ما أبعاد قائمة روسيا السوداء على اقتصاد أوروبا؟

ما أبعاد قائمة روسيا السوداء على اقتصاد أوروبا؟
TT

ما أبعاد قائمة روسيا السوداء على اقتصاد أوروبا؟

ما أبعاد قائمة روسيا السوداء على اقتصاد أوروبا؟

تدهورت العلاقات بين روسيا والغرب بسبب الصراع الدائر في أوكرانيا، وازداد توتر علاقة موسكو بـ"الأوروبي" بعد قائمة سوداء روسية أعدتها وزارة الخارجية الروسية وسلمتها إلى وفد الاتحاد الاوروبي في موسكو الاسبوع الماضي، تمنع 89 سياسيا من دخول البلاد.
وتضم القائمة أسماء اشخاص يجاهرون بانتقاداتهم لروسيا بالاضافة الى مسؤولين عسكريين وأمنيين من الاتحاد، كما قال مسؤول بالوزارة لوسائل اعلام روسية ان هناك قائمة مماثلة تضم مواطنين أميركيين.
ومنذ أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في مارس (اذار) 2014 ، فرض الاتحاد الاوروبي عقوبات اقتصادية وحظرا على تأشيرات السفر، كما جمد أموال عشرات المواطنين والمنظمات الروسية والاوكرانية. وقتل أكثر من 6200 شخص في القتال بين قوات الحكومة الاوكرانية والانفصاليين الموالين لروسيا. ولكن روسيا تنفي وترفض باستمرار اتهامات أوكرانيا وحلف شمال الاطلسي (ناتو) وقوى غربية بانها تدعم الانفصاليين بالاسلحة والقوات.
ووفقا لتقرير شامل نشرته "الفاينانشال تايمز" على موقعها اليوم، تضم القائمة 19 سياسيا من بولندا، وتسعة من بريطانيا، وثمانية من استونيا، وثمانية من السويد، وسبعة من لتوانيا، وسبعة من ألمانيا، وخمسة من لاتفيا، وخمسة من رومانيا، وأربعة من الدنمارك، وأربعة من فرنسا، و4 من جمهورية التشيك، وثلاثة من هولندا، واسبانيين، وبلجيكيين، وبلغاريا واحدا ويونانيا واحدا. كما أرفقت القائمة الكاملة باللغة الألمانية التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» وبينها 15 سيدة منهن وزيرة الخارجية الدنماركية السابقة ليني اسبيرسين، ووزيرة خارجية استونيا السابقة كريستينا اوجولاند.
من جانبها، ذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن قائمة الأسماء التي وضعتها روسيا لمنع دخول سياسيين أوروبيين تضم كلا من نائب رئيس الوزراء السابق نيك كليغ ووزير الدفاع السابق السير مالكولك ريفكيند، بحسب ما ورد من وزارة الخارجية الروسية.
ومن بين المدرجين الآخرين على القائمة السوداء الروسية الامين العام الحالي لمجلس الاتحاد الاوروبي في بروكسل أوي كورسيبيوس، الذي يستعد لتولي منصب مستشار الشؤون الخارجية للمستشارة الالمانية أنجيلا ميركل.
كما تشمل القائمة برونو لو روا زعيم كتلة الحزب الاشتراكي -الذي يتزعمه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند- في البرلمان وجي فيرهوفشتات رئيس الوزراء البلجيكي السابق الذي يتزعم المجموعة الليبرالية في البرلمان الاوروبي.
وضمت القائمة 18 اسما من بولندا -أشد أعضاء الاتحاد الاوروبي انتقادا لسياسة روسيا نحو أوكرانيا - بينهم بوغدان بوروسيفيكز رئيس مجلس الشيوخ البولندي الذي منع من دخول روسيا للمشاركة في جنازة المعارض الروسي الشهير بوريس نيميتسوف.
وورد بالقائمة أيضا اسم انا ماريا كورازا بيلت عضو البرلمان الاوروبي وزوجة رئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلت الى جانب سبعة سويديين آخرين.
وضمت القائمة السوداء الروسية أسماء مسؤولين من دول أخرى هي لاتفيا وليتوانيا واستونيا والدنمارك وفنلندا وجمهورية التشيك ورومانيا وبلغاريا واسبانيا.
وبينما يتفاقم الخلاف بين روسيا والأوروبي، إلا أن المصلحة الاقتصادية قد تعرقل الجانبين من اتخاذ موقف صارم تجاه بعضمها البعض، إذ قال رئيسا مجموعتين ممثلتين لمصالح الشركات الألمانية في تصريحات نشرت يوم (الأحد) إنه ينبغي دعوة روسيا لحضور قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى مطلع الأسبوع المقبل. وكان زعماء دول مجموعة السبع عقدوا اجتماع قمة دون توجيه الدعوة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العام الماضي احتجاجا على قيام روسيا بضم منطقة القرم من أوكرانيا.
وفي غياب أي مؤشرات على توقف القتال الدائر في شرق أوكرانيا رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم في مينسك قبل ثلاثة أشهر، استمر الاستبعاد للعام الثاني على التوالي. كما قال إيكارد كورديز رئيس اللجنة الألمانية للعلاقات الاقتصادية مع الشرق التي تمثل مصالح أكثر من 200 شركة لها استثمارات في روسيا، إن منع روسيا من المشاركة في القمة هو فرصة ضائعة.
وأبلغ كورديز صحيفة "فيلت آم زونتاغ" الألمانية، "عقد اجتماع مجموعة السبع بحضور روسيا قد يسهم في حل الأزمة ويحمل روسيا على أخذ خطوات بناءة في النزاع الأوكراني."
وقال ماتياس بلاتسيك رئيس المنتدى الألماني - الروسي والعضو الكبير بالحزب الديمقراطي الاشتراكي، إن الوقت حان لدعوة روسيا مجددا إلى مجموعة السبع.
وفي الشهر الماضي رفض وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، المطالبات بدعوة روسيا إلى مجموعة السبع قائلا إنه لم يعد من الممكن "أن تسير الأمور على النحو المعتاد" بعد ضم القرم بشكل غير مشروع.
وقد أسفرت المواجهة المحتدمة بين روسيا وقوى الغرب فيما يتصل بالموقف من القرم وأوكرانيا، عن عقوبات سوف تفرض على النخبة الروسية من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. حيث وقع الرئيس الأميركي باراك أوباما أمرا بتفعيل العقوبات الاقتصادية على قطاعات كبيرة من الاقتصاد الروسي.
وفي ظل تلك العقوبات الخانقة على روسيا، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تصريحات الشهر الماضي، إن بلاده يمكن أن تنظر إلى العقوبات الغربية المفروضة عليها كأداة لتحفيز التنمية الاقتصادية كي تصبح أكثر اعتمادا على نفسها. وأضاف بقوله "نحتاج إلى أن نستغل الموقف لتحقيق مستويات جديدة للتنمية".
وفي مقالة تحليلية نشرتها شبكة "بي بي سي" البريطانية أواخر مارس (اذار) المنصرم، أكدت نقلا عن باحثين اقتصاديين بان روسيا "قد تخرج بخسائر ضخمة جراء تلك العقوبات. وسوف يكون الضرر الواقع عليها أكبر بكثير لأنها تعتمد على الاقتصاد الأوروبي."
إذ يذكر أن نصف الميزانية الروسية يعتمد على النفط والغاز الذي تصدره إلى دول أوروبا، ما يجعلها أكثر عرضة للخطر حال فرض عقوبات على صادرات الوقود الحفري إلى أوروبا. وعلى الجانب الآخر، يأتي حوالى 25 في المائة من الغاز الذي تستهلكه دول أوروبا من روسيا.
ولكن الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي تعتمد على إمدادات الغاز النرويجية ما يجعلها أقل عرضة للآثار السلبية التي قد تنتج عن نقص إمدادات الغاز الروسي.
وأثارت الأحداث في أوكرانيا وروسيا حالة من القلق لدى المستثمرين، خاصة بعد تردد الحديث عن مناقشة الكرملين مصادرة الأصول والشركات الأجنبية حال فرض عقوبات دولية على روسيا.
من جانبها، أعلنت شركة جيه إل تي للتأمين والاستشارات المالية التابعة لفوتسي البريطانية، أن عقوبات مثل تلك المفروضة حاليًا على "بنك روسيا" الروسي من الممكن أن تشكل خطرا على التعاملات النقدية في البنوك الأوروبية.
ومن الممكن أن تتعرض أوكرانيا أيضا لخسائر اقتصادية حال فرض العقوبات على روسيا إذا أوقف المستثمرون العمل بمشروعات الطاقة هناك. ويمكن أن تتعرض الدول الأوروبية على المستوى الفردي لأضرار اقتصادية حال فرض العقوبات على روسيا.
فمن الممكن أن تتعرض فرنسا، على سبيل المثال، لخسارة الصفقات المحتملة لبيع السفن الحربية لروسيا في حين تريد بريطانيا أن تشتري روسيا العقارات بها.
وفي هذا السياق، يشير محللون إلى مفارقات المواقف الاقتصادية والسياسية في القارة الأوروبية، ويشككون ما إن كانت المصالح السياسية ستعتلي الاقتصادية أم أن العكس صحيح.



صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

سجلت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات خارجة أسبوعية منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول) خلال الأيام السبعة المنتهية في 11 مارس (آذار)؛ إذ أدت اضطرابات إمدادات النفط الناجمة عن الصراع الأميركي - الإسرائيلي - الإيراني المستمر إلى تصاعد المخاوف بشأن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي»، بلغت قيمة التدفقات الخارجة من صناديق الأسهم العالمية 7.05 مليار دولار خلال الأسبوع، وهو أعلى مستوى منذ الأسبوع المنتهي في 17 ديسمبر 2025، الذي شهد تدفقات خارجة بلغت 46.68 مليار دولار، وفق «رويترز».

وتجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل يوم الجمعة، في وقت تعاني فيه أسواق النفط العالمية ما وصفه المتداولون بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعد أن توقفت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز بشكل شبه كلي.

في الوقت نفسه، ارتفع مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو للخيارات، المعروف في وول ستريت باسم «مقياس الخوف»، إلى 28.15 نقطة في وقت سابق من هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يعكس ارتفاع حالة عدم اليقين في الأسواق.

وعلى صعيد التدفقات الإقليمية، سجلت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات خارجة بنحو 7.77 مليار دولار، بعد صافي مبيعات أسبوعية بلغ 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. كما سحب المستثمرون نحو 7.71 مليار دولار من الصناديق الأوروبية، في حين استقطبت الصناديق الآسيوية تدفقات داخلة بقيمة 6.15 مليار دولار.

أما صناديق الأسهم القطاعية فسجلت صافي مبيعات بلغ 2.71 مليار دولار، مع تخارج المستثمرين من صناديق القطاع المالي والرعاية الصحية بقيمة 2.31 مليار دولار و1.31 مليار دولار على التوالي، في حين اجتذبت صناديق القطاع الصناعي تدفقات داخلة بلغت 1.31 مليار دولار.

وقال راي شارما-أونغ، نائب الرئيس العالمي لحلول الأصول المتعددة في شركة «أبردين» للاستثمارات، إن التراجع الأخير في أسواق الأسهم في شمال آسيا يبدو غير متناسب مع الأساسيات الاقتصادية. وأضاف أن استقرار المخاطر الجيوسياسية قد يؤدي إلى انعكاس سريع في مراكز الاستثمار ومعنويات المستثمرين، ما قد يفتح المجال أمام انتعاش قوي في المنطقة.

في المقابل، تراجعت التدفقات الأسبوعية إلى صناديق السندات العالمية إلى أدنى مستوى لها في عشرة أسابيع عند 5.72 مليار دولار. وسجلت صناديق السندات عالية العائد صافي مبيعات بقيمة 3.17 مليار دولار، وهو أكبر تدفق خارجي أسبوعي منذ منتصف أبريل (نيسان) 2025.

وعلى النقيض، ارتفعت التدفقات الداخلة إلى صناديق السندات قصيرة الأجل إلى أعلى مستوى لها في أربعة أسابيع، مسجلة 5.75 مليار دولار، في حين جذبت صناديق أسواق المال 6.93 مليار دولار، محققة تدفقات إيجابية للأسبوع السابع على التوالي مع توجه المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً.

ومع ذلك، شهدت صناديق السلع المرتبطة بالذهب والمعادن الثمينة صافي تدفقات خارجة قدرها 2.84 مليار دولار، بعدما سجلت صافي مبيعات خلال ثلاثة أسابيع من الأسابيع الأربعة الماضية.

كما تعرضت الأسواق الناشئة لضغوط بيعية، حيث سحب المستثمرون نحو 2.69 مليار دولار من صناديق الأسهم بعد موجة شراء صافية استمرت 11 أسبوعاً. وأظهرت بيانات شملت 28,809 صندوقاً أن صناديق السندات في الأسواق الناشئة سجلت أيضاً تدفقات خارجة أسبوعية صافية بلغت 656 مليون دولار.

وفي التفاصيل، تعرضت صناديق الأسهم الأميركية لضغوط بيعية للأسبوع الثاني على التوالي، وباع المستثمرون ما قيمته 7.77 مليار دولار من صناديق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع، بعد صافي مبيعات بلغ نحو 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. وجاء ذلك بالتزامن مع قفزة حادة في أسعار النفط؛ إذ ارتفع الخام الأميركي بنسبة 9.7 في المائة يوم الخميس، لتصل مكاسبه منذ بداية الشهر إلى نحو 42.88 في المائة، وسط ما وصفه المتداولون بأكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعدما كادت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز أن تتوقف بالكامل.

وعلى مستوى القطاعات، سجلت صناديق الأسهم ذات رؤوس الأموال الكبيرة والمتوسطة والصغيرة صافي تدفقات خارجة بلغت 20.98 مليار دولار و405 ملايين دولار و8 ملايين دولار على التوالي، في حين استقطبت صناديق الأسهم متعددة رؤوس الأموال تدفقات داخلة أسبوعية صافية قدرها 9.32 مليار دولار.

كما تخلى المستثمرون عن صناديق أسهم النمو بقيمة 4.48 مليار دولار، بينما واصلوا التوجه نحو صناديق القيمة للأسبوع الخامس على التوالي، بضخ استثمارات بلغت 2.91 مليار دولار.

في المقابل، حافظت صناديق السندات على جاذبيتها للأسبوع العاشر على التوالي، مسجلة صافي تدفقات داخلة بنحو 8.21 مليار دولار. واستقطبت صناديق السندات الحكومية وصناديق الخزانة قصيرة إلى متوسطة الأجل نحو 4.05 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 24 ديسمبر.

كما جذبت صناديق السندات ذات التصنيف الاستثماري قصيرة إلى متوسطة الأجل وصناديق ديون البلديات صافي مشتريات بقيمة 2.77 مليار دولار و614 مليون دولار على التوالي.

وفي الوقت نفسه، سجلت صناديق أسواق المال الأميركية تدفقات داخلة صافية تقارب 1.5 مليار دولار، ليواصل المستثمرون ضخ السيولة فيها للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل سعيهم إلى الملاذات الأكثر أماناً.


تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
TT

تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)

تواجه الصين تحديات اقتصادية متزايدة مع استمرار ضعف الطلب على الائتمان وتباطؤ النشاط الاقتصادي، ما دفع الحكومة إلى التحرك على مسارين متوازيين، هما تشديد الرقابة على الإعانات المالية التي تقدمها الحكومات المحلية، وفي الوقت نفسه البحث عن أدوات جديدة لدعم النمو وتحفيز الطلب الداخلي.

وتأتي هذه الخطوات في وقت أظهرت فيه بيانات رسمية تراجع القروض المصرفية الجديدة بأكثر من المتوقع خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، ما يعكس استمرار الحذر لدى الشركات والأسر في ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وأعلن مجلس الدولة الصيني خلال اجتماع برئاسة رئيس الوزراء لي تشيانغ عن توجه جديد لتنظيم سياسات الدعم المالي التي تقدمها الحكومات المحلية.

وحسب وسائل الإعلام الرسمية، تعتزم بكين إنشاء آلية قائمة سلبية تحدد الحالات التي يُمنع فيها على السلطات المحلية تقديم إعانات مالية، في خطوة تهدف إلى الحد من التشوهات في المنافسة وتعزيز بناء سوق وطنية موحدة. ويرى صناع القرار في بكين أن الدعم المالي المحلي غير المنظم قد يؤدي إلى منافسة غير متكافئة بين المناطق الصينية؛ إذ تسعى بعض الحكومات المحلية إلى جذب الاستثمارات عبر حوافز مالية كبيرة قد تُضعف كفاءة السوق وتخلق اختلالات في توزيع الموارد. ولذلك شدد مجلس الدولة على ضرورة تحسين «دقة السياسات وفاعليتها» واعتماد إجراءات عملية أكثر انضباطاً في تقديم الدعم الحكومي.

• تباطؤ الائتمان

ويأتي هذا التحرك التنظيمي في وقت تواجه فيه الصين تباطؤاً ملحوظاً في الطلب على الائتمان. فقد أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن القروض الجديدة المقومة باليوان بلغت نحو 900 مليار يوان (130 مليار دولار) في فبراير، منخفضة بشكل حاد مقارنة بـ4.71 تريليون يوان في يناير (كانون الثاني)، وأقل من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 979 مليار يوان.

ورغم أن تراجع الإقراض في فبراير يُعد ظاهرة موسمية إلى حد ما بسبب زيادة القروض في بداية العام وعطلة رأس السنة القمرية التي تقلل النشاط الاقتصادي، فإن البيانات تشير أيضاً إلى ضعف هيكلي في الطلب، خصوصاً من جانب الأسر. فقد سجلت قروض الأسر، بما في ذلك قروض الرهن العقاري، انخفاضاً بنحو 650.7 مليار يوان خلال الشهر، بعدما كانت قد ارتفعت في يناير بنحو 456.5 مليار يوان.

ويعكس هذا التراجع استمرار تأثير أزمة سوق العقارات الممتدة منذ سنوات، والتي أضعفت ثقة المستهلكين وأثرت على الإنفاق والاقتراض. كما يشير محللون إلى أن برامج دعم فوائد القروض الاستهلاكية التي أطلقتها الحكومة لم تحقق حتى الآن تأثيراً كبيراً في تحفيز الطلب، حيث لم ترتفع قروض الأسر إلا بنسبة طفيفة للغاية على أساس سنوي. وفي المقابل، أظهرت البيانات أن قروض الشركات سجلت انتعاشاً محدوداً، وهو ما قد يعكس تأثير إجراءات التيسير النقدي الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي الصيني. فقد أكد محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، أن بلاده ستواصل اتباع سياسة نقدية توسعية معتدلة خلال العام الحالي، مع استخدام أدوات مثل خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي وأسعار الفائدة بشكل مرن لدعم الاقتصاد.

• مخاوف التضخم

بعض الاقتصاديين يرون أن المجال المتاح لمزيد من التيسير النقدي قد يكون محدوداً في الأجل القريب. فحسب تشو هاو، كبير الاقتصاديين في شركة غوتاي جونان الدولية، فإن المخاوف المتعلقة بالتضخم قد تقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي قريباً، ما يعني أن الجزء الأكبر من الدعم الاقتصادي قد يأتي عبر السياسة المالية وليس النقدية.

وفي هذا السياق، أعلنت بكين بالفعل مجموعة من الإجراءات لتعزيز الطلب المحلي ودعم القطاعات الاستراتيجية. فقد حددت الحكومة هدف نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة لعام 2026، وهو أقل قليلاً من هدف العام الماضي، في إشارة إلى توقعات أكثر حذراً لمسار الاقتصاد. كما كشفت السلطات عن خطط لضخ 300 مليار يوان في البنوك الحكومية الكبرى لتعزيز قدرتها على الإقراض ودعم الاستقرار المالي. إضافة إلى ذلك، ستخصص الحكومة 250 مليار يوان من سندات الخزانة الخاصة طويلة الأجل لتمويل برامج استبدال السلع الاستهلاكية، في محاولة لتحفيز الاستهلاك المحلي وتعزيز الطلب الداخلي.

وأظهرت بيانات السيولة أن المعروض النقدي الواسع (M2) ارتفع بنسبة 9 في المائة في فبراير مقارنة بالعام السابق، متجاوزاً توقعات السوق، في حين ارتفع المعروض النقدي الأضيق (M1) إلى 5.9 في المائة. كما استقر نمو إجمالي التمويل الاجتماعي – وهو مؤشر واسع للائتمان والسيولة في الاقتصاد – عند 8.2 في المائة.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن السلطات الصينية تحاول تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي ومنع تراكم المخاطر المالية، خصوصاً في ظل مستويات الدين المرتفعة لدى الحكومات المحلية والشركات.

• خاتمة

تعكس الإجراءات الأخيرة لبكين توجهاً مزدوجاً يجمع بين تشديد الرقابة على الدعم الحكومي المحلي وتعزيز أدوات التحفيز الاقتصادي على المستوى الوطني. وبينما تسعى الصين إلى الحفاظ على استقرار سوقها الداخلية وتحفيز الطلب، يبقى نجاح هذه السياسات مرهوناً بقدرتها على إعادة الثقة إلى المستهلكين والشركات في مرحلة حساسة من مسار الاقتصاد الصيني.


تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
TT

تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)

أظهرت بيانات صادرة عن «يوروستات» انخفاضاً غير متوقع في الإنتاج الصناعي بمنطقة اليورو خلال يناير (كانون الثاني)، حيث سجَّلت غالبية الدول الكبرى في المنطقة تراجعاً، ما يثير المخاوف حول تعافي القطاع الذي طال انتظاره، في ظلِّ استمرار زيادة تكاليف الطاقة التي تضيف أعباء جديدة على قطاع يعاني منذ سنوات.

وأفادت البيانات بأنَّ الإنتاج في الدول الـ21 التي تشترك في عملة اليورو انخفض بنسبة 1.5 في المائة خلال الشهر، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 0.6 في المائة، مع تسجيل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا انخفاضات كبيرة.

وعلى أساس سنوي، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة مقارنة بالعام السابق، مقابل توقعات بنمو 1.4 في المائة وفق استطلاع أجرته «رويترز» لآراء الاقتصاديين، وهو تراجع تفاقم بعد قيام «يوروستات» بمراجعة أرقام ديسمبر (كانون الأول). ويشهد قطاع الصناعة في منطقة اليورو ركوداً ممتداً، حيث يقل الإنتاج حالياً بنسبة 3 في المائة عن مستويات عام 2021، متأثراً بعوامل عدة، منها ارتفاع تكاليف الطاقة، والمنافسة الشديدة من الصين، والتعريفات الأميركية، وضعف نمو الإنتاجية، وانخفاض الطلب العالمي على السيارات الأوروبية.

وكان صناع السياسات يأملون أن يشهد عام 2026 بداية انتعاش اقتصادي جزئي، بفضل الجهود المستمرة لدعم الإنتاجية، إلا أنَّ أرقام يناير والارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية يشيران إلى احتمال استمرار الاضطرابات.

وقال بيرت كولين، الخبير الاقتصادي في بنك «آي إن جي»: «يتلاشى التفاؤل في قطاع التصنيع بمنطقة اليورو مع انخفاض الإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوى له منذ عام 2024 في يناير، وقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى تجدُّد مخاطر الإنتاج، خصوصاً في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة».

ويُلقي الانكماش في آيرلندا بظلاله على المنطقة، حيث سجَّل إنتاج الطاقة ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالشهر السابق، بينما تراجع إنتاج السلع المعمرة وغير المعمرة والسلع الوسيطة بشكل حاد؛ بسبب وجود عدد كبير من الشركات متعددة الجنسيات التي تؤثر على تقلبات الأرقام بشكل كبير.

وكانت ألمانيا، أكبر دولة في منطقة اليورو وصانعة السيارات المهيمنة، من بين الأكثر تضرراً، حيث انخفض إنتاجها بنسبة 9 في المائة عن مستويات عام 2021، وتشير أرقام الطلبات الضعيفة إلى استمرار الوضع دون تحسن قريب. ويشهد الإنتاج الألماني تراجعاً مستمراً منذ سنوات، ما أسهم في ركود الاقتصاد الألماني خلال السنوات الثلاث الماضية، رغم توقع حدوث انتعاش جزئي هذا العام بفضل الإنفاق الحكومي الكبير على الدفاع والبنية التحتية.

ومع ذلك، يُهدِّد الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة أي انتعاش محتمل، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو الثلثين منذ بداية العام، وارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 80 في المائة؛ نتيجة الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في إيران، ما يُشكِّل ضربةً مزدوجةً للصناعة من خلال رفع التكاليف وتقليل القدرة الشرائية.

وقال دييغو إسكارو من شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «يعتمد القطاع الصناعي الأوروبي بشكل كبير على النفط والغاز المستورَدين، وهو معرض أيضاً لاضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الصراع».

وتُعدُّ أوروبا مستورداً صافياً للطاقة، ما يجعل صناعتها حساسة بشكل خاص لصدمات أسعار السلع الأساسية نظراً لمحدودية مواردها الطبيعية نسبياً.