صدر عن دار «مندائية للنشر والتوزيع» كتاب جديد للناقد موسى الخميسي، يحمل عنوان «تحت ظلال السنديان الإيطالي»، ويضمّ 130 مقالة في الثقافة والفنون الإيطالية، بضمنها توطئة العنوان والمقدمة التي كتبها سمير غريب والتمهيد المعمّق الذي دبّجهُ الخميسي نفسه.
يندرج متن الكتاب تحت سبعة أبواب رئيسية هي: «مُدُن، أدب، مسرح، سينما، فنون، معالم وظواهر، ومنوعات»، علمًا بأنّ بعض المقالات الواردة يعود إلى عقدين من الزمان في أقلّ تقدير، لكنها لما تزل صالحة للقراءة، وسوف تبقى كذلك لعقود طويلة، لأنها مكتوبة بنفسٍ إبداعي وليست صدى لحدث أدبي أو مناسبة ثقافية، قد تحرّض على كتابة تغطية صحافية أو ريبورتاجٍ عابر.
هل هي مصادفة أن يبدأ هذا الكتاب بكارثة طبيعية وهي بركان فيزوف وينتهي بحادث تراجيدي، حتى وإن كان المقتول «فاشيا» وهو موسوليني وعشيقته كلارا بتاسكي، التي رفضت أن تتركه وتتخلى عنه في اللحظات الحرجة الأخيرة؟ لا شكّ في أن الموت كان حاضرًا بقوة خارج إطار هاتين الحادثتين المأساويتين. ويكفي أن نشير إلى أن المتفرّجين في عهد الإمبراطور تراجان شهِدوا موت عشرة آلاف سيّاف ومقتل أحد عشر ألفًا من الضواري المفترسة، في مبنى الكولوسيوم الذي كان يتسع لـ150 ألف متفرج آنذاك.
يتوقف الخميسي عند مدن مثل صقيلة وعاصمتها باليرمو التي نشأت فيها المافيا الإيطالية، وبولونيا، مدينة السيراميك الإيطالي، وجامعتها الشهيرة التي استحدثت السيمولوجيا واحتضنت ماركوني مكتشف الراديو، ورحبّت بالعالم الفلكي كوبرنيكوس. وثمة وقفة جميلة عند مارينو الذي سوف يصبح قديسًا في وقت قصير، ويتلفظ قبل وفاته بالجملة الأخيرة «اتركوا الناس أحرارًا».
لا يمكن الوقوف عند كل الأدباء الذين تناولهم الخميسي في باب «أدب»، فبعضهم معروف مثل مورافيا، ومورانتي، وكالفينو، وإيكو، وكوازيمودو، وبوزاتي، لكنني لم أطلّع على منجزات ليوناردو شاشا مثل «يوم ألبوم»، أو «أعمام صقلية»، أو «السجن» لتشزراي بافيزي، أو حتى أوجينيو مونتالي، الذي حاز على نوبل وهو في الثمانين من عمره، صاحب «عظام الأخطبوط»، و«العاصفة»، و«الخليط». ثمة روائيات إيطاليات مهمات أيضا، من بينهن سوزانا تومارو، التي تألقت في «اذهب حيث يحملك القلب»، كما تألقت مانزوي في «المخطوبان» التي أنتجت عنها شنيشيتا عشرة أفلام روائية وتلفازية. لا بد من الإشارة إلى الرواية المبتذلة «داخل» التي كتبتها ليندا لافلايس: «الأنثى الغبية التي حُشي رأسها بالقش العفن» كما وصفتها صحيفة «التايمز».
كل الأسماء التي وردت في قسم المسرح مهمة ومعروفة في الوسط الثقافي الإيطالي، مثل سرهلر وكورسيني، وبيرانديلّو الحائز على نوبل، لكن يبقى سامي فايدا، المسرحي الذي نسيهُ لبنان واحتضنته إيطاليا علامة إبداعية فارقة، فهو الذي رفد المسرح الكوميدي الإيطالي المعاصر بكل ما هو ممتع وجديد. وربما تكون مسرحيته «دون جوفاني العاشق»، هي الأكثر أهمية ولذلك فقد فازت بالجائزة الوطنية عام 1956.
السينما الإيطالية هي الفصل الأطول في هذا الكتاب. فقد ضمّ 33 مقالة تناول فيها الكثير من الأفلام لمخرجي الواقعية الإيطالية الجديدة وبعض نجومها من كلا الجنسين. كما توقف عند بعض الظواهر التي شهدتها الساحة الفنية خلال العقدين الأخيرين، وأول هذه الأفلام هو «حارس الروح» لروبيرتو فاينسا الذي تناول فيه قصة الفتاة الروسية سابينا سبيلراين التي أحبّت طبيبها النفسي كارل غوستاف يونغ.
تحتل عمليات القتل والتصفيات الجسدية مساحة كبيرة من أفلام الواقعية الإيطالية. ففي «اغتيال الرجل الذي رأى المستقبل» لجورجو كابيتاني، يتم التركيز على حادثة انفجار طائرة أنريكو ماتيي، رئيس مؤسسة «أيني» الحكومية للبترول، على خلفية صراعه مع الاحتكارات النفطية العالمية. فيما يركِّز فيلم «غومورا» لماتيو كارونة، على عصابة تقرر تصفية الكاتب روبيرتو سافيانو لأنه تجرأ وفضح أعمالها وارتباطاتها وزعماءها بالأسماء والأرقام والعناوين.
تنوعت موضوعات المخرج روبيرتو بنيني، ففي فيلمه المشهور «الحياة جميلة»، تناول الفاشية والتعصب بكل أشكاله وصورِه البشعة. وفي «النمر والثلج» يتابع قصة الشاعر جوفاني الذي يُغرَم بالصحافية فِتّوريا التي لا تبادله مشاعر الحب فيسعى لاستمالتها. وحينما تذهب لتغطية أحداث الحرب في العراق تُصاب فيحاول إنقاذها بكل السبل المتاحة.
السياسة لها حصتها أيضًا ففي فيلم «التمساح» لناني موريتي تتمحور القصة على سيلفيو بيرلوسكوني الذي لا يتوفر على سمعة بيضاء وقد مثُل أمام القضاء غير مرة وجمع ثروة طائلة بأساليب كثيرة لا تخلو من النصب والاحتيال واحتمال التعاون مع عصابات المافيا!
يفرد الخميسي عددًا من المقالات المكثفة التي كتبها عن نجوم السينما الإيطالية، وأبرزهم الفنانة آنا مانياني التي يقترن اسمها بفيلم «روما مدينة مفتوحة». ومارشيلو ماستروياني الذي اختاره فيلّيني لفيلميه «الحياة حلوة» و«ثمانية ونصف». وقد وُصف ماستروياني بالرجل الذي لا يشيب ولا يكبر! والنجم الكوميدي ألبيرتو سودري الذي اشترك في 190 فيلما مع كبار المخرجين الإيطاليين، حتى أن سكورسيزي كان يعتقد بإمكانية كتابة تاريخ إيطاليا المعاصر من خلال جميع أفلامه.
لا يمكن الحديث عن السينما الإيطالية من دون التوقف عند صوفيا لورين التي مثلت مع دي سيكا 14 فيلما وحصلت على أوسكار أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «امرأتين»، كما تقاسمت أدوار البطولة مع ماستروياني في أفلام عدة، نذكر منها «أمس واليوم وغدًا» و«الطلاق على الطريقة الإيطالية». ثمة مقالات شديدة الأهمية عن بازوليني الذي ساند الأفكار التقدمية في كل إبداعاته، وأنطونيوني شاعر السينما الإيطالية ومبدع «الصحراء الحمراء» الذي انهمك بموضوع العزلة والشعور بالاغتراب. ودي سيكا الذي أنجز تحفته السينمائية «سارق الدراجة». وروسلّيني، صاحب «بايزا» وأسماء أخرى كثيرة لا يسع المجال للإشارة إليها.
ثمة مقالات كثيرة في باب «فنون» تستحق الفحص والتأمل والقراءة المتأنية مثل «الاستشراق الأوروبي في الفن»، أو «الفن التشكيلي الغربي.. إلى أين؟» وما سبب انحساره في الأسواق بعد أن وصلت قيمة اللوحات إلى أسعار خيالية؟ هناك مقالان عن مايكل أجلو الذي بات رمزًا لأسطورة الفن والكمال والإبداع، هذا المبدع الذي تعلّم الحفر بالمطرقة والإزميل قبل أن يتعلم القراءة والكتابة. إنها دعوة لتأمل تمثال «الرحمة» وإطالة النظر في تمثال «داود» الذي توّج أعمال عصر النهضة. لا يمكن تجاوز هذا الباب من دون الإطلالة على مقالات قيّمة مثل «الملصق الجداري» أو «الكاريكاتير الإيطالي» أو «فن الأوبرا» وسواها من المقالات الفنية المكتنزة بحق.
رصد الخميسي بعين ثاقبة وفي 24 مقالة الكثير من المعالم والظواهر الإيطالية من بينها القيم الجمالية عند الشعوب أو تتبعه للحضارة الأتروسكية التي عاشت قبل أكثر من ألفي سنة على شبه الجزيرة الإيطالية، والمرأة التي ما تزال تناضل لتحرر نفسها من عقل الرجل.
لا يمكن تفادي الإثارة والتشويق في مقالتي «السوق الأكبر بورتا بورتيزي» و«برج بيزا يسقط حالاً أو بعد 200 عام»! ولا بد للقارئ أن يتأمل في ظاهرة سرقة الآثار وتهريبها إلى خارج الوطن بطرق وأساليب شتّى.
يضم الباب السابع 13 مقالة ركز بعضها على ترميم الأعمال والمواقع الفنية التي تُستعمل فيها العيون الإلكترونية المتناهية الدقة. كما تطغى المهرجانات الفنية بكل أشكالها مثل «اللوحات الطبشورية» ومهرجانات الغناء والموسيقى وفنانو التروبادور الذي ينشرون الفرح ويشيعون البهجة في كل مكان. لا غنى عن قراءة هذا الكتاب الموسوعي الممتع بمقالاته المتنوعة، وموضوعاته الشيقة اللذيذة التي تميط اللثام عن شبه الجزيرة الإيطالية التي تحتوي على 40 في المائة من التراث العالمي.
تحت ظلال السنديان الإيطالي.. 40 % من تراث العالم
24 مقالة عن عوالم وظواهر منذ ألفي سنة
غلاف «تحت ظلال السنديان»
تحت ظلال السنديان الإيطالي.. 40 % من تراث العالم
غلاف «تحت ظلال السنديان»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


