ما لم يقله إدوارد سعيد في «خارج المكان»

الكتاب الوحيد الذي سطره مستخدماً صيغة الـ«أنا»

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد
TT

ما لم يقله إدوارد سعيد في «خارج المكان»

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

تعود سيرة إدوارد سعيد المثيرة إلى الواجهة. فهو بذكائه استطاع أن يبرع في تشريح شخصيته، وإبراز تعقيداتها وتناقضاتها، من خلال مهاراته النقدية الفذة، وجعلها باستمرار مشتهى لإعادة القراءة.
فقد أصدرت سلسلة «عالم المعرفة» مؤخراً كتاب «إدوارد سعيد... أماكن الفكر» لـ تمثى برنن، ترجمة محمد عصفور. وهو عبارة عن أول سيرة كاملة لرائد دراسات الاستشراق الجديد، وما بعد الكولونيالية. والمؤلف برنن هو أحد تلاميذة إدوارد سعيد، الذي ظل صديقاً له حتى وفاته عام 2003. قبل عامين قدمت مؤسسة «ثمانية للنشر» فيلماً وثائقياً عن حياة سعيد بعيون أسرته. وقبل أيام أعادت إذاعة «فرانس كولتور» الفرنسية، بث مقابلة كانت قد سجلتها مع سعيد، بمناسبة ترجمة سيرته «خارج المكان» التي صدرت عام 1999 إلى لغة موليير، يتحدث خلالها بفرنسية متقنة، عما لم يقله في الكتاب.

الكتاب المحور
و«خارج المكان» هو الكتاب الوحيد لسعيد الذي سطره بصيغة الأنا، وقبله سجل مقاطع مختزلة لذكريات قصيرة ومتقطعة، لكنه هذه المرة وجد نفسه أمام اختبار كتابة نص مكثف وطويل، يعتمد في منهجيته، على غزير قراءاته للسير الغربية، التي نهل منها باكراً.
يقول سعيد للإذاعة الفرنسية «كتبت في سيرتي عن ثلاثة عوالم جميعها اختفت. أولها طفولتي التي انتهت في فلسطين قبل أن توجد إسرائيل، ومصر قبل ثورة جمال عبد الناصر عام 52، ولبنان قبل الحرب الأهلية 1975. كان الأمر صعباً لأن أمي هي صلتي بكل هذه العوالم، وقد توفيت عام 1990». بعد وفاتها بعام واحد فقط، عرف إدوارد أنه مصاب بسرطان الدم. ثلاثة تحولات على الأقل حدثت في تلك الفترة، وربما أنها ثمرة مراجعاته الذاتية التي أجراها، بعد أن بقي في المنزل يتلقى العلاج، ويعيد قراءة أحداث مساره الذي تأرجح بين مدّ وجزر، أولها انكبابه على كتابة سيرته.

                                                                 غلاف العدد الخاص بسيرة إدوارد سعيد
تحولات ما بعد المرض
وثانيها أنه بعد معرفته بالإصابة بعام واحد، قرر أن يصطحب زوجته مريم وولديه للمرة الأولى إلى فلسطين ليريهما أرض الجذور وبيت العائلة الذي تركه عام 1947، ولم يعد إليه أبداً. كانت تلك زيارته الأولى. جال كثيراً باحثاً عن البيت في حي الطالبية في القدس الغربية. تغيرت الملامح كلياً وأصبحت الأسماء عبرية. بدا محبطاً وهو يبحث ولا يجد. في النهاية عثر على البيت بفضل معونة رجل مسن. وجده كما هو. كان يظن أنه لا بد قد اُحتُل من عائلة يهودية، وللمفاجأة كان قد تحول مركزاً إنجيلياً أسسه متطرف يؤمن بالصهيونية، آت من جنوب أفريقيا. تردد سعيد في الدخول. توتر، صار يمشي جيئة وذهاباً، وفي النهاية قرر ألا يدخل.
بعد تلك الزيارة، صار يذهب إلى فلسطين مرة في السنة على الأقل، ومع أنه كان متابعاً حثيثاً للأخبار هناك، إلا أن زياراته ورؤيته للأرض، خاصة اكتشافه عدد الفلسطينيين في الجليل والناصرة والقدس، أقنعه أن حلّ الدولتين، غير ممكن على الإطلاق، واتخذ موقفه النهائي والحاسم، بأن لا حل سوى بدولة واحدة يعيش فيها الجميع.
بعد مرضه أيضاً، أصبحت الموسيقى في حياة سعيد حاضرة طوال النهار، تصدح في البيت دون توقف. وهو ما جعل اللقاء بينه وبين الموسيقي الأرجنتيني – الإسرائيلي دانييل بارينبويم، ممكناً أكثر من أي وقت مضى، وأنشآ معاً مشروع «ديوان الشرق والغرب» والأوركسترا التي ضمت عازفين عرباً ويهوداً، في مقاومة فنية للعدوان.

مفصل 1967
لم يتوقع سعيد النجاح الذي حصدته الأوركسترا، كان فخوراً بها للغاية، وعدّها بعد ذلك أهم مشروع قام به في حياته، بحسب زوجته.
في حديثه لإذاعة «فرانس كلتور» يقول سعيد، إن النكبة ورحيله عن فلسطين عام 1947 لم تصبه بصدمة كبرى؛ ذاك أن الأمور حدثت بالتدرج، وعائلته كانت قبل ذلك، تتنقل بين مصر وفلسطين، وكان يرى الجنود الإنجليز حول بيته، ويشعر بالاضطرابات. لكن التحول الفكري الكبير كان بعد 1967، حيث كان في نيويورك، وشهد ذاك الانتشاء بالانتصار الإسرائيلي على العرب. «علمت بكل ما يحدث وأنا في أميركا كضحية معذبة، لم أكن قادراً أن أبقى مجرد أجنبي. بدأت أكتشف ماذا يعني أن أكون عربياً وفلسطينياً». عاش في أجواء مناهضة حرب فيتنام دون كلمة عن فلسطين. يقول، إنه لم يكن قادراً على الانخراط في المجتمع الأميركي، له حياة علمية في الجامعة، لكنه على المستوى الشخصي مهمش. هذا ما أجج لديه، شهية البحث عما حدث في القرن التاسع عشر، وبرر الاستعمار، وكيف يؤثر هذا الفكر على حاضر العرب.
محطة ستدفع به إلى مزيد من البحث حول الأفكار الجاهزة التي تقولب التفكير الغربي، وحاجته إلى ما يزلزله. ومن هنا جاء كتابه «الاستشراق».

طفولة في العزلة
إدوارد سعيد وُلع بالحديث عن سنينه الأولى، عن أمه ومشاعرها القومية العربية، التي لازمها ولم يكن له في طفولته أصدقاء. تأثر بعاداتها، قيمها، قلقها، وحبها للجمال، الموسيقى الفن، الأسلوب الجميل، وبقيت ذات تأثير كبير على شخصيته، وإليها يعزو حسه القومي والوطني الفلسطيني. فوالده رجل الأعمال الفلسطيني الذي كان يعدّ جنسيته الأميركية مفتاحاً سحرياً، أراد لولده الوحيد أن ينشأ غربياً مكتملاً. وكل معارضة له «يمكن أن تجعله ينفجر كبركان». قال له ذات مرة لينهيه عن التفكير في السياسة. «فقدنا كل شيء، وما عاد بمقدورنا فعل شيء، من الحكمة الاهتمام بالحاضر والمستقبل».
برغبة من الأب عاش سعيد في مدرسة إنجليزية، تحرّم عليه استعمال العربية. لكن والدته كانت تحدثه بلهجتها نصف اللبنانية. «تركت معرفتي باللغة والأدب العربيين، وركزت على الأدب الغربي، لم يعد عندي الوقت».

الحياة بين لغتين
يقول في مقابلته الإذاعية «حتى العشرين من عمري كان الانتقال بين اللغتين حملاً ثقيلاً، باستمرار». لكن بعد حرب 1967 بأربع سنوات، «أدركت أنني لو أردت أن أشارك في النضال من أجل فلسطين عليّ أن أجيد العربية». انتقل إلى بيروت وأمضى عاماً كاملاً يتعلم العربية التي نسيها. خلال هذه السنة تعرف على زوجته الثانية مريم في بيروت وتزوجا عام 72، وهي السنة التي سيتردد فيها على أنيس فريحة، صديق والده يومياً من السابعة إلى العاشرة صباحاً ليعلمه العربية، وبعد ثلاثة أشهر من التعليم سيبدأ يقرأ ابن خلدون، وطه حسين والغزالي، ومحفوظ، ويكتشف أنه نفسه لا يعرف ثقافته، فكيف يدّعى المستشرقون الغربيون تلك المعرفة؟ ولماذا يتعاملون مع هذه النصوص كجثث محنطة؟
رفض سعيد أن يصبح مجرد خبير كالأكاديميين الأميركيين في مراكز الأبحاث، يدّعون الاستقلالية، لكنهم في العمق، يكرّسون كل معارفهم، لخدمة أحد الحزبين الكبيرين، الجمهوري أو الديمقراطي. قرر أن يكون مستقلاً، وأن يخرج على تقاليد العائلة التي تأنف من العمل السياسي. فوالده أصبح مريضاً وهو صار حراً. ومع ذلك لم يقبل أبداً، أي منصب أو عمل سياسي. «كانت بالنسبة لي خدمة فلسطين والفلسطينيين أهم من أن أكون قائداً. ربما أنها فكرة بروتستانتية».

أنفة من السياسة
سعيد يأسف لأنه ينتمى إلى عائلة، بل طبقة مسيحية عاشت في مصر أقرب إلى المستعمر الإنجليزي منها إلى الناس. «عشنا معزولين مع أناس مثلنا أرمن، سوريين، وغيرهم. هي طبقة تعيسة؛ لأنها لم تفعل الكثير لمصر، لم تسهم بالمعنى الثقافي». أما في فلسطين، فكان من طبقة «تبنت فكرة أن السياسة لا يصنعها الناس وإنما السياسيون والطبقة السياسية، ونحن أقلية، ولا شأن لنا بالأمر». حتى بعد 67 حين انخرط في الاهتمام بالقضية الفلسطينية، «والدي وحتى أمي لم يكونا موافقين، أبداً. كان والدي يقول لي هذا ليس شأنك، أنت مثقف وأستاذ جامعي، دع السياسة للسياسيين. إنك تتبع فكرة خاطئة».
أعجب إدوارد سعيد بياسر عرفات كبيراً، لكنه اختلف معه، ورأى أن أوسلو كانت خطأً كبيراً. كان بمقدور الفلسطينيين أن يتسلحوا بخرائط وأدوات أفضل، وأن يتنازلوا أقل. في أوسلو عدّ أن مسألة الانسحاب الكامل كان يجب أن تكون البند الأول، وهو ما لم يحصل، فوصف الاتفاقية التي وقعت بأنها كانت «استسلاماً».

تناقضات مؤلمة
تمنى دائماً لو يكون له تأثير سياسي أكبر. كان عضواً لفترة في المجلس الوطني الفلسطيني، وعمل مفاوضاً مع البيت الأبيض، لكنه سرعان ما استقال. بقي باستمرار معجباً بالمناضلين السياسيين، الذين لم تؤهله تربيته، ولا بيئته أن يكون واحداً منهم.
كان إدوارد يتمنى الكثير مما لم يعشه. كان متطلباً، ولم يشعر بالرضا. يقول عنه تلميذه تمثى برنن «إدوارد صاحب روح معذبة. قضى ردحاً طويلاً من حياته يتعالج عند محلل نفسي، ويتردد على العيادة بشكل مكثف، لمرتين في الأسبوع».
وهو ما يلمح إليه في كتابه «خارج المكان» دون الدخول في التفاصيل. لكن قد يكون هذا القلق، هو وراء الحيوية الفكرية العارمة التي عرف بها إدوارد سعيد، وخلف مواقفه وكتاباته الجريئة التي تميزت بها العقود الثلاثة الأخيرة من حياته.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.