جوني ديب وآمبر هيرد... الفيلم الأكثر مشاهدة في رصيد النجمين

كيف تحول صراعهما إلى قضية رأي عام فيها الأبطال والأشرار

جوني ديب في قاعة المحكمة (رويترز)
جوني ديب في قاعة المحكمة (رويترز)
TT

جوني ديب وآمبر هيرد... الفيلم الأكثر مشاهدة في رصيد النجمين

جوني ديب في قاعة المحكمة (رويترز)
جوني ديب في قاعة المحكمة (رويترز)

لم تنعم العلاقة يوماً بين الثنائي الهوليوودي جوني ديب - آمبر هيرد بالهدوء، فحتى أقصى لحظات حبهما كانت عاصفة وسريعة العطب في آن.
لم يَعش زواجهما أكثر من سنة و3 أشهر، على عكس الصراعات القضائية بينهما، التي عاشت أكثر من 6 سنوات قابلة للتمديد.
لكن، ما الذي حول حكاية انفصال زوجين إلى قضية رأي عام ينقسم فيها المتابعون بشراسة، ويسمحون لأنفسهم بتصنيف شخصيات الحكاية؟ منهم مَن يُجلس ديب على عرش الأبطال ويضع هيرد في خانة الأشرار، فيما آخرون يدافعون عنها ويهاجمونه.

التسلسل الزمني لحكاية آمبر وجوني

كانت آمبر ممثلة مبتدئة يوم التقت جوني خلال تصوير فيلم «يوميات روم (The Rum Diary)» عام 2009، واقتضى سيناريو الفيلم أن تجمعهما قصة حب لم تتحول إلى واقع إلا بعد 3 سنوات، عندما بدآ يتواعدان.
في عام 2014 تطورت المواعدة إلى خطوبة، وما هي إلا سنة حتى عُقد قرانهما في حفلٍ لم يحضره سوى الأهل والأصدقاء. أوحت الحميمية تلك بأن الثنائي يحاول حماية قصته، لكن الواقع لم يكن كذلك، ففي شهر مايو (أيار) 2016 تقدمت هيرد بدعوى طلاق متهمة ديب بإيذائها جسدياً حين يكون تحت تأثير المخدرات والكحول. نفى ديب الاتهامات وتوصل الطليقان إلى تسوية، نالت هيرد بموجبها 7 ملايين دولار.
في عام 2017 أصبح الطلاق رسمياً ونهائياً، ونصت وثيقته على عدم تصريح أي من الطرفين بأمر سلبي عن العلاقة التي جمعتهما. إلا إن هيرد لم تلتزم بالاتفاق، ففي نهاية 2018 نشرت مقال رأي في صحيفة «واشنطن بوست» أشارت فيه إلى أنها تتحدث باسم النساء من ضحايا العنف الزوجي، لكن من دون أن تذكر اسم ديب.
https://twitter.com/realamberheard/status/1075503279323242496
ومنذ ذلك اليوم اشتعل الفتيل الفعلي للقضية؛ إذ سارع ديب إلى مقاضاة هيرد، عادّاً أن المقال يُبرز بشكلٍ خاطئ أنه قام بتعنيفها، مطالباً إياها بمبلغ 50 مليون دولار تعويضاً عن التشهير. وأكد في الدعوى أن طليقته ليست ضحية عنف منزلي، بل هي التي تسببت فيه. وتصديقاً على أقوال ديب، نشرت الـ«ديلي ميل» سنة 2020 تسجيلات هاتفية بين الطرفين تقر فيها هيرد بأنها تعرضت لديب بالضرب. وفي تلك الأثناء، كانت آثار العاصفة القانونية قد بدأت تنعكس سلباً على مسيرة ديب الفنية؛ إذ صار يخسر عقود عمل وأدواراً سينمائية.

«مواجهة ديب - هيرد»... الموسم الثاني

في أبريل (نيسان) الماضي، دخل جوني ديب وآمبر هيرد إلى قاعة المحكمة في ولاية فيرجينيا الأميركية بوصفهما نجمَين لطالما احترفا لعبة الأضواء. استؤنفت المحاكمة للبت في دعوى التشهير التي كان قد رفعها ديب ضد هيرد، على خلفية مقالها في «واشنطن بوست». على مدى 4 أيام أدلى بشهادته أمام المحكمة، وسط أخذٍ ورد من قِبل محامي الطرفين حول ماضيه مع الكحول والمخدرات. أما هو؛ فاختصر حالته بالقول: «لقد خسرت كل شيء بسبب ذاك المقال».
لم يحصل ذلك أمام عيون الحضور في قاعة المحكمة فحسب؛ بل أمام العالم أجمع. فالمحاكمة منقولة مباشرة ومجاناً عبر الإنترنت، مع العلم بأن تصوير المحاكمات وبثها ممنوع في بعض الولايات الأميركية، غير أن القانون الخاص بولاية فيرجينيا يسمح بذلك.
وبما أن الناس يحبون الدراما ويمضون ساعاتٍ يومياً أمام المسلسلات، فكان من الطبيعي أن يحصد «مسلسل ديب - هيرد» نسبة المشاهدة الأعلى، خصوصاً أنه واقعي ومتابعته غير مكلفة على الإطلاق! بسرعة اختارت غالبية المشاهدين بطلها في القصة؛ إنه جوني الذي حصد التضامن الشعبي فور انتهاء جولته الأولى. ولعل أبرز مشاهد تلك الجولة كان عندما تحدث ديب عن خسارة جزء من أصبعه، بعد أن ضربته هيرد بزجاجة في أحد شجاراتهما.
https://www.youtube.com/watch?v=fKTqvXX8CKs
كان على المتابعين أن ينتظروا أسبوعين حتى تطل عليهم هيرد في 4 مايو الحالي، في شهادة ركزت فيها على إدمان ديب وتعنيفه المتواصل لها.
https://www.youtube.com/watch?v=1T - Mkj7xIsg
ولم يوفر محامو الطليقين أي تسجيل صوتي أو فيديو للشجارات إلا وشاركوه مع المحكمة، فاتحين أبواب بيت ديب وهيرد الزوجي أمام عيون الفضوليين.
https://www.youtube.com/watch?v=xsBN_7vUP0U
وفي أحدث فصول القضية؛ عاد ديب لينفي اتهامات هيرد وفريقها القانوني، أما هي فأعلنت عن تلقيها آلاف رسائل التهديد بالقتل يومياً منذ انطلاقة المحاكمة: «يريد الناس وضع طفلتي في المايكروويف»، قالت، واصفة المحاكمة بأنها «الاختبار الأكثر إيلاماً وإهانة وبشاعة في حياتها».
https://www.youtube.com/watch?v=k8DDSp1HhKI
وبانتظار الحكم النهائي المؤجل، تبقى قضية ديب - هيرد الشغل الشاغل للصحافة ولرواد وسائل التواصل الاجتماعي، في ظاهرة لم يُشهَد لها مثيل.

«جيش ديب» يهزم «كتيبة هيرد»

الجميع يريد أن يدلي بدلوه، والرأي العام غير بريء من الجدلية الصاخبة التي أحاطت بالقضية. فالإعلام والمؤثرون والمتابعون لم يبخلوا في صب الزيت على النار من خلال التعليقات التي غصت بها صفحات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الصور والفيديوهات والـ«ميمز» (memes) الساخرة التي امتلأ بها الإنترنت.
أما كبرى المعارك؛ فقد دارت على منصة «تيك توك»، حيث سجل هاشتاغ #JusticeForJohnnyDepp (العدالة لجوني ديب)، أكثر من 17 مليار مشاهدة. فيما لم يتخطَّ هاشتاغ #IStandWithAmberHeard (متضامن مع آمبر هيرد) 10 ملايين مشاهدة. وبسرعة اتضح أن الغالبية اختارت الوقوف في صف ديب والتهجم على هيرد، من خلال فيديوهات صورتها على أنها ممثلة بارعة في الكذب.

https://www.tiktok.com/@anne.styled/video/7095533264110144774?is_from_webapp=v1&item_id=7095533264110144774

أما ديب فجرى تظهيره على أنه بطل الحكاية.

https://www.tiktok.com/@jessvalortiz/video/7093663951313095982

وعلى جبهة «تويتر»، جرى تداول هاشتاغ #JohnnyDeppIsInnocent (جوني ديب بريء) و#AmberHeardIsALiar (آمبر هيرد كاذبة)، فتحولت المواجهة بين ديب وهيرد إلى معركة بين جيشيهما الإلكترونيين، وسط احتمالٍ كبير بأن محركات وهمية قد شاركت بقوة في الصراع الإلكتروني.
لكن لماذا فاز جوني بالتعاطف الشعبي وبحرب الـ«سوشيال ميديا»؟
أجوبة عدة قد تفسر ما حدث، لعل أبرزها أن جوني ديب هو في الأساس بطل في عيون محبيه، ولديه ملايين المعجبين الذين يصعب عليهم التصديق أن القرصان الخارق «جاك سبارو» تعرض للتعنيف من قِبَل امرأة. وقد لعب وقوفه على قوس المحكمة قبل هيرد دوراً كذلك في موجة التضامن معه، فهو حصل أولاً على فرصة الكلام متهماً إياها بالاعتداء عليه، مما أدى ربما إلى الظن بأن تصرفاته العنفية جاءت رد فعل.

آمبر هيرد في أحدث جلسات المحاكمة (رويترز)

بنظر المتابعين، بدا جوني أكثر صدقاً وإقناعاً من هيرد التي لم يسعفها أداؤها المبالغ والقريب من الدرامية في استمالة الأكثرية، فاتُهمت بالتمثيل والافتراء.

قضية إنسانية معرضة للتسخيف

إلى جانب تنصيب أنفسهم قضاة، ساهم المغردون والمؤثرون في تحويل الموضوع من قضية قانونية إلى عرض ترفيهي قد يسخف عنواناً كبيراً: «التعنيف الزوجي». فما تدوول على «تيك توك» و«تويتر» وغيرهما، هو الذي كون المواقف لدى الرأي العام، وليس وقائع المحاكمة؛ وهذا دقيق جداً.
ضجيج النكات والفيديوهات المتداولة كاد يفقد الموضوع؛ ليس جديته فحسب؛ بل إنسانيته. فالقصة في الأساس قصة إنسانية مؤلمة: عنف وصراع وطلاق. وقد ينعكس هذا التعاطي سلباً على قضايا النساء المعنفات ويعرضها للتسطيح والاستخفاف وحتى التكذيب، بعد واقعة آمبر وجوني.



فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
TT

فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري فتحي عبد الوهاب إن ردود الفعل التي تلقاها حول شخصية «سميح» في مسلسل «المداح 6» كانت لافتة بالنسبة له، خصوصاً أن بعض المشاهدين بدأوا يتعاملون مع الشخصية بدرجة من التعاطف أو الإعجاب، رغم أنها في الأساس تجسِّد جانباً شيطانياً داخل الأحداث.

وأكد أنه طرح على نفسه هذا السؤال أثناء العمل، الذي شكّل بالنسبة له تحدياً كبيراً، محاولاً فهم السبب الذي قد يجعل الجمهور ينجذب إلى شخصية تحمل هذا القدر من الشر.

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد التفسيرات التي خطرت له يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه؛ فالأشياء الممنوعة أو الخطرة غالباً ما تثير الفضول وتجذب الانتباه، تماماً مثل الأطعمة التي يُنصح بالابتعاد عنها في الحمية الغذائية، لكنها تظل مغرية لكثيرين.

وأشار إلى أن الشخصية تحمل أيضاً قدراً من اللطف والقدرة على التواصل، ما يجعل من يتعامل معها يشعر بأنها قريبة منه أو تفهمه، وهو ما قد يفسِّر جزءاً من تفاعل الجمهور معها.

فتحي عبد الوهاب قدم دوراً لافتاً في مسلسل «المداح» (صفحته على فيسبوك)

وأوضح عبد الوهاب أن «شكل الشخصية تغيّر عبر أجزاء العمل المختلفة؛ ففي بعض المراحل كانت أكثر قسوة وإثارة للخوف، في حين جاء الجزء السادس ليمنحها مساحة مختلفة، تظهر فيها جوانب أكثر هدوءاً وقرباً من البشر».

وأضاف أن هذا التوجّه ناقشه مبكراً مع مخرج العمل أحمد سمير فرج، مع التأكيد على ضرورة تطوير الشخصية درامياً، وعدم الاكتفاء بإعادتها بالشكل نفسه.

وأشار إلى أن التطوير لم يقتصر على الخط الدرامي فقط، بل شمل أيضاً طريقة تقديم الشخصية والأدوات التي يعتمد عليها في أدائها؛ لأن الهدف كان إظهارها بأبعاد متعددة؛ ولهذا ظهرت داخل الأحداث في صور مختلفة، تجعلها تبدو قادرة على التواصل مع الآخرين بسهولة.

ورأى أن تقديم الشخصية بهذا الشكل كان مهماً بالنسبة له بوصفه ممثلاً؛ لأن الإغواء أو التأثير لا يمكن أن يقوم على القسوة الدائمة أو الشكل المنفّر؛ فالشخص الذي يدفع الآخرين إلى السير خلفه لا بد أن يبدو ودوداً أو مقنعاً بدرجة ما، وإلا فلن ينجح في جذبهم. لذلك، كان من الضروري أن تحمل الشخصية قدراً من الهدوء والدبلوماسية، حتى وهي تمارس دورها الشرير داخل القصة.

حماده هلال وفتحي عبد الوهاب على الملصق الترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

وعن أحداث المسلسل، قال: «في الأساس تنتمي إلى إطار خيالي يتعامل مع الأساطير والماورائيات، ومع ذلك فإن هذه العوالم الخيالية يمكن أن تتقاطع مع الواقع وأدواته الحديثة؛ لأن كل عصر يمتلك وسائله الخاصة التي يمكن أن يستخدمها حتى في القصص الأسطورية».

وأشار، في هذا السياق، إلى أحد المشاهد التي ظهرت فيها شخصية «سميح» وهي تتفاعل مع «تشات جي بي تي»، موضحاً أن الفكرة جاءت من المخرج أحمد سمير فرج قبل تصوير المشهد بوقت قصير، وبدت له مناسبة لفكرة أن الشخصية تستخدم أدوات العصر الذي تعيش فيه، تماماً كما كان يمكن أن تلجأ إلى وسائل مختلفة لو كانت الأحداث تدور في زمن آخر.

وتطرق عبد الوهاب إلى مسألة الشكل البصري للشخصية، خصوصاً ظهورها المتكرر بملابس داكنة، مؤكداً أن «اختيار الأزياء في الأعمال الدرامية لا يعتمد على قرار فردي من الممثل، بل يأتي نتيجة تنسيق بين أكثر من عنصر في فريق العمل، مثل مدير التصوير ومصمم الديكور والمخرج. واختيار اللون الأسود لم يكن عابراً، بل جزءاً من رؤية بصرية متكاملة تخدم الجو العام للشخصية والأحداث».

فتحي عبد الوهاب بمكياج الشخصية (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عبد الوهاب كذلك عن بعض الأفكار التي ظهرت خلال مرحلة التحضير للعمل، ومنها الخط المرتبط بالأطفال داخل الأحداث، مؤكداً أن الفكرة كانت مطروحة منذ البداية ضمن تصور عام للحكاية؛ إذ كان الحديث يدور حول أطفال يمتلكون قدرات خاصة ويشكلون جزءاً مهماً من تطور القصة.

وأضاف أنه، خلال النقاشات، اقترح أن تكون هناك حضانة تجمع هؤلاء الأطفال، وهو ما فتح الباب لتطوير هذا الخط داخل المسلسل.

وأشار إلى أنه لا يفضّل التوقف طويلاً عند أي تجربة ناجحة، بل يحرص على التفكير في العمل التالي مباشرة؛ لأن البقاء أسيراً لدور واحد قد يحد من قدرة الممثل على التطور، لافتاً إلى أنه يشعر بأن تنوع الشخصيات التي يقدمها يمنحه مساحة أوسع للتجريب واكتشاف جوانب جديدة في أدائه.

وأكد فتحي عبد الوهاب أنه يقرأ حالياً أكثر من مشروع جديد، من بينها عملان لم يحسم قراره بشأن أيهما سيبدأ به أولاً، إضافة إلى تجربة سينمائية يجري التحضير لها.


رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
TT

رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)

كشفت دراسة أميركية أن دمج المعلومات في قالب قصصي قد يكون وسيلة فعّالة لتعزيز الذاكرة، بل قد يضاهي أو يتفوق على أشهر تقنيات الحفظ المعروفة.

وأوضح باحثون في جامعة ميسيسيبي أن سرد القصص قد يرتبط بتطور الذاكرة لدى الإنسان عبر التاريخ، من العصور القديمة حتى العصر الرقمي الحديث. ونُشرت نتائج الدراسة، الاثنين، في دورية «Evolutionary Psychology».

ويُعد تعزيز الذاكرة والتعلّم هدفاً أساسياً في حياة الأفراد، إذ يعتمد على أساليب تساعد الدماغ على تنظيم المعلومات وفهمها بعمق، بدلاً من حفظها بشكل سطحي، مثل ربط الأفكار بسياق واضح، واستخدام الصور الذهنية، والتكرار المدروس، والتعلّم النشط الذي يشمل الشرح والتطبيق. ويسهم ذلك في تثبيت المعلومات لفترات أطول وتحسين القدرة على استرجاعها عند الحاجة. كما أن تنويع أساليب التعلّم والاعتماد على الفهم بدلاً من التلقين يعززان كفاءة الدماغ، ويجعلان عملية التعلّم أكثر سهولة وفاعلية في الحياة اليومية.

وهدفت الدراسة إلى مقارنة تأثير رواية القصص بأساليب الحفظ التقليدية في تعزيز الذاكرة. وخلالها، طُلب من المشاركين تحويل مجموعة من الكلمات غير المرتبطة إلى قصة مترابطة، بينما استخدم آخرون تقنيات مختلفة، مثل تقييم الكلمات من حيث إيجابيتها أو تخيّل ارتباطها بمواقف معينة.

وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين استخدموا أسلوب السرد القصصي تمكنوا من تذكّر عدد أكبر من الكلمات، مقارنة بمن استخدموا طرقاً أخرى، مثل تقييم الكلمات من حيث مدى لطافتها أو إيجابيتها.

كما حققوا نتائج مماثلة، أو أفضل، من تقنية تُعرف بـ«المعالجة المرتبطة بالبقاء»، التي تُعد من أقوى أساليب تحسين الذاكرة، وتعتمد على ربط المعلومات بمواقف افتراضية تتعلق بالبقاء في ظروف صعبة.

وأشارت الدراسة إلى أن كتابة القصص تحديداً تعزز الذاكرة بشكل أكبر، إذ تساعد على ترسيخ المعلومات بعمق، مقارنة بالاكتفاء بتخيّلها، ما يعكس أهمية التفاعل النشط مع المعلومات.

ورغم أنه كان يُتوقع أن يحقق الجمع بين السرد القصصي وتقنية «المعالجة المرتبطة بالبقاء» نتائج أفضل، فإن الدراسة لم ترصد تحسناً ملحوظاً، وهو ما يفسّره الباحثون بأن الطريقتين تعتمدان على الآليات المعرفية نفسها داخل الدماغ.

ويرى الباحثون أن كلتا الطريقتين تعتمد على ما يُعرف بـ«المعالجة الترابطية»، حيث يربط العقل بين المعلومات المختلفة، و«المعالجة الخاصة بالعناصر»، التي تركز على تمييز كل معلومة على حدة.

وأشار الفريق إلى أن هذه النتائج تدعم ما يلاحظه المعلمون داخل الفصول الدراسية، إذ يسهم استخدام القصص في جعل المعلومات أكثر جذباً وأسهل في التذكّر.

وأضافوا أن الإنسان اعتمد على القصص لنقل المعرفة قبل ظهور الكتابة، ما يشير إلى أن الدماغ البشري قد يكون تطوّر ليحتفظ بالمعلومات بشكل أفضل عندما تُعرض في قالب قصصي منظّم.

وأكد الباحثون أن فهم آليات الذاكرة يمكن أن يسهم في تطوير أساليب التعليم، وتحسين قدرة الأفراد على تذكّر المعلومات في حياتهم اليومية.


سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
TT

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود إن فيلمها الوثائقي «غزة غراد» جاء من رغبة في الاقتراب من التجربة الإنسانية للناجين من الحرب، موضحةً أن السؤال الذي شغلها منذ البداية لم يكن فقط كيف يهرب الناس من القصف، بل ماذا يحدث لهم بعد ذلك، حين يجدون أنفسهم فجأة في مكان آخر بعيد تماماً عن حياتهم السابقة.

وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «كثيراً من القصص التي تُروى عن الحروب تُركِّز على لحظات الدمار، أو الهروب، في حين أن ما يحدث بعد النجاة يظل أقل حضوراً في السرد، رغم أنه يحمل في داخله طبقات عميقة من المشاعر، والتجارب المعقدة التي تستحق أن تُروى».

المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود (مهرجان سالونيك)

وأوضحت سوسن أن «الفيلم يحاول الاقتراب من تلك المساحة الصامتة التي يعيشها الإنسان بعد أن يبتعد جسدياً عن الحرب، لكنه يظل يحملها داخله»، لافتة إلى أن فكرة العمل بدأت من تأملها في مصير العائلات التي تضطر إلى مغادرة غزة تحت ضغط القصف، ثم تجد نفسها فجأة في بيئة جديدة لا تشبه شيئاً من عالمها الأول.

وأكدت أن هذا التحول المفاجئ يخلق حالة مركبة من المشاعر، حيث يمتزج الإحساس بالنجاة مع شعور عميق بالخسارة، لأن الإنسان يكتشف أنه لم يفقد بيتاً فقط، بل فقد أيضاً شبكة كاملة من العلاقات، والذكريات، والتفاصيل اليومية التي صنعت معنى حياته. وعدّت العائلة التي تطرقت إليها في الفيلم نموذجاً لتجربة يعيشها كثير من الفلسطينيين في السنوات الأخيرة.

ويرصد الفيلم الوثائقي «غزة غراد»، الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، رحلة الفلسطيني غسان، الذي يضطر إلى الفرار من القصف الإسرائيلي على غزة برفقة زوجته الروسية آنا وابنتيهما، ليبدأوا حياة جديدة في روسيا. وهناك يجد غسان نفسه أمام تحدي إعادة بناء حياته من الصفر في بلد يختلف تماماً عن المكان الذي نشأ فيه، بينما تحاول الأسرة كلها التأقلم مع واقع جديد.

ومع مرور الوقت يتحول المنفى، الذي بدا في البداية ملاذاً آمناً، إلى مساحة معقدة من المشاعر المتناقضة، حيث تتصارع الرغبة في الاستقرار مع الحنين المستمر إلى البيت الذي تركوه خلفهم. فالحياة التي تركوها في غزة لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت منظومة كاملة من العلاقات، والذكريات، والعادات اليومية التي صنعت معنى وجودهم لسنوات طويلة.

وثقت المخرجة جوانب مختلفة من حياة العائلة بعد الرحيل من غزة (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة الفلسطينية أن «الفيلم لا يحاول تقديم قصة بطولية أو استثنائية، بقدر ما يسعى إلى إظهار الحياة اليومية كما هي، بكل ما تحمله من لحظات هدوء، وارتباك، وحنين. وأكثر ما كان يهمني أثناء التصوير هو التقاط اللحظات الصغيرة التي تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكشف في الحقيقة عن عمق التحولات التي يعيشها الإنسان عندما يجد نفسه في مكان جديد تماماً». كما أشارت إلى أن التصوير بين غزة وروسيا ومصر جرى بترتيب وتنسيق مع العائلة، وإن كانت الصعوبة الأكبر في تصوير الجزء داخل غزة، خصوصاً بعد «طوفان الأقصى» مباشرة.

وتحدثت عن أهمية التفاصيل في بناء الفيلم، مشيرةً إلى أن تلك التفاصيل البسيطة، مثل صمت العائلة داخل البيت الجديد، أو محاولة الأطفال التأقلم مع بيئة مختلفة، تحمل في داخلها كثيراً من المعاني التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات المباشرة. ولفتت إلى أنها حاولت أن تكون الكاميرا قريبة من الشخصيات دون أن تتدخل في حياتها، حتى تظهر المشاعر بشكل طبيعي وصادق، بعيداً عن أي مبالغة، أو افتعال.

الفيلم تناول قصص ما بعد الحرب على غزة (الشركة المنتجة)

وقالت إن «تجربة المنفى التي يعرضها الفيلم ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل هي تجربة نفسية وإنسانية عميقة، لأن الإنسان عندما يترك بلده تحت ضغط الحرب يترك خلفه أيضاً جزءاً من هويته، وذاكرته». موضحةً أن هذا الشعور يصبح أكثر تعقيداً عندما يبدأ الشخص في بناء حياة جديدة في مكان مختلف، إذ يجد نفسه دائماً معلقاً بين عالمين: العالم الذي جاء منه، والعالم الذي يحاول أن يعيش فيه الآن.

وتحدثت كذلك عن الأمل بوصفه عنصراً أساسياً في الفيلم، موضحةً أن «هذا الأمل لا يظهر في صورة كبيرة، أو خطاب مباشر، بقدر ما يتجلى في قدرة الشخصيات على الاستمرار في حياتها رغم كل شيء. فالإنسان يمتلك قدرة مدهشة على التكيف، حتى في أصعب الظروف، وهذه القدرة هي ما تمنح الحياة معناها في النهاية».

وأوضحت أن تصوير الفيلم تطلّب قدراً كبيراً من الصبر، والاقتراب الإنساني من الشخصيات، لأن الهدف لم يكن مجرد تسجيل أحداث، بل فهم التجربة التي يعيشونها من الداخل. ولفتت إلى أن العلاقة التي نشأت بينها وبين العائلة خلال التصوير ساعدت على خلق مساحة من الثقة، وهو ما انعكس في صدق اللحظات التي تظهر على الشاشة.