موسكو تهاجم «خطة السلام» الإيطالية... وتؤكد أنها لن تتراجع عن أهدافها

تقدم للقوات الانفصالية في منطقة دونيتسك... وخيرسون تسعى لأن تصبح «منطقة روسية»

نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري مدفيديف
نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري مدفيديف
TT

موسكو تهاجم «خطة السلام» الإيطالية... وتؤكد أنها لن تتراجع عن أهدافها

نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري مدفيديف
نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري مدفيديف

شن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري مدفيديف، هجوما عنيفا على مبادرة السلام الإيطالية، بعد مرور يوم واحد على إعلان الخارجية الروسية أنها تعكف على دراسة مضمونها. ورأى المسؤول أن «مبادرات السلام» الأوروبية ليست سوى «تيار هادر من التنظير»، مؤكدا أن بلاده لن تقبل مناقشة «أفكار غير واقعية». وأشار مدفيديف في تعليق نشره على «تليغرام» إلى أن الغرب قد أصابته حساسية إنشاء «خطط سلام» و«كان الوضع ليكون مقبولا إذا ما دار الحديث حول إعداد بدائل تأخذ في الاعتبار الحقائق على الأرض. إلا أن ذلك ليس الحال، وإنما تبدو تلك الخطط كتيار هادر من التنظير».
وتوقف عند الخطة التي عرضها وزير خارجية إيطاليا، على الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة غوتيريش، وقال إنها «كما يبدو لم تكن من إعداد دبلوماسيين، وإنما من قبل موظفين يواظبون على قراءة الصحف الإقليمية، ويستندون فقط إلى الأخبار الزائفة التي يفبركها الطرف الأوكراني». وزاد المسؤول الروسي أن البند الأول في الاقتراح الإيطالي المتعلق بالوضع المحايد لأوكرانيا يبدو محقا، لكن إمكانية انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي من دون عوائق فهي «خُدعة». وزاد: «هم يعلمون أنها كذبة. وبغض النظر عن مدى انغماس كييف في أوهامها بشأن انضمامها لعالم أوروبي، فلا فرصة لها في ذلك دون عضوية (الناتو). والآن، لم يعد أحد ينتظر أوكرانيا في هذا الحلف».
وأضاف أن البند الثاني المتعلق بمنح حكم ذاتي لإقليم الدونباس مع الحفاظ عليه داخل حدود أوكرانيا، هو مجرد «هراء واضح وإسقاط رخيص. فقد تم اتخاذ القرارات بشأن مصير جمهوريات دونباس في نهاية الأمر، ولا رجعة في ذلك. وذلك المقترح غير مقبول بالمرة لكل من يتذكر مصير اتفاقيات مينسك وقتل المدنيين في جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين». وفي البند الثالث حول الحكم الذاتي الكامل لشبه جزيرة القرم داخل حدود أوكرانيا. رأى مدفيديف أنه يعكس «وقاحة مباشرة ضد روسيا، وتهديدا لوحدة أراضيها، وذريعة لبدء حرب شاملة. فلا توجد قوة سياسية في روسيا يمكنها أن توافق حتى على مناقشة مصير شبه جزيرة القرم، وتلك ليست سوى خيانة وطنية».
ورأى أن الطرح الإيطالي لا يعدو كونه «محاولة لمساعدة كييف لحفظ بعض ماء الوجه». في المقابل لفت مدفيديف إلى أن روسيا قدمت «مشروعا لمعاهدة سلام تم تجاهله من جانب الغرب وأوكرانيا كما لو كان غير موجود بالمرة، فهم (الأوكرانيون) يراهنون فقط على تدفق الأسلحة والأموال من الدول الغربية، ويفضلون الحرب حتى نهايتها المنتصرة».
وزاد أن الأفكار الروسية التي قدمت في جولات التفاوض «تستند إلى حسابات رصينة، وتعكس الوضع الراهن على الأرض، خلافا لمقترحات السلام الأوروبية، التي تدافع بشكل فج عن مصالح (الناتو) والنظام العالمي الغربي، والتي يتعين علينا ببساطة تجاهلها، والدفع بأصحابها إلى الجحيم».
وكان لافتا أن هذه العبارات القاسية تزامنت مع إشارات مماثلة أطلقها أمين مجلس الأمن الروسي، نيكولاي باتروشيف، الذي قال إن روسيا «لا تسابق الزمن في عمليتها العسكرية ولا بديل عن إنجاز كل الأهداف الموضوعة وضرورة القضاء على النازية بنسبة 100في المائة».
وردا على سؤال صحافي حول قلق بعض الأطراف من «تعثر» العملية العسكرية قال باتروشيف: «نحن لسنا في عجلة من أمرنا ولا نطارد المواعيد النهائية».

وأضاف «يجب القضاء على النازية بنسبة 100 في المائة، وإلا فسترفع رأسها بعد سنوات قليلة، في شكل أكثر قبحا». في غضون ذلك، أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن تسريع الغرب وتيرة نقل الأسلحة الفتاكة إلى أوكرانيا يعكس الخشية من هزيمة قواتها على يد الجيش الروسي.
وأكد شويغو خلال مشاركته في اجتماع لوزراء الدفاع في بلدان منظمة الأمن الجماعي أمس، أن العملية الخاصة في أوكرانيا «مستمرة حتى تنفيذ مهامها بالكامل، رغم العقوبات المفروضة على روسيا والمساعدة واسعة النطاق التي يقدمها الغرب لكييف».
وأشار إلى أن الوضع في منطقة أوروبا الشرقية تدهور بشكل ملحوظ، وأن الولايات المتحدة اختارت مسارا لتفكيك البنية الأمنية الدولية القائمة بشكل كامل. وذكر شويغو أنه «كان هناك تهديد حقيقي لقيام أوكرانيا بصنع أسلحة نووية ووسائل إيصالها».
وأفاد الوزير بأن عدد المرتزقة الأجانب المحاربين في أوكرانيا تجاوز ستة آلاف شخص، كما أنه يتم إرسال مستشارين عسكريين وموظفين في الشركات العسكرية الخاصة إلى ذلك البلد. وأشار شويغو إلى أن الغرب يعمل بشكل هادف على تقويض العلاقات بين دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وتعريض حلفاء روسيا لضغوط خطيرة. وشدد على ضرورة تعزيز القوات المشتركة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، وتحسين آليات صنع القرار داخل المنظمة، مؤكدا أن روسيا ستواصل تقديم المساعدة اللازمة لحلفائها في تحييد التهديدات الناشئة ودعم سيادتهم.
على صعيد مواز، أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن بلاده سوف تعتمد على نفسها فقط وعلى البلدان التي أثبتت موثوقيتها و«لن ترقص على أنغام أطراف أخرى». وأشار لافروف إلى أنه إذا كان الغرب سوف يسعى في وقت لاحق إلى تقديم شيء ما إلى روسيا فيما يتعلق باستئناف العلاقات، فإن موسكو ستفكر بجدية إذا كانت بحاجة إلى ذلك.
وأكد الوزير الروسي أن سياسات العقوبات الغربية سوف تدفع موسكو وبكين إلى تعزيز تعاونهما في المجال الاقتصادي والمجالات العديدة الأخرى. ووجدت كلمات الوزير انعكاسا عمليا أمس، من خلال إعلان وزارة الدفاع الروسية أن قاذفات استراتيجية روسية وصينية نفذت أول دوريات جوية مشتركة في منطقة آسيا والمحيط الهادي.
وأفادت الوزارة في بيان بأنه في 24 مايو (أيار) نفذت القوات الجوية الروسية والقوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني دورية جوية مشتركة في منطقة آسيا والمحيط الهادي. وقامت مجموعة جوية مكونة من حاملات الصواريخ الاستراتيجية من طراز «توبوليف - 95 إم إس» التابعة للقوات الجوية الروسية والقاذفات الاستراتيجية من طراز «خون - 6 كا» التابعة للقوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني بدورية جوية فوق مياه بحر اليابان وبحر الصين الشرقي.
وزاد البيان أن تحليق القاذفات الروسية استغرق نحو 13 ساعة وتمت مرافقتها بطائرات من طراز «سوخوي». و«في مراحل معينة من المسار تابعت مسار حاملات الصواريخ الاستراتيجية مقاتلات تابعة لسلاح الجو الكوري الجنوبي، وسلاح الجو الياباني».
ميدانيا، بدا أمس، أن القوات الانفصالية في منطقة دونيتسك نجحت في إحراز تقدم جدي نحو السيطرة بشكل كامل على مدينة سفيتلودارسك. وأفاد بيان بأن «عملية تطهير المدينة من العناصر المعادية مستمرة».
وأفادت وسائل إعلام بأن «القوات الروسية وقوات دونيتسك فرضتا سيطرتهما الكاملة على المدينة الواقعة في شمال غربي الجمهورية». ونشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا لإنزال العلم الأوكراني ورفع العلم الروسي فوق مبان في الشوارع الرئيسية لسفيتلودارسك.
تزامن ذلك، مع إعلان كيريل ستريمووسوف نائب الإدارة المدنية العسكرية التي عينتها موسكو في منطقة خيرسون، بأن الإقليم لا يخطط لتشكيل إدارة مستقلة بل يسعى لأن يصبح منطقة روسية.
وقال المسؤول بعد مرور ساعات على إعلان إقرار اللغة الروسية لغة رسمية في المنطقة: «نحن لا نخطط لأن نكون جمهورية مستقلة منفصلة. ومهمتنا الرئيسية هي أن نكون منطقة داخل الاتحاد الروسي».
وأشار في الوقت ذاته إلى أن المنطقة لن تستعجل إجراء استفتاء عام حول تقرير مصيرها، مضيفا «مع الأخذ بعين الاعتبار أن الدول الغربية لن تعترف بكل نتائج الاستفتاء العام فيعد إجراؤه اليوم مضيعة للوقت. لذلك لم نفكر حتى الآن في إجراء الاستفتاء». وأضاف أنه من الضروري في البداية تنظيم الحياة السلمية وتشكيل هيكل السلطة كله وتحقيق استقرار معين وبناء المجال الاجتماعي والاقتصادي وإشغال سوق العمل. وأوضح «وفقا لخطة تكاملنا مع روسيا يجب علينا أن ننهي بحلول نهاية العام الجاري عملية الانتقال إلى جميع المقاييس للقوانين الروسية، ومن ثم سيكون من الممكن التفكير في إجراء الاستفتاء العام وتحديد وضعنا المستقبلي».


مقالات ذات صلة

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».