ما مصير أسرى الحرب في النزاع الأوكراني؟

منظمات حقوقية تتهم طرفي النزاع بتجاهل التزامات «معاهدة جنيف»

الجنديان ألكساندر ألكسيفيتش وألكساندر فلاديميروفيتش خلال محاكمتهما بوصفهما «مجرمي حرب» في كوتيلفا شمال شرقي أوكرانيا (أ.ب)
الجنديان ألكساندر ألكسيفيتش وألكساندر فلاديميروفيتش خلال محاكمتهما بوصفهما «مجرمي حرب» في كوتيلفا شمال شرقي أوكرانيا (أ.ب)
TT

ما مصير أسرى الحرب في النزاع الأوكراني؟

الجنديان ألكساندر ألكسيفيتش وألكساندر فلاديميروفيتش خلال محاكمتهما بوصفهما «مجرمي حرب» في كوتيلفا شمال شرقي أوكرانيا (أ.ب)
الجنديان ألكساندر ألكسيفيتش وألكساندر فلاديميروفيتش خلال محاكمتهما بوصفهما «مجرمي حرب» في كوتيلفا شمال شرقي أوكرانيا (أ.ب)

يُعدّ جنود في جيش نظامي «يقعون في قبضة العدو» بمثابة «أسرى حرب» تحدد وضعهم «اتفاقية جنيف الثالثة» المبرمة عام 1949 والتي تنطبق أيضاً على الحالات التي لم تعلَن فيها الحرب رسمياً. يجمع المدافعون عن حقوق الإنسان والخبراء على أن جنود الحرب الأوكرانية؛ سواء أكانوا روساً أم أوكرانيين، محميون بموجب هذه الاتفاقيات. ويشير أستاذ القانون الدولي بجامعة «ميدلسكس» في لندن، ويليام شاباس، إلى أن هذا الوضع يعني «أفراد القوات المسلحة أو أفراد الميليشيات الذين يشكلون جزءاً من هذه القوات المسلحة». ويؤكد أن هؤلاء الأسرى لديهم حقوق وتجب حمايتهم من أي أعمال عنف أو ترهيب ومن الإهانات وفضول الناس. إلا إن روسيا أشارت إلى أنها تعدّ المقاتلين في «كتيبة آزوف»؛ وهي وحدة أوكرانية قومية متشددة يصنفها الكرملين من بين المجموعات «النازية الجديدة»، «إرهابيين»، وتعتزم محاكمتهم بوصفهم «مجرمي حرب» وليس بوصفهم «أسرى». أما أوكرانيا، فقد تعرضت لانتقادات من جانب منظمات غير حكومية عدة لانتهاكها «اتفاقية جنيف» بسبب نشرها مقاطع فيديو تُظهر مقاتلين روساً يعلنون فيها توبتهم. ففي آذار (مارس) الماضي طلبت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من أوكرانيا التوقف عن نشر مقاطع الفيديو. ودفعت خطوة كييف هذه بـ«اللجنة الدولية للصليب الأحمر» إلى تذكيرها بالتزام القواعد. ودعت «هيومن رايتس ووتش» أيضاً السلطات الأوكرانية إلى التحقيق في «جرائم حرب» محتملة حيال أسرى روس، بعد نشر مشاهد يبدو أنها تُظهر جنوداً أوكرانيين يطلقون النار على أرجل أسرى. وأعربت المنظمة مؤخراً عن صدمتها لمصير «أسرى الحرب الأوكرانيين في آزوفستال» الذين قُدموا في وسائل الإعلام الروسية «بطريقة غير إنسانية» على أنهم من «النازيين الجدد».
على غرار كل نزاع، غالباً ما تكون البيانات الميدانية مجزأة ويصعب التحقق منها بشكل مستقل، بما في ذلك عدد أسرى الحرب. لم يعلَن عن أي عدد حتى الآن. وفيما يخص ماريوبول، تحدث وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن «3826 سجيناً»؛ بينهم «2439 أوكرانياً أُسروا أثناء الاستسلام في مصنع (آزوفستال)» و«1387 من مشاة البحرية» أُسروا في وقت سابق.

الجنديان ألكساندر ألكسيفيتش وألكساندر فلاديميروفيتش خلال محاكمتهما بوصفهما «مجرمي حرب» في كوتيلفا شمال شرقي أوكرانيا (أ.ب)

من جانبه، أشار السفير الروسي لدى «جمهورية» لوغانسك الانفصالية، روديون ميروشنيك، الخميس، بحسب وكالة أنباء «تاس» الروسية، إلى أن هناك 8 آلاف أسير أوكراني في المنطقتين الانفصاليتين، «ويُضاف المئات إليهم كل يوم». في «آزوفستال»، أعلنت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» أنها سجلت «مئات أسرى الحرب الأوكرانيين».
من الجانب الأوكراني، لم تكشف السلطات عن عدد الأسرى الروس رغم طرح وكالة الصحافة الفرنسية السؤال عليها مرات عدة. في هذا السياق، تعدّ الباحثة في «معهد البحوث الاستراتيجية» التابع لـ«الكلية العسكرية الفرنسية»، جوليا غرينيون، أن آلية التسجيل التي تقودها «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، تلعب دوراً رئيسياً. وتضيف: «إنها ضمانة، يعني أنهم (الأسرى) لن يختفوا؛ لأنه يمكن المحاسبة فيما بعد».
- ماذا عن عمليات التبادل؟
أصبحت عمليات تبادل الأسرى ممارسة رائجة؛ إلا إن القانون الدولي لا ينظمها، وهي تأخذ شكل اتفاق بين أطراف النزاع. ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، حدثت عمليات تبادل عدة لجنود ومدنيين بين الأوكرانيين والروس، من دون تأكيدها دائماً من جانب الطرفين. ولا يزال الطلب الذي قدمته كييف لتبادل الأوليغارش فيكتور ميدفيتشوك المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مقابل أوكرانيين محتجزين في روسيا، معلقاً. وأعلن المفاوض الروسي ليونيد سلوتسكي مؤخراً أن موسكو ستنظر في هذا الطلب.
وتوضح الخبيرة الفرنسية أنه «لا يمكن محاكمة أسرى الحرب لمجرد مشاركتهم في المعركة»، مضيفة: «في المقابل، يمكن أن تُطلق ملاحقات في حق جنود ارتكبوا جرائم خلال المواجهات».
في أوكرانيا، حُكم على أول جندي روسي تتم محاكمته بتهمة ارتكاب جريمة حرب منذ بدء الهجوم الروسي، بالسجن مدى الحياة، الاثنين، في كييف بسبب قتله مدنياً. ومن الجانب الروسي، لمحت السلطات إلى أنها ستحاكم أفراد «كتيبة آزوف» على أنهم «مجرمون نازيون». وترى غرينيون أن «ذلك لن يكون مطابقاً لـ(القانون الإنساني). لا يمكن وصفهم بأنهم (نازيون) أو (إرهابيون). تتعين ملاحقتهم للأفعال التي يُشتبه في أنهم ارتكبوها». ويقول شاباس: «من الواضح أن جميع مقاتلي (آزوف) أفراد في القوات المسلحة الأوكرانية، ويجب عدّهم (أسرى حرب)». أما بالنسبة إلى عناصر شركة «فاغنر» الروسية الخاصة التي تنفي موسكو أي صلة بها، فيمكن عدّهم «أسرى حرب» في حال أُلقي القبض عليهم كأفراد منخرطين في القوات الروسية. لكن بخلاف ذلك، يُعدّون مدنيين يشاركون في أعمال عنف ولا يمكن أن يستفيدوا من وضع «أسرى الحرب»، بحسب الخبراء.
- موسكو تدرس مبادلة أسرى مع كييف
تدرس روسيا قضية تبادل أسرى مع أوكرانيا بمجرد محاكمة المحتجزين الأوكرانيين، على ما نقلت وكالات أنباء روسية عن نائب وزير الخارجية الروسي آندريه رودينكو؛ الأربعاء.
وقال: «سننظر في كل هذا بعد محاكمة الذين استسلموا وبعد النطق بالحكم»، مضيفاً: «قبل ذلك، الحديث عن التبادل سابق لأوانه». في الأسبوع الماضي، استسلم آخر المدافعين الأوكرانيين عن مدينة ماريوبول الاستراتيجية والمتحصنين منذ أسابيع في «مصنع آزوفستال للصلب». وأُسر نحو 4 آلاف جندي أوكراني في هذه المدينة الساحلية، بحسب وزارة الدفاع الروسية. وتريد السلطات الأوكرانية تنظيم مبادلة أسرى، لكن لطالما أشارت موسكو إلى أنها تعدّ بعضهم ينتمون إلى «كتيبة آزوف»؛ ليس بصفتهم جنوداً؛ ولكن بوصفهم مقاتلين من «النازيين الجدد» ارتكبوا جرائم حرب. وأعلن النائب والمفاوض الروسي ليونيد سلوتسكي، السبت، أن بلاده «تنظر» في إمكان المبادلة بالأسرى من مقاتلي هذه الكتيبة الأوكرانية؛ فيكتور ميدفيتشوك، وهو سياسي ورجل أعمال أوكراني معروف بقربه من الرئيس فلاديمير بوتين، وأوقف منتصف أبريل (نيسان) الماضي في أوكرانيا. وأعلن دينيس بوشلين، رئيس «جمهورية دونيتسك» التابعة للانفصاليين الموالين لروسيا، من جانبه، الثلاثاء، أن مكتب المدعي العام لجمهورية دونيتسك المعلنة من جانب واحد يعمل مع موسكو على تشكيل محكمة لمحاكمة الأسرى الأوكرانيين. وعدّ أنه «تجب مشاركة أكبر عدد من ممثلي دول عدة»، مؤكداً أن «عدداً من الدول» أعطت «موافقتها المسبقة على المشاركة في هذه المحكمة الدولية» دون الخوض في مزيد من التفاصيل. وقال نائب الوزير الروسي آندريه رودينكو، الأربعاء، إنه لا معلومات لديه حول هذا الموضوع.
- أوكرانيا تجمع الجثث
تجمع أوكرانيا جثث الجنود الروس المتناثرة بين أنقاض البلدات التي احتلتها القوات الروسية سابقاً، وتستخدم كل شيء؛ من الحمض النووي إلى الوشوم، للتحقق من هوياتهم على أمل استبدال أسرى حرب بهم. وقال أنطون إيفانيكوف، قائد فرع التعاون العسكري المدني بالقوات المسلحة الأوكرانية، والذي ينسق هذه الجهود، إن الجثث تُستخدم أحياناً ضمن جهود تبادل الأسرى وفي أوقات أخرى في عمليات تبادل الجثث الأوكرانية، موضحاً أن جثث المسؤولين رفيعي المستوى قد تكون ذات قيمة خاصة في التبادل. وأضاف إيفانيكوف: «نجمع كل الوثائق وكل بطاقات الائتمان... أي شيء من شأنه أن يساعدنا في التعرف على الجثة»؛ بما في ذلك الوشم والحمض النووي. وقال إن الجثث ستُنقل بالقطار إلى كييف حيث يوجد مقر فريق التفاوض. وفي جهود لجمع الجثث جرت مؤخراً في قرية مالا روهان شرق مدينة خاركيف، شاهدت «رويترز» متطوعين يستخدمون الحبال لسحب جثتي جنديين روسيين من بئر بين منازل تضررت بشدة جراء القصف.


مقالات ذات صلة

4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائه نظيره الصيني وانغ يي في ميونيخ (رويترز) p-circle

4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

أصبح الأوروبيون أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله لسنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف أميركي تبدّلت أولوياته وبات في خانة المنافسين.

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «بدأ بالفعل» حرباً عالمية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
تحليل إخباري خلال تدريب «الناتو» في بحر البلطيق قبالة ميدان بوتلوس للتدريب العسكري بألمانيا 18 فبراير 2026 (أ.ب) p-circle

تحليل إخباري واشنطن تعيد توزيع الأدوار في الحرب الروسية - الأوكرانية

مع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، قلّصت إدارة ترمب تدريجياً دورها المباشر في قيادة جهود دعم كييف، مقابل هندسة ترتيبات تجعل أوروبا المموّل الرئيسي.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري أرشيفية لجنود روس في أحد ميادين التدريب بمنطقة فولغوغراد الروسية (أ.ب)

تحليل إخباري بعد 4 سنوات من الحرب... كيف تبدَّلت خرائط أوكرانيا وروسيا؟

نجحت موسكو في تكريس واقع ميداني جديد كلياً، يوفر مجالات أوسع للمناورة وهوامش عريضة للتفاوض بواقع مربح جداً للكرملين.

رائد جبر (موسكو)
آسيا  لافتة كُتب عليها «النصر سيكون لنا» على جدار السفارة الروسية في سيول (ا.ف.ب)

كوريا الجنوبية تحتج على لافتة «نصر» معلقة على السفارة الروسية في سيول

احتجت كوريا الجنوبية لدى روسيا بعدما رفعت سفارتها في سيول لافتة عملاقة كُتب عليها سيو سيول «النصر سيكون لنا»، في إشارة واضحة إلى ذكرى غزو أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (سيول)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended