«أنيسي» لسينما الرسوم يختتم دورة ناجحة

بين أفلام البراءة والنوايا السياسية

«نيكولا الصغير»
«نيكولا الصغير»
TT

«أنيسي» لسينما الرسوم يختتم دورة ناجحة

«نيكولا الصغير»
«نيكولا الصغير»

منذ إطلاقه أول مرّة سنة 1960. ومهرجان أنيسي للرسوم المتحركة، ينطلق كل سنة في مواكبة مع كل ما يمكن أن يدخل في عداد فن «الأنيميشن» كتقنيات عمل ومواضيع وأساليب أيضاً.
ومنذ 30 سنة تطوّر المهرجان ليصبح أهم مهرجان لهذه السينما في العالم. بحسبان أن هناك أكثر من 120 مهرجاناً لسينما الأنيميشن حول العالم، فإن احتلال المركز الأول بينها والبقاء على القمّة طوال هذه السنوات ليس بالشيء الذي يمكن تجاهله.
في كل عام هناك ما يُضاف إلى قيمته سواء أكان ذلك في نوعية الأفلام المشاركة، أو نوعية الفائز من بينها بجوائزه، أو لناحية تعدد الأفكار التي يطرحها فن الرسم المتحرك، أو الأساليب التي يلجأ إليها مبدعون من كل أنحاء العالم، يحاول كل منهم إيصال فكرته بطريقته الخاصة.

«الجزيرة»

- سوق مُحتكَرة
أقيم المهرجان هذا العام ما بين 13 و18 من الشهر الماضي يونيو (حزيران)، وتمتّع جمهوره (المحتشد دوماً في قاعة قلّ مثيلها في عواصم عديدة) بأفلام لا تتوفر في المهرجانات الدولية الأخرى إلا لُماماً. الحال، أن «برلين»، و«كان»، و«فينيسيا»، و«لوكارنو»، و«صندانس» وسواها من مهرجانات الصف الأول، ليست متخصصة بهذا النوع من الأفلام وإذا ما عرضت أحدها التزمت بمبدأ أن يكون الإنتاج كبيراً وتابعاً لمؤسسة من حجم ووزن يونيفرسال أو ديزني.
هذا ما يترك المجال مفتوحاً أمام «أنبسي» لعرض أفلام لا (والغالب أنها لن) تصل إلى الجمهور العريض إلا إذا تمتع بعضها بتوزيع كافٍ. هذا لا يحدث على النحو المطلوب عادة، لأن الفيلم الكولومبي، أو المجري، أو الفنلندي، عموماً لا يشهد عروضاً خارج دولته حتى ولو كان من الأفلام «الحيّة»، فما البال بفيلم رسوم؟ سوق أفلام «الأنيميشن»، من هذا المنطلق، محتكر من قبل الولايات المتحدة تليها اليابان وفرنسا. الباقي ينتج ويعرض ضمن احتمالات أقواها عروض مهرجانات متخصصة، كـ«أنيسي»، تتبعه عروض محلية غالباً.
ما لوحظ على نحو لافت هذا العام ارتفاع عدد الأفلام الأميركية المنتجة من استوديوهات هوليوود مثل «بيكسار»، «وديزني» و«نتفليكس». هذا لم يحدث بهذا الحجم من قبل. ولا نجد أن إدارة المهرجان تمانع في تمديد مجالات اختيارها لتشمل أفلاماً مثل «Entergatactic»، و«Sea Beast» من «نتفليكس»؛ أو «Rock‪، ‬ Paper‪، ‬ Scissors»، من نيكولوديون؛ و«Strange World»، من ديزني. هذا مع استبعاد دخولها المسابقات المختلفة التي يحتويها المهرجان.‬‬
الفكرة هي الاحتواء وليس الاستبعاد، خصوصاً أن بعض هذه الأفلام اقتصرت على دقائق ترويجية وليس على الأفلام كاملة. كذلك فإن الجمهور الذي يداوم الحضور على هذا المهرجان الفرنسي، وهو جمهور أوروبي غالباً، ليس هنا لمشاهدة أفلام أميركية ستعرض لمن يشاء في صالات السينما، بل لمشاهدة ابتكارات وفنون وأفكار مختلفة مترجمة إلى خيالات سوريالية متباينة ومتعددة التقنيات والأساليب.
نجوم هذه العروض هي الأفلام وليس طواقم ممثليها. لن تجد توم كروز، أو آن هاذاواي، أو ميريل ستريب، أو كنيث برانا، على عتبات الصالة وحولهم مئات المصوّرين. ليس هناك من مقالات عمن ارتدت ماذا من فساتين السهرة، ولا ما قاله الممثل في مؤتمره الصحافي، مما أزعج الموجودين أو أثار ضحكهم. المسألة أكثر جدية بطبيعة حالها، وهذا يكفي، والمهرجان لا يكترث لأكثر من ذلك.

- من وإلى...
أحد أفضل ما شوهد من أعمال في دورة العام الحالي من «أنيسي»، فيلم «لا كلاب ولا إيطاليين مسموح لهم” (No Dogs or Italians Allowed). موضوع الهجرة من أوروبا إلى أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، إبّان الحرب العالمية الأولى. الفيلم قصّة شخصية إلى حد، فالمخرج الفرنسي لويجي أوغيتو من أصل إيطالي. عائلته نزحت من قريتها الشمالية (اسمها أوغيتيرا) إلى فرنسا سيراً على الأقدام فوق ثلوج جبال فيسو. لم تتألف العائلة من فردين أو ثلاثة ولا حتى أربعة أو خمسة، بل من الأب والأم و11 ولداً. يقص المخرج من خلال فيلمه مآسي النزوح ومآسي التموضع ومن ثَم التطبّع والاعتياد على القبول هنا والرفض هناك. وهو فيلم يأتي على ذكر الاحتلال الإيطالي لليبيا وبداية الحرب العالمية الأولى. بذلك هو فيلم قاسٍ حين يصوّر الأجواء، وحميمي عندما يسرد حكايات العائلة ومصائرها.
بدوره يُثير فيلم «الجزيرة» نوعاً آخر من الرحيل. إنه رحيل كامل من عالم واقعي إلى خيالي. مخرجته الرومانية أنكا داميان وجدت في طيّات رواية «روبنسون كروزو»، أكثر مما وجد المؤلف دانيال دافو (الذي وضع الرواية سنة 1719).
الحكاية المعروفة هي وصول ذلك الأوروبي إلى الجزيرة بعد حطام السفينة التي كان يستقلها. بعد فترة من الوحدة يلتقي بمواطن اسمه فرايداي وكلاهما يمنح الآخر شيئاً من فكره وثقافته وذاته. هذا الخط لا يزال هنا مضافاً إليه شخصيات جديدة منها ما هو آدمي، ومنها ما هو مترجم إلى أشكال غير ذلك. من الإضافات المهمّة هو أن كروزو الآن، وقد التقى بمن التقى من شخصيات الجزيرة ينطلق في بحث عن الجنّة أو عن العالم المثالي الذي يتجاوز عقدة لون البشرة أو الثقافة الوطنية أو تلك الآتية من بعيد.
الصفة البصرية الأولى لهذا الفيلم هي أن المخرجة صاغت عالماً سلساً في انتقاله من مشهد لآخر. غزير في أفكاره، ومتلاحق في حكايته، وثري بألوانه المختارة كما بالأفكار الإنسانية التي يعرضها.
على نحو أقل إتقاناً، يأتي الفيلم الإيطالي «يايا وليني - الحرية السائرة» (Yaya and Lennie‪ - ‬ The Walking Liberty). هنا ينقلنا المخرج أليساندرو راك إلى زمن مستقبلي لا يُغادر الأرض، لكن أحداثه تقع بعد أن تغيّرت شروط الحياة عليها. في منطقة نابولي أدّت نهاية الحضارة كما نعرفها، إلى انتشار كثيف لأدغال استوائية في إيطاليا وعلى الفتاة يايا والعملاق ليني (شخصيتان متناقضتان إلا في فهمهما ضرورة مواجهة الأشرار معاً)، أن يواجها متاعب تلك الحياة التي تسعى السلطات إلى السيطرة على كل مقاديرها ومواطنيها سيطرة تصل إلى حد العبودية (على غرار يذكّر بتوقعات جورج أوروَل).‬
منهج المخرج راك عثرة في سبيل قبول الفيلم خارج نطاق فكرته. لقطاته مؤسسة كما لو كان المرء يُشاهد فيلماً حيّاً ركيك الأسلوب. القطع متوال وكثيف والتركيز على خلق حالة مفاجئة في كل مشهد حتى ولو لم يكن هناك ما هو مفاجئ.
من بين العشرين فيلماً التي عرضت في المسابقة شاهدنا كذلك «نايولا» للبرتغالي جوزيه ميغيل ربييرو. هذا أول فيلم له وأسلوب عمله ليس مبهراً، بل يعكس متاعب في كيف يمكن للفيلم وحكايته الانتقال من حالة إلى أخرى بتلقائية أفضل. تنطلق الأحداث في أنغولا سنة 1995 من ثَم تنتقل إلى الزمن الحالي. في الزمن الأول صراع سلطة خلال حرب أهلية، وفي الزمن الحاضر هناك بحث لامرأة عن زوجها الذي اختفى منذ ذلك الحين.

«لا كلاب ولا إيطاليين مسموح لهم»

- تركيا ـ أرمينيا
الكثير مما يعرضه الفيلم هو نتيجة دمج الدراما الشخصية مع الخلفية الاجتماعية والسياسية، وهذا أفضل ما لديه من نتائج. شخصية المرأة نايولا الباحثة عن زوجها ليست الوحيدة التي يسردها الفيلم، بل تؤازرها شخصيتان نسائيتان أخريان هما ابنة نايولا وأمها. بذلك لدى الفيلم غاية عرض ثلاثة أجيال تتهادى في عالم قاسٍ وصعب.
هذا المنحى السياسي متكرر في أكثر من فيلم آخر، من بينها «شروق أورورا» لمخرجته الأرمينية إينا ساهاكيان. هو إنتاج ألماني - أرميني يتناول ما تعرّض له الأرمن على أيدي العثمانيين في العقد الثاني من القرن الماضي. وهو في الوقت نفسه، يحمل أسلوب الفيلم التسجيلي لأنه لا يريد تحويل الفاجعة إلى حكاية تُروى. أخرجته ساهاكيان عن الناجية الوحيدة من بين أفراد عائلتها واسمها أورورا.
يوفّر الفيلم حكاية بطلته منذ أن كانت في الـ14 من العمر. هي في بعض أنحاء تركيا تتعرّض لتحرّشات الأتراك والألمان قبل أن يبدأ ما يصفه الفيلم بالتطهير العرقي. من حسن حظ أورورا أنها فازت، بعد سنوات قليلة، بمنحة من مؤسسة مسيحية للسفر إلى الولايات المتحدة حيث بقيت هناك.
النصف الثاني من الفيلم يتابع حياتها في مستقرّها الجديد حيث لم تتوقف عن محاولة لفت الأنظار إلى المأساة الأرمينية. وهو من حقائق الأمور أنها قادت بطولة فيلم صامت عن هذا الموضوع سنة 1919 عنوانه «مزاد من الأرواح» (Auction of Souls) أخرجه أوسكار أبفل.
ليس غريباً الموقف الذي يتّخذه الفيلم سياسياً من موضوعه والسعي إلى تكثيفه باتخاذ أسلوب تسجيلي مستبعداً الرواية. لكن هذا السعي لا يتحقق على النحو المنشود كون اللغة العاطفة هي التي يتعامل بها الفيلم مع مشاهديه.
الفيلم الذي خطف إحدى الجوائز الأولى هو «نيكولا الصغير‪:‬ سعيد قدر الإمكان» (Little Nicolas‪:‬ As Happy as Can Be)، الذي حمل بالفرنسية عنواناً مختلفاً هو نيكولا الصغير، ما الذي تنتظره لتكون سعيداً؟».‬‬
بالمقارنة مع سواه مما شُوهد، هو فيلم منفّذ بأسلوب سهل خالٍ من التعقيدات ومحاولات تغليب البصريات على المواضيع نفسها كشأن «نايولا» أو «يايا وليني». هو عن كاتب يطبع على آلته الكاتبة حكاية بطله نيكولا ونشاهد في تلك الحكايات التي ينصرف الفيلم لسردها.
ينتقل المخرجان أماندين فريدو، وبنجامين ماسوبري بين الكاتب وصوته معلّقاً خلال كتابته (يؤديه ألان شابات) وبين حكايات بطله (سيمون فاليو) بسهولة وبمعالجة متناسقة وملهمة.
ليس أن الفيلم ملهاة للصغار. فهناك ما ينضح به من مشاعر إنسانية. هناك ألم الوحدة وألم الحياة العائلية حين تتعرّض لمشاكل كل يوم. ومن ثَم هو عن علاقة حميمة بين الكاتب وشخصيته مجسّدة جيداً لتعبّر عن وجهة نظر الكاتب داخل الفيلم نقلها المخرجان على نحو سلس.


مقالات ذات صلة

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

يوميات الشرق المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده. تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الفنانون السعوديون المشاركون في أداء أصوات شخصيات فيلم «حكاية لعبة 5» خلال حفل «ديزني+» في الرياض (الشرق الأوسط)

«ديزني+» تقدم أول فيلم مدبلج باللهجة السعودية وتطلق تطبيقاً جديداً في المنطقة

أعلنت منصة «ديزني+» تقديم أول فيلم من إنتاج شركة «والت ديزني» مدبلج باللهجة السعودية، من خلال فيلم «حكاية لعبة 5»، وإطلاق تطبيق جديد.

مساعد الزياني (الرياض)
يوميات الشرق الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

هو أحد أكثر نجوم هوليوود تطرُّفاً في التمثيل. لا يتوانى أدريان برودي عن وضع نفسه في مواقف وتجارب خارجة عن المألوف، كي يجهِّز نفسه لدورٍ ما.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق «مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)

«خيط أحمر» يسأل: ما الذي فعله «سيتي كومبلكس» بأهل طرابلس؟

مخرج فيلم «خيط أحمر» وكاتب نصه أحمد نابلسي، يرى فيما حدث في هذا «المول» رمزية لما عاشته المدينة...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق براد بيت والكلب في البرية (الحساب الرسمي للفيلم في «إكس»)

«قلب الوحش»... كلب ينافس براد بيت على البطولة

يصعب الخروج من فيلم «قلب الوحش (Heart of the Beast)» بالحديث عن براد بيت وحده، فالنجم الأميركي يجد أمامه شريكاً يملك حضوراً لافتاً في العمل.

إيمان الخطاف (الدمام)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.