ميرال الطحاوي: الكتابة لديّ تبدأ بهاجس خافت وأسئلة وجودية مؤرِّقة

الروائية المصرية تشتبك مع عالم المهاجرين في روايتها الجديدة «أيام الشمس المشرقة»

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي
TT

ميرال الطحاوي: الكتابة لديّ تبدأ بهاجس خافت وأسئلة وجودية مؤرِّقة

ميرال الطحاوي
ميرال الطحاوي

منذ روايتها الأولى «الخباء»، لفتت ميرال الطحاوي الأنظار لخصوصية عالمها الروائي. وفي روايتها الجديدة «أيام الشمس المشرقة»، الصادرة حديثا عن دار العين بالقاهرة، تشتبك الكاتبة مع عالم المهاجرين عبر حكايات أبطالها الهاربين من أوطانهم وراء جنة موعودة. ويتماس هذا العالم مع تجربة الكاتبة الذاتية التي خاضتها بعد هجرتها إلى الولايات المتحدة حيث تعمل أستاذا للأدب العربي بجامعة أريزونا الأميركية. حصلت الطحاوي على جائزة الدولة التشجيعية في مصر عام 2002، وحازت روايتها «بروكلين هايتس» على جائزة «نجيب محفوظ» الأدبية من الجامعة الأميركية بالقاهرة... هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الروائية عموماً:
> في تصدير روايتك الجديدة إحالة لشمس الدين التبريزي ورهافة تصوراته عن السفر والرحلة، لكن سرعان ما تحيل الرواية لمكان كابوسي لا مكان فيه للأحلام كما يبدو. كيف رأيت توظيف تلك المفارقة؟
- تبدأ عملية كتابة الرواية دائما في تجربتي بهاجس خافت، بأسئلة وجودية لا أعرف كيف أجد جوابها، بمشاعر مختلطة أود التعبير عنها، مشاعر تختار شكلها القصصي وتصنع أبطالها الذين يتشكلون من ذاكرتي استجابة لهذا الهاجس، بالتأكيد كانت فكرة الرحلة بكل دلالاتها الروحية ذات الجذر الصوفي حاضرة أثناء كتابة الرواية. بالطبع كان الموروث الصوفي جزءا من محاولات الفهم، وكانت التصورات الصوفية للحياة بوصفها رحلة روحية وأننا نعاني بشكل ما هذا الحنين للعود الأبدي. جمعت الكثير من الشذرات الصوفية التي تتحدث عن الطريق والوصول وحتمية الارتحال، خاصةً في مأثورات التبريزي وجلال الدين الرومي، لكن رافق ذلك أيضاً الكثير من الأسئلة الوجودية في مسيرتي ككاتبة ومهاجرة وإنسانة. كانت تلك الأسئلة تطرح نفسها أيضاً، لا أعرف متى بدأت أنتبه بشكل عفوي لتلك الأغاني التي تتحدث عن الغربة، ولا لماذا كانت تطربني وكنت قد صدقت أنني خلعت كل تصوراتي الرومانتيكية وراء ظهري وتحولت لسيدة أميركية عملية وحازمة وسعيدة بما استطعت تحقيقه. لكن في الحقيقة، «الغربة كربة» كما يقولون بالعامية. الغربة ليست تجربة سعيدة علي الإطلاق لكنها تجربة مفيدة ومؤثرة. في «الشمس المشرقة» كان هناك الكثير من البحث المعرفي لمفهوم الشتات، ومحاولة لفهم علاقة المنفي بالوطن الذي خرج منه طوعا أو قسرا، في وقت من الأوقات كانت أغنية قديمة لفيروز ترافقني بشكل دائم تقول (... يا ريت ما كان فيها مراكب، يا ريت ما كان فيها سفر)، لا أعرف كيف وجدت تلك الأغنية صداها في روحي أو صارت ترافقني طوال مراحل الكتابة.
> تبدو أسئلة الهجرة، والشرق والغرب، موصولة ومؤرقة في مشروعك، منذ «بروكلين هايتس» وحتى «أيام الشمس المشرقة» كيف تتأملين التقاطع والتوازي بين هذين العملين الروائيين؟
- هناك مقولة شائعة عادة ما يتم اجترارها بين الغرباء مفادها أن قلبك لا يرحل معك «إنه مغناطيس سيظل يجذبك دائما إلى الوراء»، هذا ما يجمع التجربتين، كلتاهما تعبير عن الشتات وقسوته، تعبير عن مشاعر الفقد والهجر والإحباط في كلا العالمين، صراع مع ذلك الماضي الذي نحمله في حقائبنا، الفرق بين التجربتين هو تراكم الخبرات أو التجارب في ذلك المنفى الاختياري، خبرة الوعي بالذات، خبرة الأمومة وضياع الأبناء، خبرة الاقتلاع من الثقافة الأم، والتمزق بين اللغة والهويات المتعددة، لقد كتبت «بروكلين هايتس» مبكرا وأتذكر أن الصديقة الغالية ظبية خميس قالت لي «بعد فترة كافية من الوقت ستكتبين عن أميركا بشكل مختلف» وقد كان.
في «بروكلين هايتس» كانت محاولة لاكتشاف الذات، والنظر من بعيد للماضي ومحاولة للتشافي منه، لكن «الشمس المشرقة» لا ترتكز على الأبطال بل يصبح المكان هو المحرك الأول للحدث، عالم «الشمس المشرقة» هو البطل إن شئت، بعبارة أخرى في روايتي الجديدة محاولة أكثر نضجا للتعبير عن أوهام الخلاص والتحقق والتحرر والوصول للجنة الأبدية في مخيلة المهاجر عن الوطن البديل، ثم كيف يتحول هذا الحلم بالتدريج إلى خدعة.
> ينفتح عالم الرواية على بؤس عاملات النظافة، وعالم مقابر الأقليات والصراعات داخل أروقة الجامعات. الأبطال هنا على تعددهم عابرون ومهمشون. حدثينا عن خريطتك في رسم ملامح سكان «الشمس المشرقة».
- الرواية عن الشتات، عن عالم المهمشين في المنفى، من الطبيعي أن تكون شخصياتها من المهاجرين الفقراء والذين يخوضون الكثير من المغامرات في محاولة للنجاة، عن الذين يتسللون لتلك البلاد المشتهاة عادة بطرق غير شرعية ويعيشون في جيتوهات أو بلدات حدودية جبلية أو ساحلية، مثل تلك البلدة التي أكتب عنها، أوما أطلقت عليه مجازا بلاد «الشمس المشرقة»، أو غيرها من مدن النزوح، حيث تتحول الحياة اليومية في هذا المنفى الاختياري إلى محاولة متعسرة للنجاة من أشباح الماضي ثم الهرب من الواقع القاسي، البطولة في النص ليست للشخصيات التي أقدمها، السرد يتمحور حول هذا العالم وكيف يخلق عزلته ويعيش كهامش على أطراف المنتجعات الباذخة.
ويمكننا النظر لفكرة الهامش بشكل مزدوج، لا تخص فقط فئة أو طبقة معينة، وهم الطبقة الدنيا من العمالة الأجنبية، فالاغتراب والمنفى ومغادرة الوطن بشكل عام يعني للكاتب بشكل خاص شكلا من أشكال «الإقامة في الهامش» بتعبير إدوارد سعيد؛ الإقامة في الهامش الثقافي والاجتماعي لكلا العالمين، فهو مغيب وغائب في أرض المحضن، ومهمش بحكم لونه وعرقه ولغته وثقافته في الوطن الاختياري الجديد، وبالتالي يعيش هجرة مستمرة لا يمكن التآلف معها، ومن ثم هي غربة تولد الحنين الدائم إلى ماضٍ وأرض وثقافة ولغة وعالم لم يعد موجودا، لذلك فإن جوهر تلك التجربة هو البؤس، والحزن الذي لا يمكن التغلب عليه، يتساوى في ذلك كل المهاجرين الذين يتم التعامل معهم باعتبارهم هامشا طوال الوقت.
> عنونت الأماكن بأسماء لها وقع مجازي «الشمس المشرقة»، «الجنة الأبدية»، «سنام الجمل». هل اعتمدت تكنيك التبادل بين الواقع والمجاز في وصف معالم مجتمع المهاجرين بالولايات المتحدة؟
- تلك المفارقة لم أصنعها في تقديري إنما رصدتها بشكل كبير، في تلك البلدات الكثيرة التي عبرت بها في ولايات مختلفة، كلما كانت الحياة بائسة كانت البلدات ذات أسماء خلابة، مرتبطة بالجنة والتلال والوديان والطبيعة الخلابة، ربما كانت أميركا في وقت من الأوقات تلك الأرض البكر التي تقترح تلك العوالم الواعدة بالسعادة، ثم تحولت بالتدريج لآلية رأسمالية لتسويق الكمبوندات والمنتجعات وحتى التجمعات السكنية البائسة. فكرت في ترك الأسماء بطبيعتها الإنجليزية، مثل بردايز فاليparadise valley، لكن خيار ترجمة أسماء الأماكن الأميركية بشكل تهكمي وكاريكاتيري، بدا سحريا، أو أنه بالأحرى أضفى على المكان في مخيلتي طابعا كرتونيا كاذبا يخلق مفارقة بين الواقع والمتصور، وهذا ما أردته بالضبط، حدث ذلك أيضاً في اختيار العنوان، لقد تحيرت كثيرا وبعض الأصدقاء اقترحوا «الشمس الحارقة» رأوا أن ذلك أقرب لواقع الرواية، ولكنني اخترت الاتكاء على المفارقة، كما أشرت، لأن بنية النص ذاته قائمة وخالقة لتلك الدلالة العميقة للمجاز اللغوي.
> في الرواية اعتناء كبير بالوصف، بداية من الوصف الجغرافي للأماكن مرورا بتغيرات المناخ والفوضى البيئية. هل هنا ثمة اقتراب رمزي من الحصار الذي يبتلع الأبطال داخل سجنه؟
- نعم هناك اهتمام كبير بخلق صورة أو تصور جغرافي للمكان، «الشمس المشرقة» البلدة التي كانت تؤوي عمال المناجم، ثم تحولت إلى مدينة للمهاجرين، ومحطة من محطات الهجرة غير الشرعية. جغرافيا الرواية مهمة لأن الأحداث والشخصيات والنص كله يقوم في بلدة حدودية صارت محطة لتهريب البشر، تقع في منخفض يحيط به الجبال الشاهقة بمنتجعاتها العالية، تلك الجغرافيا خلقت طبيعة تلك الأرض وشكلت العلاقة بين سكانها، فالمتجول بين الولايات الأميركية خاصةً الجنوبية شرقا وغربا، سيجد تلك الحالة الجغرافية متكررة على الحدود الممتدة مع الجنوب حيث تمثل بوابات النزوح ومحاولات الدخول اليومي للمهاجرين غير الشرعيين، والحقيقة أن الجغرافيا ليست سوى دلالة على ما هو أعمق من تلك التضاريس بتعبير جمال حمدان، الجغرافيا هي القدر الذي يصنع التاريخ ويحدد أحيانا المصير الإنساني، لذلك أعتقد أنها تشكل الكثير من الدلالات الرمزية في النص كالوضع الطبقي والمسافات التي تفصل المتن الديمغرافي عن الهامش المتنامي الذي يستوطنه المهاجرون.
> تظهر المرأة في الرواية بحضور أنثوي أكبر، قمت هنا بتوظيف اللغة في محاولة إبراز عنفوانها بصورة أكثر جرأة، فهل ترددت في استخدام العامية أحيانًا على لسان بعض البطلات؟
- في الحقيقة كانت شخصية «نعم الخباز» محرضة على اختياراتي في لغة الحوار، فالشخصيات خاصةً «نعم الخباز» خليط من البؤس والذكاء والانحطاط أحيانا، كما أن العالم كله عالم سيدات الرعاية المنزلية وأعمال النظافة اللاتي يأتين من جنسيات كثيرة، أفريقية، ولاتينية وآسيوية وشرق أوسطية أيضاً، تلك الطبقة إن شئت تسميتها طبقة خلقت بمرور الوقت لغتها الحادة المنفلتة والبذيئة في بعض الأحيان، وهي لغة هجينة من كل اللكنات ولكن يمكن فهمها، لغة تشبه طريقة تعاطي الشخصية مع الوجود، فيها الكثير من التحدي والعنف، لذلك فإن عامية «نعم الخباز» لم تزعجني ولم أخترها أيضاً ولم أقم بتهذيبها، بل هي التي فرضت شكلها، قمت بحذف بعض ألفاظ الشتائم وطرق الحوار في مراحل النشر، لكنني لم أمارس سطوتي ككاتبة على صوتها نعم أو صوت غيرها، في النهاية يجب أن يترك الكاتب للشخصيات التي خلقها صوتها الخاص، صوتها الذي يعبر عنها بعيدا عنه.
> شغفك بالشعر النسائي البدوي والأغاني الشعبية قادك لمشروع ممتد، ما أكثر ما يلهمك في ملامحه الشعرية والحكائية؟
- العلاقة بين الكتابة والجندر هو تخصصي كباحثة، وأيضاً يمثل جزءا كبيرا من اهتمامي ككاتبة، رسالتي للماجستير كانت عن التمرد والاغتراب في أعمال الكاتبة السورية غادة السمان، ودراستي للدكتوراه والتي عنوانها حول المقدس في رواية الصحراء العربية، كان للكاتبة السعودية رجاء عالم جزء كبير منها، والكتاب الذي أشتغل عليه الآن أيضاً عن كتابة المرأة. لقد بدأت رحلة جمع الشعر النسائي البدوي مبكرا جدا، ربما كانت هي مفتاح الكتابة أو المحرض على الكتابة. منذ سن مبكرة، كنت أتلصص على جلسات الجدات، وهن يمارسن طقسا ارتجاليا شعبيا للغناء الجماعي، يسمونه «ضرب العلم»، عندما بدأت كتابة روايتي الأولى «الخباء» كانت «غناوة العلم» محرضي على الكتابة، استخدمت شعر (الغناوة) كمفتتحات لفصول السرد، لم تكن تلك الأبيات مجرد مفتتح لفصول رواياتي، بل كانت أيضاً هي الوعاء الذي تشكلت عبره خصوصية رؤيتي للبوح الأنثوي التراثي الذي يعتمد على الاستعارة، والإيحاء دون إفصاح، استفدت كثيرا من الإمكانات التي عرفني عليها هذا الشكل الأدبي، وعبقرية هذا الفن الشفاهي في التعبير عن المشاعر الحميمة، وخلق عالم موازٍ، واستخدام الرمز، والتعبير الموارب هرباً من سطوة الرقيب الاجتماعي. كنت وما زلت أرى أن الترميز، والتجريد، والإغراق في إلغاز دلالي واسع الإحالة، هي آليات الإبداع وحيل التعبير الأنثوي للبوح.



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.