ما لم يقله إدوارد سعيد في «خارج المكان»

الكتاب الوحيد الذي سطره مستخدماً صيغة الـ«أنا»

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد
TT

ما لم يقله إدوارد سعيد في «خارج المكان»

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

تعود سيرة إدوارد سعيد المثيرة إلى الواجهة. فهو بذكائه استطاع أن يبرع في تشريح شخصيته، وإبراز تعقيداتها وتناقضاتها، من خلال مهاراته النقدية الفذة، وجعلها باستمرار مشتهى لإعادة القراءة.
فقد أصدرت سلسلة «عالم المعرفة» مؤخراً كتاب «إدوارد سعيد... أماكن الفكر» لـ تمثى برنن، ترجمة محمد عصفور. وهو عبارة عن أول سيرة كاملة لرائد دراسات الاستشراق الجديد، وما بعد الكولونيالية. والمؤلف برنن هو أحد تلاميذة إدوارد سعيد، الذي ظل صديقاً له حتى وفاته عام 2003. قبل عامين قدمت مؤسسة «ثمانية للنشر» فيلماً وثائقياً عن حياة سعيد بعيون أسرته. وقبل أيام أعادت إذاعة «فرانس كولتور» الفرنسية، بث مقابلة كانت قد سجلتها مع سعيد، بمناسبة ترجمة سيرته «خارج المكان» التي صدرت عام 1999 إلى لغة موليير، يتحدث خلالها بفرنسية متقنة، عما لم يقله في الكتاب.

الكتاب المحور
و«خارج المكان» هو الكتاب الوحيد لسعيد الذي سطره بصيغة الأنا، وقبله سجل مقاطع مختزلة لذكريات قصيرة ومتقطعة، لكنه هذه المرة وجد نفسه أمام اختبار كتابة نص مكثف وطويل، يعتمد في منهجيته، على غزير قراءاته للسير الغربية، التي نهل منها باكراً.
يقول سعيد للإذاعة الفرنسية «كتبت في سيرتي عن ثلاثة عوالم جميعها اختفت. أولها طفولتي التي انتهت في فلسطين قبل أن توجد إسرائيل، ومصر قبل ثورة جمال عبد الناصر عام 52، ولبنان قبل الحرب الأهلية 1975. كان الأمر صعباً لأن أمي هي صلتي بكل هذه العوالم، وقد توفيت عام 1990». بعد وفاتها بعام واحد فقط، عرف إدوارد أنه مصاب بسرطان الدم. ثلاثة تحولات على الأقل حدثت في تلك الفترة، وربما أنها ثمرة مراجعاته الذاتية التي أجراها، بعد أن بقي في المنزل يتلقى العلاج، ويعيد قراءة أحداث مساره الذي تأرجح بين مدّ وجزر، أولها انكبابه على كتابة سيرته.

                                                                 غلاف العدد الخاص بسيرة إدوارد سعيد
تحولات ما بعد المرض
وثانيها أنه بعد معرفته بالإصابة بعام واحد، قرر أن يصطحب زوجته مريم وولديه للمرة الأولى إلى فلسطين ليريهما أرض الجذور وبيت العائلة الذي تركه عام 1947، ولم يعد إليه أبداً. كانت تلك زيارته الأولى. جال كثيراً باحثاً عن البيت في حي الطالبية في القدس الغربية. تغيرت الملامح كلياً وأصبحت الأسماء عبرية. بدا محبطاً وهو يبحث ولا يجد. في النهاية عثر على البيت بفضل معونة رجل مسن. وجده كما هو. كان يظن أنه لا بد قد اُحتُل من عائلة يهودية، وللمفاجأة كان قد تحول مركزاً إنجيلياً أسسه متطرف يؤمن بالصهيونية، آت من جنوب أفريقيا. تردد سعيد في الدخول. توتر، صار يمشي جيئة وذهاباً، وفي النهاية قرر ألا يدخل.
بعد تلك الزيارة، صار يذهب إلى فلسطين مرة في السنة على الأقل، ومع أنه كان متابعاً حثيثاً للأخبار هناك، إلا أن زياراته ورؤيته للأرض، خاصة اكتشافه عدد الفلسطينيين في الجليل والناصرة والقدس، أقنعه أن حلّ الدولتين، غير ممكن على الإطلاق، واتخذ موقفه النهائي والحاسم، بأن لا حل سوى بدولة واحدة يعيش فيها الجميع.
بعد مرضه أيضاً، أصبحت الموسيقى في حياة سعيد حاضرة طوال النهار، تصدح في البيت دون توقف. وهو ما جعل اللقاء بينه وبين الموسيقي الأرجنتيني – الإسرائيلي دانييل بارينبويم، ممكناً أكثر من أي وقت مضى، وأنشآ معاً مشروع «ديوان الشرق والغرب» والأوركسترا التي ضمت عازفين عرباً ويهوداً، في مقاومة فنية للعدوان.

مفصل 1967
لم يتوقع سعيد النجاح الذي حصدته الأوركسترا، كان فخوراً بها للغاية، وعدّها بعد ذلك أهم مشروع قام به في حياته، بحسب زوجته.
في حديثه لإذاعة «فرانس كلتور» يقول سعيد، إن النكبة ورحيله عن فلسطين عام 1947 لم تصبه بصدمة كبرى؛ ذاك أن الأمور حدثت بالتدرج، وعائلته كانت قبل ذلك، تتنقل بين مصر وفلسطين، وكان يرى الجنود الإنجليز حول بيته، ويشعر بالاضطرابات. لكن التحول الفكري الكبير كان بعد 1967، حيث كان في نيويورك، وشهد ذاك الانتشاء بالانتصار الإسرائيلي على العرب. «علمت بكل ما يحدث وأنا في أميركا كضحية معذبة، لم أكن قادراً أن أبقى مجرد أجنبي. بدأت أكتشف ماذا يعني أن أكون عربياً وفلسطينياً». عاش في أجواء مناهضة حرب فيتنام دون كلمة عن فلسطين. يقول، إنه لم يكن قادراً على الانخراط في المجتمع الأميركي، له حياة علمية في الجامعة، لكنه على المستوى الشخصي مهمش. هذا ما أجج لديه، شهية البحث عما حدث في القرن التاسع عشر، وبرر الاستعمار، وكيف يؤثر هذا الفكر على حاضر العرب.
محطة ستدفع به إلى مزيد من البحث حول الأفكار الجاهزة التي تقولب التفكير الغربي، وحاجته إلى ما يزلزله. ومن هنا جاء كتابه «الاستشراق».

طفولة في العزلة
إدوارد سعيد وُلع بالحديث عن سنينه الأولى، عن أمه ومشاعرها القومية العربية، التي لازمها ولم يكن له في طفولته أصدقاء. تأثر بعاداتها، قيمها، قلقها، وحبها للجمال، الموسيقى الفن، الأسلوب الجميل، وبقيت ذات تأثير كبير على شخصيته، وإليها يعزو حسه القومي والوطني الفلسطيني. فوالده رجل الأعمال الفلسطيني الذي كان يعدّ جنسيته الأميركية مفتاحاً سحرياً، أراد لولده الوحيد أن ينشأ غربياً مكتملاً. وكل معارضة له «يمكن أن تجعله ينفجر كبركان». قال له ذات مرة لينهيه عن التفكير في السياسة. «فقدنا كل شيء، وما عاد بمقدورنا فعل شيء، من الحكمة الاهتمام بالحاضر والمستقبل».
برغبة من الأب عاش سعيد في مدرسة إنجليزية، تحرّم عليه استعمال العربية. لكن والدته كانت تحدثه بلهجتها نصف اللبنانية. «تركت معرفتي باللغة والأدب العربيين، وركزت على الأدب الغربي، لم يعد عندي الوقت».

الحياة بين لغتين
يقول في مقابلته الإذاعية «حتى العشرين من عمري كان الانتقال بين اللغتين حملاً ثقيلاً، باستمرار». لكن بعد حرب 1967 بأربع سنوات، «أدركت أنني لو أردت أن أشارك في النضال من أجل فلسطين عليّ أن أجيد العربية». انتقل إلى بيروت وأمضى عاماً كاملاً يتعلم العربية التي نسيها. خلال هذه السنة تعرف على زوجته الثانية مريم في بيروت وتزوجا عام 72، وهي السنة التي سيتردد فيها على أنيس فريحة، صديق والده يومياً من السابعة إلى العاشرة صباحاً ليعلمه العربية، وبعد ثلاثة أشهر من التعليم سيبدأ يقرأ ابن خلدون، وطه حسين والغزالي، ومحفوظ، ويكتشف أنه نفسه لا يعرف ثقافته، فكيف يدّعى المستشرقون الغربيون تلك المعرفة؟ ولماذا يتعاملون مع هذه النصوص كجثث محنطة؟
رفض سعيد أن يصبح مجرد خبير كالأكاديميين الأميركيين في مراكز الأبحاث، يدّعون الاستقلالية، لكنهم في العمق، يكرّسون كل معارفهم، لخدمة أحد الحزبين الكبيرين، الجمهوري أو الديمقراطي. قرر أن يكون مستقلاً، وأن يخرج على تقاليد العائلة التي تأنف من العمل السياسي. فوالده أصبح مريضاً وهو صار حراً. ومع ذلك لم يقبل أبداً، أي منصب أو عمل سياسي. «كانت بالنسبة لي خدمة فلسطين والفلسطينيين أهم من أن أكون قائداً. ربما أنها فكرة بروتستانتية».

أنفة من السياسة
سعيد يأسف لأنه ينتمى إلى عائلة، بل طبقة مسيحية عاشت في مصر أقرب إلى المستعمر الإنجليزي منها إلى الناس. «عشنا معزولين مع أناس مثلنا أرمن، سوريين، وغيرهم. هي طبقة تعيسة؛ لأنها لم تفعل الكثير لمصر، لم تسهم بالمعنى الثقافي». أما في فلسطين، فكان من طبقة «تبنت فكرة أن السياسة لا يصنعها الناس وإنما السياسيون والطبقة السياسية، ونحن أقلية، ولا شأن لنا بالأمر». حتى بعد 67 حين انخرط في الاهتمام بالقضية الفلسطينية، «والدي وحتى أمي لم يكونا موافقين، أبداً. كان والدي يقول لي هذا ليس شأنك، أنت مثقف وأستاذ جامعي، دع السياسة للسياسيين. إنك تتبع فكرة خاطئة».
أعجب إدوارد سعيد بياسر عرفات كبيراً، لكنه اختلف معه، ورأى أن أوسلو كانت خطأً كبيراً. كان بمقدور الفلسطينيين أن يتسلحوا بخرائط وأدوات أفضل، وأن يتنازلوا أقل. في أوسلو عدّ أن مسألة الانسحاب الكامل كان يجب أن تكون البند الأول، وهو ما لم يحصل، فوصف الاتفاقية التي وقعت بأنها كانت «استسلاماً».

تناقضات مؤلمة
تمنى دائماً لو يكون له تأثير سياسي أكبر. كان عضواً لفترة في المجلس الوطني الفلسطيني، وعمل مفاوضاً مع البيت الأبيض، لكنه سرعان ما استقال. بقي باستمرار معجباً بالمناضلين السياسيين، الذين لم تؤهله تربيته، ولا بيئته أن يكون واحداً منهم.
كان إدوارد يتمنى الكثير مما لم يعشه. كان متطلباً، ولم يشعر بالرضا. يقول عنه تلميذه تمثى برنن «إدوارد صاحب روح معذبة. قضى ردحاً طويلاً من حياته يتعالج عند محلل نفسي، ويتردد على العيادة بشكل مكثف، لمرتين في الأسبوع».
وهو ما يلمح إليه في كتابه «خارج المكان» دون الدخول في التفاصيل. لكن قد يكون هذا القلق، هو وراء الحيوية الفكرية العارمة التي عرف بها إدوارد سعيد، وخلف مواقفه وكتاباته الجريئة التي تميزت بها العقود الثلاثة الأخيرة من حياته.



«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.