلك. وقال إريك شميت، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل» حديثا في فعالية تتعلق بهذا المجال، إن «الأمر الأساسي الذي تقوم به (غوغل) هو (طريقة) تعلّم الآلة». وأوضح قائلا إن سيارات ذاتية القيادة، وغنية بالمستشعرات، متصلة بأجهزة تحكم في درجة الحرارة، أو أجهزة كومبيوتر يمكن ارتداؤها، جزء من خطة «غوغل» التي تستهدف «القيام بأمور من المرجح أن تصبح مهمة في غضون فترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات. ويبدو أن الحركة الذاتية، والذكاء الاصطناعي، تزيد قدرة البشر على الإنتاج ومعدل ذكائهم.

* بيانات متوالية
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالشركات الكبرى التي تعمل في مجال التكنولوجيا ترى أن توفير الوسائل لآخرين من أجل تحليل البيانات سيكون مجال عمل مزدهر وكبير أيضًا.
شركة «أمازون»، مثلا التي فاجأت «وول ستريت» أخيرا بالتصريح بأن مبيعات أجهزة الكومبيوتر الخاصة بها على الإنترنت أصبح مجالا قيمته 5 مليارات دولار، ومربح أكثر من باقي أنشطة الشركة، بدأت في بيع وسائل تحليل بيانات كجزء من الخدمات التي تقدمها. أما شركة «مايكروسوفت»، التي استثمرت مليارات الدولارات لسنوات طويلة في تقنيات تعلّم الآلات، فقد عرضت الصيف الماضي تقديم خدمة يمكن للآخرين استئجارها على سحابة «مايكروسوفت». وفي محاولة للحاق بها، وضعت شركة «آي بي إم» «واطسون» وهو جهاز كومبيوتر يجيب عن أسئلة برنامج مسابقات «جيوباردي» على السحابة ليتاح للآخرين استخدامه.
ربما ما نراه هنا هو تكرار لما حدث في مجال البحث على الإنترنت، أي البحث عن الأنماط والأنساق في هذا العالم الرقمي. ومن أسباب فوز «غوغل» بهذا المجال هو الاستثمارات الضخمة التي ضختها تقريبا في كل جانب من جوانب علوم الكومبيوتر، إلى أن تمكنت شركة «مايكروسوفت» من اللحاق بها. وسيكون لدى الشركات الضخمة، التي تعمل في مجال علم البيانات، في عالم يعج بالمستشعرات خبراء في غموض علم الإحصاءات، وعلوم الكومبيوتر، والشبكات، واللغة البصرية، وأنظمة قواعد البيانات، وغيرها من التخصصات. وهناك طلب كبير بالفعل على خريجي تلك التخصصات.
ولم يعد تحليل البيانات مسألة مهارات تتعلق بالكومبيوتر، فالدخول على البيانات لا يقل أهمية. وبوجه عام، فكلما كانت مجموعة البيانات، التي تمتلكها شركة ما، أكبر وأكثر ثراء، كانت توقعاتها أكثر دقة. وإذا حصلت شركة «جنرال موتورز» على الكثير من البيانات الخاصة بكيفية استخدام الناس للإضاءة، سوف تتمكن من تأسيس أنظمة إضاءة أفضل المرة القادمة. وتستطيع سيارات «غوغل» تنزيل برامج كومبيوتر جديدة تطور أدائها على أساس ما يتعلمونه. وتستطيع «أمازون» بيع برامج إحصائية، لكنها قد تمتلك أيضا معرفة لا تقهر بسلوكيات التسوق على مستوى العالم.

* التعلّم العميق
وقال مايكل تشوي، شريك في معهد «ماكنزي العالمي»: «تقوم الكثير من التقنيات على امتلاك عدد كبير من أجهزة الكومبيوتر والكثير من البيانات. إذا كنت ستعمل على نطاق واسع، ستحتاج إلى الكثير من الأصول والوسائل المساعدة». هل يعني هذا أن وسائل الحساب بالكومبيوتر، التي كان من المفترض أن تمنحنا القوة والسيطرة، سوف تزيد الشركات الثرية ثراء؟ يعتقد تشوي أن الكثير من التحليل، مثل التحليل في مجال الفضاء الخارجي أو الزراعة، سيتطلب أيضا معرفة تخصصية لما تعنيه البيانات المهمة وكيفية استغلال الأنماط الجديدة. وأضاف: «سوف تتحسن الوسائل والأدوات وهذا من شأنه أنه يرفع المعايير ويزيد التوقعات، لكن ستظل هناك حاجة إلى معرفة المجال والنشاط».
وقال جيريمي هوارد، عالم بيانات أسس شركة علوم بيانات طبية باسم «إنليتيك»، إن هناك مجالا ناشئا من تحليل الكومبيوتر يعرف باسم «التعلم العميق» سوف يطيح بالمجالات الأقدم. وفي الوقت الذي التقطت فيه كل من بوابتي «فيسبوك» و«غوغل» الخبراء المختصين في مجال التعلم العميق، على حد قول هوارد، فإنهما «استثمرتا كثيرا في مجالات الكومبيوتر التقليدية. إنهما مثل (كوداك) في مجال التصوير الفوتوغرافي».
ويتفق هوارد مع رأي تشوي بشأن التخصص، حيث قال إنه يعتقد أن الطرق الجديدة تتطلب الفهم الجيد لمجالات محددة من العمل. بطبيعة الحال من الممكن أن يكون الأمران صحيحين، فالشركات الكبيرة مثل «غوغل» و«أمازون» سوف يكون لديها كثير من العمل في تحليل بيانات السلع، وسوف يجد المتخصصون فرص عمل مناسبة لهم. ويعني هذا لأكثرنا أن الحل في المستقبل سيكمن في معرفة كيفية طرح الأسئلة الصحيحة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».