البنوك المركزية الكبرى أسيرة «فخ التضخم»

أغلبها على مسار التشديد... وبعضها يمضي «عكس الاتجاه»

تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)
تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)
TT

البنوك المركزية الكبرى أسيرة «فخ التضخم»

تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)
تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)

في ظل معركة شرسة تخوضها كبرى البنوك المركزية في مواجهة مخاطر التضخم العالمي، تحركت غالبيتها - وإن كان بسرعات متفاوتة - في اتجاه التحول من التيسير النقدي الباذخ الذي اعتمد كأساس خلال العقد الأخير تقريباً، إلى تشديد نقدي يسمح بكبح التضخم الجامح والحفاظ على السيولة داخل النظم المصرفية.
وبعدما بدأ بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) الخطوة الجبارة واضعاً نقطة البداية العالمية في نهاية العام الماضي، تلاه الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي) على المسار، ثم أخيراً أعلن البنك المركزي الأوروبي، أنه سيقوم بالخطوة ذاتها بدءاً من يوليو (تموز) المقبل؛ ليبقى بنك اليابان المركزي وحيداً في الاتجاه المعاكس.
سيل من التشدد
وكان بنك إنجلترا المركزي، رفع سعر الفائدة من 0.1 إلى 0.25 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) 2021، ثم إلى 0.5 في المائة في فبراير (شباط) 2022، ثم مرة أخرى إلى 0.75 في المائة في مارس (آذار)، قبل أن يرفعها مؤخراً في مايو (أيار) إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى في 13 عاماً (منذ 2009)... وذلك بعدما وصل التضخم في بريطانيا إلى أعلى مستوى في 30 عاماً عند 7 في المائة خلال مارس الماضي، أي أكثر من ثلاثة أضعاف هدف البنك.
وفي مارس أيضاً، أقرّ مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع معدلات الفائدة على الأموال الفيدرالية ربع نقطة مئوية لتصبح 0.5 في المائة، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2018. وقالت «لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية»، إن تداعيات الحرب في أوكرانيا ستتسبب «على الأرجح بضغط يؤدي إلى ازدياد التضخم ويؤثر على النشاط الاقتصاد»، في حين أشارت إلى أن «زيادات متواصلة في المعدل ستكون مناسبة».
وفي مايو، رفع الفيدرالي سعر الفائدة القياسي بمقدار نصف نقطة مئوية، وهي الخطوة الأكثر تشديداً حتى الآن في معركته ضد ارتفاع التضخم لأعلى مستوياته في 40 عاماً. وينتظر بشكل واسع أن يقوم المجلس برفع جديد خلال الشهر الحالي.
ويوم الخميس، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد في مؤتمر بأمستردام، إن مخاطر التضخم «مرتفعة»، وإن «توقعات التضخم على المدى المتوسط تتضمن تفاقماً مستمراً للقدرة الإنتاجية لاقتصادنا وارتفاعاً دائماً لأسعار الطاقة والغذاء»، مضيفة، أن «توقعات التضخم فوق هدفنا وأعلى من الزيادات المتوقعة للأجور... ومعايرة سياستنا النقدية سوف تستمر في الاعتماد على البيانات».
ويشار إلى أن البنك المركزي الأوروبي تمهل في اتخاذ خطوات، مقارنة بالبنوك الغربية الأخرى مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي اعتبر الضغوط التضخمية مؤقتة، ولكنه الآن يرفع معدل الفائدة لأول مرة منذ عام 2011.
موقف شديد التأخر
وتعليقاً على الخطوة الأوروبية، أعرب رئيس معهد «إيفو» الألماني الاقتصادي، كليمنس فوست، عن اعتقاده بأنها جاءت بعد فوات الأوان. وقال «لم يكن من المقبول أن يتمسك البنك المركزي الأوروبي بأسعار الفائدة السلبية وعمليات شراء السندات حتى اليوم، مع وصول معدل التضخم إلى 8 في المائة». وأضاف «لا شك في أن السياسة النقدية جاءت متأخرة للغاية»، متوقعاً الانزلاق إلى الركود بقوله «نعم للأسف».
وأعرب فوست عن اعتقاده بخطورة ارتفاع الديون مع ارتفاع أسعار الفائدة بالنسبة لدول اليورو المثقلة بالديون بالفعل. ورأى أنه عندما تنتهي فترة الأموال الرخيصة وشراء البنك المركزي الأوروبي للسندات، سيتعين على الحكومات أن تحدد ما هي النفقات الضرورية.
وقال، إن استمرار تخفيف قواعد الديون المعلقة حالياً ستكون مجرد «إشارة على تراجع مراعاة الاستدامة في السياسة المالية عما كان عليه الحال إلى الآن»... ولفت إلى أنه لا ينبغي الإفراط في التوقعات المنتظرة من القواعد الخاصة بضبط الديون.
ومن المقرر أن ينهي البنك المركزي الأوروبي مشترياته من السندات هذا الشهر؛ ما يعني أن رفع الفائدة يمكن أن يبدأ في النصف الثاني من 2022، ليصبح بنك اليابان المركزي الوحيد بين أقرانه الذي يطبق سياسة للتيسير النقدي.
موقف مختلف
وفي مطلع الأسبوع، اعتبر محافظ البنك المركزي الياباني هاروهيكو كورودا، أن التشديد النقدي ليس إجراءً «مناسباً» على الإطلاق لبنك اليابان، معللاً بأن الاقتصاد المحلي لا يزال في خضم التعافي من جائحة كورونا، فضلاً عن الارتفاع الكبير الذي تشهده أسعار السلع والذي يؤدي إلى زيادة الضغط النزولي على الاقتصاد المحلي.
وأكد كورودا، أن المركزي الياباني لن يتردد في التيسير النقدي القوي لدعم الاقتصاد وضمان نمو أقوى للأجور، قائلاً «على عكس البنوك المركزية الأخرى، فإن البنك لم يواجه المفاضلة بين الاستقرار الاقتصادي واستقرار الأسعار... لهذا السبب؛ من الممكن بالتأكيد للبنك أن يواصل تحفيز الطلب الكلي من الجانب المالي».
وعززت تصريحات كورودا وجهة النظر القائلة بأن بنك اليابان سيظل بعيداً عن البنوك المركزية الرئيسية التي تنتقل إلى سياسة نقدية أكثر تشدداً لكبح جماح التضخم المرتفع.
تحرك عكسي
ولا يخلو الأمر من تحركات عكسية أيضاً؛ إذ إن البنك المركزي الروسي على سبيل المثال بادر مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا برفع هائل للفائدة بشكل طارئ من 10.5 إلى 20 في المائة في نهاية فبراير حفاظاً على سلامة العملة المحلية والاستثمارات من الهروب تزامناً مع توقع سيل من العقوبات الغربية. لكن البنك لم يلبث أن بدأ سلسلة عكسية من الخفض السريع للفائدة، لتعود إلى مستوى 9.5 في المائة قبل أيام، مع توقعات ربما بمزيد من الخفض.
آراء وتوقعات
ويرى كبير خبراء الاقتصاد بصندوق النقد الدولي، بيير - أوليفييه غورينشا، أنه من «الطبيعي» أن ترفع البنوك المركزية معدلات الفائدة خلال الأشهر المقبلة. قائلاً، إن من «الطبيعي تطبيع السياسة النقدية، التي ظلت ملائمة بصورة كبيرة على مدار العامين الماضيين». وأضاف، أن البنوك المركزية عليها أن تقوم بدور عندما يكون هناك عنصر تضخم ناجم عن الطلب، كما هو الحال الآن. وأوضح، أن هناك عنصراً في التضخم اليوم نتيجة للإجراءات الاقتصادية المتعلقة بـ«كورونا» من العامين الماضيين.
لكن هذه الخطوة يجب أن تكون محكمة ومؤقتة بحسب الملياردير راي داليو، مؤسس صندوق التحوط «بريدج ووتر أسوشيتس»، الذي قال، إن البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم سوف تكون ملزمة بخفض أسعار الفائدة في عام 2024 بعد فترة من تقيد الركود التضخمي لاقتصاداتها، وفقا لصحيفة «أستراليان فاينانشيال ريفيو».
وقال داليو «نعتقد أننا في وضع تشديد يمكن أن يتسبب في تصحيحات أو تحركات هبوطية للعديد من الأصول المالية... سيصبح ألم ذلك عظيماً، وسيجبر ذلك البنوك المركزية على التخفيف مرة أخرى على الأرجح في وقت قريب من الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2024».
لكن هذه الرؤى لا تخلو من انتقادات بدورها، مع توجيه مزيد من اللوم إلى البنوك المركزية التي أخطأت التقدير في بدايات الأزمة، وبالتالي تأخرت كثيراً في التحرك، لتصبح حالياً مغلولة اليد إلى حد بعيد.
انتقادات عنيفة
ويقول المحلل الاقتصادي ماركوس أشوورث، في تحليل نشرته «بلومبرغ»، إن الزيادات الأخيرة في أسعار الفائدة والتي جاءت متأخرة وقليلة للغاية وتقليص الميزانيات لن تمنع معدلات التضخم من الوصول إلى أكثر من 10 في المائة. في الوقت نفسه، فإن تبني سياسات نقدية تدفع الاقتصاد في اتجاه الركود بعد سنوات من تبني سياسات نقدية فائقة المرونة لن يكون سوى فشل جديد بنكهة مختلفة. والمطلوب، بحسب أشوورث الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في العمل في القطاع المصرفي، هو أن تتحمل السياسات المالية جزءاً أكبر من عبء تنشيط الاقتصاد.
وبعد فترة قصيرة من التفكير المشترك بين البنوك المركزية والحكومات عندما زاد الإنفاق الحكومي بالتنسيق مع برامج التحفيز المبتكرة من جانب البنوك المركزية، عدنا إلى الوضع الذي تكون فيه البنوك المركزية هي الحصن الوحيد ضد الركود، بحسب أشوورث. فالانفصال الحالي بين مستويات السياسة المالية التي تضعها الحكومات والسياسة النقدية التي تضعها البنوك المركزية يضع صناع السياسة النقدية والمسؤولين عن الاستقرار المالي واستقلالهم عن الحكومة في دائرة الهجوم بشكل خطير.
ولا تملك البنوك المركزية سيطرة تذكر على جانب العرض في الاقتصاد، لكنها تستطيع بالتأكيد خنق الطلب الذي سعت خلال السنوات السابقة إلى تشجيعه وتحفيزه بسخاء. في المقابل، تستطيع الحكومات تشجيع جانب الإنتاج والعرض، لكن عندما يكون ذلك مبرراً من الناحية التجارية. وتحتاج مشروعات البنية التحتية والمشروعات العملاقة إلى وقت طويل قبل أن تؤتي ثمارها، لكن هناك الكثير الذي يمكن أن تحققه السياسة المالية في هذا الشأن، بخاصة من خلال خفض الضرائب والحوافز الاستثمارية.
وفي أميركا، لا يرى مجلس الفيدرالي عقبات أمام تشديد السياسة النقدية وبوتيرة متسارعة. وسيؤدي هذا إلى تزايد التباين في أسعار الفائدة بين العملة الأميركية والعملات الرئيسية الأخرى، وهو ما يدفع بالدولار إلى المزيد من الارتفاع ويسبب الفوضى في سوق الصرف، وبخاصة في الاقتصادات الصاعدة. ولكن ليس أمام البنك المركزي الأميركي خيارات كثيرة غير التخلص من حزم التحفيز الحكومية الضخمة.
ويسعى كل من الفيدرالي وبنك إنجلترا إلى تهدئة وتيرة النشاط الاقتصادي وكبح جماح الطلب الاستهلاكي من خلال تشديد السياسة النقدية. لكن هذا لا يخاطر فقط بإهدار تريليونات الدولارات التي تم إنفاقها على جهود التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا، وإنما يهدد أيضاً بخروج الأمور كلها عن السيطرة. وفي هذه الحالة يمكن أن يكون العلاج الذي يلجأ إليه البنكان المركزيان أسوأ من المرض نفسه، مع تآكل الثقة المتراجعة بالفعل في قدرة البنوك المركزية على القيام بواجباتها.


مقالات ذات صلة

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

الاقتصاد الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

قال مكتب الممثل التجاري الأميركي إن «عدداً قليلاً» من وزراء التجارة في مجموعة العشرين رفضوا دعوات الولايات المتحدة للحد من فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

تحليل إخباري تريليونات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار العوائد والإنتاجية

يضخ العالم أموالاً غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بأن تتجاوز استثمارات مراكز البيانات وحدها 30 تريليون دولار بحلول 2050.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مضخات النفط ومنصاته بالقرب من بحيرة ماراكايبو في باتشاكيرو بفنزويلا (إ.ب.أ)

النفط يقفز 4 % بعد تقارير عن تعزيز عسكري أميركي في الشرق الأوسط

قفزت أسعار النفط بأكثر من 4 في المائة عند التسوية يوم الخميس، بعد تقارير عن إرسال أميركا حاملة طائرات ثالثة و10 آلاف جندي إضافي إلى الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد قطرة تتدلى من فوهة مضخة الوقود في بريمن بألمانيا (د.ب.أ)

واشنطن تضغط على أوروبا لسحب مخزونات الديزل مع تصاعد أزمة المعروض

تصاعد الضغط الأميركي على أوروبا للإسهام في تهدئة أزمة الديزل العالمية، مع مطالبة واشنطن بسحب كميات كبيرة من المخزونات الطارئة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - بروكسل)
الاقتصاد أحد المارة يسير أمام لوحة أسعار الأسهم التي تعرض متوسط ​​مؤشر «نيكي» خارج شركة وساطة في طوكيو (رويترز)

الأسواق الآسيوية تتراجع بعد سبتمبر المضطرب مع بقاء عوائد السندات تحت الضغط

تراجعت الأسهم الآسيوية في مستهل تعاملات أكتوبر (تشرين الأول)، فيما ظلت أسواق السندات تحت الضغط بعد شهر مضطرب.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«وكالة الطاقة الدولية»: الدول الأعضاء ضخَّت 325 مليون برميل من مخزونات النفط

صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)
TT

«وكالة الطاقة الدولية»: الدول الأعضاء ضخَّت 325 مليون برميل من مخزونات النفط

صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في ميناء بهامبورغ (رويترز)

أعلنت «وكالة الطاقة الدولية»، السبت، أن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن 325 مليون برميل من النفط ومشتقاته من المخزونات الاستراتيجية، من أصل 400 مليون تعهَّدت بضخها في مارس (آذار)، بعيد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

يأتي ذلك غداة موافقة دول مجموعة السبع، بالاتفاق مع الوكالة الدولية، على الإفراج فوراً عن 100 مليون برميل من وقود الديزل والنفط الخام لتخفيف المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية الناجمة عن تداعيات الحرب.

ولم توضح مجموعة السبع ما إذا كانت الـ100 مليون برميل تشمل الـ75 مليوناً المتبقية من التعهُّد السابق، أم أنها ستكون إضافة إليها.


قادة أفارقة يدعون من مصر إلى الاستفادة من رؤوس أموال القارة

السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)
السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)
TT

قادة أفارقة يدعون من مصر إلى الاستفادة من رؤوس أموال القارة

السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)
السيسي خلال افتتاحه «منتدى العلمين - أفريقيا» (رئاسة الجمهورية)

دعا قادة أفارقة خلال قمة للأعمال في مصر، السبت، إلى تعبئة الموارد المالية في القارة، مؤكدين أن أفريقيا قادرة على «تحقيق نتائج أفضل بكثير» في تمويل نموها وتقليل اعتمادها على التمويل الخارجي.

وجمع اللقاء، الذي يستمر 3 أيام في مدينة العلمين المصرية على البحر المتوسط، أكثر من 20 رئيس دولة وممثلين عن حكومات، إلى جانب قادة أعمال ومصرفيِّين ومؤسسات تنموية.

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح «منتدى العلمين - أفريقيا» في نسخته الأولى، إن القطاع الخاص في أفريقيا لا يزال المحرِّك الاقتصادي الرئيسي للقارة، إذ يمثِّل أكثر من 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكنه أشار إلى أن الشركات الأفريقية لا تزال أكثر ارتباطاً بالأسواق خارج القارة منها بالدول المجاورة.

وقال: «من اللافت أن نحو 85 في المائة من معاملات القطاع الخاص الأفريقي تتم مع شركات من خارج القارة»، مضيفاً أن المنتدى يهدف إلى مساعدة الشركات الأفريقية على تحديد الفرص الأقرب إليها وبناء شراكات عابرة للحدود.

وقال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، إن تقدماً تحقق، لكن أفريقيا لا تزال تملك إمكانات كبيرة غير مستغَلة. وأضاف: «في عام 2024، بلغت التجارة البينية الأفريقية 220 مليار دولار، ما يمثل 14.4 في المائة من تجارة قارتنا».

ونمت التجارة بين الدول الأفريقية بنسبة 12.4 في المائة في 2024، بعدما سجَّلت انكماشاً بنسبة 5.9 في المائة في العام السابق.

وعدَّ يوسف ذلك أمراً مشجِّعاً، لكنه أضاف أن «أفريقيا قادرة على تحقيق نتائج أفضل بكثير».

ومن المقرر أن يصبح المنتدى حدثاً يُعقَد كل عامين بتفويض من الاتحاد الأفريقي، مع التركيز على البنية التحتية والتجارة والزراعة والرعاية الصحية والتعدين والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.

وبعدما ركَّزت طويلاً على الشرق الأوسط والبحر المتوسط، تتجه مصر بشكل متزايد جنوباً؛ سعياً إلى استعادة نفوذها في قارة وسَّعت فيها الصين وقوى خليجية، لا سيما الإمارات، حضورها الاقتصادي والسياسي.

ويقدر مسؤولون الاستثمارات المصرية في أفريقيا بنحو 14 مليار دولار، بما في ذلك مشروع جوليوس نيريري للطاقة الكهرمائية في تنزانيا بقيمة 3 مليارات دولار.

قطاع السيارات الأفريقي

شهدت فعاليات المنتدى جلسة بعنوان «تحليل معمق للسياسات: سياسات صناعة السيارات» ضمن فعاليات «منتدى الاستثمار في قطاع السيارات بأفريقيا»، الذي عُقد في مدينة العلمين يومَي 2 و3 أكتوبر (تشرين الأول)، وركز على «إطلاق العنان لإمكانات صناعة السيارات في أفريقيا في ظلِّ اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)».

جمع المنتدى - الذي نظَّمه البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank) بالتنسيق مع الرابطة الأفريقية لمصنعي السيارات، ووزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية - نخبة من كبار صناع السياسات والمؤسسات المالية ومصنعي المعدات الأصلية وقادة الصناعة؛ وذلك لبحث سبل جذب مزيد من الاستثمارات في قطاع السيارات، وتعزيز القدرات التصنيعية، وبناء سلاسل قيمة إقليمية أكثر تنافسية.

وأكدت الدكتورة جيهان صالح، المستشارة الاقتصادية في شركة «لينكس» للاستشارات والأبحاث الاقتصادية، التي تشارك في برنامج تنمية صناعة السيارات في مصر، أن السؤال لم يعد يتمحور حول ما تريد أفريقيا تحقيقه، بل حول كيفية الانتقال من مرحلة الطموح إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

وأشارت خلال مشاركتها في الجلسة إلى أنه «في حين تعمل الدول الأفريقية على تطوير سياساتها الصناعية وسياسات قطاع السيارات الخاصة بها، فإن الاستراتيجيات الوطنية لا يمكن أن تعمل بمعزل عن بعضها بعضاً إذا كان الهدف هو بناء صناعة سيارات أفريقية متكاملة حقاً. لذا، فإن تعزيز مواءمة السياسات، وتوحيد اللوائح والمعايير، وتحديد خرائط واضحة لقدرات كل دولة - بدءاً من المواد الخام والمكونات ووصولاً إلى التصنيع والمهارات والطاقة والخدمات اللوجستية والوصول إلى الأسواق - يُعدُّ أمراً جوهرياً لربط الاستراتيجيات الوطنية في سلسلة قيمة قارية تنافسية».

كما سلَّطت مداخلة الدكتورة جيهان الضوء على مبدأ مهم هو: لا توجد دولة أفريقية واحدة بحاجة إلى بناء سلسلة القيمة الكاملة للسيارات بمفردها؛ إذ تكمن فرصة أفريقيا في دمج قدراتها المتنوعة ومزاياها النسبية لتشكيل منظومة إقليمية أكثر إنتاجية ومرونة وتنافسية ضمن سلاسل القيمة العالمية للسيارات.

وترى شركة «لينكس» للاستشارات، أن هذه النقاشات تكتسب أهميةً خاصةً في ظلِّ التحولات الجذرية التي تشهدها صناعة السيارات على الأصعدة التكنولوجية والجيوسياسية وسلاسل التوريد.

وأضافت: «عكست مناقشات المنتدى هذه التحديات، بما في ذلك تطوير الموردين وتوطين الصناعة، وتشتت الأطر التنظيمية، وتوحيد الإجراءات الجمركية والمعايير، وتنفيذ سياسات قطاع السيارات، ومركبات الطاقة الجديدة، وتطوير سلاسل التوريد والقيمة الإقليمية».


مجموعة السبع تقر سحب 100 مليون برميل من مخزونات الديزل والنفط

من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)
من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)
TT

مجموعة السبع تقر سحب 100 مليون برميل من مخزونات الديزل والنفط

من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)
من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)

اتفقت دول مجموعة السبع، مساء الجمعة، على سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطات الطوارئ، في خطوة رحب بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ظل مساعيه لتهدئة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود المرتبط بالحرب مع إيران.

وأشعل الصراع أكبر عملية سحب من مخزونات الطوارئ في التاريخ، نسقتها وكالة الطاقة الدولية في مارس (آذار).

وقالت مجموعة السبع في بيان مشترك: «مع الأخذ في الاعتبار الالتزامات التي جرى الوفاء بها بالفعل، سننفذ التزاماتنا من خلال سحب منسق عبر وكالة الطاقة الدولية يبلغ 100 مليون برميل».

وأضافت أن العملية ستبدأ على الفور وتستمر أربعة أشهر، مع سحب كبير ومبكر عن الديزل خلال 20 يوماً من جانب دول مجموعة السبع وشركائها.

ولم يحدد البيان توزيعاً لكميات النفط الخام والديزل وغيرها من المنتجات المقرر السحب منها، ولم يذكر الدول التي ستشارك.

وأضاف البيان: «سنجتمع في إطار وكالة الطاقة الدولية في الأيام المقبلة لمناقشة إمكان إجراء عمليات إضافية للسحب (من احتياطات) الديزل حسب الضرورة».

وكتب ترمب في منشور على منصة «تروث سوشال» بعد القرار: «وافقت أوروبا للتو على سحب كمية هائلة من مخزونها الضخم من وقود الديزل. وستبدأ العملية على الفور».

ويسعى الرئيس الأميركي إلى خفض أسعار الوقود المحلية قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال لصحافيين في البيت الأبيض، قبيل مغادرته إلى ولاية ألاباما، إن الولايات المتحدة لن تفرض حظراً على تصدير الديزل. وأشار إلى أن هذه الخطة لم تكن مطروحة بجدية من الأساس، وذلك رغم أنه ذكر مراراً خلال الأسبوعين الماضيين بأن فرض حظر كهذا كان قيد الدراسة وأنه يؤيد الفكرة.

وأضاف ترمب: «لدى أوروبا مخزون كبير من الديزل، وستقدم إسهاماً عالمياً رئيسياً، وكذلك سنفعل نحن. لن نفرض حظراً على التصدير، بل سنقوم بما يتعين علينا القيام به».

كانت حرب إيران قد أدت في مارس إلى أكبر عملية سحب من المخزونات الطارئة على الإطلاق، إذ سحبت الدول 400 مليون برميل بتنسيق من وكالة الطاقة الدولية.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر مطلعة يوم الخميس قولها، إن إدارة ترمب أبلغت في وقت سابق ألمانيا وفرنسا بضرورة السحب من مخزونات الديزل المخصصة للطوارئ، وإلا فستواجهان حظراً أميركياً محتملاً على صادراته.

وقال بيان مجموعة السبع إن الدول الأعضاء ستمتنع عن فرض قيود على صادرات منتجات الطاقة فيما بينها.

وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على مناقشات حكومات دول الاتحاد الأوروبي، وفقاً لـ«رويترز»، إن الحكومات بحثت يوم الجمعة مقترحاً فرنسياً يقضي بأن تسحب الدول الأوروبية 50 مليون برميل من الديزل، وأن تسحب الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية 50 مليون برميل من النفط الخام.