الكرملين يقلّل من أهمية صادرات الحبوب من أوكرانيا... وكييف تطالب بـ«حماية أوديسا»

موسكو تواجه سيناريو «آزوفستال» في سيفيرودونيتسك وتتحدث عن خسائر فادحة لـ«العدو»

دخان يتصاعد من مدينة سيفيرودونيتسك بعد القصف، 7 يونيو (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من مدينة سيفيرودونيتسك بعد القصف، 7 يونيو (أ.ف.ب)
TT

الكرملين يقلّل من أهمية صادرات الحبوب من أوكرانيا... وكييف تطالب بـ«حماية أوديسا»

دخان يتصاعد من مدينة سيفيرودونيتسك بعد القصف، 7 يونيو (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من مدينة سيفيرودونيتسك بعد القصف، 7 يونيو (أ.ف.ب)

بالتوازي مع إعلان روسيا وتركيا استعدادهما لضمان نقل إمدادات الغذاء من موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، برز سجال بين موسكو وكييف حول حجم الإمدادات المحتملة وآليات التعامل مع الضمانات المقترحة. وتجاهلت موسكو أمس اتهامات أوكرانية جديدة بـ«سرقة» القمح في المناطق التي سيطر عليها الجيش الروسي. لكنها في المقابل قلّلت من أهمية حجم احتياطات أوكرانيا من الحبوب، ورأى الكرملين أن «الأزمة المثارة حول إمدادات الغذاء مصطنعة».
واتهم نائب رئيس اتحاد المنتجين الزراعيين الأوكرانيين، دنيس مارتشوك، الروس بالاستيلاء على نحو 600 ألف طن من الحبوب من «مناطق أوكرانية محتلة»، وقال إن موسكو قامت بتصدير بعض هذه الكميات. وأضاف مارتشوك للتلفزيون الأوكراني أن بلاده ستطالب بتعويض من روسيا على سرقة الحبوب، وعلى تدمير ممتلكات المزارعين. ووفقاً له: «حتى اليوم، سُلب نحو 600 ألف طن من الشركات الزراعية ونُقلت لمنطقة شبه جزيرة القرم المحتلة مؤقتاً، ومن هناك يتم نقلها لموانئ؛ خصوصاً ميناء سيفاستوبول، ومنه تتحرك سفن إلى الشرق الأوسط». وأشار إلى أن «نحو 100 ألف طن من الحبوب شُحنت بالفعل إلى سوريا»، وفقاً لأدلة «سجّلتها الولايات المتحدة».
وكانت موسكو رفضت اتهامات غربية بالاستيلاء على مخزون الحبوب الأوكراني. ومع تجاهل الكرملين الاتهامات الجديدة، دعا الناطق باسمه دميتري بيسكوف إلى «عدم المبالغة في أهمية احتياطيات الحبوب الأوكرانية من جهة تأثيرها على الأسواق الدولية». ولفت بيسكوف إلى أن الوضع في أوكرانيا «لم يتسبب في أزمة غذاء في العالم، فهناك أقل بكثير من الحبوب في البلاد مما يقولون في كييف».
وزاد: «أولاً، على حد علمنا، هذه الحبوب أقلّ بكثير مما يقول الأوكرانيون أنفسهم. ثانياً، ربما من غير الضروري المبالغة في أهمية احتياطيات الحبوب هذه من جهة التأثير على أسواق الحبوب الدولية. هي نسبة صغيرة جداً، بحيث لا يكون لها تأثير كبير على تطور أزمة الغذاء التي بدأت بالفعل على المستوى العالمي».
وشدّد بيسكوف على أن «الأزمة الأوكرانية لم تكن هي التي تسببت أو حفزت أزمة الغذاء في العالم». وخلص إلى أن «هذا الأمر سبقته سلسلة بكاملها من الأحداث والأعمال الخاطئة للحكومات في جميع أنحاء العالم».
في الأثناء، برزت أولى ردود الفعل في أوكرانيا على اتفاق وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي زار أنقرة أمس، مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو، على قيام البلدين بضمان ممرات آمنة لنقل إمدادات الحبوب من الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود. وأعلنت كييف ترحيبها بالمفاوضات المتعلقة بتصدير الحبوب الأوكرانية من موانئ البحر الأسود، لكنّها شددت على أن «أي قرار بشأن هذه المسألة ينبغي أن يترافق مع تزويد أوكرانيا بأسلحة لحماية أوديسا». وقال وزير خارجية أوكرانيا، دميتري كوليبا، في مؤتمر صحافي، إن «كييف مستعدة للمساهمة في مفاوضات لحلّ أزمة الغذاء وفكّ الحصار عن الموانئ الأوكرانية، في المقام الأول من خلال الأمم المتحدة»، مؤكداً أن «جميع المسارات والجهود الأخرى نرحب بها، ولكن بشرط واحد، يجب أن يأخذ القرار النهائي في الاعتبار مصالح أمن أوكرانيا بنسبة 100 في المائة».
ووفقاً له، فإن ضمان أمن أوكرانيا بهذه النسبة يعني توفير «كمية كافية من الأسلحة القادرة على حماية أوديسا، وهذا الجزء من ساحل البحر الأسود»، فضلاً عن إنشاء «مهمة للقيام بدوريات لحماية ممر توريد الحبوب من قبل سفن الدول التي يمكن أن تثق بها أوكرانيا». وأضاف: «في هذا الصدد، يمكننا، على وجه الخصوص، أن نثق في القوات البحرية التركية».
على الصعيد الميداني، تواصلت أمس المواجهات الضارية على طول خطوط التماس في لوغانسك ودونيتسك، ووقعت أعنف المواجهات على محور سيفيرودونيتسك، التي شهدت إطلاق ما وصف بـ«هجوم شامل» من جانب القوات الانفصالية والجيش الروسي قبل يومين. وبدا أن سيناريو «آزوفستال»، المجمع الصناعي في ماريوبول الذي تحصن فيه أوكرانيون، واستعصى على القوات الروسية لمدة أكثر من شهر، رغم تطويقه بشكل كامل، يتكرر حالياً في المدينة الاستراتيجية سيفيرودونيتسك، وهي آخر معقل للمقاومة الأوكرانية في منطقة لوغانسك. وكان مئات الجنود الأوكرانيين تحصنوا داخل مصنع في هذه المدينة. وأعلنت، أمس، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن «القوميين الأوكرانيين يخططون لتفخيخ حاويات فيها مواد كيميائية سامة في المصنع».
وزادت: «يتم إعداد استفزاز جديد للقوميين الأوكرانيين، وعلى وجه الخصوص تفخيخ حاويات فيها مواد كيميائية سامة في مصنع أزوت، بمدينة سيفيرودونيتسك، في جمهورية لوغانسك الشعبية، واحتجاز أكثر من 1000 شخص من عمال المصنع والسكان المحليين في مبانيه تحت الأرض». وأضافت: «وفقاً لخطة كييف، فإن تفجير الحاويات التي تحتوي على أكثر من 100 طن من الملح الصخري وحمض النيتريك سيؤدي إلى عرقلة حركة القوات المسلحة الروسية وقوات جمهوريتي دونباس إلى الأمام. كما يخططون لاتهام روسيا في الكارثة المصحوبة بخسائر بشرية، كما هو الحال دائماً».
واتّهمت «نظام كييف» بـ«فبركة المسرحيات على حساب أرواح المدنيين». وزادت: «رأينا ما فعلوه في مدينة بوتشا، ورأينا ما فعلوه في كراماتورسك. ونحن ننتظر بيانات محددة، تقريراً من الغرب، الذي انغمس بشكل مباشر وغير مباشر في كل هذا، وأصبح شريكاً في جرائم نظام كييف في بوتشا وكراماتورسك».
في غضون ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن القوات الأوكرانية في دونباس «تكبدت خسائر ملموسة في الأفراد والأسلحة والعتاد العسكري». وقال الناطق العسكري، إيغور كوناشينكوف، في إيجاز صحافي يومي، إنه «خلال 3 أيام من معارك تحرير مدينة سفيتوغورسك في جمهورية دونيتسك الشعبية وحدها، بلغت خسائر القوات الأوكرانية أكثر من 300 عنصر للفصائل القومية، و6 دبابات، و15 عربة قتالية مدرعة من مختلف الأنواع، و36 قطعة من المدفعية الميدانية ومدافع الهاون، و4 راجمات صواريخ غراد، وأكثر من 20 مركبة».
وفي حصيلة الساعات الـ24 الماضية، قال كوناشينكوف إن «صواريخ روسية أطلقت من الجو أصابت مصنعاً للمدرعات في مقاطعة خاركوف، جرت فيه أعمال إصلاح وترميم الدبابات والعربات المدرعة الأخرى للقوات الأوكرانية». وتابع أن الصواريخ استهدفت أيضاً موقعين للقيادة، و13 منطقة تجمع للقوات والمعدات العسكرية، وبطارية من راجمات صواريخ «أواغان» ومستودعاً للوقود في خاركوف، كما تم تدمير 4 مستودعات للأسلحة والذخيرة في خاركوف، ودونيتسك ولوغانسك.
ووفقاً له، فقد ضرب الطيران الروسي خلال اليوم الماضي 63 منطقة تجمع للقوات والمعدات، ما أدى إلى القضاء على أكثر من 160 عنصراً من الفصائل القومية، وتدمير قيادة للواء الميكانيكي 14 للقوات الأوكرانية، و8 دبابات، وراجمتي صواريخ من طراز «غراد»، وبطارية مدفعية، ومحطة للحرب الإلكترونية، و13 مركبة مختلفة الأغراض. كما أسقطت الدفاعات الجوية الروسية طائرتين أوكرانيتين ومروحية في نيكولايف، فضلاً عن تدمير 11 طائرة بدون طيار في دونيتسك وخاركوف، كما تم اعتراض 3 صواريخ أوكرانية هاجمت خيرسون.


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...