«التحول الأزرق» يواجه أنشطة الصيد غير المستدامة

الثروة السمكية تخسر مليارات الدولارات سنوياً

«التحول الأزرق» يواجه أنشطة الصيد غير المستدامة
TT

«التحول الأزرق» يواجه أنشطة الصيد غير المستدامة

«التحول الأزرق» يواجه أنشطة الصيد غير المستدامة

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2022 سنةً دوليةً لمصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية. ويمثل هذا الإعلان اعترافاً مهماً بملايين صغار الصيادين ومزارعي الأسماك الذين يقدمون منتجات صحية ومغذية لمليارات الأشخاص حول العالم، كما يسلط الضوء على أهمية استدامة مصايد الأسماك كإحدى القضايا الأساسية لمستقبل التنوع البيولوجي.
وتعتمد الحلول الحالية لتقليل التراجع في أعداد الأسماك وضمان ازدهار الأرصدة السمكية على لوائح الصيد الصارمة وأخلاقيات العاملين في هذا القطاع. ومع ذلك، تظهر هذه الحلول نتائج متباينة تؤكد الحاجة إلى نهج جديد لمعالجة قضايا الصيد الجائر وحماية الحياة المائية.
- تراجع في مصائد الأسماك المستدامة
تعد أنشطة الصيد غير المستدامة مسؤولة عالمياً عن خسارة 11 إلى 26 مليون طن من الأسماك سنوياً، وهي كمية تبلغ قيمتها الاقتصادية نحو 10 إلى 23 مليار دولار. ويكون النشاط غير مستدام حين تفوق الأسماك والأحياء المائية التي يتم اصطيادها في المواقع الطبيعية الكمية التي يمكن تعويضها بإنتاجها من جديد. وللحد من تأثير أنشطة الصيد المدمرة، جرى إدراجها تحت الغاية 4 من الهدف 14 الخاص ببرنامج عمل التنمية المستدامة للأمم المتحدة. وهي تتضمن الدعوة إلى «تنظيم الصيد على نحو فعال، وإنهاء الصيد المفرط والصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم وممارسات الصيد المدمرة، وتنفيذ خطط إدارة قائمة على العلم، من أجل إعادة الأرصدة السمكية إلى ما كانت عليه في أقرب وقت ممكن».
وكان قطاع مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية توسع بشكل كبير خلال العقود الماضية. ووصل إجمالي الإنتاج والتجارة والاستهلاك إلى رقم قياسي غير مسبوق في 2018، حيث بلغت كمية الأسماك والقشريات والرخويات والحيوانات المائية الأخرى، باستثناء الثدييات والزواحف والنباتات المائية، التي جرى صيدها في تلك السنة نحو 179 مليون طن. ومنذ أوائل التسعينيات، كان معظم النمو في الإنتاج من تربية الأحياء المائية، في حين ظل إنتاج المصايد الطبيعية مستقراً نسبياً مع بعض النمو الأساسي فيما يتعلق بالصيد الداخلي. وتعتبر التنمية المستدامة لتربية الأحياء المائية والإدارة الفعالة للمصايد ضرورية لاستمرار النمو في هذا القطاع.
ومع ذلك، فإن النجاحات التي تحققت في بعض البلدان والمناطق لم تكن كافية لعكس الاتجاه العالمي في التفريط بمخزونات الصيد. فخلال الفترة بين 1990 و2017 تراجعت نسبة الأرصدة السمكية الموجودة ضمن المستويات المستدامة بيولوجياً من 90 في المائة إلى 65.8 في المائة.
وتقدر أحدث البيانات الصادرة مؤخراً عن وزارة مصايد الأسماك الإندونيسية مخزون الأسماك في المياه الوطنية بنحو 12 مليون طن، بانخفاض مقداره 4 في المائة تقريباً عن 12.5 مليون طن جرى تقديرها في 2017. وتشير البيانات أيضاً إلى أن 53 في المائة من مناطق إدارة مصايد الأسماك الإحدى عشرة في البلاد هي مستغلة بالكامل، مما يؤكد ضرورة فرض رقابة أكثر صرامة عليها، حيث كانت النسبة في 2017 لا تتجاوز 44 في المائة.

وفيما ترى اللجنة الوطنية لبحوث الموارد السمكية في إندونيسيا أن هذه البيانات لا تعكس انخفاضاً فعلياً في مخزون الأسماك، بل تمثل تحسناً في منهجية التقييم، يقول مراقبون بحريون إن الأرقام مثيرة للقلق في ظل رغبة وزارة الثروة السمكية بزيادة الإنتاج، فيما وصلت بعض المصايد إلى طاقتها الإنتاجية القصوى. وتتضمن إحدى الخطط الرئيسية للوزارة إعادة فتح مناطق الصيد في البلاد أمام السفن التي يمولها مستثمرون أجانب، علماً أن هذه السفن كانت مسؤولة في السابق عن استنزاف مخزون الأسماك على مدار عدة سنوات. كما تدرس الوزارة تخصيص مناطق محددة للصيد ومناطق أخرى لإكثار الأسماك وحضانتها. وتمثل البحار المحيطة بإندونيسيا موطناً لأحد أكثر مجتمعات الأحياء البحرية تنوعاً في العالم. وتوظف صناعة صيد الأسماك في البلاد نحو 12 مليون مواطن. كما تسجل المياه الإندونيسية أعلى كمية إنتاج من الصيد البحري في العالم بعد الصين، ويساهمان مع بيرو والهند وروسيا والولايات المتحدة وفيتنام في نصف الصيد البحري العالمي الذي يقارب 85 مليون طن.
ولا تقتصر الهيمنة الآسيوية على الصيد البحري، إذ تسيطر القارة الصفراء منذ عقدين على الإنتاج العالمي من الأحياء المائية المستزرعة بنسبة 89 في المائة. ومن بين البلدان المنتجة الرئيسية، عززت الصين والهند وإندونيسيا وفيتنام وبنغلادش ومصر والنرويج وشيلي حصتها من الإنتاج الإقليمي أو العالمي بدرجات متفاوتة خلال السنوات العشرين الماضية. وقد أدى الاستزراع السمكي إلى توسيع نطاق توافر الأسماك في المناطق والبلدان التي لديها إمكانيات محدودة أو لا تصل إلى الأنواع المستزرعة، وغالباً ما كان هذا التوسع بأسعار أرخص مما ساهم في تحسين التغذية والأمن الغذائي. وبفضل زيادة الإنتاج السمكي، والتطورات التقنية، وارتفاع مستويات الدخل، وتقليل الفاقد والهدر، وزيادة الوعي بالفوائد الصحية لتناول الأسماك، يتجه العالم أكثر فأكثر نحو الأحياء المائية كمصدر أساسي للبروتين. ومع ذلك، فإن مؤشرات التجارة في هذا القطاع تراجعت خلال السنتين الماضيتين بعد تفشي جائحة «كوفيد - 19» بسبب ظروف الإغلاق وانقطاع سلاسل التوريد.
- التحول الأزرق لتعزيز استدامة الصيد
تركز طبعة 2022 من تقرير «حالة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في العالم» على التحول الأزرق، وهو استراتيجية تهدف إلى تعزيز أنظمة الأغذية المائية وتوسيع إمكاناتها لإطعام العدد المتزايد من السكان في العالم بشكل مستدام. ويوفر هذا التقرير، الذي تصدره منظمة الأغذية والزراعة (فاو) كل سنتين، رؤية شاملة وموضوعية وعالمية لمصايد الأسماك الطبيعية وتربية الأحياء المائية، لصانعي السياسات والمجتمع المدني وغيرهم ممن يعتمدون على قطاع صيد الأسماك.
وكانت مبادرة التحول الأزرق انبثقت عن إعلان الفاو لعام 2021 بشأن مصايد الأسماك المستدامة، وهي تدعو إلى تكثيف تربية الأحياء المائية على نحو مستدام، وإدارة مصايد الأسماك بشكل فعال، بالإضافة إلى تطوير سلاسل القيمة الزرقاء التي توفر مصدراً إضافياً للإمداد، وتكفل الفوائد الاجتماعية والاقتصادية مع ضمان التوزيع العادل والوصول إلى الأغذية المائية.
ويعتبر التحول الأزرق لأنظمة الأغذية المائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمراً بالغ الأهمية لضمان الأمن الغذائي وسبل عيش المجتمعات. وترى الفاو أن تحقيق ذلك مرهون بجعل استدامة مصايد الأسماك الطبيعية وقطاعات تربية الأحياء المائية أولوية قصوى في جميع أنحاء المنطقة حيث لا تزال استدامة هذه الموارد تعاني من مجموعة من التحديات، بما فيها الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم، وندرة الموارد المائية، فضلاً عن تأثيرات تغير المناخ.
وتعمل الفاو على عدد من البرامج التي تهدف إلى تعزيز وتسهيل التعاون الإقليمي ودعم استدامة تربية الأحياء المائية ومصايد الأسماك وتحسين إدارة الموارد المائية في المنطقة. ففي الإمارات تعتبر تربية الأسماك مثالاً رائعاً على توظيف الابتكارات بنجاح، حيث تستثمر البلاد، بدعم تقني من الفاو، في الأساليب الحديثة لبناء إنتاج سمكي مستدام ومربح من شأنه الحفاظ على إمدادات الأسماك في البلاد وتحسين أمنها الغذائي. وتشمل الابتكارات أنظمة الاستزراع المائي المتكاملة وأنظمة الاستزراع المائي المعاد تدويرها، التي تسمح بإكثار أنواع كالسلمون والهامور في وسط الصحراء. وفي الجزائر ومصر وعمان وبلدان أخرى، حيث تعاني الأراضي الصالحة للزراعة من مشاكل التملح والتآكل ونقص المغذيات، تعتبر الزراعة المائية وتربية الأحياء المتكاملة التي تلحظ الاستفادة من مياه تربية الأسماك في إنتاج الخضار والفواكه والمواد الغذائية الأخرى حلاً لمشكلة الأراضي غير المضيافة أو غير الصالحة للاستخدام.
من وجهة نظر كثيرين، يمكن اعتبار مواطن المجموعات السمكية غير المستزرعة مشاعاً للجميع، رغم أنها مورد محدود، حيث لا يمتلكها أحد ولا توجد مطالبات بها ذات أساس قانوني. وفعلياً، بمقدور أي شخص أن يصطاد الأسماك من المحيط مما يجعل المجموعات السمكية عرضةً للاستغلال المفرط.
وتظهر تجربة منظمة «إن سيزون فيش»، التي تنشط في الهند وتدعم استدامة المصايد السمكية وحماية المحيطات، أن الاستهلاك الأخلاقي للمأكولات البحرية يتعلق أولاً بالمواطنة والعمل الجماعي وبنية المجتمع. ومن أجل ذلك، قامت المنظمة بإنشاء دليل للمأكولات البحرية في الهند بأكملها يقدم توصيات حول أنواع الأسماك التي يفضل استهلاكها. ويزيد هذا الدليل من شفافية إمدادات المأكولات البحرية، ويناقش الآراء حول أنواع الأسماك غير المرغوبة في البلاد.
لا يمكن التعويل فقط على تقييد ممارسات الصيد وأخلاقيات الأفراد لتحقيق هدف الصيد المستدام، بل يجب النظر أيضاً إلى سلسلة إمدادات الأسماك، من الصيادين إلى الوسطاء وانتهاءً بالمستهلكين، كسلسلة متكاملة ودراسة كيفية ارتباط حلقاتها بعضها ببعض. وفي الوقت ذاته، يجب تعزيز الإدارة السليمة للمصايد السمكية، ودفع التقدم التقني الذي يدعم الأمن الغذائي ويزيد الإنتاج على نحو مستدام.


مقالات ذات صلة

الهواء الملوث يؤثر سلباً على التعافي بعد العمليات

يوميات الشرق تلوث الهواء يعد من أبرز التحديات البيئية والصحية عالمياً (جامعة يوتا)

الهواء الملوث يؤثر سلباً على التعافي بعد العمليات

حذَّرت دراسة أميركية من أنَّ التعرُّض لمستويات مرتفعة من تلوث الهواء يرتبط بزيادة ملحوظة في مخاطر حدوث مضاعفات بعد العمليات الجراحية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك «المواد الكيميائية الأبدية» شائعة الاستخدام منذ اكتشافها فقد دخلت في تصنيع عدد كبير من المنتجات (بيكسلز)

دراسة: «المواد الكيميائية الدائمة» ترتبط بسرطان الدم لدى الأطفال

أصبحت مجموعة المواد الكيميائية القائمة على الفلور، والمعروفة باسم «المواد الكيميائية الأبدية»، شائعة الاستخدام منذ اكتشافها في منتصف القرن العشرين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الأطفال الذين يتعرضون لمستويات عالية من تلوث الهواء في الحمل يستغرقون وقتاً أطول لتعلم الكلام (رويترز)

التعرض لتلوث الهواء أثناء الحمل يبطئ مهارات تعلم الكلام عند الرضع

تشير دراسة حديثة إلى أن الأطفال الذين يتعرضون لمستويات عالية من تلوث الهواء في المراحل المبكرة من الحمل يستغرقون وقتاً أطول لتعلم الكلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

خاص الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
صحتك الجسيمات البلاستيكية النانوية تُعدّ أصغر حجماً من الجسيمات البلاستيكية الميكرونية (رويترز)

دراسة: طعام قد يخلّص الجسم من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة

دراسات حديثة بدأت تكشف عن مؤشرات لافتة حول طرق محتملة قد تساعد الجسم على التخلّص من جزء من هذه الجسيمات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».