قيصر الكرملين يستلهم انتصارات باني الإمبراطورية الروسية

طيف بطرس الأكبر يحوم فوق أوكرانيا... ومدافعه منصوبة في البلطيق والبحر الأسود

الرئيس الروسي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)
TT

قيصر الكرملين يستلهم انتصارات باني الإمبراطورية الروسية

الرئيس الروسي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو أمس (إ.ب.أ)

منذ أن أعلن الرئيس فلاديمير بوتين قرار ضم القرم في مارس (آذار) 2014، لم تتوقف المقارنات التاريخية والسرديات التي ملأت صفحات وسائل الإعلام، وانخرطت فيها نخبة لا بأس بها من الخبراء وعلماء السياسة ونجوم التحليل التلفزيوني.
كانت العبارة الأوسع انتشاراً في تلك الفترة تتعلق بـ«استعادة» جزء من الوطن المضاع في سنوات «الخضوع» و«المهانة» و«ضياع الهوية الوطنية». وكانت المقارنات تُعقد بين إنجاز سيد الكرملين الحديث بوصفه امتداداً لانتصار الإمبراطورة كاترين الثانية التي أعلنت ضم القرم للمرة الأولى في 1783. منذ ذلك الحين، ظلّ تاريخ روسيا حاضراً في مناقشة سياساتها حيال محيطها القريب. لذلك، لم يكن مستغرباً أن يستغرق الرئيس الروسي طويلاً في تفاصيل تاريخية، في خطابين مهّدا لاندلاع الحرب الجارية في أوكرانيا، الأول مساء 21 فبراير (شباط) عندما أعلن الاعتراف بسيادة لوغانسك ودونيتسك، والثاني فجر 24 فبراير عندما أطلق شرارة الحرب.
ومنذ ذلك الحين، بدا واضحاً أن بين أبرز ما يشغل بال الرئيس وهو يخوض مواجهته الكبرى مع الغرب والعالم، هو موقعه المحتمل على صفحات التاريخ لاحقاً، وأن يحجز مكاناً له بين عظماء البلاد الذين أعادوا هيبتها وصنعوا أمجادها. لكن استحضار الرئيس الروسي، أول من أمس (الخميس)، إنجازات الإمبراطور الأبرز بطرس الأكبر، لم تكن مجرّد محاولة لعقد مقارنات مع الرجل الذي ارتبط اسم روسيا العظمى لقرون باسمه. والأبرز من ذلك، برر بوتين خطواته الحالية بسياسات أعظم قياصرة البلاد، ما كشف جانباً مهماً من دوافع سياساته في السنوات الماضية.
المغزى الأهم الذي حملته عبارات الرئيس هو أنه ينفذ «وصايا» الإمبراطور الروسي. وشبّه بوتين سياسته بتلك التي كان يتّبعها بطرس الأكبر حين قاتل السويد وغزا قسماً من أراضيها وفنلندا وأجزاء من إستونيا ولاتفيا. وقال الرئيس: «إنه أمر مدهش، كأنّ شيئاً لم يتغيّر... بطرس الأكبر خاض حرب الشمال على مدى 21 عاماً. يسود انطباع بأنه خلال الحرب مع السويد استولى على شيء ما. هو لم يستولِ على أي شيء بل استعاد». هذه العبارة ذاتها، التي وظّفها مراراً الرئيس الروسي في تبرير حرب أوكرانيا، من خلال تأكيد أن هذا البلد «مصطنع» وأن هذه الأرض «روسية».
قال سيد الكرملين: «عندما أسّس (الإمبراطور) عاصمة جديدة في سان بطرسبرغ، لم يعترف أي من بلدان أوروبا بأن هذه الأراضي تابعة لروسيا. كان العالم بأسره يعدّها جزءاً من السويد»، وأردف: «كان بصدد الاستعادة والتدعيم. يبدو أنه يتعيّن علينا حالياً أن نستعيد وأن نُدعّم!»، وأوضح أن «هناك حقبات في تاريخ بلادنا اضطررنا فيها إلى التراجع، إنّما فقط لاستعادة قوانا والمضي إلى الأمام».
على هذه الخلفية، لم يكن غريباً أن تولي روسيا اهتماماً خاصاً هذا العام بالاحتفال بمرور 350 سنة على ميلاد بطرس الأكبر. وصحيح أن مرسوم الإعداد للاحتفالات الكبرى سبق منذ زمن الحرب الأوكرانية، لكنّ روسيا كما أعلنت أكثر من مرة أنها أعدت لهذه المعركة منذ 2014 واستنفدت الطرق السياسية قبل أن تصل إلى النتيجة المحتومة فيها. والأهم أن استرجاع ذكرى بطرس الأكبر بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت، يحمل دلالات كبرى على خلفية الحرب الجارية، إذ لا يغيب أنه في عام 1709، وقعت أهم معركة في تاريخ روسيا في ذلك الوقت، حين واجه بطرس الأكبر وقواته الجيش السويدي بقيادة الملك شارل الثاني عشر في منطقة بولتافا التي تقع اليوم في شمال شرقي أوكرانيا (جنوب غربي خاركيف). تمكَّن بطرس في هذه الموقعة من سحق الجيش السويدي والقضاء على قوته الصاعدة في شمال غربي وشمال وسط أوروبا، واضطرت الهزيمة الملك السويدي شارل إلى الهرب صوب الدولة العثمانية لاجئاً، فيما تمكَّن بطرس من توسيع رقعة دولته إلى شمال شرقي أوكرانيا وبيلاروسيا وجزء كبير من بولندا الحالية.
ويبدو أن طيف بطرس الأكبر يحوم حالياً في أجواء أوكرانيا وعلى مساحات واسعة في حوض البلطيق والبحر الأسود، وهو الذي كان صاحب الفضل في إطلاق «المعركة الكبرى» التي جعلت روسيا بين القوى العظمى وسيطر خلال سنوات حكمه التي استمرَّت أكثر من ثلاثين عاماً. اللافت كما كتب أحد دارسي التاريخ أخيراً، أن الاستراتيجية التي اتّبعها بطرس الأكبر قبل ثلاثة قرون تبدو كأنها سائرة نحو التطبيق العملي حالياً في حروب الرئيس الروسي في القوقاز وأوكرانيا والبحر الأسود وغيرها.
شملت وصايا الإمبراطور بطرس الأكبر إشارات إلى ضرورة إخضاع مناطق القوقاز والقرم البلطيق وأوكرانيا، وضرورة ديمومة التهديد الروسي لفنلندا والسويد، وجعل الكنيسة الأرثوذكسية في المكانة اللائقة بها عالمياً بوصفها «روما الثالثة» وقِبلة المسيحيين، فضلاً عن لعب الروس على استثارة النزاعات والخلافات بين القوى الأوروبية. نقل بعض المؤرخين مقاطع من تلك الوصايا، فيها أنه أكّد ضرورة وديمومة الحرب، و«من الضروري أن تعتاد العساكر على الحرب والقتال دائماً، وينبغي للأمة الروسية أن تكون على أُهبة الاستعداد، مع ضرورة ترك وقت لراحة العساكر من أجل إصلاح الشؤون المالية، وتنظيم العساكر باستمرار حتى يحين الوقت المناسب للهجوم. وعلى هذه الصورة، ينبغي لروسيا أن تستفيد من وقت الصلح والأمان في توسيع مجال منافعها، فتتخذ من الصلح وسيلة للحرب».
ومن الوصايا ضرورة انخراط الروس في شؤون القارة الأوروبية، لأن توحُّد أوروبا يُعَدُّ خطراً على المصالح الروسية، ويقول: «ينبغي التدخُّل في مجريات الأمور والأوضاع في أوروبا كلما لاحت الفرصة، كما ينبغي التدخُّل في الخلافات والمنازعات الجارية بها، خصوصاً ما يجري في ألمانيا القريبة منّا للاستفادة من ذلك مباشرة».
وينسحب التدخل المطلوب على الشؤون السويدية والبولندية، لأنهما ضمن المجال الجيوسياسي القريب والمباشر لروسيا. وهنا، فقد أوصى الإمبراطور الكبير باستخدام كل الوسائل، «بما في ذلك الرشوة والفساد وإثارة الاضطرابات الداخلية في بولونيا (بولندا)، واستمالة أعيانها عن طريق تقديم الأموال لهم، والعمل على السيطرة على مجلس الحكومة». لكن مع هذا «التنفيذ الحرفي» لوصايا بطرس الأكبر، يبدو التباين واضحاً بين الآليات التي استخدمها كلا الزعيمين لجعل روسيا بلداً عظيماً محاكاً بالهيبة والاحترام.
فقد ذهب بطرس الأكبر نحو الغرب لاستقدام الخبراء وتطوير آليات عمله وأساليب إدارة الدولة، واتجاهه في حالات نحو «التغريب» الكامل لقلب أوضاع البلاد من إقطاعيات للفلاحين إلى بلد قوي بصناعته وقدراته وخصوصاً على الصعيد العسكري. ووفقاً لبعض الروايات التاريخية، فقد أمر بطرس الأكبر الرجال بقص لحاهم الطويلة والنساء بتقصير أثوابهن في إطار سعيه لتغيير مظهر البلاد وقناعاتها السائدة لتواكب عصر النهضة والتغيير.
في المقابل، فقد اتجه بوتين بعكس المسار مبتعداً عن الغرب ومنتقداً آليات إدارة القرار فيه، ومعتقداته وثقافته السياسية والاجتماعية. وقاد بطرس الأكبر مواجهته الكبرى مع الغرب في «فضاء روسيا الحيوي» وهو يتعلم فنون بناء الأساطيل البحرية في لندن، ويستقدم العلماء والخبرات من فرنسا وألمانيا، بينما يخوض الرئيس الروسي حالياً معركته الكبرى وهو معزول خلف جدران عالية ونخبه مُعاقَبة، وطائرة وزير خارجيته تلاحقها العقوبات وتطردها من سماء أوروبا.


مقالات ذات صلة

ستولتنبرغ لـ«الشرق الأوسط»: وجّهنا «رسالة قوية» إلى الصين... وأتوقّع استمرار الدعم الأميركي لأوكرانيا

خاص أمين عام «الناتو» خلال مؤتمر صحافي بواشنطن في 11 يوليو (أ.ب) play-circle 01:30

ستولتنبرغ لـ«الشرق الأوسط»: وجّهنا «رسالة قوية» إلى الصين... وأتوقّع استمرار الدعم الأميركي لأوكرانيا

قال أمين عام «الناتو» ينس ستولتنبرغ، في حوار مع «الشرق الأوسط» إن «الالتزام الأميركي بدعم أوكرانيا يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمنية».

نجلاء حبريري (واشنطن)
أوروبا سفن محمَّلة بالحبوب الأوكرانية تنتظر عمليات التفتيش في خليج البسفور (رويترز)

إردوغان: الغرب لم يحقق النتائج المتوقعة من دعمه أوكرانيا

إردوغان يقول إن الغرب لم يحصل على النتائج المتوقعة لدعمه أوكرانيا في الحرب مع روسيا، مؤكداً ضرورة العودة إلى الدبلوماسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا دمار نتيجة قصف روسي على منطقة دونيتسك (قناة فاديم فيلاشكين حاكم منطقة دونيتسك على تطبيق تلغرام)

مقتل 4 وإصابة 9 في قصف روسي لمنطقة دونيتسك 

قال حاكم منطقة دونيتسك الأوكرانية إن 4 أشخاص على الأقل قُتلوا، وأصيب 9 آخرون في قصف روسي للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

زيادات ضريبية في روسيا لتمويل الهجوم على أوكرانيا

أصدر الرئيس الروسي، الجمعة، حزمة من الزيادات الضريبية على العمال والشركات بقيمة 30 مليار دولار، ستخصص المبالغ التي تجبى بموجبها لتمويل الهجوم على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

روسيا تنفي التخطيط لاغتيال رئيس شركة ألمانية لصناعة الأسلحة

رفض الكرملين تقريراً أفاد بأن الولايات المتحدة وألمانيا أحبطتا مخططاً روسياً لاغتيال الرئيس التنفيذي لشركة ألمانية كبيرة لإنتاج الأسلحة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ستولتنبرغ لـ«الشرق الأوسط»: وجّهنا «رسالة قوية» إلى الصين... وأتوقّع استمرار الدعم الأميركي لأوكرانيا

TT

ستولتنبرغ لـ«الشرق الأوسط»: وجّهنا «رسالة قوية» إلى الصين... وأتوقّع استمرار الدعم الأميركي لأوكرانيا

أمين عام «الناتو» خلال مؤتمر صحافي بواشنطن في 11 يوليو (أ.ب)
أمين عام «الناتو» خلال مؤتمر صحافي بواشنطن في 11 يوليو (أ.ب)

عندما تسلّم ينس ستولتنبرغ قيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 2014، لم يكن، على الأرجح، يتوقّع أن تشهد أوروبا أكبر حرب على أراضيها منذ الحرب العالمية الثانية. وقبل أشهر من تسليمه قيادة «الناتو» لمارك روته في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، نجح رئيس وزراء النرويج الأسبق في توحيد صفوف الحلفاء الغربيين، ووسّع الحلف ليشمل 32 دولة، كما انتزع التزاماً من الدول الأعضاء للاستمرار في دعم أوكرانيا مادياً وعسكرياً في حربها مع روسيا.

وبينما تُخيّم عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض على أعمال الحلف، عبّر ستولتنبرغ عن تفاؤله حيال «ثبات» الدعم الأميركي لكييف، والتزامه بتعزيز «الناتو».

وقال في حوار خصّ به «الشرق الأوسط»، في ختام قمة الحلف بواشنطن، إن «الالتزام الأميركي بهذا الدعم يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة الأمنية»، لا سيّما أن «ما يحدث في أوكرانيا اليوم قد يحدث في آسيا غداً».

ورحّب ستولتنبرغ بتخفيف الدول الأعضاء القيود المفروضة على كييف لضرب أهداف عسكرية مشروعة داخل روسيا، مشدداً على ضرورة استمرار مستوى الدعم الغربي لأوكرانيا.

ورفض الأمين العام اتّهام بكين «الناتو» بزعزعة استقرار منطقة المحيط الهندي والهادي، عادّاً أن الصين هي التي تقترب من حدود الدول الأعضاء في الحلف عبر مناوراتها العسكرية مع بيلاروسيا. كما رحّب بتوجيه الحلف «رسالة قوية» للصين للمرّة الأولى في واشنطن؛ لدعمها حرب روسيا على أوكرانيا.

وعن الشرق الأوسط، قال الأمين العام إنه يدعم جهود وقف إطلاق النار في غزة، بيد أن «الحلف لا يلعب دوراً مباشراً» في هذا الصراع. في الوقت ذاته، سلّط ستولتنبرغ الضوء على شراكات الحلف في الشرق الأوسط، مشيداً بالتعاون مع السعودية في مكافحة الإرهاب، وأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، وتعزيز الأمن البحري.

وفيما يلي أبرز ما ورد في الحوار.

صمود أوكرانيا... ومسؤولية «الناتو»

اتفق قادة الدول الأعضاء في «الناتو»، الذين اجتمعوا في واشنطن هذا الأسبوع، بمناسبة الذكرى الـ75 لتأسيس الحلف، على واحدة من أكبر حزم المساعدات النوعية والمادية لأوكرانيا. وللمرة الأولى منذ الغزو الروسي في فبراير (شباط) 2022، وافقت الولايات المتحدة وحلفاؤها على إرسال مقاتلات «إف - 16» لكييف، كما التزموا بحدّ أدنى من المساعدات بقيمة 40 مليار يورو العام المقبل. ويأمل القادة في أن تعزز هذه المساعدات قدرة الجيش الأوكراني على الصمود في وجه قتال شرس على الجبهتين الشرقية والجنوبية، «يذكّر بحرب الخنادق في الحربين العالمية الأولى والثانية» كما وصفه مسؤول رفيع في الحلف.

وأقرّ ستولتنبرغ بالتحديات في أوكرانيا، وقال إن «الوضع في ساحة المعركة صعب. نرى أن الروس يحاولون شنّ هجمات جديدة، ويضربون المدن الأوكرانية، ويقتلون المدنيين الأبرياء»، مشيراً إلى «الهجوم على مستشفى الأطفال» الذي شنّته موسكو عشية انعقاد «قمة الناتو».

في الوقت ذاته، لفت ستولتنبرغ إلى أنه «عندما بدأت هذه الحرب في فبراير 2022، اعتقد معظم الخبراء والرئيس (الروسي فلاديمير) بوتين أنه سيسيطر على كييف في غضون أيام، وبقية أوكرانيا في غضون أسابيع. هذا لم يحدث».

وتابع: «تمكّن الأوكرانيون من تحرير 50 في المائة من الأراضي التي احتلتها روسيا في بداية الحرب. كما تمكّنوا من فتح ممر في البحر الأسود لتصدير الحبوب والمنتجات الأخرى إلى السوق العالمية. وهم قادرون أيضاً على توجيه ضربات وإلحاق خسائر فادحة بالغزاة الروس. لذا فإن الحروب بطبيعتها لا يمكن التنبؤ بها، لكن الأوكرانيين أثبتوا قدرتهم على الصمود وصدّ قوات الدفاع الروسية. وتتمثل مسؤوليتنا في الاستمرار في تقديم دعم كبير».

وأشاد الأمين العام في هذا الصدد بموافقة الحلفاء في قمة حلف شمال الأطلسي بواشنطن على تكثيف الدعم العسكري الكبير لأوكرانيا، والحفاظ على مستواه.

ضرب أهداف داخل روسيا

كان أكبر عائق أمام موافقة بعض الدول الغربية، وأبرزها الولايات المتحدة، على تسليم أسلحة هجومية لأوكرانيا هو اعتراضها على ضرب أهداف داخل روسيا، وهو ما يعدّه ستولتنبرغ حقاً مشروعاً في إطار «الدفاع عن النفس».

وقال: «من المهم أن نتذكر أن هذه حرب عدوانية شنّتها روسيا ضد دولة مسالمة ومستقلة ذات سيادة في أوروبا؛ أي أوكرانيا. هذا انتهاك صارخ للقانون الدولي. ووفقاً للقانون الدولي، فإن لأوكرانيا الحق في الدفاع عن النفس».

وأكّد الأمين العام لـ«الناتو» أن «حق الدفاع عن النفس يشمل حق الهجوم، أو ضرب أهداف عسكرية مشروعة على أراضي المعتدي؛ أي روسيا. ولذلك، نفذت أوكرانيا ضربات عميقة» (داخل روسيا).

وتحدّث ستولتنبرغ عن التباين بين الحلفاء لجهة القيود المفروضة على الأسلحة التي يسلمونها لكييف، إلا أنه أكّد أن الدول التي فرضت هذه القيود، قامت بتخفيفها، «لأسباب ليس أقلها أن معظم القتال يقع في عمق أوكرانيا».

واستدلّ ستولتنبرغ بجبهة خاركيف لشرح أهمية السماح لأوكرانيا بالضرب في الأراضي الروسية، وقال: «فتحت روسيا الآن جبهة جديدة في منطقة خاركيف، حيث خط المواجهة والخط الحدودي متماثلان إلى حد ما. وبطبيعة الحال، فإن الطريقة الوحيدة أمام أوكرانيا للدفاع عن نفسها هي الهجوم، أو الضرب خارج خط المواجهة، وهذا يعني أيضاً على أراضي روسيا. لذا، فإن المهم هو أننا قادرون على تزويد أوكرانيا بالقدرات التي تحتاجها، وأنا أرحب بتخفيف الحلفاء القيود المفروضة على استخدام هذه الأسلحة».

دور إيران وكوريا الشمالية

بحث قادة «الناتو» في قمّتهم بواشنطن تأثير الدعم الذي تحظى به روسيا من إيران وكوريا الشمالية والصين، في الحرب التي تشنّها على أوكرانيا.

وقال ستولتنبرغ في هذا الصدد: «ما نراه هو أن القوى الاستبدادية متحالفة في دعمها لروسيا، مما يُمكّنها من شنّ هذه الحرب العدوانية الوحشية. وهذا يشمل دولاً مثل كوريا الشمالية، ولكن أيضاً الصين وإيران. وقد قامت إيران بتسليم كمية كبيرة من طائرات (شاهد) دون طيار، التي أصابت أوكرانيا بكثير من المعاناة والأضرار، مما ساعد روسيا على إدارة هذه الحرب غير الشرعية».

وحذّر من أن أي تسليم محتمل لصواريخ باليستية إيرانية سيكون خطيراً للغاية بالنسبة لتصعيد الحرب في أوكرانيا. وتابع: «فرض حلفاء الناتو على مدى سنوات عديدة عقوبات صارمة على إيران؛ بسبب أنشطتها المزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة وخارجها. وبالطبع، تستهدف هذه العقوبات البرنامج النووي الإيراني، وكذلك برنامجها الصاروخي. دعم إيران لروسيا يُسلّط الضوء على أهمية هذه العقوبات للحد من قدرة إيران على دعم حرب العدوان غير الشرعية، كما تفعل عندما تدعم روسيا».

 طائرات «شاهد» الإيرانية تسببت في معاناة بالغة بأوكرانيا

ينس ستولتنبرغ أمين عام «الناتو»

التمكين الصيني لموسكو

وجّه قادة «الناتو» انتقاداً حادّاً للصين خلال القمّة، لدعمها روسيا. وقال ستولتنبرغ: «أولاً وقبل كل شيء، ليس هناك شكّ في أن الصين هي عامل تمكين حاسم لحرب روسيا ضد أوكرانيا؛ لأنها توفر تقريباً جميع الإلكترونيات والشرائح الدقيقة، والمعدات ذات الاستخدام المزدوج، والأدوات التي تحتاجها روسيا في تصنيع القنابل والطائرات والصواريخ التي تستخدمها لمهاجمة أوكرانيا. لذا، فمن دون دعم الصين لاقتصاد الحرب الروسي، لم تكن روسيا لتتمكّن من إدارة الحرب كما تفعل ضد أوكرانيا».

وعن ردّ بكين الغاضب من بيان «الناتو»، قال الأمين العام: «أعتقد بقوة بأن ردّ الفعل من الصين يوضّح أننا أشرنا بالفعل إلى شيء صحيح». وعدّ أن قرار 32 حليفاً، يمثلون 50 في المائة من الاقتصاد العالمي، تسليط الضوء بوضوح وللمرة الأولى على الدور الصيني، «رسالة قوية».

جانب من اجتماع قادة «الناتو» في واشنطن (د.ب.أ)

أما عن اتهام بكين «الناتو» بزعزعة استقرار منطقة المحيط الهندي والهادي، ردّ ستولتنبرغ: «لا يتعلق الأمر بتحرك حلف شمال الأطلسي إلى منطقة المحيط الهندي والهادي، بل يتعلق الأمر باقتراب الصين منا. بينما نتحدث الآن، تُجري الصين مناورات عسكرية مع بيلاروسيا على حدود حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا. كما نرى الصين تحاول السيطرة على البنية التحتية الحيوية في أفريقيا وفي القطب الشمالي». وأضاف: «ثانياً فيما يتعلّق بحقيقة أننا نعمل مع شركائنا في اليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وأستراليا. هذه دول مستقلة ذات سيادة وتريد أن تكون لديها علاقة قوية مع حلف شمال الأطلسي. نحن نرحب بذلك».

في المقابل، شدّد الأمين العام على أن «حلف شمال الأطلسي سوف يظل تحالفاً بين أميركا الشمالية وأوروبا. لن نصبح تحالفاً عالمياً، ولكننا بطبيعة الحال سوف نعمل مع شركائنا العالميين لمعالجة التهديدات العالمية، والسيبرانية، والإرهاب، ولكن أيضاً العواقب الأمنية المترتبة على استثمار الصين بكثافة في القدرات العسكرية الحديثة».

تصدّعات في الدعم الغربي

طغت المخاوف من تراجع أميركي محتمل عن دعم أوكرانيا، وحلف «الناتو» بشكل عام، على أعمال قمة واشنطن.

ورغم حالة عدم اليقين المحيطة بالانتخابات الأميركية، والتصدعات الأوروبية في دعم كييف، فإن ستولتنبرغ بدا متفائلاً. وقال: «أتوقع أن تستمر الولايات المتحدة، مثل غيرها من حلفاء الناتو في أوروبا وكندا، في تقديم دعم قوي لأوكرانيا. من مصلحتنا الأمنية ألا تكون لروسيا الغلبة في أوكرانيا». وحذّر من أن تراجع هذا الدعم «من شأنه أن يبعث برسالة إلى الرئيس بوتين، ولكن أيضاً إلى الرئيس (الصيني) شي جينبينغ وغيرهما من القادة الاستبداديين مفادها بأنه عندما ينتهكون القانون الدولي، وعندما يغزون دولة أخرى، فإنهم سيحصلون على ما يريدون، وهذا سيجعل العالم كله أكثر خطورة».

وتابع: «يجب على كل دولة تهتم بالنظام الدولي القائم على القواعد واحترام الحدود الدولية المعترف بها، أن تشعر بالقلق الشديد إذا أفلتت روسيا من الهجوم الوحشي على أوكرانيا، إذ سيدفع ذلك دولاً استبدادية أخرى لتحذو حذو روسيا».

صورة أرشيفية لترمب وستولتنبيرغ خلال قمة «الناتو» في واتفورد البريطانية ديسمبر 2019 (أ.ب)

واستذكر ستولتنبرغ أنه «قبل أيام قليلة من الغزو، وقّع الرئيسان شي وبوتين اتفاقية شراكة، حيث وعد كل منهما الآخر بشراكة لا محدودة. لهذه الأسباب، أتوقع أن تستمر الولايات المتحدة (في دعم أوكرانيا)».

ورأى أن الالتزام الأميركي بهذا الدعم «يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمنية، لأسباب ليس أقلها أنها قلقة بشأن الصين. وما يحدث في أوكرانيا اليوم يمكن أن يحدث في آسيا غداً، كما قال رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، أخيراً. لذلك هناك صلة بين أوكرانيا وآسيا». أما عن ترمب، فذكّر ستولتنبرغ بقرار الرئيس الأميركي السابق تقديم الصواريخ المضادة للدروع من نوع «جافلين» لأوكرانيا، التي كانت مهمة للغاية في مواجهة الغزو الروسي. «لذا، أتوقع مرة أخرى أن تستمر الولايات المتحدة في دعم أوكرانيا».

ما يحدث في أوكرانيا اليوم قد يحدث في آسيا غداً

ينس ستولتنبرغ أمين عام «الناتو»

حرب غزة

يسعى حلف «الناتو» لتوسيع شراكاته حول العالم، لا سيّما عبر ما يسمّيها دول «الجوار الجنوبي». إلا أن «الناتو» تحفّظ عن إعلان سياسة أو موقف حيال الحرب في غزة، ما أثار استغراباً وانتقادات نظراً لحجم الخسائر البشرية في القطاع، فضلاً عن التداعيات الإقليمية والدولية لهذا التصعيد غير المسبوق.

وردّ ستولتنبرغ على هذه النقطة بالقول: «دعا جميع حلفاء الناتو إلى وقف إطلاق النار، وأنا أؤيد الجهود التي يبذلها الحلفاء لتسهيل المفاوضات، وجهود وقف إطلاق النار، وكذلك العمل من أجل التوصل إلى نهاية سياسية لهذا الصراع. كما أعرب حلفاء الناتو عن دعمهم لحل الدولتين»، لا سيما بعد الحرب الجديدة في غزة.

واستدرك الأمين العام بالقول: «لكن حلف شمال الأطلسي، بوصفه حلفاً، لا يلعب دوراً مباشراً (في هذا الصراع). وأعتقد بأن هناك ما يكفي من الجهات الفاعلة الآن، وليست هناك حاجة لمشاركة منظمة أخرى بشكل مباشر. ولكننا بالطبع ندعم الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وغيرها لتسهيل المفاوضات، وتمكين وقف إطلاق النار، والتوصل إلى حل سياسي».

ووصف الأمين العام: «لكن بالطبع، من المفجع أن نرى المعاناة الإنسانية، وأن نرى الموت والدمار اللذين شهدناهما في الأشهر الأخيرة، ولذلك فإنني أؤيد وحلفاء الناتو جميع الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي».

زعماء «الناتو» خلال انعقاد القمة في واشنطن في 9 يوليو 2024 (د.ب.أ)

تعاون إقليمي

وبينما استبعد ستولتنبرغ أن يلعب «الناتو» دوراً في حرب غزة، سلّط الضوء على تعاون وشراكة الحلف مع دول شرق أوسطية. وقال: «إن لحلف شمال الأطلسي وجوداً في منطقة الشرق الأوسط، ولدينا شركاء في منطقة الخليج. لقد قمت أخيراً بزيارة الرياض في المملكة العربية السعودية للعمل على قضايا مثل مواجهة الإرهاب، وسلوك إيران المزعزع للاستقرار الذي يشكّل مصدر قلق كبير لحلف شمال الأطلسي، ولكن أيضاً لعديد من البلدان في المنطقة».

وعبّر الأمين العام عن أمله في أن «نتمكّن من بناء وتوسيع هذا التعاون، والعمل الذي نقوم به مع المملكة العربية السعودية؛ لمعالجة كثير من التحديات المشتركة، مثل الإرهاب والأمن البحري. وبطبيعة الحال، يشعر حلفاء الناتو بقلق بالغ إزاء أنشطة الحوثيين. وقد نشر بعض حلفاء الناتو قدرات بحرية لحماية الخطوط البحرية».

كما تحدّث ستولتنبرغ عن «مهمة للتدريب وبناء القدرات في العراق لمساعدة العراقيين على ضمان عدم عودة (داعش)، إلى جانب مركز التدريب في الكويت، ومكتب الاتصال الجديد في عمّان الذي أعلن عنه الحلف في قمة واشنطن، الذي من شأنه أن يعزز شراكتنا مع الأردن، وسيوفر الأدوات اللازمة لتعميق الحوار السياسي، والتعاون العملي» مع هذا البلد.

واستطرد: «هذه مجرد أمثلة لكيفية عملنا، بطرق مختلفة وضمن أطر مختلفة، مع بلدان المنطقة. مهمة بناء القدرات في العراق، ومكتب الاتصال الجديد في عمّان، وزيارتي إلى الرياض، حيث ناقشنا الأمن البحري ومكافحة الإرهاب ومعالجة سلوك إيران المزعزع للاستقرار. وعملنا مع تونس. (كلها شراكات) نعمل (من خلالها) مع دول المنطقة، ولكن بأشكال مختلفة».

ندعم جهود وقف إطلاق النار في غزة... والمعاناة الإنسانية مُفجعة

ينس ستولتنبرغ أمين عام «الناتو»

الإنجازات... والخطوات المقبلة

سألت «الشرق الأوسط» ستولتنبرغ عن أبرز إنجازاته خلال ولايته الطويلة أميناً عاماً لـ«الناتو»، وعن إخفاقاته. فجاء ردّه: «أولاً، لا أحتفظ بقائمة من الأشياء التي لم أنجح في القيام بها، أو بأخطائي». أما عن أكثر إنجاز يفتخر به، فقال: «أعتقد بأن القرار الأكثر أهمية الذي كنت جزءاً منه خلال فترة ولايتي أميناً عاماً كان الرد على الغزو الروسي الوحشي لأوكرانيا، ولكن أيضاً ما فعلته لمنع تصعيد هذا الصراع إلى أبعد من أوكرانيا». وتابع أن لـ«الناتو» مهمتين؛ «الأولى هي دعم أوكرانيا وهو ما نفعله، والثانية هي توجيه رسالة واضحة إلى موسكو مفادها بأن أي هجوم على دولة حليفة للناتو سيؤدي إلى رد فعل من الحلف. وقمنا بالفعل بنشر مزيد من القوات في الجزء الشرقي من التحالف لتوجيه تلك الرسالة».

بايدن يمنح «وسام الحرية الرئاسي» للأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي» ينس ستولتنبرغ (أ.ف.ب)

وعبّر ستولتنبرغ عن تطلّعه لـ«عيش حياة مختلفة. لقد كان شرفاً لي العمل أميناً عاماً لحلف شمال الأطلسي. وقد حظيت بامتياز العمل مع 32 حليفاً، ولكن أيضاً مع الدول الشريكة، بما في ذلك في الشرق الأوسط. لكنني بالطبع سأعود الآن إلى النرويج. لا أعرف بالضبط ما سأفعله. كان قد تم تعييني في الأصل محافظاً للبنك المركزي، لكنني تخليت عن ذلك حتى أتمكّن من الاستمرار في حلف شمال الأطلسي. ولم أندم على ذلك للحظة».