ميرال الطحاوي: الكتابة لديّ تبدأ بهاجس خافت وأسئلة وجودية مؤرِّقة

الروائية المصرية تشتبك مع عالم المهاجرين في روايتها الجديدة «أيام الشمس المشرقة»

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي
TT

ميرال الطحاوي: الكتابة لديّ تبدأ بهاجس خافت وأسئلة وجودية مؤرِّقة

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي

منذ روايتها الأولى «الخباء»، لفتت ميرال الطحاوي الأنظار لخصوصية عالمها الروائي. وفي روايتها الجديدة «أيام الشمس المشرقة»، الصادرة حديثا عن دار العين بالقاهرة، تشتبك الكاتبة مع عالم المهاجرين عبر حكايات أبطالها الهاربين من أوطانهم وراء جنة موعودة. ويتماس هذا العالم مع تجربة الكاتبة الذاتية التي خاضتها بعد هجرتها إلى الولايات المتحدة حيث تعمل أستاذا للأدب العربي بجامعة أريزونا الأميركية. حصلت الطحاوي على جائزة الدولة التشجيعية في مصر عام 2002، وحازت روايتها «بروكلين هايتس» على جائزة «نجيب محفوظ» الأدبية من الجامعة الأميركية بالقاهرة... هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الروائية عموماً:
> في تصدير روايتك الجديدة إحالة لشمس الدين التبريزي ورهافة تصوراته عن السفر والرحلة، لكن سرعان ما تحيل الرواية لمكان كابوسي لا مكان فيه للأحلام كما يبدو. كيف رأيت توظيف تلك المفارقة؟
- تبدأ عملية كتابة الرواية دائما في تجربتي بهاجس خافت، بأسئلة وجودية لا أعرف كيف أجد جوابها، بمشاعر مختلطة أود التعبير عنها، مشاعر تختار شكلها القصصي وتصنع أبطالها الذين يتشكلون من ذاكرتي استجابة لهذا الهاجس، بالتأكيد كانت فكرة الرحلة بكل دلالاتها الروحية ذات الجذر الصوفي حاضرة أثناء كتابة الرواية. بالطبع كان الموروث الصوفي جزءا من محاولات الفهم، وكانت التصورات الصوفية للحياة بوصفها رحلة روحية وأننا نعاني بشكل ما هذا الحنين للعود الأبدي. جمعت الكثير من الشذرات الصوفية التي تتحدث عن الطريق والوصول وحتمية الارتحال، خاصةً في مأثورات التبريزي وجلال الدين الرومي، لكن رافق ذلك أيضاً الكثير من الأسئلة الوجودية في مسيرتي ككاتبة ومهاجرة وإنسانة. كانت تلك الأسئلة تطرح نفسها أيضاً، لا أعرف متى بدأت أنتبه بشكل عفوي لتلك الأغاني التي تتحدث عن الغربة، ولا لماذا كانت تطربني وكنت قد صدقت أنني خلعت كل تصوراتي الرومانتيكية وراء ظهري وتحولت لسيدة أميركية عملية وحازمة وسعيدة بما استطعت تحقيقه. لكن في الحقيقة، «الغربة كربة» كما يقولون بالعامية. الغربة ليست تجربة سعيدة علي الإطلاق لكنها تجربة مفيدة ومؤثرة. في «الشمس المشرقة» كان هناك الكثير من البحث المعرفي لمفهوم الشتات، ومحاولة لفهم علاقة المنفي بالوطن الذي خرج منه طوعا أو قسرا، في وقت من الأوقات كانت أغنية قديمة لفيروز ترافقني بشكل دائم تقول (... يا ريت ما كان فيها مراكب، يا ريت ما كان فيها سفر)، لا أعرف كيف وجدت تلك الأغنية صداها في روحي أو صارت ترافقني طوال مراحل الكتابة.
> تبدو أسئلة الهجرة، والشرق والغرب، موصولة ومؤرقة في مشروعك، منذ «بروكلين هايتس» وحتى «أيام الشمس المشرقة» كيف تتأملين التقاطع والتوازي بين هذين العملين الروائيين؟
- هناك مقولة شائعة عادة ما يتم اجترارها بين الغرباء مفادها أن قلبك لا يرحل معك «إنه مغناطيس سيظل يجذبك دائما إلى الوراء»، هذا ما يجمع التجربتين، كلتاهما تعبير عن الشتات وقسوته، تعبير عن مشاعر الفقد والهجر والإحباط في كلا العالمين، صراع مع ذلك الماضي الذي نحمله في حقائبنا، الفرق بين التجربتين هو تراكم الخبرات أو التجارب في ذلك المنفى الاختياري، خبرة الوعي بالذات، خبرة الأمومة وضياع الأبناء، خبرة الاقتلاع من الثقافة الأم، والتمزق بين اللغة والهويات المتعددة، لقد كتبت «بروكلين هايتس» مبكرا وأتذكر أن الصديقة الغالية ظبية خميس قالت لي «بعد فترة كافية من الوقت ستكتبين عن أميركا بشكل مختلف» وقد كان.
في «بروكلين هايتس» كانت محاولة لاكتشاف الذات، والنظر من بعيد للماضي ومحاولة للتشافي منه، لكن «الشمس المشرقة» لا ترتكز على الأبطال بل يصبح المكان هو المحرك الأول للحدث، عالم «الشمس المشرقة» هو البطل إن شئت، بعبارة أخرى في روايتي الجديدة محاولة أكثر نضجا للتعبير عن أوهام الخلاص والتحقق والتحرر والوصول للجنة الأبدية في مخيلة المهاجر عن الوطن البديل، ثم كيف يتحول هذا الحلم بالتدريج إلى خدعة.
> ينفتح عالم الرواية على بؤس عاملات النظافة، وعالم مقابر الأقليات والصراعات داخل أروقة الجامعات. الأبطال هنا على تعددهم عابرون ومهمشون. حدثينا عن خريطتك في رسم ملامح سكان «الشمس المشرقة».
- الرواية عن الشتات، عن عالم المهمشين في المنفى، من الطبيعي أن تكون شخصياتها من المهاجرين الفقراء والذين يخوضون الكثير من المغامرات في محاولة للنجاة، عن الذين يتسللون لتلك البلاد المشتهاة عادة بطرق غير شرعية ويعيشون في جيتوهات أو بلدات حدودية جبلية أو ساحلية، مثل تلك البلدة التي أكتب عنها، أوما أطلقت عليه مجازا بلاد «الشمس المشرقة»، أو غيرها من مدن النزوح، حيث تتحول الحياة اليومية في هذا المنفى الاختياري إلى محاولة متعسرة للنجاة من أشباح الماضي ثم الهرب من الواقع القاسي، البطولة في النص ليست للشخصيات التي أقدمها، السرد يتمحور حول هذا العالم وكيف يخلق عزلته ويعيش كهامش على أطراف المنتجعات الباذخة.
ويمكننا النظر لفكرة الهامش بشكل مزدوج، لا تخص فقط فئة أو طبقة معينة، وهم الطبقة الدنيا من العمالة الأجنبية، فالاغتراب والمنفى ومغادرة الوطن بشكل عام يعني للكاتب بشكل خاص شكلا من أشكال «الإقامة في الهامش» بتعبير إدوارد سعيد؛ الإقامة في الهامش الثقافي والاجتماعي لكلا العالمين، فهو مغيب وغائب في أرض المحضن، ومهمش بحكم لونه وعرقه ولغته وثقافته في الوطن الاختياري الجديد، وبالتالي يعيش هجرة مستمرة لا يمكن التآلف معها، ومن ثم هي غربة تولد الحنين الدائم إلى ماضٍ وأرض وثقافة ولغة وعالم لم يعد موجودا، لذلك فإن جوهر تلك التجربة هو البؤس، والحزن الذي لا يمكن التغلب عليه، يتساوى في ذلك كل المهاجرين الذين يتم التعامل معهم باعتبارهم هامشا طوال الوقت.
> عنونت الأماكن بأسماء لها وقع مجازي «الشمس المشرقة»، «الجنة الأبدية»، «سنام الجمل». هل اعتمدت تكنيك التبادل بين الواقع والمجاز في وصف معالم مجتمع المهاجرين بالولايات المتحدة؟
- تلك المفارقة لم أصنعها في تقديري إنما رصدتها بشكل كبير، في تلك البلدات الكثيرة التي عبرت بها في ولايات مختلفة، كلما كانت الحياة بائسة كانت البلدات ذات أسماء خلابة، مرتبطة بالجنة والتلال والوديان والطبيعة الخلابة، ربما كانت أميركا في وقت من الأوقات تلك الأرض البكر التي تقترح تلك العوالم الواعدة بالسعادة، ثم تحولت بالتدريج لآلية رأسمالية لتسويق الكمبوندات والمنتجعات وحتى التجمعات السكنية البائسة. فكرت في ترك الأسماء بطبيعتها الإنجليزية، مثل بردايز فاليparadise valley، لكن خيار ترجمة أسماء الأماكن الأميركية بشكل تهكمي وكاريكاتيري، بدا سحريا، أو أنه بالأحرى أضفى على المكان في مخيلتي طابعا كرتونيا كاذبا يخلق مفارقة بين الواقع والمتصور، وهذا ما أردته بالضبط، حدث ذلك أيضاً في اختيار العنوان، لقد تحيرت كثيرا وبعض الأصدقاء اقترحوا «الشمس الحارقة» رأوا أن ذلك أقرب لواقع الرواية، ولكنني اخترت الاتكاء على المفارقة، كما أشرت، لأن بنية النص ذاته قائمة وخالقة لتلك الدلالة العميقة للمجاز اللغوي.
> في الرواية اعتناء كبير بالوصف، بداية من الوصف الجغرافي للأماكن مرورا بتغيرات المناخ والفوضى البيئية. هل هنا ثمة اقتراب رمزي من الحصار الذي يبتلع الأبطال داخل سجنه؟
- نعم هناك اهتمام كبير بخلق صورة أو تصور جغرافي للمكان، «الشمس المشرقة» البلدة التي كانت تؤوي عمال المناجم، ثم تحولت إلى مدينة للمهاجرين، ومحطة من محطات الهجرة غير الشرعية. جغرافيا الرواية مهمة لأن الأحداث والشخصيات والنص كله يقوم في بلدة حدودية صارت محطة لتهريب البشر، تقع في منخفض يحيط به الجبال الشاهقة بمنتجعاتها العالية، تلك الجغرافيا خلقت طبيعة تلك الأرض وشكلت العلاقة بين سكانها، فالمتجول بين الولايات الأميركية خاصةً الجنوبية شرقا وغربا، سيجد تلك الحالة الجغرافية متكررة على الحدود الممتدة مع الجنوب حيث تمثل بوابات النزوح ومحاولات الدخول اليومي للمهاجرين غير الشرعيين، والحقيقة أن الجغرافيا ليست سوى دلالة على ما هو أعمق من تلك التضاريس بتعبير جمال حمدان، الجغرافيا هي القدر الذي يصنع التاريخ ويحدد أحيانا المصير الإنساني، لذلك أعتقد أنها تشكل الكثير من الدلالات الرمزية في النص كالوضع الطبقي والمسافات التي تفصل المتن الديمغرافي عن الهامش المتنامي الذي يستوطنه المهاجرون.
> تظهر المرأة في الرواية بحضور أنثوي أكبر، قمت هنا بتوظيف اللغة في محاولة إبراز عنفوانها بصورة أكثر جرأة، فهل ترددت في استخدام العامية أحيانًا على لسان بعض البطلات؟
- في الحقيقة كانت شخصية «نعم الخباز» محرضة على اختياراتي في لغة الحوار، فالشخصيات خاصةً «نعم الخباز» خليط من البؤس والذكاء والانحطاط أحيانا، كما أن العالم كله عالم سيدات الرعاية المنزلية وأعمال النظافة اللاتي يأتين من جنسيات كثيرة، أفريقية، ولاتينية وآسيوية وشرق أوسطية أيضاً، تلك الطبقة إن شئت تسميتها طبقة خلقت بمرور الوقت لغتها الحادة المنفلتة والبذيئة في بعض الأحيان، وهي لغة هجينة من كل اللكنات ولكن يمكن فهمها، لغة تشبه طريقة تعاطي الشخصية مع الوجود، فيها الكثير من التحدي والعنف، لذلك فإن عامية «نعم الخباز» لم تزعجني ولم أخترها أيضاً ولم أقم بتهذيبها، بل هي التي فرضت شكلها، قمت بحذف بعض ألفاظ الشتائم وطرق الحوار في مراحل النشر، لكنني لم أمارس سطوتي ككاتبة على صوتها نعم أو صوت غيرها، في النهاية يجب أن يترك الكاتب للشخصيات التي خلقها صوتها الخاص، صوتها الذي يعبر عنها بعيدا عنه.
> شغفك بالشعر النسائي البدوي والأغاني الشعبية قادك لمشروع ممتد، ما أكثر ما يلهمك في ملامحه الشعرية والحكائية؟
- العلاقة بين الكتابة والجندر هو تخصصي كباحثة، وأيضاً يمثل جزءا كبيرا من اهتمامي ككاتبة، رسالتي للماجستير كانت عن التمرد والاغتراب في أعمال الكاتبة السورية غادة السمان، ودراستي للدكتوراه والتي عنوانها حول المقدس في رواية الصحراء العربية، كان للكاتبة السعودية رجاء عالم جزء كبير منها، والكتاب الذي أشتغل عليه الآن أيضاً عن كتابة المرأة. لقد بدأت رحلة جمع الشعر النسائي البدوي مبكرا جدا، ربما كانت هي مفتاح الكتابة أو المحرض على الكتابة. منذ سن مبكرة، كنت أتلصص على جلسات الجدات، وهن يمارسن طقسا ارتجاليا شعبيا للغناء الجماعي، يسمونه «ضرب العلم»، عندما بدأت كتابة روايتي الأولى «الخباء» كانت «غناوة العلم» محرضي على الكتابة، استخدمت شعر (الغناوة) كمفتتحات لفصول السرد، لم تكن تلك الأبيات مجرد مفتتح لفصول رواياتي، بل كانت أيضاً هي الوعاء الذي تشكلت عبره خصوصية رؤيتي للبوح الأنثوي التراثي الذي يعتمد على الاستعارة، والإيحاء دون إفصاح، استفدت كثيرا من الإمكانات التي عرفني عليها هذا الشكل الأدبي، وعبقرية هذا الفن الشفاهي في التعبير عن المشاعر الحميمة، وخلق عالم موازٍ، واستخدام الرمز، والتعبير الموارب هرباً من سطوة الرقيب الاجتماعي. كنت وما زلت أرى أن الترميز، والتجريد، والإغراق في إلغاز دلالي واسع الإحالة، هي آليات الإبداع وحيل التعبير الأنثوي للبوح.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟