حلم أوروبا بـ«الاستقلال الاستراتيجي» يصطدم بحرب أوكرانيا

«قمة مدريد» أكدت أهمية المظلة العسكرية الأميركية

ماكرون وفون دير لاين لدى مشاركتهما في قمة مدريد في 29 يونيو (رويترز)
ماكرون وفون دير لاين لدى مشاركتهما في قمة مدريد في 29 يونيو (رويترز)
TT

حلم أوروبا بـ«الاستقلال الاستراتيجي» يصطدم بحرب أوكرانيا

ماكرون وفون دير لاين لدى مشاركتهما في قمة مدريد في 29 يونيو (رويترز)
ماكرون وفون دير لاين لدى مشاركتهما في قمة مدريد في 29 يونيو (رويترز)

(تحليل إخباري)
وراء العناوين العريضة للقمة الأطلسية التي أنهت أعمالها الخميس في العاصمة الإسبانية، يقرأ الأوروبيون أن الدمار المروع الذي تخلفه المدافع الروسية في أوكرانيا قد أطفأ، أقله في القريب المنظور، أحلام الاستقلالية الاستراتيجية التي كانت تدغدغ الاتحاد الأوروبي منذ سنوات. ويتبينون مرة أخرى أن الحلف الأطلسي هو الحصن المنيع الذي لا غنى عنه للدفاع عن أوروبا التي كانت بدأت تشكك مؤخراً في جدوى هذه المنظمة العسكرية التي قامت من رماد الحرب العالمية الثانية وما ولدته من مواجهة باردة بين الشرق والغرب.
ومع انضمام السويد وفنلندا الذي وافقت عليه الدول الأعضاء الثلاثون، يصبح 97 في المائة من سكان الاتحاد الأوروبي تحت المظلة العسكرية والنووية للحلف، في الوقت الذي يرتفع الوجود العسكري الأميركي في أوروبا إلى أعلى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة.
هذا التحول التاريخي الذي أعاد الحياة إلى الحلف العسكري الأطلسي بفعل الحرب في أوكرانيا التي هشمت النظام الأمني الذي كان قائماً في أوروبا، وضع الأوروبيين أمام الحقيقة التي كانوا يحاولون التهرب منها أو نكرانها، وهي أن الضمانة الأكيدة لأمنهم في الوقت الراهن لا تأتي إلا عن طريق «الناتو» وحليفهم الرئيسي الولايات المتحدة. وجاء المبدأ الاستراتيجي الجديد الذي أقره الحلف في مدريد ليجعل من القارة الأوروبية، مرة أخرى، المسرح الرئيسي للمواجهة والاحتواء مع موسكو، فيما كان الرئيس الأميركي جو بايدن يعلن نشر المزيد من القوات الأميركية في إسبانيا وبولندا ورومانيا وألمانيا وإيطاليا قبل أن يعلن في ختام القمة أمس عن حزمة مساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا بقيمة 800 مليون دولار، ويؤكد أن الحرب لن تنتهي بانتصار روسيا.
منذ سنوات، سلم الأوروبيون بأن أمنهم لم يعد في خطر مباشر وأن الحلف الأطلسي انتفت مسوغاته بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، وأن قطار الاتحاد الأوروبي للاندماج السياسي والاقتصادي يسير بقوة دفعه الذاتية. لكن الاجتياح الروسي لأوكرانيا حجب فجأة هذا السراب، كاشفاً أن الاستقلال الذاتي الأوروبي ما زال قائماً على بنية أمنية يشكل الحلف الأطلسي ركيزتها الأساسية.
وكانت جميع الدراسات التي وضعها الاتحاد الأوروبي مؤخراً لتطوير سياسة دفاعية مشتركة تنطلق من فرضية استقرار إطار أمني لم تعد تشكل فيه روسيا أي تهديد، فيما كان انحسار وجود القوات الأميركية في أوروبا، التي تراجع عددها من 400 ألف إبان الحرب الباردة إلى 60 ألفاً العام الماضي، يحفز على خطوة تاريخية نحو الاستقلال الجيواستراتيجي للاتحاد.
لكن الاجتياح الروسي لأوكرانيا، وهو أوسع هجوم تشنه دولة ضد أخرى على الأراضي الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية، أدى إلى تمتين حبل الصرة الذي يربط أوروبا بالحليف الأميركي، وأجبر الاتحاد على صرف النظر عن المساعي التي كان يبذلها للتخلي عن الاعتماد على الترسانة الأميركية الهائلة لتأمين حمايته عبر الحلف الأطلسي.
ومن العلامات البارزة لهذا التحول التاريخي في قمة مدريد، كان القبول السريع لطلب عضوية فنلندا، الدولة التي كانت لعقود عنوان الحياد بين الكتلتين الغربية والسوفياتية، وطلب عضوية السويد، بحيث أصبح جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي، باستثناء النمسا وآيرلندا وقبرص ومالطا، تحت عباءة الحلف الذي بات الذراع العسكرية للاتحاد.
وثمة من يعتقد أن هذا التطابق بين عضويتي المنظمتين من شأنه أن يسهل عملية اتخاذ القرارات الدفاعية في الاتحاد الأوروبي، خاصةً أن الهدف المعلن من الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي لم يكن يوماً هو الدفاع الجغرافي عن أراضي الاتحاد، المنوطة مهامه بالحلف الأطلسي، بقدر ما هو تشكيل قوات للفصل والتدخل السريع في مناطق النزاع المجاورة التي تؤثر على الأمن الأوروبي.
لكن مع ذلك، لن تكون العلاقات بين الحلف والاتحاد في منأى عن التجاذبات والتوتر، كما يستدل من إخفاق الطرفين في التوصل إلى اتفاق حول تحديث شروط التعاون بينهما بعد سبعة أشهر من المفاوضات التي بدأت أواخر الصيف الماضي بعد خروج القوات الغربية من أفغانستان أمام تقدم طالبان نحو كابل. ويذكر الحلف باستمرار أن دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء في المنظمة العسكرية لا تغطي سوى 20 في المائة من موازنة «الناتو» التي تتحمل الدول الأخرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وتركيا والنرويج 80 في المائة منها.
ويعترف خبراء الاتحاد بأن الدول الأعضاء كانت ستحتاج لفترة لا تقل عن عقدين لتطوير القدرات العسكرية اللازمة لكي تواجه منفردة النزاعات التي يمكن أن تنفجر في محيطها، كالاجتياح الروسي لأوكرانيا وتهديدات موسكو بتوسيع دائرة الحرب، وبالتالي لم تعد تملك ترف الوقت لحماية حدودها وأصبحت بأمس الحاجة إلى الدعم الذي لا يمكن أن يقدمه لها الآن سوى الحلف الأطلسي.
وعندما قال الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي أشرف على الثمانين من العمر وشهد على الحرب الباردة من بدايتها، إن بوتين كان يريد «فنلندة» أوروبا وانتهى به الأمر أن أصبحت معظم الدول الأوروبية أطلسية، كان أيضاً يوجه رسالة إلى الأوروبيين مفادها أن اللعب في دوري نوادي الدرجة الأولى يقتضي سداد الفواتير العسكرية والتنازل عن بعض السيادة للدفاع المشترك.
طويت صفحة في العلاقات الأطلسية التي جنت كل الأطراف ثمارها، خصوصاً الولايات المتحدة التي رسخت هيمنتها وما ينشأ عنها من منافع اقتصادية، فيما أتاحت للشركاء الأوروبيين تخصيص القسم الأكبر من مواردهم لأبواب أخرى غير العسكرية، ما حقق لهم مستويات غير مسبوقة من السلم والاستقرار والرفاه دفعت بالعديد من الدول إلى التنافس للانضمام إليه. لكن متانة الرابط الأطلسي ليست في منأى عن التقلبات، خاصةً إذا تبدلت وجهة الرياح على البيت الأبيض، أو إذا اضطرت واشنطن لتخصيص المزيد من الجهود للاهتمام بالتحديات المتنامية على الجبهة الآسيوية. لذلك لم يعد من خيار أمام الاتحاد الأوروبي سوى أن يتحول إلى فرع قوي ضمن البنية الأطلسية قادر على الدفاع عن نفسه ومستعد لدفع الثمن المتوجب على ذلك.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم الاتحاد الأوروبي يخطّط لإنتاج مليون قذيفة سنوياً وأوكرانيا تستنزف الذخيرة

الاتحاد الأوروبي يخطّط لإنتاج مليون قذيفة سنوياً وأوكرانيا تستنزف الذخيرة

سيطرح الاتحاد الأوروبي خطة لتعزيز قدرته الإنتاجية للذخائر المدفعية إلى مليون قذيفة سنوياً، في الوقت الذي يندفع فيه إلى تسليح أوكرانيا وإعادة ملء مخزوناته. وبعد عقد من انخفاض الاستثمار، تُكافح الصناعة الدفاعية في أوروبا للتكيّف مع زيادة الطلب، التي نتجت من الحرب الروسية على أوكرانيا الموالية للغرب. وتقترح خطّة المفوضية الأوروبية، التي سيتم الكشف عنها (الأربعاء)، استخدام 500 مليون يورو من ميزانية الاتحاد الأوروبي لتعزيز إنتاج الذخيرة في التكتّل. وقال مفوّض الاتحاد الأوروبي للسوق الداخلية، تييري بريتون: «عندما يتعلّق الأمر بالدفاع، يجب أن تتحوّل صناعتنا الآن إلى وضع اقتصاد الحرب». وأضاف: «أنا واث

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

قال الاتحاد الأوروبي إنه «يدين بشدة» قرار القضاء الإيراني فرض عقوبة الإعدام بحق المواطن الألماني - الإيراني السجين جمشيد شارمهد، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأيدت المحكمة العليا الإيرانية يوم الأربعاء حكم الإعدام الصادر بحق شارمهد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد الاتحاد الأوروبي يمدد لمدة عام تعليق الرسوم الجمركية على الواردات الأوكرانية

الاتحاد الأوروبي يمدد لمدة عام تعليق الرسوم الجمركية على الواردات الأوكرانية

أعطت حكومات الدول الـ27 موافقتها اليوم (الجمعة)، على تجديد تعليق جميع الرسوم الجمركية على المنتجات الأوكرانية الصادرة إلى الاتحاد الأوروبي لمدة عام، حسبما أعلنت الرئاسة السويدية لمجلس الاتحاد الأوروبي. كان الاتحاد الأوروبي قد قرر في مايو (أيار) 2022، تعليق جميع الرسوم الجمركية على الواردات الأوكرانية إلى الاتحاد الأوروبي لمدة عام، لدعم النشاط الاقتصادي للبلاد في مواجهة الغزو الروسي. وتبنى سفراء الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي في بروكسل قرار تمديد هذا الإعفاء «بالإجماع».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم الكرملين يهدّد بمصادرة أصول مزيد من الشركات الأجنبية في روسيا

الكرملين يهدّد بمصادرة أصول مزيد من الشركات الأجنبية في روسيا

حذّر الكرملين اليوم (الأربعاء)، من أن روسيا قد توسّع قائمة الشركات الأجنبية المستهدفة بمصادرة مؤقتة لأصولها في روسيا، غداة توقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمرسوم وافق فيه على الاستيلاء على مجموعتَي «فورتوم» و«يونيبر». وحسب وكالة الصحافة الفرنسية، قال الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف لصحافيين: «إذا لزم الأمر، قد توسّع قائمة الشركات. الهدف من المرسوم هو إنشاء صندوق تعويضات للتطبيق المحتمل لإجراءات انتقامية ضد المصادرة غير القانونية للأصول الروسية في الخارج».

«الشرق الأوسط» (موسكو)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.