مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي يرحبان بالتهدئة... والشارع اليمني يقيس النتائج

البيت الأبيض يشيد بالقيادة السعودية في توطيد الهدنة

سيارة أجرة تعبر طريقاً جبلية في تعز التي تعاني حصاراً من الحوثيين منذ 7 أعوام (رويترز)
سيارة أجرة تعبر طريقاً جبلية في تعز التي تعاني حصاراً من الحوثيين منذ 7 أعوام (رويترز)
TT

مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي يرحبان بالتهدئة... والشارع اليمني يقيس النتائج

سيارة أجرة تعبر طريقاً جبلية في تعز التي تعاني حصاراً من الحوثيين منذ 7 أعوام (رويترز)
سيارة أجرة تعبر طريقاً جبلية في تعز التي تعاني حصاراً من الحوثيين منذ 7 أعوام (رويترز)

انهمرت ردود الأفعال بعد إعلان الأمم المتحدة تمديد الهدنة اليمنية شهرين آخرين. ولعب الأثر الإنساني دورا في حض الأطراف الدولية والإقليمية على إنجاح الهدنة في البداية ثم تمديدها، وهو ما حدا بالشارع اليمني إلى قياس النتائج المترتبة على الهدنة، إذ يرى محللون يمنيون تحدثوا مع «الشرق الأوسط» أن الأوساط الشعبية باتت تعدد المكاسب والخسائر لكل طرف.
وبعد تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن التي أعرب خلالها عن تقدير الدور القيادي للسعودية والجهود التي بذلتها دول أخرى، قالت كارين جان بيير المتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض، خلال الإيجاز اليومي: «لم تكن هذه الهدنة لتتحقق لولا التعاون الدبلوماسي من جميع أنحاء المنطقة، وعلى وجه التحديد قيادة الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده في المساعدة على توطيد الهدنة».
وأضافت المتحدثة بالقول: «نرحب بالإعلان عن استمرار الهدنة في اليمن لشهرين إضافيين، ومن المهم العمل على جعل الهدنة التي تم تمديدها اليوم إلى دائمة»، مؤكدة أن بلادها ستواصل دعم الدبلوماسية الإقليمية لردع التهديدات لأصدقاء وشركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وإلى القارة العجوز حيث رحب الاتحاد الأوروبي بالتمديد، وقال جوزيب بوريل ممثل الشؤون الخارجية للاتحاد في بيان إن الهدنة قدمت منذ الثاني من أبريل (نيسان) «فوائد ملموسة للشعب اليمني»، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي يشجع مواصلة العمل للاتفاق على إعادة فتح الطرق ولا سيما تعز.
- قلق أممي على تعز
رحب مجلس الأمن بتمديد الهدنة في اليمن، لكنه عبر عن «القلق» من «الأثر الإنساني الخطير» لإغلاق الطرق حول تعز، مطالباً جماعة الحوثي المدعومة من إيران بـ«فتح الطرق الرئيسية على الفور».
ورحب أعضاء مجلس الأمن في بيانهم الذي صدر الجمعة بالإجماع بتمديد الهدنة في 2 يونيو (حزيران)، مجددين «تقديرهم للإجراءات التي اتخذتها الأطراف للحفاظ على الهدنة، والتي أدت إلى فوائد حقيقية وملموسة للشعب اليمني، بما في ذلك الحد من الخسائر في صفوف المدنيين». ورحب المجلس «على وجه الخصوص بمرونة الحكومة اليمنية في تمكين دخول سفن الوقود إلى الحديدة وتمكين الرحلات الجوية بين صنعاء وعمان وصنعاء والقاهرة».
وأثنى أعضاء المجلس على دعم الشركاء الإقليميين، وأكدوا أن «الهدنة مكنت الطرفين من الاجتماع مباشرة تحت رعاية الأمم المتحدة». كما عبروا عن «قلقهم من الأثر الإنساني الخطير لإغلاق الطرق المستمر حول تعز»، مطالبين الحوثيين بـ«التصرف بمرونة في المفاوضات وفتح الطرق الرئيسية على الفور». وأملوا في أن «تترجم الهدنة المعززة إلى وقف دائم لإطلاق النار وتسوية سياسية جامعة وشاملة، تحت رعاية الأمم المتحدة»، مشددين على «أهمية مشاركة المرأة بنسبة 30 في المائة على الأقل تمشياً مع نتائج مؤتمر الحوار الوطني، على النحو المشار إليه في القرار 2624».
وشجع البيان الأطراف اليمنية على مواصلة انخراطها مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ و«التفاوض والتواصل مع بعضها البعض بروح الاحترام المتبادل والمصالحة».
وكرر أعضاء مجلس الأمن الإعراب عن «قلقهم العميق في شأن خطر المجاعة»، مشجعين المانحين على «التمويل الكامل لخطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية». وشددوا على «ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، لمعالجة الأزمات الإنسانية والاقتصادية، وحماية المدنيين».
- ميزان المكاسب والخسائر
الحديث في الشارع اليمني تطغى عليه المكاسب والخسائر، خاصةً وسط تعثر فك الحصار الحوثي عن تعز وتعنت الحوثيين إزاء عائدات رسوم شحنات الوقود التي باتت تتدفق أكثر إلى الحديدة. ففي حين يرى فريق من المراقبين أن موافقة مجلس القيادة الرئاسي اليمني والحكومة على تمديد الهدنة يأتي في سياق الالتزام بدعم الجهود الأممية والدولية وتخفيف تبعات الحرب على المدنيين، يرى فريق آخر أن الميليشيات الحوثية هي المستفيد الأكبر من كل ذلك لجهة الموارد التي حصلت عليها فضلا عن منحها متنفسا للإعداد لجولة جديدة من الحرب، إلى جانب المكاسب الأخرى المتعلقة بمنح قادة الجماعة وعناصرها حرية الحركة دوليا عبر مطار صنعاء.
ورغم أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي يأملون أن تشكل الهدنة الإنسانية واستمراريتها منطلقا نحو التوصل لحل سياسي يطوي صفحة الأزمة اليمنية نهائيا، غير أن ذلك –وفق عديد من السياسيين اليمنيين- أمر لا يزال بعيد المنال بسبب طبيعة الجماعة الحوثية الفكرية والعقائدية المعادية للآخر، وصعوبة تحولها إلى جماعة وطنية مع رهانها على القتال وسيلة للتشبث بسلطتها الانقلابية.
ويدلل المراقبون اليمنيون على الشهرين المنقضيين من الهدنة بأنهما كانا في مصلحة الحوثيين، إذ حصلوا على نحو 90 مليار ريال يمني من عائدات رسوم شحنات الوقود (الدولار حوالي 600 ريال في مناطق سيطرة الميليشيات) في مقابل ذلك لم تلتزم الميليشيات بدفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها.
وإلى جانب المكاسب المالية، حظيت الميليشيات خلال شهري الهدنة بطمأنينة عسكرية مكنتها من إعادة ترتيب قواتها وتعزيزها في مختلف الجبهات مع ضمان عدم تعرض تحركاتها وتحركات قادتها لأي استهداف، إضافة إلى محاولتها تسويق انتصارها معنويا في مناطق سيطرتها من خلال استثمار عودة الرحلات من مطار صنعاء تجاريا.
ومع أن الحكومة الشرعية راهنت كذلك على إمكانية إنهاء حصار تعز وفتح الطرق بين مناطق التماس وهو الأمر الأهم لملايين المدنيين مقارنة بملف مطار صنعاء إلا أنها خسرت حتى الآن هذه النقطة خلال الشهرين الماضيين دون وجود ضمانات بأن الحوثيين سينصاعون لفك الحصار وفتح الطرقات في الشهرين المقبلين، بخاصة مع سعي الجماعة لتسييس هذا الملف ومحاولة ربطه بمكاسب عسكرية.
وفي حين لم تكن الهدنة صافية الملامح في الشهرين الماضيين لجهة توثيق أكثر من أربعة آلاف انتهاك حوثي ميداني ومقتل العشرات من المدنيين، يتخوف المراقبون من تصاعد هذه الخروق في شهري تمديد الهدنة، لكنهم يرون فيها أيضاً فرصة لترتيب صفوف الشرعية في المقابل على صعيد توحيد القوات والقرار العسكري والأمني وتعزيز الخدمات في المناطق المحررة.
- «السلام ليس شيكاً مفتوحا»؟
بعيدا عن «التسويق الأممي» لإنجاز الهدنة، يذكر وكيل وزارة الإعلام اليمنية فياض النعمان في تعليق لـ«الشرق الأوسط» بأن الحكومة الشرعية في كل محطات السلام التي تمت برعاية الأمم المتحدة كانت وما زالت تضع مصلحة المواطن ورفع المعاناة عنه في سلم المطالب التي تقدمها لإنجاح أي مبادرات أو هدن أو حراك أممي يهدف لتحقيق السلام وإنهاء الحرب».
في المقابل، تتمسك الميليشيات بممارسة النهج غير المسؤول نفسه في تعاطيها مع الهدنة الإنسانية وسعيها لتحقيق مكاسب سياسية وفق أجندتها واستراتيجية مموليها في طهران.
ويرى الوكيل أن الحكومة اليمنية قدمت تنازلات واضحة لإنجاح الهدنة من أجل تكون اللبنة الأساسية للانتقال إلى تحقيق سلام شامل وعادل للأزمة وفق المرجعيات المحلية والإقليمية والدولية، لكنه يستدرك ويؤكد أن «ممارسات الحوثي وتنصل ميليشياته عن التزاماتها بالإضافة إلى غياب الردع الدولي والضغط الأممي لتنفيذ كل بنود الهدنة يجعل من تمديد الهدنة محاطا بمخاطر كبيرة وعديدة على الصعيد الإنساني والسياسي والعسكري» بحسب تعبيره.
ويعتقد النعمان أن نجاح الهدنة الممددة يرتكز «على جدية الميليشيات الحوثية بالانخراط في مسار السلام متجردة من الابتزاز السياسي للحكومة أو المجتمع الدولي ووضع مصلحة المواطن اليمني في اهتماماتها». ويقترح أن تقوم الأمم المتحدة بـ«إيجاد آلية ضغط جديدة تستطيع أن تفرض تنفيذ الهدنة على الطرف المعرقل ولا تسمح له بالمراوغة والابتزاز كما حصل في المدة الأولى للهدنة حيث تنصلت الميليشيات الحوثية عن فتح الحصار عن محافظة تعز والمحافظات الأخرى».
تجديد الهدنة شهرين إضافيين «مكسب بغض النظر عن التقاعس الحوثي في الالتزام بجميع عناصر الهدنة الأولى مثل معابر تعز والأسرى». هذا ما يؤمن المحلل السياسي اليمني الدكتور عبد الملك اليوسفي به، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إعطاء الفرصة للسلام هو أقصر الطرق للاستقرار ولكن لا بد أن يكون عادلا شاملا دائما كما قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي».
مع هذه التنازلات الحكومية، يستدرك اليوسفي بأن «أي سلام ليس شيكا مفتوحا لترحيل العنف وإنما من باب إعطاء الفرصة، وبالتالي إذا استمر تهديد الاستقرار وتهديد المستقبل دون الوصول إلى كلمة سواء يظل خيار استخدام القوة واردا كأحد أدوات السياسة، فالحرب مرفوضة إلا حين تكون مفروضة». وفق تعبيره.
- حرص حكومي
يجزم الأكاديمي اليمني والباحث السياسي الدكتور فارس البيل أن «الهدنة بالأساس كعملية لرفع معاناة الناس والتخفيف عنهم ومعالجة الظروف السيئة التي تنتجها الحرب مطلب مهم وخطوة تؤسس للسلام، وتضع الأطراف المتصارعة أمام فرص حقيقية لتجريب السلام ومراجعة مواقفها».
لكن الهدنة مع الحوثيين -كما يقول البيل لـ«الشرق الأوسط»- تأخذ بعدا آخر، إذ يوافق عليها الحوثي حين يريد التملص من الضغوط، أو لتعويض خسائره وفرض تعقيدات سياسية جديدة، ولإعادة ترتيباته العسكرية واستعداداته اللوجيستية والحربية. من جهة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، يرى فارس البيل أنه «مهما كانت التنازلات ما دامت ستحقق للناس ولو خطوات بسيطة لرفع معاناتهم الإنسانية فلتكن الهدنة، وما تحقق للناس جيد ويبنى عليه، مع يقين اليمنيين بعدم استيفاء الحوثيين كامل الخطوات التي يمكن أن يلمس الناس بها تحسناً». وبصرف النظر عن تحايلات الحوثيين يؤكد البيل «أن مقتضيات الهدنة قد وضعت الميليشيات أمام مسؤوليات مهمة ونزعت منها كثيرا من الأوراق التي كانت تضغط بها دائما في كل عملية تفاوض مثل مطار صنعاء وميناء الحديدة والرواتب وغيرها».
ويضيف «وجدت الميليشيا الآن نفسها أمام مأزق كبير، فلا هي نفذت ولا هي أبقت على أوراقها الضاغطة، صحيح أنها ما تزال تتعنت بالأخص في مسألة معابر تعز، لكنها محاولة استدراك منها ومحاولة مواجهة جراء خسائر سياسية تبدو على المدى البعيد بالنسبة للميليشيات».
- ترتيب «الشرعية»
يعتقد الباحث فارس البيل أن الهدنة أتاحت للشرعية فرصة لترتيب وضعها، وإصلاح اختلالاتها والنظر في ملفاتها الاستراتيجية والتركيز عليها، ويقول «إن الشرعية رغم تنازلاتها السيادية في إجراءات الهدنة إلا أنها راحت تعالج بنيتها الإدارية والسياسية بشكل جيد، ومنحها الأمن وعدم الاستهداف بسبب الهدنة فرصة لتحقيق خطوات متقدمة منها الوصول إلى تشكيل لجنة كبيرة لتوحيد الجيش والأمن».
ويشير البيل إلى «تحول خطاب الرئاسة اليمنية حيث بات يوضح كثيرا من النقاط الحيوية للوسطاء الدوليين، في حين تجد الميليشيا نفسها رغم ما يتصور أنها استفادته من الهدنة، أمام سلطة جديدة متماسكة وتتحد وترتب نفسها بشكل جيد، والضامن لكل ذلك هي الهدنة».
وفيما يرى البيل أن الميليشيات وقعت في فضيحة أمام الناس عندما كانت تتلاعب بقضية فتح المطار والرواتب وبانت ألاعيبها للناس، يؤكد «إن الهدنة على علاتها مفيدة في ترتيب كثير من الملفات وفي منح المجتمع الدولي فرصة لقراءة الصورة الجديدة والتحول لضغط حقيقي على الميليشيا».


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.