كيف أحدثت كرة القدم النسائية ثورة وغيّرت مجرى حياتي؟!

سوزان راك تحكي قصة ولعها باللعبة والشعور بقوتها وجاذبيتها

كرة القدم النسائية ما زال أمامها الكثير من المعارك للفوز بها كي تسير في الاتجاه الصحيح (أ.ب)
كرة القدم النسائية ما زال أمامها الكثير من المعارك للفوز بها كي تسير في الاتجاه الصحيح (أ.ب)
TT

كيف أحدثت كرة القدم النسائية ثورة وغيّرت مجرى حياتي؟!

كرة القدم النسائية ما زال أمامها الكثير من المعارك للفوز بها كي تسير في الاتجاه الصحيح (أ.ب)
كرة القدم النسائية ما زال أمامها الكثير من المعارك للفوز بها كي تسير في الاتجاه الصحيح (أ.ب)

عندما تنظر إلى كرة القدم في أبهى صورها، يكون من الصعب عليك في البداية أن ترى كيف تحولت إلى أداة قوية من الناحيتين السياسية والمالية. وبدءاً من اللاجئين السوريين الذين يستخدمون الكتل الخرسانية كقائمين للمرمى ووصولاً إلى أكاديميات الناشئين المتلألئة التي تنفق ملايين الجنيهات في أكبر الأندية في العالم، تظل اللعبة في جوهرها، هي نفسها ولم تتغير، فهي رياضة مثل لعبة الرغبي والكريكيت والتنس يمكن لأي شخص أن يمارسها، لكن كرة القدم لها مكانة خاصة، ويمكن القول إنها تحظى باحترام أكبر، بل وإن تأثيرها على الناس العاديين في جميع أنحاء العالم ربما يكون أكبر من تأثير العديد من الحكومات عليهم!
وعلى مر التاريخ، فإن سهولة ممارسة اللعبة وجاذبيتها الكبيرة على مستوى العالم جعلتها وسيلة قوية للرد على جميع أشكال القمع، بدءا من مطالبة ديدييه دروغبا وزملائه في منتخب ساحل العاج بإنهاء الحرب الأهلية في بلادهم، مروراً بتعاون أندية الدوري الألماني الممتاز معاً ضد الخطاب المناهض للهجرة، وبدءاً من انحناء اللاعبين قبل انطلاق المباريات تعبيراً عن مناهضتهم للعنصرية وصولاً إلى تحدي ماركوس راشفورد للحكومة البريطانية بسبب تقديم الغذاء للأطفال الفقراء. هذا هو الجانب الذي أحب أن أستكشفه في هذه اللعبة: كيف يمكن استخدام كرة القدم كقوة للخير؟ هل يمكنكم أن تتخيلوا ما يمكن أن يفعله ذلك للنساء - الـ50 في المائة من سكان العالم الذين تم استبعادهم من هذه اللعبة لفترة طويلة؟!.
وكفتاة نشأت في شرق لندن في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، كان بإمكاني الشعور بقوة هذه اللعبة في كل يوم حار، عندما كنا نفتح نوافذ الشرفة في منزل عائلتي، حيث كان بإمكاننا أن نتعرف على نتيجة مباراة فريق آرسنال للرجال من خلال أصوات الجماهير الخافتة القادمة من ملعب هايبري، ومن الهتافات وردود أفعال الناس الذي يتابعون المباريات من خلال أجهزة الراديو والتلفزيون. لقد كان الجميع يتحدون أثناء الاحتفالات بالنتائج الإيجابية لفريقهم.
وفي وقت لاحق، وخلال تلك اللحظات العابرة من النشوة والسعادة في الأيام التي كانت تشهد إقامة المباريات، كان الوعي الذاتي الذي أشعر به لكوني امرأة في مباراة لكرة القدم للرجال قد بدأ يتلاشى. لكن لم يكن هذا الأمر يستمر لفترة طويلة، فمجرد نظرة أو تعليق أو أغنية متحيزة جنسياً أتظاهر بالانضمام إليها، كانت تذكرني على الفور أنني مختلفة عن بقية الموجودين من حولي.

سوزان راك خلال حصولها على إحدى الجوائز الإعلامية (الغارديان)

دائماً ما كانت كرة القدم النسائية مختلفة. لقد كانت تتسم بالترحيب والانفتاح، دون العديد من الأحكام المسبقة التي تجدها في كرة القدم للرجال، لكن أقوى شيء هو أنني لم أكن أشعر بأنني في مكان ليس بمكاني.
لطالما استخدمت النساء كرة القدم، والرياضة بشكل عام، للنضال من أجل النفوذ ومن أجل مجتمع أكثر إنصافاً. لا تقول معظم اللاعبات إن هذه الحملة الدعائية هي التي حفزتهن على اللعب، أو على الأقل لم يكن هذا هو السبب وراء ممارستهن للعبة منذ البداية. لكن لعب كرة القدم هو عمل نسوي بشكل لا لبس فيه، فالتقاط الكرة والتوجه بها إلى مساحة من العشب للعب يخالف كل ما يتوقعه المجتمع من النساء: كيف سيكون مظهرهن، وكيف سيتصرفن، وكيف سيمارسن اللعبة، وماذا سيرتدين، وكيف سيكون شعورهن؟ لقد رأيت هذا مرات عديدة عندما كنت استكشفت رحلات بعض اللاعبات من القواعد الشعبية وصولاً إلى مستوى النخبة، كما اكتشفته على نحو خاص من خلال علاقتي الخاصة باللعبة.
كنت أريد أن أكون مثل والدي، وكنت أسعى لأن أحب ما كان يعتقد أنه جيد. ولحسن الحظ، فقد أنعم الله علي بوالد كان صاحب فكر تقدمي، فقد احتضنني وزرع حب كرة القدم بداخلي. وعندما كانت لاعبات نادي آرسنال يضعن المنشورات الترويجية في صناديق البريد بمبنى العقار الذي كنت أقيم به للإعلان عن مباراتهن القادمة، كنت أذهب أنا ووالدي لمشاهدة تلك المباريات. وعندما كنت في المدرسة الابتدائية كنت الفتاة الوحيدة التي تلعب كرة القدم مع الأولاد، وكنت أرتدي قمصان كرة القدم للأولاد بسبب عدم وجود مقاسات مناسبة للفتيات. وعندما كبرت وتغير شكل جسدي، لم تكن قمصان الأولاد مناسبة تماماً، حيث كانت ضيقة من الجزء العلوي من الفخذين. لقد شعرت آنذاك بأن الجميع يتوقعون أن أتوقف عن ممارسة هذه اللعبة.
كانت مدرستي الثانوية في حي هاكني للفتيات فقط. لقد شعرت بأن الأمر غريب، لكنني حاولت التأقلم. وكانت حصة الألعاب الرياضية، التي كانت تتجاهل على ما يبدو الرياضات الجماعية، مكروهة من الجميع، لذلك كنت أكرهها أيضاً. وبالنسبة لفتاة مثلي قضت معظم سنواتها الـ11 الأولى وهي ترفض ارتداء الفساتين والتنانير، اضطررت فجأة إلى ارتداء تنورة قصيرة وسراويل كبيرة الحجم للمشاركة في حصص الألعاب الرياضية. لقد كرهت جسدي، لأنه كان يمنعني من أن أمارس بحرية تلك اللعبة التي كنت أسعى جاهدة لأن أكون جزءاً منها، لأنني كنت مختلفة عن أي شخص آخر يلعب ولم أكن أرغب في أن أكون مختلفة أو مميزة عن الآخرين، لأنني كنت خجولة، وكنت أكره تغيير ملابسي أمام زملائي، كما كنت أكره فترة دورتي الشهرية أيضاً. وكلما ابتعدت عن حصة الألعاب الرياضية وعن ممارسة الرياضة ككل، أصبحت غير لائقة من الناحية البدنية وشعرت بأنني شخص غير مرحب به في هذه اللعبة.
كانت هناك لحظات وجيزة عدت فيها لممارسة اللعبة مرة أخرى. كانت بعض لاعبات فريق آرسنال للسيدات يشاركن في حصص تدريبية بعد المدرسة، وكنت أنا الأفضل فيما يتعلق بالتحكم في الكرة بقدمي لأطول فترة ممكنة دون السماح بسقوطها على الأرض، وقد استمتعت في تلك الأمسيات القصيرة بالرقص عبر الصالة الرياضية والكرة بين قدمي، لكنني لم أكن أذهب مع أصدقائي بعد نهاية اليوم المدرسي، وكنت أعود إلى المنزل وحدي بعد نهاية النهار وسط الضوء الباهت. لقد شعرت بأنني غير لائقة، ولم أستمر طويلاً في تلك الحصص التدريبية، وتوقفت عن القيام بذلك.
وفي المدرجات، شعرت بأن هذا ليس مكاني المناسب أيضاً. فكيف أجرؤ وأنا فتاة شابة على التعدي على هذه «المساحة الآمنة»، الذي يهيمن عليها الرجال؟ إن ذكرياتي الأولى عن الذهاب لمشاهدة المباريات من الملعب هي ذكريات عابرة، لكنني ما زلت أتذكر جيداً كيف كنت أتصرف آنذاك، حيث كنت أرتدي ملابس رياضية فضفاضة، لكنني لم أخلع أبداً قبعة البيسبول التي كنت أريدها لمحاولة تجنب لفت الانتباه إلي. وكنت أتمتم مع الهتافات التي تنتهي بوصف والدة المدير الفني لتوتنهام بالعاهرة، وأشارك في ترديد الأغنية التي كانت تقول «مرحباً، مرحباً، نحن أولاد آرسنال» - لقد جعلوني أشعر بعدم الارتياح بشكل لا يصدق، لكنني كنت أثبت لهم أنني لم أكن في الخارج لإفساد متعة أي شخص آخر.
كنت لا أبتعد عن والدي على الإطلاق، لأنني كنت آمل أن تكون حقيقة أن هذا الرجل هو من أخذني لمشاهدة المباراة من الملعب بمثابة تأكيد لحقي في أن أكون هناك. لقد شعرت بأنني منبوذة تلاحقها عيون الآخرين، وأشعر بالارتباك لوجودي هناك، بل وفي بعض الحالات أشعر بالازدراء. كان بعض الرجال يقتربون مني في الزحام أو وهم في طريقهم للوصول إلى مقاعدهم، وهو ما كان يجعلني أشعر بعدم الارتياح بشكل لا يُصدق. لم أكن لأحلم بأن أذهب لمشاهدة إحدى المباريات من الملعب بمفردي. لقد حدث ذلك بعد ذلك بكثير، عندما كنت في أوائل العشرينيات من عمري. ورغم استمرار التعليقات المتحيزة جنسياً، واللمس غير اللائق والشعور بعدم الانتماء لهذا المكان، فقد كنت أشعر براحة أكبر فيما يتعلق بجسدي وقيمتي، وحقي في الاستمتاع بالرياضة وآرائي الخاصة بالعالم بشكل أكبر مما كنت عليه كمراهقة صغيرة.
الزمن يتغير وأصبح يختلف تماماً عن ذلك العالم الذي كنا نعيش فيه قبل 20 عاماً، عندما كان عمري 14 عاماً وأواجه هذه المشاعر المعقدة، كما أصبح المجتمع مختلفاً تماماً عن ذلك الذي كان موجوداً عندما كانت النساء في بداية دخولهن لعالم كرة القدم. والآن، أصبح بإمكان المرأة التصويت والطلاق والتملك والعمل، وأن تكون عازبة. ومع ذلك، لا يزال كثيرون ينظرون إلى هذه الرياضة على أنها حكر على الرجال فقط. فما سبب ذلك؟ لأنه رغم الخطوات الهائلة التي قطعتها المرأة إلى الأمام، فإن التحيزات المتأصلة والآراء القمعية لمكانة المرأة في المجتمع لا تزال حاضرة إلى حدٍ كبيرٍ، وهو الأمر الذي يظهر جلياً في مجالس الإدارة، وفي الفوارق بين الأجور، وفي الإعلانات، وفي الكثير من الأمور الأخرى.

بعض وسائل الإعلام كان ينتقد كرة القدم النسائية في بداياتها ويصفها بأنها بطيئة ولا تتمتع بالمهارة

ولسبب ما، كانت فكرة دخول المرأة إلى مكان الهروب «للرجال»، بالنسبة للبعض، دائماً خطوة بعيدة جداً. لقد أقيمت أول مباراة رسمية ومسجلة لكرة القدم للسيدات في التاسع من مايو (أيار) عام 1881 بين أسكوتلندا وإنجلترا على ملعب «إيستر رود» في إدنبرة، وكان هناك ازدراء واضح للغاية من قبل الصحافة والجمهور، كما كان هناك ازدراء كبير للملابس ومستوى اللعب. ووصفت صحيفة «غلاسكو هيرالد» المباراة بأنها «جديدة إلى حد ما»، وأضافت أن «المباراة، التي تم الحكم عليها من وجهة نظر اللاعبين، كانت فاشلة». ومع ذلك، تحلت حارسة المرمى هيلين ماثيوز (المعروفة أيضاً باسم السيدة غراهام)، بالدأب والمثابرة، وشهدت المباراة التي نظمتها فوز الدولة المضيفة بثلاثة أهداف دون رد. وبعد خمسة أيام، وأمام 5 آلاف مشجع، تم إلغاء المباراة الثانية بعد أن اقتحم مئات الرجال الملعب، وهو ما أجبر اللاعبات على الفرار على حافلة تجرها الخيول!
وبعد الدخول في حالة من الغموض، عادت كرة القدم النسائية للظهور خلال الحرب العالمية الأولى، فالنساء اللائي تدفقن إلى المصانع بدلاً من الرجال الذين تم إرسالهم إلى جبهة القتال ذهبن إلى ساحات المصانع بنفس الطريقة التي كانت بها القوى العاملة السابقة تفعل ذلك، واستخدمن كرة القدم لرفع الروح المعنوية واللياقة البدنية. وسرعان ما تم تكوين فرق للسيدات وازدهرت الرياضة، لكن في عام 1921. وخوفاً من الزخم غير المنضبط الذي كانت تكتسبه، وفي ظل وصول الحضور الجماهيري إلى أكثر من 53 ألف متفرج على ملعب «غوديسون بارك» لمشاهدة مباريات كرة القدم للسيدات، قرر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم منع إقامة مباريات كرة القدم النسائية على جميع الملاعب التابعة له، وهو القرار الذي استمر لما يقرب من 50 عاماً.
وخلال أكثر من قرن من الانتكاسات والحظر والتحيزات منذ ذلك الحين، تراجعت كرة القدم للسيدات مراراً وتكراراً. لقد ناضلت من أجلها نساء كان بإمكانهن الاستسلام بسهولة أو ممارسة رياضة أخرى أكثر قبولاً لدى المجتمع الأوسع. لقد كان ذلك مدفوعاً من قبل أولئك الذين يرغبون في التغيير السياسي، وأيضاً من قبل أولئك الذين يتمتعون بحرية اللعب.
لقد أصبحت كاتبة متخصصة في الشؤون الرياضية في عام 2016. عندما كان نمو كرة القدم للسيدات على وشك التسارع. وعندما كنت أجلس لأول مرة في المكان المخصص للصحافيين لتغطية مباراة للرجال، شعرت بأنني لست في مكاني المناسب، وهو نفس الشعور الذي كان ينتابني عندما كنت أجلس في المدرجات لمشاهدة مباريات الرجال. والآن، وأنا أقوم بتغطية مباريات كرة القدم للسيدات، فإنني أعمل في واحدة من أكثر البيئات شمولاً وترحيباً في حياتي، فهي بيئة تحظى باحترام متزايد في أوساط صحافيي كرة القدم الأوسع أيضاً. وأخيراً، تشهد كرة القدم النسائية الاستثمار والدعم اللذين كانت تفتقدهما في السابق. ورغم أن السيدات قد كسبن المعارك الآيديولوجية من أجل حق المرأة في اللعب، فإن كرة القدم لا تزال تتعرض للهجوم وبشكل أكبر من أي رياضة أخرى، ونرى المتصيدين والمشككين وهم يرددون عبارات من قبيل «إنها سيئة للغاية»، و«حراسة المرمى مروعة»، و«إنها ليست بالسرعة الكافية»، و«فرق الرجال ستهزمهن»، و«كرة القدم النسائية تحظى بتغطية إعلامية أكبر من اللازم»، و«يتم الترويج لها بشكل مبالغ فيه»، و«مباريات الهواة لها جمهور أكبر من جمهور كرة القدم النسائية، لكنها لا تصل على نفس القدر من الاهتمام والتغطية الإعلامية».
هذه أصوات أقلية، لكنها أصوات مسموعة، وهي ليست جديدة. ففي عام 1895، كتبت صحيفة «ديلي سكتش» بشكل لاذع عن إحدى مباريات المنتخب البريطاني للسيدات قائلة: «كانت الدقائق القليلة الأولى كافية لإظهار أن كرة القدم للسيدات غير جيدة على الإطلاق. يحتاج لاعب كرة القدم إلى السرعة والقدرة على التحكم في الكرة والمهارة والشجاعة، لكن لم تكن أي من هذه الصفات الأربع واضحة يوم السبت. بالنسبة للجزء الأكبر من المباراة، كانت السيدات يتجولن داخل الملعب بلا هدف وهن يهرولن بطريقة غير رشيقة».
ولم تتوقف الحرب على كرة القدم النسائية عند هذا الحد، فقد لجأ المنتخب الوطني الأميركي للسيدات في السنوات الأخيرة إلى المحاكم للمطالبة بالمساواة في الأجور والتمويل مثل المنتخب الأميركي للرجال الذي يتفوقن عليه، سواء من حيث الإنجازات أو من حيث الإيرادات. وحصل المنتخب الأميركي للسيدات على تسوية بقيمة 24 مليون دولار (19 مليون جنيه إسترليني) في قضية المساواة في الأجور في فبراير (شباط) الماضي، وخلال الشهر الماضي أعلن منتخبا السيدات والرجال في الولايات المتحدة عن صفقة تاريخية لتقاسم عائدات المشاركة في نهائيات كأس العالم. وكانت الدنمارك وكولومبيا والبرازيل وأسكوتلندا وجمهورية آيرلندا والأرجنتين والنرويج من بين الدول التي دخلت فيها اللاعبات معركة من أجل الحصول على أجور أعلى.
لكن عندما سأل منسق أغاني فرنسي اللاعبة النرويجية آدا هيغيربيرغ، والتي تعد أول لاعبة تفوز بجائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعبة في العالم، عما إذا كان بإمكانها أن تؤدي رقصة «تويرك» على خشبة المسرح بعد فوزها بالجائزة في عام 2018، فإن هذا السؤال وحده قد أظهر أننا عدنا خطوات كثيرة إلى الوراء في هذا الصدد. وعلاوة على ذلك، فإن قرارها بالتوقف عن اللعب لمنتخب بلادها لما يقرب من خمس سنوات احتجاجاً على الاتجاه الذي تسير فيه اللعبة المحلية في النرويج ومحدودية الفرص المتاحة للفتيات الصغيرات، يُظهر أن هناك العديد من المعارك التي يجب خوضها والفوز بها من أجل أن تسير كرة القدم النسائية في الاتجاه الصحيح.
- كاتبة في الغارديان


مقالات ذات صلة

هاري كين يشيد بغوردون ويصفه بأنه «صانع الفارق»

رياضة عالمية هاري كين يشيد بزميله أنتوني غوردون الذي وصفه بأنه «صانع الفارق» (إ.ب.أ)

هاري كين يشيد بغوردون ويصفه بأنه «صانع الفارق»

أشاد هاري كين، قائد المنتخب الإنجليزي لكرة القدم، بزميله أنتوني غوردون، الذي وصفه بأنه «صانع الفارق» في الفريق، وكذلك ترينت ألكسندر أرنولد العائد إلى التشكيلة.

«الشرق الأوسط» (براغ )
رياضة عالمية لامين يامال يحتفل بالتسجيل في مرمى كرواتيا بإشبيلية (رويترز)

«دوري الأمم»: يامال يقود إسبانيا لاكتساح كرواتيا... وإنجلترا تستعيد توازنها في التشيك

خرجت إسبانيا منتصرة من ظهورها الأول على أرضها كبطلة لمونديال 2026، وذلك بفوزها الكبير على كرواتيا 4-1 الثلاثاء في إشبيلية.

«الشرق الأوسط» (إشبيلية (إسبانيا))
رياضة عالمية الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا (إ.ب.أ)

توخيل: مواجهة التشيك «ليست مصيرية»

اعتبر الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا أن مباراة فريقه المقبلة أمام المنتخب التشيكي في براغ «ليست حاسمة بعد».

«الشرق الأوسط» (براغ)
رياضة عالمية هاري كين قائد المنتخب الإنجليزي (رويترز)

هاري كين: المنتخب الإنجليزي «من أفضل منتخبات العالم»

قال هاري كين، قائد المنتخب الإنجليزي، إن فريقه كان قريباً من مستوى المنتخب الإسباني، بطل العالم، رغم خسارته أمامه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية ألكسندر إيزاك (أ.ب)

إيزاك يعود إلى ليفربول بعد تعرّضه لإصابة

عاد مهاجم ليفربول السويدي ألكسندر إيزاك إلى ملعب أنفيلد بعد تعرضه لـ«إصابة طفيفة» خلال مشاركته مع منتخب السويد في النافذة الدولية الحالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».


اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
TT

اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)

بين فريق بدأ الموسم بطريقة قوية، وآخر لا يزال يبحث عن نفسه بعد عودته إلى دوري الأضواء، يحل بايرن ميونيخ ضيفاً ثقيلاً على مستضيفه شالكه (السبت) في الجولة الثانية من دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم. ويخوض النادي البافاري مباراته الثانية في «البوندسليغا» بثقة كبيرة بعد البداية التي قدَّمها في حملة الدفاع عن لقبه، عندما تغلَّب على شتوتغارت (5-1) في الجولة الأولى. ولم يستغرق بايرن وقتاً طويلاً لإظهار ما يمكن أن يقدِّمه هذا الموسم. وجاء الفوز الكبير على شتوتغارت بعد الانتصار على بروسيا دورتموند في كأس السوبر، وأعقب ذلك الفوز على أوسنابروك (4-1) في كأس ألمانيا.

ويحظى النادي البافاري بميزة استثنائية، إذ إنه لم يعد يعتمد على مصدر واحد للخطورة، في ظلِّ قدرته على صناعة الفرص من الأطراف والعمق، مع دور بارز لجوشوا كيميتش في تنظيم اللعب، والفرنسي مايكل أوليسيه في الثلث الهجومي، كما بدأ الوافد المغربي الجديد إسماعيل صيباري مشواره مع الفريق بصورة لافتة بعدما صنع هدفين أمام شتوتغارت. ولا يزال الهداف الإنجليزي هاري كين يمثّل النقطة الأهم في هجوم بايرن، حتى لو لم يسجِّل في المباراة الأولى، حيث إنَّ وجوده يمنح الفريق أكثر من خيار في الثلث الأخير، سواء عندما يتحرَّك داخل منطقة الجزاء أو عندما يتراجع لتسلُّم الكرة والمشاركة في بناء الهجمة. ومع لويس دياز وأوليسيه وبقية العناصر الهجومية، سيكون لدى بايرن ما يكفي من الحلول إذا حاول شالكه إغلاق المساحات أمام المرمى.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن بداية شالكه بالهدوء نفسه. الفريق خسر أمام أوغسبورغ بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، بعدما تلقَّى هزائم ثقيلة أمام أتالانتا، وريال مدريد في فترة الإعداد. وبينما أظهر شالكه قدرته على التسجيل عندما فاز (5-2) على هالهشير في كأس ألمانيا و(5-صفر) على هيسن كاسل ودياً، فإنَّ مشكلته الأساسية حتى الآن تتمثَّل في الحفاظ على التوازن عندما يواجه منافساً قادراً على الضغط المستمر. وتميل كفة المواجهات المباشرة لصالح بايرن الذي فاز في آخر 12 مباراة أمام شالكه، وسجَّل خلالها 42 هدفاً مقابل هدفين فقط سكنت شباكه.

وكانت آخر مواجهة بين الفريقين في مايو (أيار) 2023 وانتهت بفوز بايرن بنصف دستة أهداف، في حين انتهت آخر مباراة على ملعب شالكه بفوز النادي البافاري بهدفين دون رد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويدخل بايرن المباراة مع بعض الغيابات، أبرزها طارق بوخمان، وسيرج غنابري، وجمال موسيالا. أما شالكه فيغيب عنه بريان لاسمه، وأدريان غانتنباين؛ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى رون شالنبرغ للإيقاف.

من جانبه، يبدو بروسيا دورتموند الطرف الأكثر جاهزية قبل رحلته إلى هوفنهايم (السبت)، بعدما افتتح الموسم بالفوز على هامبورغ بهدفين نظيفين، ثم أكد بدايته القوية بانتصار كبير بخماسية نظيفة على إتش إي بي سي هامبورغ في كأس ألمانيا، في مباراتين حافظ خلالهما على نظافة شباكه. وفي المقابل، يدخل هوفنهايم المواجهة بعد خسارة مثيرة (2-3) أمام كولن، رغم أنه تقدَّم مرتين وكان قريباً من الخروج بنتيجة إيجابية. وتشير البداية إلى أن هوفنهايم يملك ما يكفي من الحلول الهجومية لإزعاج دورتموند، لكنه لا يزال بحاجة إلى معالجة مشكلاته الدفاعية. بعد استقبال 3 أهداف في المباراة الأولى.

ويفتقر دورتموند إلى جهود نيكو شلوتربيك؛ بسبب إصابة في الكاحل، إلى جانب إيقاف صامويل إيناسيو وإصابة الوافد الجديد جيانيس كونستانتيلياس. ويمثّل القناص الغيني سيرهو غيراسي أحد أبرز مفاتيح دورتموند الهجومية، فيما سيبقى أندريه كراماريتش مصدر الخطورة الأهم لهوفنهايم، خصوصاً بعد تسجيله هدفي فريقه من ركلتَي جزاء أمام دورتموند في المواجهة الأخيرة بين الفريقين. ويلتقي (السبت) أيضاً باير ليفركوزن مع ضيفه يونيون برلين، رافعاً شعار «لا بديل عن الفوز»، وبعرض مقنع لمصالحة جماهيره بعد حسرة الخسارة (2-3) أمام إلفرسبرغ الصاعد لـ«البوندسليغا» للمرة الأولى في تاريخه.

ويملك ليفركوزن أيضاً سجلاً يمنحه بعض الثقة، بعدما خسر مرة واحدة فقط في آخر 11 مواجهة له أمام يونيون برلين في «البوندسليغا». لكن يونيون فاز في آخر لقاء بينهما بهدف راني خضيرة في فبراير (شباط) الماضي. واستهل يونيون برلين مشواره في «البوندسليغا» بتعادل مثير أمام آينتراخت فرانكفورت (3-3) بعدما كان متأخراً (1-3). ويتطلع لايبزيغ لمواصلة بدايته الرائعة للموسم الجديد من «البوندسليغا» حينما يحل ضيفاً على فيردر بريمن (السبت). وسجَّل لايبزيغ 9 أهداف دون أن تهتز شباكه في أول مباراتين له بالموسم، حيث تغلب على بروسيا مونشنغلادباخ بثلاثية نظيفة في «البوندسليغا» بجانب فوزه على آينتراخت ترير بـ6 أهداف دون رد في كأس ألمانيا، في الوقت الذي يحتاج فيه بريمن إلى رد فعل سريع بعد خسارته الثقيلة (1-4) أمام فرايبورغ في الجولة الأولى، عقب موسم سابق نجا فيه الفريق بصعوبة من صراع الهبوط. ويلتقي (السبت) مونشنغلادباخ مع إلفرسبرغ، وبادربورن مع فرايبورغ، على أن يلتقي (الأحد) هامبورغ مع ماينز، وآينتراخت فرانكفورت مع أوغسبورغ.


ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

في ليلة من ليالي خريف عام 2000، رصيف ميناء بوينس آيرس كان شاهداً على خطى فتى نحيل، تملأ عينيه دهشة مشوبة بالقلق، يحمل في حقيبته الصغيرة أحلاماً تفوق بنيته الجسدية الضعيفة. لم يكن يملك ليونيل أندريس ميسي حينها سوى موهبة فطرية خارقة، ونقص في هرمونات النمو كاد يعصف بمسيرته قبل أن تبدأ.

الفتى الذي لم يتوقف عن الركض خلف حلمه

عائلته المثقلة بالأعباء الاقتصادية في روزاريو بالأرجنتين، لم تكن تبحث عن مجد كروي بقدر ما كانت تبحث عن نادٍ يتكفل بنفقات علاجه الباهظة.

عندما وقعت عينا كشافي نادي برشلونة على هذا الساحر الصغير، لم يكن لديهم متسع من الوقت لإحضار عقد رسمي، فصيغ أول التزام على منديل ورقي في مقهى كاتالوني. ذلك المنديل لم يكن مجرد ورقة، بل كان وثيقة إعادة كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.

ليونيل ميسي وضع بصمة تهديفية لا تُنسى بفضل التسجيل والصناعة (أ.ف.ب)

على مدار أكثر من ربع قرن، لم يكن ميسي مجرد لاعب يركض بركل الكرة، بل كان رساماً يخط برجليه اليسرى لوحات سريالية على العشب الأخضر، وموسيقياً يضبط إيقاع الملاعب العالمية، ليمسي عبر السنين الفكرة الثابتة في عالم دائم التغير، والأسطورة الحية التي روضت المستديرة حتى انصاعت له طواعية.

من أزقة روزاريو إلى أضواء لاماسيا

ولد ليونيل ميسي في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين بمدينة روزاريو الأرجنتينية، ونشأ في عائلة عاشقة لكرة القدم بدأت تلمح عبقريته منذ سن الخامسة. انضم الصغير إلى نادي نيويلز أولد بويز المحلي، لكن تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو وهو في الحادية عشرة من عمره مَثّل المنعطف الأبرز في حياته.

وفي ظل عجز الأندية الأرجنتينية عن تمويل علاجه، ظهرت أكاديمية لاماسيا التابعة لنادي برشلونة باعتبارها طوق نجاة، لينتقل الفتى إلى إسبانيا وتبدأ رحلة صقل الجوهرة النادرة التي غَيّرت موازين اللعبة عالمياً.

العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

تمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني العصر الأزهى في تاريخ النادي الكاتالوني، حيث صعد إلى الفريق الأول عام ألفين وأربعة ليتعلم بجانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح المحرك الأساسي لمنظومة التيكي تاكا الشهيرة. وعلى مدار سبعة عشر عاماً بالقميص البلوغرانا، خاض ميسي سبعمائة وثمانية وسبعين مباراة، ومزق شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، محققاً عشرة ألقاب في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وسبعة كؤوس لملك إسبانيا، بالإضافة إلى ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية.

ليونيل ميسي وجوزيه مورينيو (رويترز)

محطات الارتحال من حديقة باريس إلى شمس ميامي

في صيف عام ألفين وواحد وعشرين، وفي مشهد درامي أبكى الملايين، غادر ميسي كامب نو مجبراً بسبب الأزمة المالية الخانقة للنادي، ليتجه إلى العاصمة الفرنسية وينضم إلى باريس سان جيرمان.

ورغم أن التجربة الباريسية لم تحمل الزخم العاطفي ذاته، فإنه أضاف إلى خزائنه لقبين في الدوري الفرنسي ولقباً في كأس السوبر الفرنسية، قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة في الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي، ليقود الفريق سريعاً لتحقيق أول ألقابه التاريخية بالفوز بكأس الدوريات، ويحدث ثورة شعبية غير مسبوقة للعبة في الولايات المتحدة.

ليونيل ميسي (رويترز)

ملحمة الآلام والآمال والتتويج بالذهب العالمي

لطالما كانت العلاقة بين ميسي والقميص الأرجنتيني مزيجاً معقداً من الحب الجارف والانتقادات الحادة بسبب المقارنات المستمرة مع الراحل دييغو مارادونا، خاصة بعد خسارته لثلاثة نهائيات متتالية في كوبا أميركا ونهائي كأس العالم عام 2014.

لكن القصة لم تكن لتنتهي دون إنصاف تاريخي، إذ عاد البرغوث ليقود بلاده إلى حقبة ذهبية بدأت بالتتويج بكأس كوبا أميركا عام 2021 في قلب البرازيل، تلاها الفوز بكأس فيناليسيما، ثم الذروة التاريخية في مونديال قطر 2022 برفع كأس العالم المستعصية، قبل أن يختتم مشواره القاري بالحفاظ على لقب كوبا أميركا لعام 2024.

لتتواصل رحلته الدولية المذهلة حتى بصم على ظهوره الأخير والمونديالي السادس في نهائي كأس العالم الولايات المتحدة كندا والمكسيك 2026 أمام إسبانيا.

العناق بين ميسي ويامال بدا وكأنه إعلان رمزي عن انتقال الشعلة بين جيلين (رويترز)

جوائز فردية غير قابلة للكسر على عرش البالون دور

طوال هذه المسيرة، احتكر النجم الأرجنتيني المنصات الفردية محققاً أرقاماً قياسية تبدو عصية على التحطيم في المستقبل القريب. وتربع ميسي على عرش جائزة الكرة الذهبية لثماني مرات باعتباره أكثر لاعب في التاريخ تحقيقاً لهذا الإنجاز، ونال الحذاء الذهبي الأوروبي في ست مناسبات، بالإضافة إلى تتويجه بجائزة الأفضل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ثلاث مرات، وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي حصد جائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم مرتين، وذلك في نسختي البرازيل وقطر.

لقطة ميسي الأيقونية وهو يرفع كأس العالم 2022 (أ.ف.ب)

الصدمة المدوية وبيان الوداع التاريخي عبر «إنستغرام»

بعد مسيرة دولية ملحمية دامت لواحد وعشرين عاماً بقميص لالبيلسيستي، صدم ليونيل ميسي الأوساط الرياضية العالمية بإعلان اعتزاله اللعب دولياً رسمياً. وجاء الوداع الأخير عبر بيان مؤثر للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي في منصة «إنستغرام»، مؤكداً بكلمات حزينة تقطر شجناً أن القرار كان مؤلماً ويمس روحه في الأعماق، لكنه أدرك أن الوقت قد حان ليترجل عن صهوة جواده الدولي ويفسح المجال أمام المواهب الشابة الصاعدة.

كان مورينيو قد واجه ميسي مراراً خلال فترات قيادته لريال مدريد قبل أن يوجّه إليه الرسالة التقديرية (حساب ميسي في «إنستغرام»)

وكشف ميسي في ثنايا رسالته الوداعية أنه خطّ كلمات هذا البيان يدوياً في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)، أي بعد يومين فقط من نهائي المونديال الأخير، غير أن الرحيل المفجع لوالده «خورخي ميسي» في شهر أغسطس (آب) عزز لديه اليقين التام بالاعتزال، لينهي النجم البالغ من العمر 39 عاماً مسيرته برصيد إعجازي يبلغ 207 مباريات دولية سجل خلالها 125 هدفاً، مغادراً من الباب الكبير وبراحة بال تامة بعد أن أفرغ كل ما في جعبته لوطنه.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ووالده خورخي (رويترز)

عندما تودع كرة القدم جزءاً من روحها الجميلة

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

لم تكن مسيرة ليونيل ميسي مجرد إحصائيات جافة تُسجل في دفاتر الاتحاد الدولي، بل كانت مدرسة في الإصرار والعبقرية التي تثبت كيف يمكن للجسد الضئيل أن يقهر العمالقة بالفطرة والذكاء. ومع إغلاق هذا الفصل الدولي الأخير وتحول ميسي إلى مشجع يناصر بلاده من المدرجات، تدرك كرة القدم أنها لن تودع مجرد لاعب عظيم، بل ستودع حقبة بأكملها وجزءاً من روحها التي جعلت الملايين يعشقون المستديرة.