مصر: جدل وترقب لزيادة أسعار تذاكر المواقع الأثرية

الأهرامات وقلعة صلاح الدين بين الوجهات المستهدفة

منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار المصرية)
منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: جدل وترقب لزيادة أسعار تذاكر المواقع الأثرية

منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار المصرية)
منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أثار قرار المجلس الأعلى للآثار المصرية بزيادة أسعار تذاكر دخول المواقع والمتاحف الأثرية، حالة من الجدل والترقب على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مؤيد للقرار باعتباره أمراً طبيعياً وضرورياً في ظل افتتاح عدد من المتاحف الجديدة، وتطوير كثير من المواقع السياحية والأثرية، وبين معارض يرى أن «الزيادة قد تؤثر على حركة السياحة الداخلية في مصر، خصوصاً في ظل ما يعانيه المصريون من أوضاع اقتصادية صعبة نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار».
وأصدر المجلس الأعلى للآثار قراراً في بداية الشهر الجاري، يقضي بزيادة أسعار زيارة المتاحف والمناطق الأثرية للمصريين، على أن يبدأ تنفيذ القرار بدءاً من أول يوليو (تموز) المقبل، وينص القرار على أن تكون أسعار تذاكر دخول مناطق أهرامات الجيزة، وقلعة صلاح الدين، وقصر البارون، وقلعة قايتباي بالإسكندرية، ووادي الملوك بالأقصر، وقصر محمد علي بشبرا 60 جنيهاً للمواطن المصري، و30 جنيهاً للطالب المصري (الدولار الأميركي بـ 18.7)، بينما تبلغ أسعار تذاكر دخول معابد الكرنك، ومعبد حتشبسوت بالأقصر، ومعبد فيلة وكوم أمبو وإدفو بأسوان 40 جنيهاً للمصري، 20 جنيهاً للطالب.
وأكد الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» قرار زيادة الأسعار، وقال إن «القرار تم اتخاذه في اجتماع المجلس الأعلى للآثار الذي عقد نهاية مايو (أيار) الماضي، بعد إنفاق ملايين الجنيهات على تطوير البنية التحتية للمواقع والمناطق الأثرية، والتي تضمنت توفير خدمات وشركات أمن ونظافة في هذه المواقع».
وأثار القرار الجدل فور انتشاره على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نشر عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الأسعار الجديدة، مصحوبة بتعليقات تشير إلى أن «هذه الأسعار ستمنع المصريين من زيارة آثارهم والتعرف عليها، وأنها تتناقض مع سياسة الدولة في تشجيع السياحة الداخلية».
وأكد أحمد عبد العزيز، الخبير السياحي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الأسعار الجديدة لن تؤثر على معدل زيارة المصريين للمواقع الأثرية، لأنها تتماشى مع حالة التضخم وارتفاع الأسعار في كل المجالات، والتي زادت تكلفة الباقات السياحية بشكل عام»، موضحاً أن «معدل السياحة الداخلية تراجع بالفعل بسبب ارتفاع الأسعار عموماً، مقارنة بما كانت عليه عام 2014. و2016»، لافتاً إلى أن «سعر الليلة السياحية الآن في الغردقة يصل إلى 1200. وهذا الرقم يساوي تكلفة الرحلة كاملة ثلاثة أيام قبل سنوات قليلة، وهو ما أدى إلى تراجع السياحة الداخلية بشكل عام».
واتفق معه الخبير السياحي محمد كارم، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «أسعار التذاكر في مصر تعد الأرخص على مستوى العالم في أسعار دخول وزيارة المناطق الأثرية»، مضيفاً أن «الزيادة الجديدة ليست كبيرة ولن تؤثر على معدل الزيارات السياحية، وهي أمر طبيعي في ظل الأزمة الاقتصادية ويتوافق مع حجم الإنفاق على تطوير المواقع الأثرية وافتتاح متاحف جديدة»، لكنه في الوقت نفسه قال إن «التكلفة قد تكون كبيرة إذا ما تحدثنا عن الأسرة ككل، وليس الأفراد، وهنا يمكن إقرار خفض للمجموعات».
غير أن عدداً من الأثريين والمتعاملين مع القطاع السياحي في مصر أكدوا أن «توقيت رفع الأسعار غير مناسب خصوصاً مع حالة التضخم والأزمة الاقتصادية، وبالتأكيد سيؤثر على معدل الزيارات السياحية، إذا ما تم حساب تكلفة زيارة أسرة مكونة من 5 أو 6 أفراد».
وشهدت أسعار تذاكر دخول المناطق الأثرية زيادات متكررة خلال السنوات الأخيرة، حيث كانت تذكرة دخول الأهرامات حتى عام 2015 تبلغ 10 جنيهات للطالب، و20 للمواطن المصري، قبل أن تتم زيادتها إلى 40 الشهر الماضي، ثم 60 في الزيادة الجديدة.
ويأتي قرار الزيادة في أعقاب إصدار وزارة السياحة والآثار قرار الأسبوع الماضي بمنح أسعار مخفضة لتصاريح الزيارة السنوية لطلاب المدارس والجامعات، والمصريين والعرب المقيمين في مصر، حيث يبلغ سعر تصريح الزيارة السنوي لطلاب المدارس 50 جنيهاً، كما يبلغ سعر التصريح الخاص بطلاب الجامعات المصريين والعرب المقيمين 125 جنيهاً، أما التصريح الخاص بالمصريين والعرب المقيمين فيبلغ 400 جنيه سنوياً، ولا تشمل هذه التصاريح زيارة مقابر كل من الملكة نفرتاري، الملك ست الأول، الملك توت عنخ آمون، والملك رمسيس السادس، والمتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط.
وفي سياق منفصل أعلن المجلس الأعلى للآثار، في بيان صحافي الاثنين، عن اكتشاف كتل حجرية من الجرانيت من عصر الملك خوفو بمعبد الشمس، وذلك أثناء استكمال حفائر البعثة الأثرية المصرية الألمانية المشتركة والعاملة بمنطقة المطرية (هليوبوليس) في الجانب الغربي من المتحف المفتوح بمسلة الملك سنوسرت الأول بالمطرية.
وقال وزيري، في البيان الصحافي، إن «هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن وجود آثار من عهد الملك خوفو في منطقة عين شمس، والتي ربما كانت أجزاءً من مبنى غير معروف، أو ربما نقلت من منطقة أهرامات الجيزة لاستخدامها كمواد بناء في عصر الرعامسة وهي الفترة التي شاع فيها استخدام الأحجار من المباني الأقدم تاريخياً».
وأوضح الدكتور أيمن عشماوي، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار ورئيس البعثة من الجانب المصري، أن «البعثة كشفت عن عدد من الطبقات الأثرية يرجع تاريخها إلى عصر الأسرة صفر (فترة نقادة الثالثة)، إضافة إلى طبقات من رديم الفخار، والذي يشير إلى نشاط ديني وطقسي في الألف الثالث قبل الميلاد في هذه المنطقة، مع وجود أدلة تشير إلى استخدام المنطقة في عصر الأسرتين الثالثة والرابعة، حيث عثرت البعثة على قطعة من الجرانيت للملك بيب الأول (2280 ق. م) عليها نقش بالبارز للصقر حورس».
ومن بين المكتشفات قاعدة تمثال للملك أمازيس (أحمس الثاني)، وعدد من المذابح التي كان يقدم عليها القرابين من العصر المتأخر، وأجزاء لتماثيل على شكل أبو الهول.
وقال الدكتور ديترش راو، رئيس البعثة من الجانب الألماني، إن «البعثة كشفت أجزاء من النواويس والمذابح من عصر الملوك أمنمحات الرابع، سوبك حتب الرابع، آي، ست الأول، أوسركون الأول، تكيلوت الأول، وبسماتيك الأول، إضافة إلى الكشف عن نموذج نحتي من الكوارتز على شكل أبو الهول للملك أمنحتب الثاني، وقاعدة تمثال ضخم لقرد من الجرانيت الوردي لقرد البابون».


مقالات ذات صلة

خبيئة توابيت ملونة لـ«منشدي آمون» تُكتشف في الأقصر

يوميات الشرق التوابيت التي وجدتها البعثة ضمن الخبيئة (وزارة السياحة والآثار)

خبيئة توابيت ملونة لـ«منشدي آمون» تُكتشف في الأقصر

تضمّ الخبيئة 22 تابوتاً خشبياً ملوّناً وُجدت في طبقات عدّة فوق بعضها البعض، تعكس تنظيماً لافتاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق تجهيزات المعرض الأثري في لندن (وزارة السياحة المصرية)

«رمسيس وذهب الفراعنة» يحطُّ في لندن... 180 قطعة تروي تاريخ مصر القديم

وصل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» إلى محطته السابعة بالعاصمة البريطانية لندن.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي وثقت منظمة اليونسكو أضراراً في 114 موقعاً في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب (أ.ف.ب)

متطوعون غزيون ينتشلون بقية من تراثهم المكتوب من بين ركام الحرب

في حرم إحدى أقدم وأكبر المكتبات في الأراضي الفلسطينية، تجهد مجموعة من المتطوعين من غزة لإنقاذ كتب قديمة لا تقدر بثمن، دفعت ضريبة الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

جددت واقعتا الكتابة على حائط بمنطقة آثار سقارة من قبل أحد المرشدين السياحيين، والتعدي على قلعة الجندي، مطالبات بحماية الآثار المصرية.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق المدينة الأثرية المكتشفة في قنا (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف مدينة سكنية بموقع «شيخ العرب همام» بقنا

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، في بيان صحافي الاثنين، الكشف عن أجزاء من مدينة سكنية ترجع للقرن الثامن عشر، وذلك خلال أعمال حفائر البعثة الأثرية المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«الأزقة» تفتح دفاترها لكتابة ليالي رمضان بأسلوب جديد

تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)
تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)
TT

«الأزقة» تفتح دفاترها لكتابة ليالي رمضان بأسلوب جديد

تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)
تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)

في مكة المكرمة، لا تمر ليالي رمضان، كما تمر في المدن الأخرى؛ فهنا تتشبث الأحياء بعاداتها، كما تتشبث الجذور بأرضها، وتستعيد الحارات ذاكرتها الجمعية كل عام، وهي تعيد نصب الفرح في الأزقة نفسها التي حفظت أصوات الأجداد.

ورغم تسارع الزمن، وتبدّل أنماط الحياة، تتمسك أحياء مكة بإرثها الرمضاني، لكن بوعي تنظيمي حديث يحوّل المبادرات الشعبية إلى منظومات عمل موسمية متكاملة، يقودها شباب الحارات، وتشارك في صنعها الأسر والنساء والمتطوعون، في مشهد اجتماعي متجدد يتسع ولا ينقطع.

البسطات التي تقدم الوجبات الخفيفة من أحد عوامل جذب الزوار وقاطني الحي (الشرق الأوسط)

فمع إعلان دخول رمضان، تبدأ عدد من حواري المدينة المقدسة حراكها المبكر لإطلاق مواقع الفعاليات، التي يُحدَّد معظمها عادة منذ شهر شعبان، بعد وضع الخطط التشغيلية وتوزيع المهام بين فرق شبابية تعمل بروح تطوعية. ولم يعد الهدف مجرد إقامة تجمع عابر، بل صناعة مساحة اجتماعية جاذبة تستوعب سكان الحي والزوار معاً.

وتكشف المبادرات الشبابية في مكة عن تطور لافت في طريقة تقديم الفعاليات؛ إذ يقول نايف بار إنها انتقلت من نطاق محدود داخل كل حارة إلى منصات مفتوحة تتقاطع فيها الجوانب الترفيهية والإنسانية. ويوضح أن هذه اللقاءات اليومية، التي تمتد لساعات، أصبحت برنامجاً ثابتاً في الحي، مع تنوع الأنشطة بين الألعاب الرياضية والإلكترونية والبرامج الثقافية، بما يعكس قراءة واعية لذائقة المجتمع المحلي.

تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)

المرأة المكية

من أبرز التحولات التي شهدتها هذه الفعاليات، خصوصاً في حي زهرة كدي، الحضور المتنامي للمرأة، التي دخلت المشهد من بوابة المشاركة المنظمة لا الحضور الرمزي، إذ باتت الأركان النسائية جزءاً أصيلاً من خريطة الفعاليات في عدد من الحواري.

وأشار بار، وهو أحد منظمي «ليالي حي زهرة كدي»، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذا العام شهد مشاركة واسعة من نساء الحي في تنظيم الفعاليات الخاصة بهن، وتقديم برامج وأنشطة ثقافية متنوعة ومسابقات أسرية، إلى جانب مبادرات تطوعية تخدم قاطني الحي وتزيد من وهج الفعاليات.

ولم يأتِ هذا التوسع في المشاركة النسائية منفصلاً عن طبيعة المجتمع المكي، بل منسجماً معه؛ إذ وفّرت الفعاليات مساحات عائلية آمنة ومنظمة شجعت مشاركة النساء والفتيات، وأسهمت في تحويل ليالي الحارات إلى فضاء اجتماعي متكامل تتقاطع فيه أدوار جميع أفراد الأسرة.

تنوع البرامج

عملياً، حدّد منظمو الفعاليات أهدافهم الاجتماعية من خلال باقة واسعة من البرامج، شملت ألعاب البلياردو، والتنس، و«الفرفيرة»، والألعاب الإلكترونية، إلى جانب منافسات الكرة الطائرة وكرة القدم، فضلاً عن أمسيات ثقافية وتوعوية، وهو ما تحرص عليه الحواري المكية، لا سيما في الجانب الإنساني من برامجها.

تشهد عدد من أحياء مكة سباقاً لتنظيم الفعاليات خلال ليالي رمضان (الشرق الأوسط)

كما تبنّت أحياء عدة إقامة السفر الرمضانية اليومية ضمن برامجها الخدمية، فيما فعّلت بعض مراكز الأحياء برامج ومسابقات لإحياء الليالي بأساليب وأنماط مختلفة، في خطوة تعكس وعي المنظمين بطبيعة مكة بوصفها مدينة تستقبل العالم.

خصوصية المكان

لا يمكن قراءة هذا الحراك بمعزل عن خصوصية مكة المكرمة، التي تشهد تدفقاً بشرياً كثيفاً خلال رمضان، ما يمنح هذه المبادرات زخماً مضاعفاً، خصوصاً في الحارات القريبة من المسجد الحرام؛ إذ تستفيد من هذا الحضور المتنوع، لتتحول الفعاليات إلى نقاط التقاء ثقافي واجتماعي.

ويؤكد عدد من المنظمين أن التطوير السنوي للفعاليات أصبح نهجاً ثابتاً يقوم على تقييم التجارب السابقة والبناء عليها، بهدف تلبية تطلعات مختلف الفئات العمرية، من الأطفال إلى كبار السن، مع الحفاظ على روح الحارة التي تمثل جوهر التجربة.

أنشطة وفعاليات تشهدها حواري مكة خلال رمضان (الشرق الأوسط)

العمل الإنساني

رغم اتساع الطابع الترفيهي، يبقى البعد الإنساني العصب الحقيقي لهذه المبادرات؛ إذ حرصت بعض الفعاليات على إدراج برامج نوعية، مثل تخصيص أيام لأيتام الأحياء، وهو أحد البرامج الرئيسية في حي «زهرة كدي»، إلى جانب تنظيم السفر الجماعية المفتوحة. وقد منحت هذه المبادرات الحراك الشبابي قيمة مضافة، ونقلته من إطار الترفيه الموسمي إلى مشروع اجتماعي مستدام.

ومع هذا الزخم، تبدو أحياء مكة في رمضان وكأنها تعيد إنتاج نفسها كل عام؛ ذاكرة قديمة لا تتخلى عن تفاصيلها، وروح شابة تعيد تنظيم المشهد بأدوات معاصرة. وبين تمسّك راسخ بالعادات، وانفتاح محسوب على التطوير، تواصل الحارات المكية كتابة حكايتها الرمضانية الخاصة؛ حكاية تبدأ من الأزقة، لكنها تمتد بثرائها إلى قلب المدينة كلها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
TT

طالب يحلّ لغز «رجال الثلج» في أطراف النظام الشمسي

كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)
كتلتان تلامستا برفق قبل بلايين السنوات ولا تزالان متعانقتين (شاترستوك)

نجح أحد الطلاب في حلّ لغز كوني طال أمدُه يتعلَّق ببعض أكثر الأجسام غرابة في نظامنا الشمسي؛ «رجال الثلج» الجليديين الذين يستوطنون أطرافه البعيدة.

ونقلت «الإندبندنت» عن بحث نشرته دورية «الإخطارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، أنه لطالما تناقش علماء الفلك حول أصول هذه «الثنائيات المتلامسة»؛ وهي أجرام تتكوَّن من كرتين متّصلتين، في شكل يحاكي هيئة «رجل الثلج».

والآن، يزعم باحثون في جامعة ولاية ميشيغان امتلاك أدلة تشير إلى أن عملية بسيطة على نحو مفاجئ يمكن أن تفسّر نشوء هذه الأشكال المميّزة.

توجد أجرام «رجال الثلج» السماوية الغريبة في «حزام كايبر»، وهو امتداد شاسع يقع خلف كوكب نبتون، ويعجّ بالبقايا الجليدية التي يعود تاريخها إلى الحقبة التي تَشكل فيها النظام الشمسي. ويقع هذا النطاق خلف حزام الكويكبات المضطرب الممتدّ بين المريخ والمشتري.

وقد ظلت هذه اللبنات القديمة، المعروفة باسم «الكويكبات الأولية»، على حالها دون أن يمسّها تغيير لمليارات السنوات، ويُصنّف واحد تقريباً من بين كل 10 من هذه الأجرام ضمن فئة «الثنائيات المتلامسة».

ويكمن اللغز المحيّر الذي استعصى على الحلّ في كيفية تشكّل مثل هذه الهياكل الهشَّة، من دون أن تتحطَّم بعنف نتيجة اصطدام بعضها ببعض.

وقد طوَّر جاكسون بارنز، وهو طالب دراسات عليا في الجامعة، أول محاكاة حاسوبية توضح كيف يمكن لهذه الأشكال ذات الفصين أن تنشأ بشكل طبيعي من خلال «الانهيار الجاذبي».

وتُعرف هذه العملية بأنها المسار الذي تتقلَّص من خلاله المادة تحت تأثير جاذبيتها الخاصة، مُتغلّبةً على القوى التي قد تؤدّي بخلاف ذلك إلى تشتّتها.

وكانت النماذج الحاسوبية السابقة تتعامل مع الأجرام المتصادمة وكأنها كتل سائلة تندمج بسرعة لتشكل كرات مفردة، ممّا جعل من المستحيل إعادة محاكاة نشأة «الثنائيات المتلامسة». أما محاكاة بارنز التي استندت إلى مرافق حوسبة عالية الأداء، فقد سمحت للأجرام بالحفاظ على تماسكها واستقرارها برفق ضد بعضها البعض.

وفي حين ذهبت نظريات أخرى إلى أنّ إنتاج هذه الأشكال قد يتطلَّب أحداثاً نادرة أو ظروفاً استثنائية، يرى الباحثون أنّ مثل هذه التفسيرات لا يمكن أن تفسّر وفرتها الظاهرة؛ حيث صرح الدكتور سيث جاكوبسون، الأستاذ المساعد في علوم الأرض والبيئة والمشرف الرئيسي على الدراسة، وأضاف: «إذا كنا نعتقد أن 10 في المائة من الكويكبات الأولية هي ثنائيات متلامسة، فلا يمكن للعملية التي تشكلها أن تكون نادرة؛ إذ إن الانهيار الجاذبي يتوافق تماماً مع ما رصدناه».

يُذكر أنّ الثنائيات المتلامسة شوهدت للمرة الأولى بتفاصيل دقيقة في يناير (كانون الثاني) 2019، عندما حلّقت مركبة «نيو هورايزونز» التابعة لوكالة «ناسا» بالقرب من جرم في «حزام كايبر» سُمّي لاحقاً بـ«أولتيما ثولي». وقد دفعت تلك الصور العلماء إلى إعادة فحص الأجرام البعيدة الأخرى، ليكتشفوا أنّ نحو 10 في المائة من الكويكبات الأولية تشترك في الشكل المميّز عينه.

وفي «حزام كايبر» قليل الكثافة، تنجرف هذه الأجرام دون أن يمسها اضطراب يُذكر، ونادراً ما تصطدم بحطام فضائي آخر.

ففي التاريخ المبكر لمجرّة «درب التبانة»، كانت المجرّة تتكوَّن من قرص من الغاز والغبار؛ ولا تزال بقايا تلك الحقبة قائمة في «حزام كايبر» اليوم، بما في ذلك الكواكب القزمة مثل «بلوتو»، جنباً إلى جنب مع المذنبات والكويكبات الأولية.

تُعد الكويكبات الأولية من بين أولى الأجسام الصلبة التي تشكلت نتيجة تكتل الغبار والمواد التي بحجم الحصى تحت تأثير الجاذبية. وهي تُشبه إلى حدّ كبير كرات الثلج المضغوطة؛ إذ تُمثّل تجمّعات مفكَّكة انبثقت من سحب من الجزيئات متناهية الصغر.

وتُظهر محاكاة بارنز أنه مع دوران إحدى هذه السحب، يمكن أن تنكمش نحو الداخل وتنقسم إلى جسمين منفصلين يبدآن في الدوران بعضهما حول بعض؛ وهي ظاهرة «الكويكبات الثنائية» التي تُرصد بكثرة في «حزام كايبر». ومع الوقت، تتقارب مداراتهما بشكل لولبي حتى يتلامس الزوجان برفق ويندمجان، محتفظين بأشكالهما المستديرة.

ويوضح أنّ السبب وراء بقاء هذه الهياكل التي تبدو هشة لبلايين السنوات يعود ببساطة إلى «عامل المصادفة». ففي مثل هذه المناطق النائية، نادراً ما تحدث اصطدامات. وفي غياب أيّ ارتطام كبير، لا يوجد ما يكفي من القوة لفصل الجسمين عن بعضهما، وهو ما يفسر خلو عدد من الثنائيات المتلامسة من الفوهات الناتجة عن الارتطامات، أو ندرتها الشديدة.

ولطالما ساور العلماء الشك في أنّ الانهيار الجاذبي هو المسؤول عن هذه الظاهرة، لكنهم كانوا يفتقرون حتى الآن إلى نماذج قادرة على اختبار الفكرة بشكل سليم. وفي هذا الصدد، قال بارنز: «أصبحنا قادرين على اختبار هذه الفرضية للمرة الأولى بطريقة علمية رصينة. وهذا هو مبعث الإثارة في هذه الورقة البحثية».

ويعتقد أنّ هذا النموذج قد يساعد الباحثين أيضاً في فهم أنظمة أكثر تعقيداً تضم 3 أجرام أو أكثر؛ إذ يعكف الفريق حالياً على تطوير عمليات محاكاة ترصد تفاصيل عملية الانهيار بدقة أكبر.

ومع انطلاق البعثات الفضائية المستقبلية في أعماق النظام الشمسي الخارجي، يرى الباحثون أنّ شكل «رجل الثلج» المألوف قد يتبيّن أنه أكثر شيوعاً بكثير مما كان يُعتقد في السابق.


80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
TT

80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)
الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)

في الصين، يمكن للفوانيس الحمراء أن تكون مرشداً للمسافر نحو الأمان في الأزقة بليالي الشتاء القارسة، أو رمزاً للهيبة والسطوة أمام الردهات الإمبراطورية، أو حتى نداءً يثير الخشوع الديني حين تُعلّق في المعابد.

كما أنها باتت مرادفاً لاحتفالات السنة القمرية الجديدة في أنحاء البلاد، وحلقة وصل تربط صينيي اليوم بثقافة أسلافهم. ووفق «بي بي سي»، فإنّ محاولة تخيُّل عدد الفوانيس التي تُعلَّق في البلاد في أيّ وقت، تُشبه إلى حد بعيد محاولة إحصاء عدد الأشجار في غابات الأمازون.

ومع ذلك، تبرز حقيقة مذهلة تشير إلى أن نحو 80 في المائة من فوانيس البلاد لا تزال تصنّع يدوياً في بلدة صغيرة واحدة بمقاطعة «خبي». وحين تتجوَّل في شوارع بلدة «تونتو» المتربة، ستجد مظاهر صناعة الفوانيس تحاصرك أينما نظرت.

إلقاء نظرة عبر باب مفتوح على فناء أحد المنازل قد يكشف لك عن مجموعة صغيرة من القرويين يجلسون على مقاعد خشبية صغيرة يصنعون الفوانيس، وهم يتبادلون الحديث، في حين تكتظ الشوارع الرئيسية بأكوام من الفوانيس الحمراء المتراصة بعضها فوق بعض.

لا أحد يعرف متى بدأت هذه الحرفة في هذا الجزء من شمال الصين قبل مئات السنوات، لكن إذا وُلدت في «تونتو»، فإنّ هذا يعني أنك منغمس في صناعة الفوانيس منذ نعومة أظفارك. وتقول إحدى السيدات: «عندما ترى أفراد عائلتك يمارسون هذا العمل يومياً، فإنك تتقن السرّ بسرعة»، مضيفةً أنّ «الأطفال هنا يمكنهم تعلُّم الحرفة منذ سنّ العاشرة تقريباً».

ويبدو من المثير للإعجاب أنه في عصر خطوط الإنتاج فائقة التقنية، تمكنت هذه البلدة من إحكام قبضتها على سوق الفوانيس، مستخدمةً تقنيات إنتاج من حقبة زمنية غابرة. وحين سُئل أحد صُنّاع الفوانيس المسنين عن السر، أجاب بأنهم يستطيعون تلبية الطلبات المتنوّعة بسهولة، مهما كان حجمها صغيراً، وبتكلفة أقلّ ممّا توفّره المصانع.

ورغم أنّ الإنتاج الحديث قد يجد في المستقبل وسيلة لمحاكاة ما تنجزه هذه القرية يدوياً، مع تقديم الخيارات المتنوّعة نفسها بأسعار تنافسية، فإنّ ذلك لم يحدث بعد.

وإنما التحدّي الذي يواجه «تونتو» يتمثَّل في أنّ كثيراً من الشباب اليوم لم يعودوا يرضون بحياة تقتصر على صناعة الفوانيس، مفضلين بدلاً من ذلك إغراءات المدينة والفرص التي تتيحها الحياة الحضرية، ممّا قد يعني نقصاً في الأيدي العاملة خلال السنوات المقبلة.

ومع ذلك، تظل «تونتو» حتى اللحظة الراهنة «بلدة الفوانيس» في الصين، ويشعر سكانها بالفخر لارتباط اسم بلدتهم بهذه الحرفة العريقة.