سينما يوسف شاهين ومهرجان «كان»

منحه صداقته وفتح له أبوابه

يوسف شاهين ومجموعة ممثلي «الإسكندرية... نيويورك»
يوسف شاهين ومجموعة ممثلي «الإسكندرية... نيويورك»
TT

سينما يوسف شاهين ومهرجان «كان»

يوسف شاهين ومجموعة ممثلي «الإسكندرية... نيويورك»
يوسف شاهين ومجموعة ممثلي «الإسكندرية... نيويورك»

ما بين 1918 و1952 عرض مهرجان «كان» السينمائي تسعة أفلام للمخرج يوسف شاهين مما ساعد المخرج على الانتقال من رحى العروض المحلية ومهرجانات العالم العربي، إلى تلك العالمية. شيء كهذا لم يقع لمخرج عربي آخر من حيث الكم أو نوعية الاهتمام.
بقيت أوروبا، عنوة عن كل القارات الأخرى، الأكثر استقبالاً لجديد المخرج المصري المولود سنة 1926 والراحل سنة 2008. وفرنسا نالت المركز الأول في تبنّي المخرج المصري منذ أن كان شابّاً في مطلع الخمسينات حتى ما بعد عام وفاته. كانت قلب اهتمامه عاطفياً وإنتاجياً وثقافياً. هي التي عرضت أفلامه بلا تأخير، وهي التي فتحت صالاتها التجارية لمعظم أعماله إما كعروض منفردة أو كبانوراما احتفائية بأفلامه.
فوق كل ذلك، واكب مهرجان «كان» المخرج من تلك السنوات الأولى حتى سنة قبل وفاته، ثم استعادت فيلمين له كانا عرضا في ذلك المهرجان وقدّماه من جديد. الفيلمان هما «وداعاً بونابرت»، الذي استقبله المهرجان الفرنسي أول مرّة سنة 1985، داخل المسابقة، ثم قام بإعادة تقديمه سنة 2016. الفيلم الآخر «المصير»، الذي استقبله المهرجان خارج المسابقة سنة 1997 ثم قدّمه مرّة ثانية في دورة 2018.
لا بد من الإشارة إلى أنه من بين هذه الأفلام التسعة (اثنان منها تكررا) فيلمان شارك بهما مخرجان عالميان آخران بأعمال قصيرة من عنده، كما سيرد لاحقاً.

                                                                         حنان ترك وهاني سلامة في «الآخر»
حضور وغياب
ليس أن شاهين كان المصري الوحيد الذي عرض له المهرجان أفلاماً، ولا كان أول مخرج مصري تُتاح له فرصة عرض أفلامه في «كان». وعلى صعيد عربي واسع، لم يكن المخرج العربي الوحيد، بالطبع، الذي سنحت له فرصة تقديم أفلامه على شاشة المهرجان الكبير.
في عام 1949 ظهرت السينما المصرية في فيلمين هما «البيت الكبير» لمحمد كامل مرسي، و«مغامرات عنتر وعبلة» لصلاح أبو سيف. تنافس الفيلمان مع أعمال لمخرجين مرموقين من تلك الفترة مثل كارول ريد («الرجل الثالث») وروبرت وايز («التأسيس»)، جاك بَكر («موعد مع جولييت») وديفيد لين («أصدقاء حميمين»).
بعد عامين تنافس فيلم أحمد بدرخان «ليلة غرام» مع فيلم يوسف شاهين «ابن النيل» وفي عام 1954 عرض صلاح أبو سيف رائعته المبكرة «الوحش» وعرض يوسف شاهين فيلمه «صراع في الوادي».
غاب يوسف شاهين واستمر حضور سواه من مخرجين مصريين أساساً (سنة 1955 عرض كمال الشيخ فيلمه الجيد «حياة وموت» في المسابقة الرسمية) وتوسّعت الدائرة قليلاً فضمّت فيلم المخرج اللبناني جورج نصر هما «إلى أين؟» سنة 1957 ولاحقاً أفلاماً من تونس والجزائر داخل أو خارج المسابقة الرسمية.
استمر غياب يوسف شاهين حتى عاد سنة 1970 بفيلمه الممتاز «الأرض» (أنجزه سنة 1969) الذي استقبل باهتمام كبير لكن الجائزة التي طمح إليها شاهين ذهبت حينها إلى فيلم روبرت التمن M‪.‬A‪.‬S‪.‬H الساخر. من بين أعضاء لجنة التحكيم الممثل الأميركي كيرك دوغلاس الذي لم يكن في وارد تشجيع فيلم مصري على الفوز بسبب سياسته المعادية.‬‬‬
«الأرض» هو ما لفت الأنظار الفرنسية والأوروبية أكثر من سواه، إلى ذلك الحين. الموضوع المترامي ما بين ثورة فلاح ووضع اجتماعي - سياسي وبين علاقة صبي يرنو لدخول تجربة غرامية مراهقة، ثم شخصيات الفيلم المتميّزة بالتصاقها بالواقع، منح «الأرض» كل هذا البعد المطلوب ليفتح باب صالات السينما الفرنسية أمامه. وشاهين، مدركاً الوضع، عرف كيف يوظّفه لحساب الأعمال المقبلة.
مرّت خمس سنوات أخرى قبل عودة شاهين إلى مسابقة مهرجان «كان» بفيلم «وداعاً بونابرت» (داخل المسابقة). كان خلال ذلك حقق «العصفور» (1972) ثم «الاختيار» (1974) الذي توجّه به شاهين لمهرجان فينيسيا. في عام 1978 حقق «عودة الابن الضال» الذي شهد توزيعاً خارجياً شمل فرنسا (مطلع سنة 1978) وتايوان والنرويج وأستراليا وروسيا.

شاهين في نيويورك
لم يلق «وداعاً بونابرت» أي تجاوب نقدي عربي واسع النطاق، لا في مصر ولا في خارجها. السبب الذي تكرر أكثر من سواه أن الفيلم يغازل فرنسا على حساب الموقف الوطني، أمر نفاه المخرج حينها لكن النظرة إلى فيلمه ذاك بقيت كما هي.
الفيلم الشاهيني الخامس الذي عرضه كان هو «المصير» (1993. خارج المسابقة) الذي أراده تعليقاً على بذور التعصب الديني الذي كانت دول عربية وإسلامية بدأت تشهده. دارت أحداث «المصير» في القرن الثاني عشر وفتح الفيلم صفحات العلاقة بين السُلطة وبين المثقفين وبينهما وبين المتطرفين الإسلاميين. المحاولة بحد ذاتها تستحق الإعجاب، لكن الفيلم غاص في مشاكل تعبير وتوليف جعلته أكثر استخداماً للحوار المباشر والمواقف الذاتية من توظيف صورة واقعية للفترة وللأحداث.
في فيلمه اللاحق «الآخر» (تظاهرة «نظرة ما»، 1999) نقل شاهين اهتمامه إلى مصر الراهنة الواقفة على مفترق طريق مع التحديث والعصرنة في مواجهة فتيل التطرّف من جهة والوضع الذي يمنح الأثرياء تلك اليد الطولى في تحقيق المكانة رغم وضع الغالبية السائد.
قبل هذا الفيلم، كان شاهين حقق «اليوم السادس» (1986) و«الإسكندرية كمان وكمان» (1989) ثم «المهاجر» (1994). هذا الأخير تم عرضه العالمي الأول في مهرجان لوكارنو في العام ذاته، بينما خص شاهين مهرجان القاهرة السينمائي بفيلمه السابق «الإسكندرية كمان وكمان» (بعد القاهرة انتقل الفيلم إلى مهرجان تورونتو).
في سنة 2004 قدّم شاهين سابع أفلامه في كان «وهو الإسكندرية... نيويورك». أحاطه الصحافيون والإعلاميون العرب بكثير من التبجيل لكن الفيلم لم يكن فعلياً بتلك الدرجة المرموقة التي يمكن لها أن تتجانس مع أعمال أخرى له. شاهين سرد هنا حكاية لا يمكن التثبت من كل وقائعها حول دراسته السينما في الولايات المتحدة (قام بدوره جيداً محمود حميدة) وكيف أصبح محط أنظار وإعجاب الأساتذة والطلاب على حد سواء.
عند هذا الحد، انتهت رحلة شاهين في «كان» والأبواب التي فتحها المهرجان له في فرنسا وباقي أوروبا. هناك ثلاثة أفلام من إخراج مجموعتين كبيرتين من السينمائيين أولهما «لوميير وشركاه» (1995) والثاني «لكل سينماه» (2007) قدّم فيهما المخرج المصري رؤيته لتاريخ السينما وموقعها بالنسبة إليه.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز