نشر صور الضحايا من الأطفال... بين المُعضلة الأخلاقية وتحقيق التأثير

نشر صور الضحايا من الأطفال... بين المُعضلة الأخلاقية وتحقيق التأثير

الاثنين - 7 ذو القعدة 1443 هـ - 06 يونيو 2022 مـ رقم العدد [ 15896]

جددت «مذبحة» مدرسة يوفالدي التي وقعت أخيراً في ولاية تكساس الأميركية، الجدل بشأن أخلاقيات الإعلام حيال نشر صور ضحايا حوادث إطلاق النار العشوائي. ففي حين يطالب بعض الإعلاميين بنشر صور الحادث، وجثث الأطفال، أو ما تبقى منها، «لإظهار فظاعة الجريمة، وتحريك الجماهير والسياسيين لاتخاذ إجراءات فعّالة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث»، يرى آخرون أن نشر مثل هذه الصور يتعارض مع أخلاقيات المهنة، وحقوق وكرامة الإنسان، بالإضافة إلى إيذاء مشاعر أسر الضحايا.
«المذبحة» التي حصلت يوم 24 مايو (أيار) الماضي قُتل فيها 19 طفلاً ومدرّستان في مدرسة «روب الابتدائية» عقب إطلاق شخص يدعى سالفادور راموس (18 سنة) النار على الأطفال بواسطة بندقية «إيه آر - 15 إس» نصف آلية. وبينما جدّدت «المذبحة» الجدل المعتاد حول قوانين الحق بحمل السلاح في الولايات المتحدة الأميركية، كان هناك جدل من نوع آخر على الساحة الإعلامية.
إذ كتب ديفيد بوردمان، المحرر التنفيذي السابق لـ«سياتل تايمز»، الذي يشغل حالياً منصب عميد كلية الصحافة بجامعة «تمبل» بمدينة فيلادلفيا الأميركية، تغريدة على حسابه الشخصي قال فيها إنه «لم يكن متخيلاً قول ذلك قبل سنوات، لكن هذا هو الوقت المناسب، لعرض كيف يبدو شكل طفل مذبوح في السابعة من عمره، بعد موافقة أسرته». وفي مقابلة مع مجلة «فانيتي فير» استشهد بوردمان بحوادث تاريخية، وقال: كان «لنشر الصور فيها تأثير إيجابي، مثل نشر صورة إيميت تل في مجلة (غيت) عام 1955، ونشر مقطع فيديو لحادث قتل جورج فلويد عام 2020، ما كان الوسيلة الوحيدة لتحريك الجماهير والسياسيين لاتخاذ الإجراء اللازم».
وسارت في الاتجاه نفسه الكاتبة دورثي نوفيك في عمودها بموقع محطة (WBUR) قائلة: «هل يمكن أن نتخيل مشاهدة أحبائنا في صورة أجزاء متناثرة على الأرض والحائط؟ يبدو أنه يجب فعل ذلك لحمايتهم». كذلك كتبت بروك بالدوين، المذيعة سابقة في «سي إن إن» –وكانت قد غطت الكثير من الحوادث المشابهة- مقالاً في «ذا أتلانتيك»، قالت فيه: «كونها جزءاً من محطة تلفزيونية لأكثر من عقد من الزمان فإن لديها بعض الأفكار. إن بعض الأطفال ضحايا (مذبحة مدرسة روب الابتدائية) لا يمكن التعرف عليهم إلا بتحليل الحمض النووي. وأتذكر وقوفي صامتة في أثناء تشييع جثامين ضحايا مذبحة مدرسة (ساندي هوك) عام 2012، يومذاك تساءلت: هل يمكن أن تتغير العقول لو جرى عرض صور ما تبقى من هؤلاء الأطفال؟ هل يمكن أن يوافق الأهالي على ذلك؟ وقلت في حينه إن هذا لا يمكن أن يحدث، لكنني أعتقد أن الوقت مناسب الآن لطرح هذا السؤال».
وحقاً، يستشهد الكثير من الصحافيين والإعلاميين المشاركين في هذا الجدل، بمثال الطفلة السوداء إيميت تل (14 سنة) التي قُتلت في جريمة عنصرية بولاية ميسيسيبي عام 1955، وأصرت والدتها على نشر صورتها، لتُظهر للعالم كم تعذبت. ووفق ما ذكره موقع معهد «بوينتر» الأميركي للصحافة في تقرير نشره في الأول من يونيو (حزيران) الجاري «يُعتقد أن هذه الصورة لعبت دوراً في تحريك المجتمع المدني».
الصحافي الأردني خالد القضاة، الذي يعمل مدرباً للصحافيين على قضايا السلامة المهنية وأخلاقيات المهنة، علّق في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» بأن «الدعوة لنشر صور ضحايا هذه المذابح جرى تبريرها بأغراض نبيلة، لكن بالتأكيد هناك غايات أخرى وراءها تتعلق بتحقيق الشهرة، والانتشار». وأردف إن «نشر صور الضحايا جريمة أخلاقية، ولا يمكننا أن نحاول منع الجرائم والمذابح، بارتكاب جريمة في حق الضحايا وأسرهم».
وتابع القضاة: «هؤلاء الأطفال ضحايا، لا يجوز معاقبتهم ومعاقبة أسرهم، بنشر صور ستبقى موجودة في أرشيف الإنترنت مدى الحياة، ويمكن أن يُساء استخدامها لاحقاً في مواضيع صحافية مختلفة حول العالم كصور أرشيفية»، وأشار إلى أن «كل المواثيق الدولية تمنع نشر صور الأطفال. وفي الأردن يُحظر نشر صور الأطفال في حالة انكسار، سواءً كانوا مرضى أو معاقين أو محتاجين، لأن في ذلك استغلالاً لضعف الأطفال وحاجتهم».
وتتفق الدكتورة نائلة حمدي، أستاذة الإعلام في الجامعة الأميركية بالقاهرة مع هذا الرأي. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «نشر هذه الصور بالتأكيد يتعارض مع أخلاقيات الإعلام... وشخصياً أعارض نشر مثل هذه الصور لتأثيرها السلبي على أسر الضحايا وأصدقائهم». ثم تضيف أن «نشر الصور العنيفة قد يكون له مردود عكسي، ويؤدي إلى انتشار الجريمة بشكل أكبر».
من جهته، قال الدكتور برايان كالفانو، أستاذ الإعلام والسياسة ورئيس قسم الصحافة في جامعة «سينسيناتي» بالولايات المتحدة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يعتقد أن نشر صور الضحايا سيكون له تأثير ملموس على سياسة حيازة الأسلحة في الولايات المتحدة»، وفي الوقت نفسه أعرب عن شكه «في إمكانية عرض صور حقيقية من مسرح الجريمة للجمهور... ولا حاجة لنشر مثل هذه الصور، فهي لا تضيف معلومات مفيدة للجمهور».
«مذبحة» يوفالدي الأخيرة هي الأكثر دموية في تاريخ المدارس الأميركية منذ حادثة «ساندي هوك» الابتدائية في ولاية كونكيتيكت عام 2012، حين قُتل 20 طفلاً وستة من أفراد الطاقم التعليمي. ولقد كتبت إليزابيث ويليامسون، التي ألّفت كتاباً عن حادث إطلاق النار في مدرسة ساندي هوك، مقالاً في صحيفة «نيويورك تايمز» أخيراً، استرجعت فيه ما حدث بعد مذبحة ساندي هوك، عندما استطاع أهالي الضحايا الفوز بإقرار قانون جديد يمنع ولاية كونكيتيكت من نشر صور الضحايا. ونقلت عن ليني بوزنر، التي قُتل ابنها في الحادث، قولها: «لقد فكّرت مليّاً في مسألة عرض الصور لإظهار فظاعة الجريمة» لكنها عادت وقالت: «لا... ليس صورة ابني».
أيضاً، في الذكرى العشرين لمذبحة مدرسة كولومباين الثانوية بولاية كولورادو، تحديداً يوم 20 أبريل (نيسان) 2019، طالبت مجموعة من طلاب المدرسة الصحافيين بنشر صور ضحايا مثل هذه المذابح، حسبما ذكر معهد «بوينتر» للصحافة. وحسب المعهد فإن «هناك شيئاً في قضية مذبحة يوفالدي كان له تأثير أكبر على الأميركيين من الحوادث السابقة. ربما لكون الضحايا من الأطفال، أو لأن الواقعة حديثة، لكن في كل الأحوال ستفعل الدولة ما اعتادت فعله في هذه المواقف، وسينتهي الجدل والتعاطف بالانتقال إلى خبر جديد في دورة الأخبار».


اختيارات المحرر

فيديو