ما لم يقله إدوارد سعيد في «خارج المكان»

الكتاب الوحيد الذي سطره مستخدماً صيغة الـ«أنا»

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد
TT

ما لم يقله إدوارد سعيد في «خارج المكان»

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

تعود سيرة إدوارد سعيد المثيرة إلى الواجهة. فهو بذكائه استطاع أن يبرع في تشريح شخصيته، وإبراز تعقيداتها وتناقضاتها، من خلال مهاراته النقدية الفذة، وجعلها باستمرار مشتهى لإعادة القراءة.
فقد أصدرت سلسلة «عالم المعرفة» مؤخراً كتاب «إدوارد سعيد... أماكن الفكر» لـ تمثى برنن، ترجمة محمد عصفور. وهو عبارة عن أول سيرة كاملة لرائد دراسات الاستشراق الجديد، وما بعد الكولونيالية. والمؤلف برنن هو أحد تلاميذة إدوارد سعيد، الذي ظل صديقاً له حتى وفاته عام 2003. قبل عامين قدمت مؤسسة «ثمانية للنشر» فيلماً وثائقياً عن حياة سعيد بعيون أسرته. وقبل أيام أعادت إذاعة «فرانس كولتور» الفرنسية، بث مقابلة كانت قد سجلتها مع سعيد، بمناسبة ترجمة سيرته «خارج المكان» التي صدرت عام 1999 إلى لغة موليير، يتحدث خلالها بفرنسية متقنة، عما لم يقله في الكتاب.

الكتاب المحور
و«خارج المكان» هو الكتاب الوحيد لسعيد الذي سطره بصيغة الأنا، وقبله سجل مقاطع مختزلة لذكريات قصيرة ومتقطعة، لكنه هذه المرة وجد نفسه أمام اختبار كتابة نص مكثف وطويل، يعتمد في منهجيته، على غزير قراءاته للسير الغربية، التي نهل منها باكراً.
يقول سعيد للإذاعة الفرنسية «كتبت في سيرتي عن ثلاثة عوالم جميعها اختفت. أولها طفولتي التي انتهت في فلسطين قبل أن توجد إسرائيل، ومصر قبل ثورة جمال عبد الناصر عام 52، ولبنان قبل الحرب الأهلية 1975. كان الأمر صعباً لأن أمي هي صلتي بكل هذه العوالم، وقد توفيت عام 1990». بعد وفاتها بعام واحد فقط، عرف إدوارد أنه مصاب بسرطان الدم. ثلاثة تحولات على الأقل حدثت في تلك الفترة، وربما أنها ثمرة مراجعاته الذاتية التي أجراها، بعد أن بقي في المنزل يتلقى العلاج، ويعيد قراءة أحداث مساره الذي تأرجح بين مدّ وجزر، أولها انكبابه على كتابة سيرته.

                                                                 غلاف العدد الخاص بسيرة إدوارد سعيد
تحولات ما بعد المرض
وثانيها أنه بعد معرفته بالإصابة بعام واحد، قرر أن يصطحب زوجته مريم وولديه للمرة الأولى إلى فلسطين ليريهما أرض الجذور وبيت العائلة الذي تركه عام 1947، ولم يعد إليه أبداً. كانت تلك زيارته الأولى. جال كثيراً باحثاً عن البيت في حي الطالبية في القدس الغربية. تغيرت الملامح كلياً وأصبحت الأسماء عبرية. بدا محبطاً وهو يبحث ولا يجد. في النهاية عثر على البيت بفضل معونة رجل مسن. وجده كما هو. كان يظن أنه لا بد قد اُحتُل من عائلة يهودية، وللمفاجأة كان قد تحول مركزاً إنجيلياً أسسه متطرف يؤمن بالصهيونية، آت من جنوب أفريقيا. تردد سعيد في الدخول. توتر، صار يمشي جيئة وذهاباً، وفي النهاية قرر ألا يدخل.
بعد تلك الزيارة، صار يذهب إلى فلسطين مرة في السنة على الأقل، ومع أنه كان متابعاً حثيثاً للأخبار هناك، إلا أن زياراته ورؤيته للأرض، خاصة اكتشافه عدد الفلسطينيين في الجليل والناصرة والقدس، أقنعه أن حلّ الدولتين، غير ممكن على الإطلاق، واتخذ موقفه النهائي والحاسم، بأن لا حل سوى بدولة واحدة يعيش فيها الجميع.
بعد مرضه أيضاً، أصبحت الموسيقى في حياة سعيد حاضرة طوال النهار، تصدح في البيت دون توقف. وهو ما جعل اللقاء بينه وبين الموسيقي الأرجنتيني – الإسرائيلي دانييل بارينبويم، ممكناً أكثر من أي وقت مضى، وأنشآ معاً مشروع «ديوان الشرق والغرب» والأوركسترا التي ضمت عازفين عرباً ويهوداً، في مقاومة فنية للعدوان.

مفصل 1967
لم يتوقع سعيد النجاح الذي حصدته الأوركسترا، كان فخوراً بها للغاية، وعدّها بعد ذلك أهم مشروع قام به في حياته، بحسب زوجته.
في حديثه لإذاعة «فرانس كلتور» يقول سعيد، إن النكبة ورحيله عن فلسطين عام 1947 لم تصبه بصدمة كبرى؛ ذاك أن الأمور حدثت بالتدرج، وعائلته كانت قبل ذلك، تتنقل بين مصر وفلسطين، وكان يرى الجنود الإنجليز حول بيته، ويشعر بالاضطرابات. لكن التحول الفكري الكبير كان بعد 1967، حيث كان في نيويورك، وشهد ذاك الانتشاء بالانتصار الإسرائيلي على العرب. «علمت بكل ما يحدث وأنا في أميركا كضحية معذبة، لم أكن قادراً أن أبقى مجرد أجنبي. بدأت أكتشف ماذا يعني أن أكون عربياً وفلسطينياً». عاش في أجواء مناهضة حرب فيتنام دون كلمة عن فلسطين. يقول، إنه لم يكن قادراً على الانخراط في المجتمع الأميركي، له حياة علمية في الجامعة، لكنه على المستوى الشخصي مهمش. هذا ما أجج لديه، شهية البحث عما حدث في القرن التاسع عشر، وبرر الاستعمار، وكيف يؤثر هذا الفكر على حاضر العرب.
محطة ستدفع به إلى مزيد من البحث حول الأفكار الجاهزة التي تقولب التفكير الغربي، وحاجته إلى ما يزلزله. ومن هنا جاء كتابه «الاستشراق».

طفولة في العزلة
إدوارد سعيد وُلع بالحديث عن سنينه الأولى، عن أمه ومشاعرها القومية العربية، التي لازمها ولم يكن له في طفولته أصدقاء. تأثر بعاداتها، قيمها، قلقها، وحبها للجمال، الموسيقى الفن، الأسلوب الجميل، وبقيت ذات تأثير كبير على شخصيته، وإليها يعزو حسه القومي والوطني الفلسطيني. فوالده رجل الأعمال الفلسطيني الذي كان يعدّ جنسيته الأميركية مفتاحاً سحرياً، أراد لولده الوحيد أن ينشأ غربياً مكتملاً. وكل معارضة له «يمكن أن تجعله ينفجر كبركان». قال له ذات مرة لينهيه عن التفكير في السياسة. «فقدنا كل شيء، وما عاد بمقدورنا فعل شيء، من الحكمة الاهتمام بالحاضر والمستقبل».
برغبة من الأب عاش سعيد في مدرسة إنجليزية، تحرّم عليه استعمال العربية. لكن والدته كانت تحدثه بلهجتها نصف اللبنانية. «تركت معرفتي باللغة والأدب العربيين، وركزت على الأدب الغربي، لم يعد عندي الوقت».

الحياة بين لغتين
يقول في مقابلته الإذاعية «حتى العشرين من عمري كان الانتقال بين اللغتين حملاً ثقيلاً، باستمرار». لكن بعد حرب 1967 بأربع سنوات، «أدركت أنني لو أردت أن أشارك في النضال من أجل فلسطين عليّ أن أجيد العربية». انتقل إلى بيروت وأمضى عاماً كاملاً يتعلم العربية التي نسيها. خلال هذه السنة تعرف على زوجته الثانية مريم في بيروت وتزوجا عام 72، وهي السنة التي سيتردد فيها على أنيس فريحة، صديق والده يومياً من السابعة إلى العاشرة صباحاً ليعلمه العربية، وبعد ثلاثة أشهر من التعليم سيبدأ يقرأ ابن خلدون، وطه حسين والغزالي، ومحفوظ، ويكتشف أنه نفسه لا يعرف ثقافته، فكيف يدّعى المستشرقون الغربيون تلك المعرفة؟ ولماذا يتعاملون مع هذه النصوص كجثث محنطة؟
رفض سعيد أن يصبح مجرد خبير كالأكاديميين الأميركيين في مراكز الأبحاث، يدّعون الاستقلالية، لكنهم في العمق، يكرّسون كل معارفهم، لخدمة أحد الحزبين الكبيرين، الجمهوري أو الديمقراطي. قرر أن يكون مستقلاً، وأن يخرج على تقاليد العائلة التي تأنف من العمل السياسي. فوالده أصبح مريضاً وهو صار حراً. ومع ذلك لم يقبل أبداً، أي منصب أو عمل سياسي. «كانت بالنسبة لي خدمة فلسطين والفلسطينيين أهم من أن أكون قائداً. ربما أنها فكرة بروتستانتية».

أنفة من السياسة
سعيد يأسف لأنه ينتمى إلى عائلة، بل طبقة مسيحية عاشت في مصر أقرب إلى المستعمر الإنجليزي منها إلى الناس. «عشنا معزولين مع أناس مثلنا أرمن، سوريين، وغيرهم. هي طبقة تعيسة؛ لأنها لم تفعل الكثير لمصر، لم تسهم بالمعنى الثقافي». أما في فلسطين، فكان من طبقة «تبنت فكرة أن السياسة لا يصنعها الناس وإنما السياسيون والطبقة السياسية، ونحن أقلية، ولا شأن لنا بالأمر». حتى بعد 67 حين انخرط في الاهتمام بالقضية الفلسطينية، «والدي وحتى أمي لم يكونا موافقين، أبداً. كان والدي يقول لي هذا ليس شأنك، أنت مثقف وأستاذ جامعي، دع السياسة للسياسيين. إنك تتبع فكرة خاطئة».
أعجب إدوارد سعيد بياسر عرفات كبيراً، لكنه اختلف معه، ورأى أن أوسلو كانت خطأً كبيراً. كان بمقدور الفلسطينيين أن يتسلحوا بخرائط وأدوات أفضل، وأن يتنازلوا أقل. في أوسلو عدّ أن مسألة الانسحاب الكامل كان يجب أن تكون البند الأول، وهو ما لم يحصل، فوصف الاتفاقية التي وقعت بأنها كانت «استسلاماً».

تناقضات مؤلمة
تمنى دائماً لو يكون له تأثير سياسي أكبر. كان عضواً لفترة في المجلس الوطني الفلسطيني، وعمل مفاوضاً مع البيت الأبيض، لكنه سرعان ما استقال. بقي باستمرار معجباً بالمناضلين السياسيين، الذين لم تؤهله تربيته، ولا بيئته أن يكون واحداً منهم.
كان إدوارد يتمنى الكثير مما لم يعشه. كان متطلباً، ولم يشعر بالرضا. يقول عنه تلميذه تمثى برنن «إدوارد صاحب روح معذبة. قضى ردحاً طويلاً من حياته يتعالج عند محلل نفسي، ويتردد على العيادة بشكل مكثف، لمرتين في الأسبوع».
وهو ما يلمح إليه في كتابه «خارج المكان» دون الدخول في التفاصيل. لكن قد يكون هذا القلق، هو وراء الحيوية الفكرية العارمة التي عرف بها إدوارد سعيد، وخلف مواقفه وكتاباته الجريئة التي تميزت بها العقود الثلاثة الأخيرة من حياته.



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).