تيري إيغلتون يستذكر خمسة من أساطين النقد الأدبي

يمثلون هيكلاً فكرياً ذا خصوصية مميزة تُعد أحد المعالم الأدبية للقرن العشرين

تيري إيغلتون
تيري إيغلتون
TT

تيري إيغلتون يستذكر خمسة من أساطين النقد الأدبي

تيري إيغلتون
تيري إيغلتون

لا أظن أن الناقد الأدبي والمنظر الثقافي البريطاني تيري إيغلتون (Terry Eagleton) يمكن أن يهدأ يوماً أو يركن لراحة موهومة بالنسبة إلى المشتغل في حقل الدراسات الثقافية. لم تمر سنة خلال العقد الماضي وحتى يومنا هذا؛ إلا كان له فيها كتاب منشور في موضوعة ثقافية دسمة، ويبدو أن مشروعه المشترك مع جامعة ييل الأميركية المرموقة صار علامة مميزة في حقل الدراسات الثقافية الراهنة.
إيغلتون ماكينة عمل لا تهدأ، يقودها شغفٌ لا حدود لمدياته. أتخيل أحياناً أن إيغلتون يمكنُ أن يعبر شارعاً ويرى قطة على الرصيف، وحينها سيعمل عقله لحظياً على تحويل هذا المشهد الساكن الذي قد لا يثير شيئاً لدى آخرين إلى موضوعة ثقافية كاملة. دعونا نتأمل بعض عناوين كتب إيغلتون التي نشرها خلال السنوات العشر الماضية أو نحو ذلك، وسنرى المديات الشاسعة لمنطقة اشتغال إيغلتون في تضاريس الفكر الإنساني:
«الحدث الأدبي» 2012 (ترجم إلى العربية)، و«عَبْرَ البركة» 2013، و«كيف نقرأ الأدب» 2013 (ترجم إلى العربية)، و«أملٌ من غير تفاؤل» 2015، و«الثقافة» 2016، و«المادية» 2017 (ترجم إلى العربية)، و«تضحية راديكالية» 2018 (ترجم إلى العربية)، و«الفكاهة» 2019 (ترجم إلى العربية)، و«المأساة» 2020.
أحدث كتب إيغلتون في هذه السلسلة المبهرة من الكتب؛ التي تتجاوز الثيمات الأدبية إلى فلسفات الأفكار، هو كتابه الذي اختار عبارة «ثوريون نُقاد (Critical Revolutionaries)» لتكون عنواناً رئيسياً طافحاً بروح الثورة الفكرية التي تشتعل جذوتها في عقله ولم تهدأ منذ بواكيره الأولى، ثم جاء العنوان الثانوي «خمسة نقادٍ غيروا الطريقة التي نقرأ بها» ليكشف عن جوهر مسعى إيغلتون في هذا الكتاب. الكتاب منشور في شهر أبريل (نيسان) 2022 عن مطبعة جامعة ييل الأميركية.
اعتمد إيغلتون في هذا الكتاب مقاربة غاية في البساطة: مقدمة مع 5 فصول، كل فصل معنونٌ باسم الناقد مدار البحث. ربما تكون مقدمة إيغلتون التي امتدت على 8 صفحات هي العلامة الفارقة في هذا الكتاب عن سابقيه؛ فقد عُرِف عن إيغلتون مقدماتُهُ المقتضبة. النقاد الخمسة الذين تناولهم إيغلتون بدراسته (أو باستذكاره النوستالجي إذا شئنا الدقة) هم: تي إس إليوت، آي أي ريتشاردز، ويليام إمبسون، إف آر ليفز، رايموند ويليامز. اختتم إيغلتون كتابه بحشدٍ مكثف من الهوامش التوضيحية التي تلقي أضواء كاشفة على حيثيات مخصوصة.
وأنا أقرأ هذا الكتاب في نسخته الإنجليزية تحسستُ في غير موضع النبرة النوستالجية التي تعتمل في روح إيغلتون، بل وحتى - ربما - بعض الشعور بالذنب لما آل إليه وضع النقد الأدبي المعاصر، ونكادُ نلمحُ هذه الحقيقة من السطور الأولى للتقديم:

«القناعة التي ينطوي عليها هذا الكتابُ هي أن تقليداً حيوياً في النقد الأدبي بات يتهدده خطرُ الإهمال. يصح هذا الأمر - وإن كان إلى حدود معينة - في الحقل الأكاديمي مثلما يصح في نطاقات أوسع بكثير في العالم الأدبي. لستُ أرى سوى قليلين من طلبة الأدب اليوم يتوفرون على معرفة رصينة بعمل آي أي ريتشاردز على سبيل المثال، وربما يصح الأمر ذاته على أساتذتهم!!؛ لكن رغم ذلك؛ فإن النقاد الخمسة الذين أتناولهم بالدراسة في هذا الكتاب يُعدون بين النقاد الأدبيين الأكثر أصالة وتأثيراً في العصر الحديث، وهذا سبب أراه كافياً لكي يكونوا هم، وليس سواهم، بين خياراتي المفضلة للدراسة...».
يؤكد إيغلتون في موضع آخر من التقديم أن هؤلاء النقاد الخمسة يمثلون هيكلاً فكرياً ذا خصوصية مميزة تُعدّ أحد معالم القرن العشرين الأدبية المتفردة؛ فقد كانوا جميعاً - باستثناء إليوت - أساتذة في قلعة كامبردج الأدبية الراسخة، وكانوا جزءاً من ثورة نقدية نقلت الدراسة الأكاديمية للأدب إلى مستوى جديد غير مسبوق.
لستُ أعتزمُ هنا الحديث عن تفصيلات محددة في أطروحة إيغلتون في هذا الكتاب، بل إننا إذا استثنينا الأطروحة النوستالجية فلا جديد في هذا الكتاب؛ لكن ثمة دوماً نمطٌ من الانشداد الفكري لما يكتب إيغلتون حتى لو كان في موضوعات تبدو بديهية ومكرورة. يلمحُ القارئ في هذا الكتاب استكمالاً لرؤية إيغلتون في نقد أطروحات ما بعد الحداثة، وهو ما بدأه في كتابه «أوهام ما بعد الحداثة» واستكمله لاحقاً في كتاب «ما بعد النظرية»، والكتابان مترجمان إلى العربية.
أرى أن من الأسئلة الجوهرية التي يطرحها كتاب إيغلتون هو موضوعة الانعطافة الكبرى التي حصلت في خريطة النقد الأدبي المعاصر وتحوله من مبحث أدبي قائم بذاته إلى تيار في حقل ما تسمى «الدراسات الثقافية (Cultural Studies)». هل يمكن أن نرى في عصرنا هذا إليوت معاصراً؟ لا أظن ذلك؛ لأسباب كثيرة ثقافية وأكاديمية وحتى دينية!! لو أجرينا مسحاً سريعاً لخريطة النقد الأدبي العالمي لرأينا أنه بات مدفوعاً بعوامل «فكرية وبراغماتية» صارت تعمل على إعادة تشكيل خريطته الفكرية:
أولاً: تتمظهر العوامل الفكرية في تنامي مفهوم الدراسات النسقية العامة أو الشاملة (Generalized Systems Studies) في عموم المعرفة الإنسانية سواء أكانت علمية أم أدبية. هل نتخيلُ، على سبيل المثال، أن بمستطاع كائن مَنْ كان قبل عشر سنوات أن يصرح في حوارية منشورة له بأن «الأدب ينبغي أن يدرس مثل العلم، وأن الأدب آلة ترتقي بدينامية تطور الدماغ البشري»**؟ هل يمكن لأحد هؤلاء النقاد الخمسة أن يكتب شيئاً قريباً من هذا؟ لا يمكن مطلقاً؛ لأن الخريطة الفكرية الأدبية في النصف الأول من القرن العشرين لم تكن لتحتمل شيئاً مثل هذا العصف الذهني! عندما أكتبُ مثل هذا؛ فأنا أقرأ تضاريس الخريطة الأدبية، وتجتاحني جمرة من ذاكرة نوستالجية أتحسسُ فيها طعم اللذة الكبرى التي اجتنيتها من قراءة كلاسيكيات الأدب، ولستُ ممن يميلون كثيراً إلى تذويب الحدود بين العلم والأدب؛ لكن هذا هو واقع الحال السائدة في عالم اليوم.
ثانياً: أما العوامل البراغماتية فيمكن أن نشهدها في طبيعة الدراسة الأكاديمية للأدب. ليس سراً أن الدراسات الأكاديمية في الأدب باتت تشهدُ انحساراً عالمياً في مقابل صعود وتنامي الدراسات المسماة «STEM (وهي اختصار عالمي معتمد للعلم والتقنية والهندسة والرياضيات)»، وقد تسبب هذا الانزياح المتزايد نحو هذه الحقول في غلق كثير من الأقسام الأكاديمية الخاصة بالأدب والدراسات الأدبية. كانت إحدى الاستراتيجيات الالتفافية المعتمدة هي محاولة دمج كثير من الأقسام الخاصة بالإنسانيات في قسم واحد تحت لافتة «الدراسات الثقافية» ضغطاً للنفقات؛ إذ من المعروف أن المؤسسات الغربية - الأكاديمية وغير الأكاديمية - تعتمد معايير إجرائية تقوم على حساب العوائد؛ لذا فهي لن تتردد في تعديل برامجها تبعاً لمستجدات الواقع، ولن تركن أبداً إلى سياسات قديمة بدعوى الحفاظ على أنماط ثقافية محددة.

* * *
لا ضير في أن يبدي أحدنا نزوعاً نوستالجياً بين الفينة والأخرى؛ فليس في هذا عيب أو منقصة. ثم إن إيغلتون كاتب ذو أفق إنساني ممتد من غير تقييدات آيديولوجية أو سياسية، وهو قادر على إمتاعك حتى لو اختلفتَ معه؛ وهنا تصبح المعادلة واضحة: إذا أضفنا المتعة للشحنة النوستالجية التي يفجرها إيغلتون في عقولنا عندما يعيدنا إلى أيامٍ قرأنا فيها كتاب «فائدة الشعر وفائدة النقد» لإليوت، أو «سبعة أنماط من الغموض» لويليام إمبسون، أو «التقليد العظيم» لإف آر ليفز، أو «الأدب والمجتمع» لرايموند ويليامز، أو «مبادئ النقد الأدبي» لريتشاردز، فإن هذا سبب كاف يدفع بنا إلى قراءة إيغلتون بمزيد من الشغف والحماسة الفكرية.
* واضح أن عنوان المادة وظف عبارة «الغابة المقدسة (The Sacred Wood)» فيه... وهو عنوان مجموعة من مقالات في الشعر والنقد كتبها إليوت ونشرها عام 1920



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».