بوغبا: ضحية نادٍ يعاني من سوء الإدارة

اللاعب رحل كما جاء إلى مانشستر يونايتد... موهوب يبحث عن فريق يناسبه!

بعيداً عن مانشستر يونايتد تألق بوغبا مع منتخب فرنسا كما فعل في يوفنتوس (غيتي)
بعيداً عن مانشستر يونايتد تألق بوغبا مع منتخب فرنسا كما فعل في يوفنتوس (غيتي)
TT

بوغبا: ضحية نادٍ يعاني من سوء الإدارة

بعيداً عن مانشستر يونايتد تألق بوغبا مع منتخب فرنسا كما فعل في يوفنتوس (غيتي)
بعيداً عن مانشستر يونايتد تألق بوغبا مع منتخب فرنسا كما فعل في يوفنتوس (غيتي)

هناك لغز محير للغاية فيما يتعلق بمسيرة بول بوغبا المخيبة للآمال مع مانشستر يونايتد، بعد 6 سنوات للاعب الفرنسي في «أولد ترافورد». لقد انضم بوغبا إلى مانشستر يونايتد مقابل 93.2 مليون جنيه إسترليني، كأغلى صفقة في إنجلترا في ذلك الوقت، وهي الصفقة التي وُصفت بأنها «انقلاب» لمانشستر يونايتد، عندما انضم للنادي في صيف عام 2016.
من المؤكد أن اللاعب الفرنسي يمتلك قدرات وفنيات هائلة، كما انضم إلى مانشستر يونايتد وهو يملك خبرات وبطولات كثيرة بالفعل؛ حيث كان قد حصل على لقب الدوري الإيطالي الممتاز 4 مرات، ووصل إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا مع يوفنتوس، كما وصل إلى المباراة النهائية لكأس الأمم الأوروبية 2016 مع منتخب فرنسا.
وبعد انتقاله إلى مانشستر يونايتد بعامين، قاد منتخب بلاده للفوز بكأس العالم، وأحرز هدفاً رائعاً بالقدم اليسرى في المباراة النهائية للمونديال، وهي المباراة التي فازت فيها فرنسا على كرواتيا بأربعة أهداف مقابل هدفين، كما تم تداول لقطات له قبل المباراة النهائية وهو يتحدث ببراعة، ويحفز زملاءه على تقديم أفضل ما لديهم داخل الملعب، وهو ما يُظهر أنه يمتلك الصفات والمؤهلات التي تجعله قائداً حقيقياً.
لكنه لم يُظهر هذه القدرات والإمكانيات الكبيرة إلا على فترات متباعدة ومحدودة، وبالتالي فإن «الانقلاب» الذي كان متوقعاً عند انضمامه إلى مانشستر يونايتد لم يحدث أبداً! لقد فشل بوغبا في تقديم مستويات جيدة بشكل مستمر، بالشكل الذي نراه مثلاً مع كيفن دي بروين أو برناردو سيلفا مع مانشستر سيتي. وفي حقبة ما بعد السير أليكس فيرغسون، كان مانشستر يونايتد دائماً في حاجة ماسة إلى لاعب كرة قدم من الطراز الرفيع، يكون قادراً على رفع مستوى زملائه من حوله، والوصول بهم إلى المستوى المطلوب. لكن توقعات ما كان يمكن أن يقدمه بوغبا مع مانشستر يونايتد كانت سخيفة وغير منطقية في حقيقة الأمر، كما لو أن بوغبا كان يمكنه أن يلعب الدور نفسه الذي لعبه النجم الأرجنتيني الراحل دييغو أرماندو مارادونا مع نابولي الإيطالي، خلال الفترة بين عامي 1984 و1991، ويمكنه بمفرده تحويل مانشستر يونايتد إلى فريق قادر على حصد البطولات والألقاب بشكل متواصل.

                                       كلما كان يُنظر إلى بوغبا على أنه المنقذ، كان يبدو مخيباً للآمال (غيتي)
لكن العكس هو ما حدث في واقع الأمر. وكلما كان يُنظر إلى بوغبا على أنه المنقذ، كان يبدو مخيباً للآمال بشكل أكبر. وكان مانشستر يونايتد يعاني من فوضى كبيرة داخل وخارج الملعب، ولم يكن بوغبا يقدم مستويات جيدة إلا على فترات متباعدة، فما السبب في ذلك؟ السبب الرئيسي في ذلك هو أن بوغبا كان يلعب بجوار لاعبين متوسطي المستوى. ففي أول موسم له في الدوري الإنجليزي الممتاز، كان زميله في خط الوسط هو باستيان شفاينشتايغر البالغ من العمر 32 عاماً الذي كان قد تراجع مستواه بشكل ملحوظ منذ فترة طويلة ثم تم استبعاده بعد ذلك من قبل المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو. أما اللاعب الآخر في وسط الملعب آنذاك، وهو مورغان شنايدرلين، فلم يلعب في ذلك الموسم سوى 3 مباريات فقط كبديل في الدوري الإنجليزي الممتاز. وكان المهاجم السويدي زلاتان إبراهيموفيتش يبلغ من العمر 34 عاماً؛ لكنه ساهم بـ17 هدفاً في الدوري. وكان ثاني أكثر اللاعبين مساهمة في إحراز الأهداف هو خوان ماتا بستة أهداف، ثم بوغبا في المركز الثالث بخمسة أهداف.
فهل كانت وظيفة بوغبا الأساسية هي إحراز أهداف أكثر؟ وهل كان من نوعية اللاعبين الذين يمكنهم اختراق دفاعات الفرق المنافسة، أم كان من نوعية اللاعبين الذين يلعبون من منطقة جزاء فريقهم حتى منطقة جزاء الفريق المنافس، ويقومون بأدوارهم الدفاعية والهجومية على النحو الأمثل؟ أم كان يمكنه التحرك بسهولة على طريقة ديفيد سيلفا مع مانشستر سيتي؟
يبدو أنه لم يكن هناك أحد في مانشستر يونايتد يعرف إجابات على هذه الأسئلة بالضبط! وينطبق الأمر نفسه أيضاً على المشجعين والنقاد؛ لكن المفارقة الغريبة تكمن الآن في أن بوغبا يرحل في التوقيت نفسه الذي يأتي فيه المدير الفني الهولندي إيريك تن هاغ الذي يبحث عن لاعب خط وسط بقدرات معينة يملكها بوغبا، عندما يكون في أفضل حالاته!
وتتمثل أولوية تن هاغ الأولى في تحسين مستوى خط الوسط، والفريق كله. فلو كان بوغبا يلعب في مانشستر سيتي مثلا، فإنه كان سيلعب إلى جوار كوكبة من النجوم، مثل كيفن دي بروين، وبرناردو سيلفا، ورودري، وفيل فودين، وكايل ووكر، وروبين دياز، وآخرين، وهو ما يعني أن التركيز عليه لن يكون كبيراً، وهو ما يساعده على التألق بشكل أكبر. ولو كان بوغبا يلعب لأي فريق آخر غير مانشستر يونايتد، وأصبح متاحاً في سوق الانتقالات في صفقة انتقال حر، فمن المؤكد أن تن هاغ كان سيطلب من مدير الكرة بمانشستر يونايتد، جون مورتوغ، وضع اللاعب البالغ من العمر 29 عاماً ضمن القائمة المختصرة التي تضم اللاعبين الذين يسعى النادي لضمهم، جنباً إلى جنب مع لاعب خط وسط برشلونة فرينكي دي يونغ!
لكن بوغبا يرحل الآن عن مانشستر يونايتد، بعدما تعرض لانتقادات لاذعة من الجمهور والخبراء ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يُبرر انتقادهم الشديد له عدم قدرتهم على فهم الفارق الدقيق في الأسباب وراء «فشله» في ملعب «أولد ترافورد».
لقد تحول بوغبا إلى ضحية لنادٍ يعاني من سوء الإدارة بشكل هزلي، وفشل في الحصول على أي لقب للدوري منذ وصول اللاعب الفرنسي إلى «أولد ترافورد» أو في المواسم الثلاثة السابقة لذلك. كان من المفترض أن ينهي بوغبا هذه السنوات العجاف؛ لكن اتضح أن هذا كان دائماً حلماً بعيد المنال. وبدلاً من ذلك، تعرض النجم الفرنسي لانتقادات وضغوط هائلة، ربما بسبب قصات الشعر ذات الألوان المختلفة وابتسامته الدائمة! إنه لم يسيطر على خط الوسط أو يتفوق على الفرق المنافسة وهو يلعب في مركز الجناح الأيسر أو صانع الألعاب، تحت قيادة مورينيو وأولي غونار سولسكاير ورالف رانغنيك. 3 مديرين فنيين اعتقدوا أنه قادر على القيام بهذا الدور؛ لكنهم أصيبوا بخيبة أمل. وعندما تولى رانغنيك القيادة الفنية للفريق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كان بوغبا يعاني من الإصابة التي أبعدته عن الملاعب حتى أوائل فبراير (شباط). ومع اقتراب عقد اللاعب من نهايته وعدم رغبته في التوقيع على عقد جديد، كان رانغنيك رافضاً لذلك، وقال: «لن أقول إنه لا يستحق الاحتفاظ به؛ لكن يتعين على اللاعبين أن تكون لديهم رغبة في اللعب لنادٍ كبير مثل مانشستر يونايتد».
ويمكننا أن نقرأ من بين هذه السطور أن بوغبا لم يعد يرى مانشستر يونايتد «نادياً كبيراً» يمكنه الفوز بالبطولات والألقاب، والتي كان آخرها الدوري الأوروبي عام 2017، والتي سجل بوغبا في المباراة النهائية لها. كان رانغنيك قد أدلى بهذه التصريحات في ديسمبر (كانون الأول)، وبحلول فبراير تغيرت طريقته في الحديث، ربما بعدما أدرك خلال التدريبات أن بوغبا أفضل من بقية لاعبي الفريق؛ حيث قال المدير الفني المؤقت: «سأكون متحمساً لرؤية كيف يعمل بول بوغبا. يمكنه أن يرينا ويري الفريق والمشجعين والجميع في إنجلترا ما هو المستوى العالي الذي يمكنه تقديمه».
لكن ذلك لم يحدث قط؛ حيث كان الهدف الذي أحرزه في مرمى أياكس في المباراة النهائية للدوري الأوروبي التي فاز فيها مانشستر يونايتد بهدفين دون رد، مجرد لمحة لا نراها إلا كل فترة طويلة، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق أيضاً على اختياره ضمن فريق العام لرابطة اللاعبين المحترفين لموسم 2018-2019 (الموسم الذي سجل فيه بوغبا 13 هدفاً كأكثر لاعبي خط الوسط تسجيلاً للأهداف في الدوري). وكان بوغبا هو اللاعب الوحيد من خارج مانشستر سيتي الفائز باللقب، أو ليفربول صاحب المركز الثاني، الذي صوت له زملاؤه لإدراجه في التشكيلة المثالية للموسم.
وقال بوغبا على «إنستغرام» يوم الأربعاء: «أشعر بالفخر لأنني لعبت لهذا النادي. لدي عديد من اللحظات والذكريات الجميلة؛ لكن الأهم من ذلك هو الدعم غير المشروط الذي حصلت عليه من الجماهير. شكراً لكم».
والآن، يرحل بوغبا كما جاء: لاعب كرة قدم يمتلك إمكانيات وقدرات هائلة؛ لكنه يبحث عن فريق يناسبه!


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.