البنوك المركزية الكبرى أسيرة «فخ التضخم»

أغلبها على مسار التشديد... وبعضها يمضي «عكس الاتجاه»

تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)
تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)
TT

البنوك المركزية الكبرى أسيرة «فخ التضخم»

تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)
تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)

في ظل معركة شرسة تخوضها كبرى البنوك المركزية في مواجهة مخاطر التضخم العالمي، تحركت غالبيتها - وإن كان بسرعات متفاوتة - في اتجاه التحول من التيسير النقدي الباذخ الذي اعتمد كأساس خلال العقد الأخير تقريباً، إلى تشديد نقدي يسمح بكبح التضخم الجامح والحفاظ على السيولة داخل النظم المصرفية.
وبعدما بدأ بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) الخطوة الجبارة واضعاً نقطة البداية العالمية في نهاية العام الماضي، تلاه الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي) على المسار، ثم أخيراً أعلن البنك المركزي الأوروبي، أنه سيقوم بالخطوة ذاتها بدءاً من يوليو (تموز) المقبل؛ ليبقى بنك اليابان المركزي وحيداً في الاتجاه المعاكس.
سيل من التشدد
وكان بنك إنجلترا المركزي، رفع سعر الفائدة من 0.1 إلى 0.25 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) 2021، ثم إلى 0.5 في المائة في فبراير (شباط) 2022، ثم مرة أخرى إلى 0.75 في المائة في مارس (آذار)، قبل أن يرفعها مؤخراً في مايو (أيار) إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى في 13 عاماً (منذ 2009)... وذلك بعدما وصل التضخم في بريطانيا إلى أعلى مستوى في 30 عاماً عند 7 في المائة خلال مارس الماضي، أي أكثر من ثلاثة أضعاف هدف البنك.
وفي مارس أيضاً، أقرّ مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع معدلات الفائدة على الأموال الفيدرالية ربع نقطة مئوية لتصبح 0.5 في المائة، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2018. وقالت «لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية»، إن تداعيات الحرب في أوكرانيا ستتسبب «على الأرجح بضغط يؤدي إلى ازدياد التضخم ويؤثر على النشاط الاقتصاد»، في حين أشارت إلى أن «زيادات متواصلة في المعدل ستكون مناسبة».
وفي مايو، رفع الفيدرالي سعر الفائدة القياسي بمقدار نصف نقطة مئوية، وهي الخطوة الأكثر تشديداً حتى الآن في معركته ضد ارتفاع التضخم لأعلى مستوياته في 40 عاماً. وينتظر بشكل واسع أن يقوم المجلس برفع جديد خلال الشهر الحالي.
ويوم الخميس، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد في مؤتمر بأمستردام، إن مخاطر التضخم «مرتفعة»، وإن «توقعات التضخم على المدى المتوسط تتضمن تفاقماً مستمراً للقدرة الإنتاجية لاقتصادنا وارتفاعاً دائماً لأسعار الطاقة والغذاء»، مضيفة، أن «توقعات التضخم فوق هدفنا وأعلى من الزيادات المتوقعة للأجور... ومعايرة سياستنا النقدية سوف تستمر في الاعتماد على البيانات».
ويشار إلى أن البنك المركزي الأوروبي تمهل في اتخاذ خطوات، مقارنة بالبنوك الغربية الأخرى مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي اعتبر الضغوط التضخمية مؤقتة، ولكنه الآن يرفع معدل الفائدة لأول مرة منذ عام 2011.
موقف شديد التأخر
وتعليقاً على الخطوة الأوروبية، أعرب رئيس معهد «إيفو» الألماني الاقتصادي، كليمنس فوست، عن اعتقاده بأنها جاءت بعد فوات الأوان. وقال «لم يكن من المقبول أن يتمسك البنك المركزي الأوروبي بأسعار الفائدة السلبية وعمليات شراء السندات حتى اليوم، مع وصول معدل التضخم إلى 8 في المائة». وأضاف «لا شك في أن السياسة النقدية جاءت متأخرة للغاية»، متوقعاً الانزلاق إلى الركود بقوله «نعم للأسف».
وأعرب فوست عن اعتقاده بخطورة ارتفاع الديون مع ارتفاع أسعار الفائدة بالنسبة لدول اليورو المثقلة بالديون بالفعل. ورأى أنه عندما تنتهي فترة الأموال الرخيصة وشراء البنك المركزي الأوروبي للسندات، سيتعين على الحكومات أن تحدد ما هي النفقات الضرورية.
وقال، إن استمرار تخفيف قواعد الديون المعلقة حالياً ستكون مجرد «إشارة على تراجع مراعاة الاستدامة في السياسة المالية عما كان عليه الحال إلى الآن»... ولفت إلى أنه لا ينبغي الإفراط في التوقعات المنتظرة من القواعد الخاصة بضبط الديون.
ومن المقرر أن ينهي البنك المركزي الأوروبي مشترياته من السندات هذا الشهر؛ ما يعني أن رفع الفائدة يمكن أن يبدأ في النصف الثاني من 2022، ليصبح بنك اليابان المركزي الوحيد بين أقرانه الذي يطبق سياسة للتيسير النقدي.
موقف مختلف
وفي مطلع الأسبوع، اعتبر محافظ البنك المركزي الياباني هاروهيكو كورودا، أن التشديد النقدي ليس إجراءً «مناسباً» على الإطلاق لبنك اليابان، معللاً بأن الاقتصاد المحلي لا يزال في خضم التعافي من جائحة كورونا، فضلاً عن الارتفاع الكبير الذي تشهده أسعار السلع والذي يؤدي إلى زيادة الضغط النزولي على الاقتصاد المحلي.
وأكد كورودا، أن المركزي الياباني لن يتردد في التيسير النقدي القوي لدعم الاقتصاد وضمان نمو أقوى للأجور، قائلاً «على عكس البنوك المركزية الأخرى، فإن البنك لم يواجه المفاضلة بين الاستقرار الاقتصادي واستقرار الأسعار... لهذا السبب؛ من الممكن بالتأكيد للبنك أن يواصل تحفيز الطلب الكلي من الجانب المالي».
وعززت تصريحات كورودا وجهة النظر القائلة بأن بنك اليابان سيظل بعيداً عن البنوك المركزية الرئيسية التي تنتقل إلى سياسة نقدية أكثر تشدداً لكبح جماح التضخم المرتفع.
تحرك عكسي
ولا يخلو الأمر من تحركات عكسية أيضاً؛ إذ إن البنك المركزي الروسي على سبيل المثال بادر مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا برفع هائل للفائدة بشكل طارئ من 10.5 إلى 20 في المائة في نهاية فبراير حفاظاً على سلامة العملة المحلية والاستثمارات من الهروب تزامناً مع توقع سيل من العقوبات الغربية. لكن البنك لم يلبث أن بدأ سلسلة عكسية من الخفض السريع للفائدة، لتعود إلى مستوى 9.5 في المائة قبل أيام، مع توقعات ربما بمزيد من الخفض.
آراء وتوقعات
ويرى كبير خبراء الاقتصاد بصندوق النقد الدولي، بيير - أوليفييه غورينشا، أنه من «الطبيعي» أن ترفع البنوك المركزية معدلات الفائدة خلال الأشهر المقبلة. قائلاً، إن من «الطبيعي تطبيع السياسة النقدية، التي ظلت ملائمة بصورة كبيرة على مدار العامين الماضيين». وأضاف، أن البنوك المركزية عليها أن تقوم بدور عندما يكون هناك عنصر تضخم ناجم عن الطلب، كما هو الحال الآن. وأوضح، أن هناك عنصراً في التضخم اليوم نتيجة للإجراءات الاقتصادية المتعلقة بـ«كورونا» من العامين الماضيين.
لكن هذه الخطوة يجب أن تكون محكمة ومؤقتة بحسب الملياردير راي داليو، مؤسس صندوق التحوط «بريدج ووتر أسوشيتس»، الذي قال، إن البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم سوف تكون ملزمة بخفض أسعار الفائدة في عام 2024 بعد فترة من تقيد الركود التضخمي لاقتصاداتها، وفقا لصحيفة «أستراليان فاينانشيال ريفيو».
وقال داليو «نعتقد أننا في وضع تشديد يمكن أن يتسبب في تصحيحات أو تحركات هبوطية للعديد من الأصول المالية... سيصبح ألم ذلك عظيماً، وسيجبر ذلك البنوك المركزية على التخفيف مرة أخرى على الأرجح في وقت قريب من الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2024».
لكن هذه الرؤى لا تخلو من انتقادات بدورها، مع توجيه مزيد من اللوم إلى البنوك المركزية التي أخطأت التقدير في بدايات الأزمة، وبالتالي تأخرت كثيراً في التحرك، لتصبح حالياً مغلولة اليد إلى حد بعيد.
انتقادات عنيفة
ويقول المحلل الاقتصادي ماركوس أشوورث، في تحليل نشرته «بلومبرغ»، إن الزيادات الأخيرة في أسعار الفائدة والتي جاءت متأخرة وقليلة للغاية وتقليص الميزانيات لن تمنع معدلات التضخم من الوصول إلى أكثر من 10 في المائة. في الوقت نفسه، فإن تبني سياسات نقدية تدفع الاقتصاد في اتجاه الركود بعد سنوات من تبني سياسات نقدية فائقة المرونة لن يكون سوى فشل جديد بنكهة مختلفة. والمطلوب، بحسب أشوورث الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في العمل في القطاع المصرفي، هو أن تتحمل السياسات المالية جزءاً أكبر من عبء تنشيط الاقتصاد.
وبعد فترة قصيرة من التفكير المشترك بين البنوك المركزية والحكومات عندما زاد الإنفاق الحكومي بالتنسيق مع برامج التحفيز المبتكرة من جانب البنوك المركزية، عدنا إلى الوضع الذي تكون فيه البنوك المركزية هي الحصن الوحيد ضد الركود، بحسب أشوورث. فالانفصال الحالي بين مستويات السياسة المالية التي تضعها الحكومات والسياسة النقدية التي تضعها البنوك المركزية يضع صناع السياسة النقدية والمسؤولين عن الاستقرار المالي واستقلالهم عن الحكومة في دائرة الهجوم بشكل خطير.
ولا تملك البنوك المركزية سيطرة تذكر على جانب العرض في الاقتصاد، لكنها تستطيع بالتأكيد خنق الطلب الذي سعت خلال السنوات السابقة إلى تشجيعه وتحفيزه بسخاء. في المقابل، تستطيع الحكومات تشجيع جانب الإنتاج والعرض، لكن عندما يكون ذلك مبرراً من الناحية التجارية. وتحتاج مشروعات البنية التحتية والمشروعات العملاقة إلى وقت طويل قبل أن تؤتي ثمارها، لكن هناك الكثير الذي يمكن أن تحققه السياسة المالية في هذا الشأن، بخاصة من خلال خفض الضرائب والحوافز الاستثمارية.
وفي أميركا، لا يرى مجلس الفيدرالي عقبات أمام تشديد السياسة النقدية وبوتيرة متسارعة. وسيؤدي هذا إلى تزايد التباين في أسعار الفائدة بين العملة الأميركية والعملات الرئيسية الأخرى، وهو ما يدفع بالدولار إلى المزيد من الارتفاع ويسبب الفوضى في سوق الصرف، وبخاصة في الاقتصادات الصاعدة. ولكن ليس أمام البنك المركزي الأميركي خيارات كثيرة غير التخلص من حزم التحفيز الحكومية الضخمة.
ويسعى كل من الفيدرالي وبنك إنجلترا إلى تهدئة وتيرة النشاط الاقتصادي وكبح جماح الطلب الاستهلاكي من خلال تشديد السياسة النقدية. لكن هذا لا يخاطر فقط بإهدار تريليونات الدولارات التي تم إنفاقها على جهود التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا، وإنما يهدد أيضاً بخروج الأمور كلها عن السيطرة. وفي هذه الحالة يمكن أن يكون العلاج الذي يلجأ إليه البنكان المركزيان أسوأ من المرض نفسه، مع تآكل الثقة المتراجعة بالفعل في قدرة البنوك المركزية على القيام بواجباتها.


مقالات ذات صلة

النفط يحوم قرب أعلى مستوياته في 7 أشهر قبيل المحادثات الأميركية الإيرانية

الاقتصاد ناقلة النفط «أيونيك أناكس» المستأجرة من قبل شركة «شيفرون» راسية في بحيرة ماراكايبو، فنزويلا (رويترز)

النفط يحوم قرب أعلى مستوياته في 7 أشهر قبيل المحادثات الأميركية الإيرانية

حامت أسعار النفط قرب أعلى مستوياتها في سبعة أشهر يوم الأربعاء، وسط مخاوف المستثمرين من نشوب صراع عسكري بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد امرأة تمر أمام متجر لبيع الذهب في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

الذهب يزحف نحو 5200 دولار بدعم من فوضى الرسوم وعودة السوق الصينية

ارتفعت أسعار الذهب، يوم الأربعاء، مع إقبال المستثمرين على المعدن النفيس كملاذ آمن خلال التداولات الآسيوية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

واشنطن تلتف على المحكمة العليا بتحقيقات أمنية ورسوم طوارئ

تستعد الولايات المتحدة لإطلاق سلسلة من التحقيقات الإضافية المتعلقة بالأمن القومي، لتمكين الرئيس دونالد ترمب من فرض رسوم جمركية جديدة.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد حقل غرب القرنة النفطي في البصرة جنوب شرقي بغداد (رويترز)

النفط في أعلى مستوياته من 7 أشهر وسط توترات إيران

اقتربت أسعار النفط، يوم الثلاثاء، من أعلى مستوياتها في 7 أشهر، حيث يُقيّم المتداولون المخاطر الجيوسياسية قبيل جولة جديدة من المحادثات بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام تعرض في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع من أعلى مستوى في 3 أسابيع وسط عمليات جني أرباح

تراجعت أسعار الذهب يوم الثلاثاء مع جني المستثمرين للأرباح بعد ارتفاع المعدن النفيس بأكثر من 2 في المائة في الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تفاقم خسائر شركة «كيان» السعودية 27 % في 2025 إلى 613 مليون دولار

مبنى شركة «كيان» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
مبنى شركة «كيان» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

تفاقم خسائر شركة «كيان» السعودية 27 % في 2025 إلى 613 مليون دولار

مبنى شركة «كيان» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
مبنى شركة «كيان» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

سجلت شركة «كيان السعودية للبتروكيماويات» ارتفاعاً في صافي خسائرها خلال عام 2025 بنسبة 27.2 في المائة، لتصل إلى نحو 2.3 مليار ريال (613 مليون دولار)، مقارنة بـ1.8 مليار ريال (479.7 مليون دولار) في عام 2024.

وأوضحت الشركة، في بيان لها على موقع سوق الأسهم السعودية (تداول)، الأربعاء، أن ارتفاع صافي الخسارة خلال العام الماضي يعود بشكل رئيسي إلى انخفاض متوسط أسعار بيع المنتجات، وذلك رغم ارتفاع الكميات المبيعة وتحقيق مستويات أفضل في اعتمادية المصانع، وهو ما انعكس إيجاباً على الكفاءة التشغيلية.

وتراجعت إيرادات الشركة بنسبة 3 في المائة على أساس سنوي، لتبلغ 8.4 مليار ريال (2.2 مليار دولار)، مقارنة بـ8.7 مليار ريال (2.3 مليار دولار) في العام السابق.

وحول المركز المالي، بلغت الخسائر المتراكمة للشركة نحو 6.5 مليار ريال (1.7 مليار دولار)، مما يمثّل 43.4 في المائة من رأس المال.

كما أفادت الشركة بأن حقوق المساهمين (من دون حقوق الأقلية) بنهاية عام 2025 بلغت 9.17 مليار ريال، مقابل 11.5 مليار ريال في نهاية عام 2024.


عجز موازنة ألمانيا يسجِّل مستوى أعلى من المتوقع في 2025

العلم الألماني يرفرف أمام مبنى الرايخستاغ (رويترز)
العلم الألماني يرفرف أمام مبنى الرايخستاغ (رويترز)
TT

عجز موازنة ألمانيا يسجِّل مستوى أعلى من المتوقع في 2025

العلم الألماني يرفرف أمام مبنى الرايخستاغ (رويترز)
العلم الألماني يرفرف أمام مبنى الرايخستاغ (رويترز)

سجَّل العجز في المالية العامة لألمانيا خلال عام 2025 مستوى أعلى من التقديرات الأولية، بحسب ما أعلن مكتب الإحصاء الاتحادي في فيسبادن، يوم الأربعاء.

وأوضح المكتب أن عجز الموازنة العامة - التي تضم موازنات الحكومة الاتحادية والولايات والبلديات وأنظمة التأمين الاجتماعي - بلغ 2.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بتقدير أولي سابق عند 2.4 في المائة.

ويعكس هذا التعديل اتساع الفجوة المالية بوتيرة تفوق التوقعات، مما يسلِّط الضوء على استمرار الضغوط على المالية العامة الألمانية.

كما أعلن مكتب الإحصاء أن الاقتصاد الألماني نما بنسبة 0.3 في المائة في الربع الرابع من عام 2025 مقارنة بالربع السابق، مؤكداً بذلك قراءته الأولية.

ثقة المستهلكين تتراجع

على صعيد آخر، أظهر استطلاع رأي نشر يوم الأربعاء أن ثقة المستهلكين في ألمانيا شهدت تراجعاً غير متوقع مع بداية شهر مارس (آذار)، معبراً عن انخفاض ملحوظ في رغبة الأسر بالإنفاق وسط التوترات الجيوسياسية والمخاوف المتعلقة بالسياسات الاجتماعية الحكومية.

وأفاد الاستطلاع، الذي أجرته شركة «جي إف كيه» ومعهد نورمبرغ لقرارات السوق، أن مؤشر ثقة المستهلكين انخفض إلى -24.7 نقطة في مارس، مقارنةً بـ -24.2 نقطة بعد تعديلها في الشهر السابق، مخالفاً لتوقعات المحللين التي كانت تشير إلى ارتفاعه إلى -23.1 نقطة.

وتأثرت الثقة العامة بانخفاض الرغبة في الشراء، حيث بلغ مؤشر «الرغبة في الشراء» -9.3 نقطة في فبراير (شباط) مقابل -4 نقطة في يناير (كانون الثاني)، بينما ساهم ارتفاع مؤشر «الرغبة في الادخار» بمقدار نقطة واحدة في هذا التراجع.

وقال رولف بوركل، رئيس قسم مناخ المستهلك في معهد «نورمبرغ» لقرارات السوق: «رغم أن الاقتصاد يبدو أنه يتعافى بشكل طفيف، ما زال المستهلكون متشككين»، مضيفاً: «من المرجح أن تُبقي التوترات الجيوسياسية، إلى جانب التحديات في السياسة الاجتماعية، على حالة عدم اليقين، وبالتالي على مستوى الرغبة في الادخار».

كما أظهرت النتائج انخفاض توقعات المستهلكين الاقتصادية للأشهر الاثني عشر المقبلة بأكثر من نقطتين شهرياً لتصل إلى 4.3 نقطة، لكنها تظل أعلى بنحو 3 نقاط مقارنة بمستوى العام الماضي.

ويعاني أكبر اقتصاد في أوروبا من صعوبات لتحقيق النمو، وسط ضغوط ناتجة عن حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف الطلب المحلي، مع توقع أن يكون النمو في عام 2026 مدفوعاً إلى حد كبير بعوامل إحصائية وزمنية.


ترمب يضغط لحظر تداول أسهم المشرّعين فوراً

ترمب خلال إلقائه خطاب «حالة الاتحاد» في قاعة مجلس النواب بمبنى الكابيتول (د.ب.أ)
ترمب خلال إلقائه خطاب «حالة الاتحاد» في قاعة مجلس النواب بمبنى الكابيتول (د.ب.أ)
TT

ترمب يضغط لحظر تداول أسهم المشرّعين فوراً

ترمب خلال إلقائه خطاب «حالة الاتحاد» في قاعة مجلس النواب بمبنى الكابيتول (د.ب.أ)
ترمب خلال إلقائه خطاب «حالة الاتحاد» في قاعة مجلس النواب بمبنى الكابيتول (د.ب.أ)

شهدت قاعة مجلس النواب الأميركي خلال خطاب «حالة الاتحاد» الذي ألقاه الرئيس دونالد ترمب لعام 2026، لحظات استثنائية كسرت حدة الاستقطاب السياسي، حيث توحّدت أصوات الخصوم خلف ملف واحد: «حظر تداول الأسهم لأعضاء الكونغرس». وبينما نال الاقتراح تصفيقاً نادراً من قيادات ديمقراطية، لم يخلُ المشهد من السجالات الحادة والرسائل المباشرة التي استهدفت رموزاً سياسية.

ففي واحدة من أكثر الصور غرابة، شُوهدت السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن، المعروفة بعدائها الشديد لسياسات ترمب، وهي تقف مصفقة بحرارة عندما دعا الرئيس الكونغرس إلى إقرار قانون «منع التداول بناءً على معلومات داخلية» (Stop Insider Trading Act) دون تأخير.

وقال ترمب في خطابه: «في الوقت الذي نضمن فيه تربح جميع الأميركيين من سوق الأسهم الصاعد، دعونا نضمن أيضاً عدم قدرة أعضاء الكونغرس على التربح الفاسد باستخدام معلومات سرية».

استهداف نانسي بيلوسي

لم تدم لحظات التوافق طويلاً، إذ سرعان ما تحول المشهد إلى مواجهة عندما وجّه ترمب انتقاداً لاذعاً إلى رئيسة مجلس النواب السابقة، نانسي بيلوسي، التي تخضع عائلتها لتدقيق مستمر بسبب نجاحاتها في سوق الأوراق المالية.

وتساءل ترمب بسخرية وسط تصفيق أنصاره: «هل وقفت نانسي بيلوسي لهذا المقترح؟.. أشك في ذلك»، وهو ما أثار نظرات غاضبة من بيلوسي التي كانت تدون ملاحظاتها بجانب النائب رو خانا.

في المقابل، رد بعض الديمقراطيين بمطالبة ترمب بأن يشمل الحظر السلطة التنفيذية أيضاً، حيث صرخ النائب مارك تاكانو: «ماذا عنك؟ افعل ذلك بنفسك»، في إشارة إلى ضرورة شمول الرئيس ونائبه بالقيود المالية.

وكانت الإفصاحات المالية قد أظهرت أن بيلوسي أجرت صفقات كبيرة في شركات، من بينها شركات تقنية كبرى. وأشار المنتقدون إلى توقيت بعض هذه الصفقات، مثل صفقات الخيارات في شركات أشباه الموصلات والتكنولوجيا، التي تمت في وقت كان فيه الكونغرس يناقش تشريعات تؤثر على هذه الصناعات. وبينما واجهت بيلوسي تدقيقاً بشأن دلالات هذه الصفقات، لم تصدر أي نتائج رسمية تُثبت انتهاكها قوانين التداول بناءً على معلومات داخلية. وقد تم الإفصاح عن جميع الصفقات وفقاً للمتطلبات القانونية.

تفاصيل القانون

يفرض مشروع القانون المقترح قيوداً غير مسبوقة على الذمة المالية للمسؤولين؛ إذ يلزم المشرعين وأزواجهم وأطفالهم بتصفية محافظهم المالية خلال 180 يوماً من إقرار القانون، مع إلزامهم بتقديم إخطار عام قبل 7 أيام من أي عملية بيع.

ولا تتوقف صرامة التشريع عند الحظر فحسب، بل تمتد لتشمل عقوبات رادعة تتضمّن غرامات تصل إلى 10 في المائة من قيمة الاستثمار المخالف، ومصادرة الأرباح كافّة الناتجة عن الصفقات المشبوهة. كما يضيّق القانون الخناق على «الصناديق العمياء»، مشترطاً التخلص الكامل من الأصول الفردية لضمان الشفافية المطلقة.

رغم الدعم الرئاسي، لا يزال مشروع القانون الذي يقوده رئيس المجلس مايك جونسون يواجه عقبات داخل البيت الجمهوري، حيث يسعى لإقناع نحو 40 عضواً معارضاً.