تبيع «سامنتا» الشاي والقهوة لزبائنها في مقهاها الشعبي قرب مدارس «كمبوني» وسط الخرطوم. أخيرا لاحظ روادها ارتفاعا في سعر الخدمة التي تقدمها «سامنتا»، ومن دون مقدمات تطلب جنيها ونصف جنيه لكوب الشاي، وثلاثة جنيهات لكوب القهوة.
تتخذ سامنتا من ظلال أشجار «اللبخ والنيم» مقهى يطلق عليه شعبيا «ست الشاي»، ويستظل عنده صحافيون وموظفو خدمة مدنية متسيبون، وعاطلون عن العمل، ليشربوا الشاي والقهوة، وليحتسوا مشروباتها الأخرى الشعبية البديعة. وبطبيعة الحال فإن سامنتا لم تكن «تأخذ وتعطي» في الأسعار، لكنها منذ نحو أسبوع فرضت تلك الزيادات على أسعارها.
قالت إن أسعار «مدخلات الإنتاج» من سكر وشاي وبن وكركديه وجنزبيل ارتفعت بشكل كبير.. هذا أولا، أما ثانيا فإن فاتورة مشترياتها الأخرى ارتفعت بشكل خرافي، مما جعل أرباحها القليلة لا تكفي حتى بوضع زيادة على أسعار خدماتها قدرها 50 في المائة.
زادت سامنتا أسعارها بحثا عن ربح يغطي «عجز» ميزانية بيتها وأطفالها، وهي لا تدري أن السعر الجديد يخرج أعدادا كبيرة من زبائنها من دائرة الاستهلاك، ومن دون أن تدري أن ثغرة الغلاء الشريرة لن يسدها السعر الجديد، مهما غالت فيه، ولا تدري أن «البلبلة» التي أثارتها التصريحات الحكومية عن رفع الدعم عن المحروقات والقمح، أصابت السوق بالهلع فتحول إلى «تمساح» لا يشبع أبدا.
كما لا تعلم سامنتا أن الحكومة وحزبها الحاكم ووزير ماليتها تراجعوا (مرغمين) عن عزمهم رفع دعم غير موجود أصلا عن المحروقات، خشية رد فعل شعبي قد يطيح بكل شيء؛ بما في ذلك «حكومة الإسلاميين» التي أدت سياساتها المالية للأزمة التي يعيشها الناس في السودان.
تراجعت الحكومة، وانسحبت تكتيكيا عن قرار رفع الدعم عن المحروقات الذي كان متوقعا إجازته في جلسة مجلس الوزراء أول من أمس، وذكرت أنها أرجأت الأمر لمزيد من الدراسة والتشاور، لكن السوق التي تتحكم فيها «السياسة» والتصريحات المنفلتة ارتفعت أسعارها بنسب تتجاوز الزيادات المزمعة بمتواليات هندسية.
وفي السوق الأخطر، سوق العملات، فإن الجنيه السوداني خضع كليا في معركته مع الدولار، وقارب سعر الأخير الثمانية جنيهات بعد انتفاخة مؤقتة نتجت عن اتفاق بين الرئيسين سلفا كير ميارديت وعمر البشير على استمرار تصدير نفط جنوب السودان. لكن الاقتصاد الذي تحكمه «الشائعات» لم يمكن الجنيه من فرد عضلاته طويلا أمام جبروت الدولار.
سامنتا ليست وحدها من تدفع ثمن الأزمة.. فربة المنزل «سارة» هي الأخرى وجدت نفسها في حال لا تحسد عليه، فالميزانية التي كان زوجها المنهك بساعات العمل الطويلة يوفرها لها لم تعد تكفي لأسبوع ناهيك من شهر، ولعلاج «اختلال ميزان المدفوعات» ترى سارة أنه لا خيار أمامها إلا اختصار الوجبتين اللتين كانت تقدمهما لأسرتها، إلى وجبه واحدة، تتكون في الغالب من «الفول والخبز» ويطلق عليها محليا «البوش أو الفتة»، محلاة بقليل من الفول السوداني وبعض الزيت وماء كثير، توضع في إناء واحد ليأكل منها أفراد الأسرة مجتمعين بعيد مغرب الشمس، ويطلق عليها «الغشا»، وهو اشتقاق شعبي بديع لوجبتي «الغداء والعشاء».
سامنتا وسارة لا تعرفان لماذا تفعل بهما الحكومة هكذا، ولا تريان سببا للغلاء الذي يحيط بهما، لكن الخبير الاقتصادي ووكيل المالية الأسبق محمد علي جادين يرجع الأمر برمته إلى الأزمة الهيكلية التي يعيشها اقتصاد السودان، والتي أدت إلى عجز كبير في الميزانية، تحاول الحكومة معالجته عبر الطريق السهل.
ويوضح جادين أن ما تطلق عليه الحكومة «رفع الدعم» عن المحروقات مجرد «فرية»، إذ أن الحكومة لا تدعم تلك السلع فعلا، لأنها تشتري برميل البترول بـ50 دولارا، وتبيعه للمواطن بـ100 دولار، وأن ما تقوم به مجرد تحايل على رغبتها في الحصول على تمويل لجهازها المترهل، وإرغام المواطن على دفع ثمن فشل سياساتها.
لا يرى جادين أن الحكومة أرجأت الإعلان عن تلك الزيادات في الأسعار محبة في الناس، أو لمزيد من التشاور، بل لأنها تخشى رد الفعل الشعبي. بالإضافة لما ذهب إليه جادين، أرجع مصدر مطلع «تراجع الحكومة» عن إعلان الزيادات إلى ضغوط حقيقية جاءتها من جهة لم تكن تتوقعها، جاءت من محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي المشارك في الحكم، في اجتماعه بالرئيس البشير قبل أيام.
الحكومة لم تكن تتوقع أن يهدد الميرغني - الحليف الوحيد الحقيقي للحزب الحاكم - بالخروج من التحالف، لكن المصدر قال لـ«الشرق الأوسط»: «رفض (الميرغني) رفع الدعم خوفا أن تشق عليه عضوية حزبه عصا الطاعة، خاصة أنها، مع قيادات حزبية، غير راضية عن التحالف بين الحزبين».
الحزب الشيوعي السوداني هو الآخر أصاب الحكومة في مقتل حين رفض مقابلة مسؤولين حكوميين للتفاكر معه حول السياسات الاقتصادية التي تريد الحكومة اتخاذها، وتعلم الحكومة أن بمقدوره التأثير على الرأي العام، بل وإثارته، ومثله فعل المهدي الحليف غير الشريك لنظام الخرطوم، حين أعلن عقب زيارة وزير المالية علي محمود ومحافظ البنك المركزي له بمنزله خطأ تلك السياسة، واقترح جراحات دقيقة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، قد تستدعي بتر «أطراف كثيرة» من الطاقم الحاكم.
أما حزب المؤتمر الشعبي فقد قال متحدثه الرسمي كمال عمر لـ«الشرق الأوسط» إن حزبه لا يرى أملا في إصلاح الاقتصاد إلا بإسقاط النظام الحاكم وإقامة حكومة انتقالية تكون من مهامها محاسبة الفساد وإعادة تأسيس وضع الاقتصاد السوداني.
ولم يكن قلق سامنتا وسارة مقصورا عليهما، فقد تسرب إلى مفاصل الحزب الحاكم نفسه، الذي علم أن تحويل الشعب لأداة لدفع ثمن خلل سياساته قد بلغ مداه الأقصى، ولم تتبق في أجساد الناس مساحة أخرى لعنت جديد، وهذا ما جعل موالين كبارا للحزب الحاكم يعلنون رفضهم للقرارات المزمعة.
كل هذا الجدل لا يعني سارة وسامنتا ولن يخفف عنهما شيئا، لأن غول الغلاء انطلق من قمقمه، ولا أحد يستطيع إعادة سجنه مرة أخرى، إذ بلغ سعر كيلو الدقيق ستة جنيهات بعد أن كان سعره أربعة قبل أسبوع، ومثله بلغ سعر طبق البيض 28 جنيها بدلا من 25 جنيها، وسعر جوال السكر زنة 10 كيلوغرامات 55 جنيها بدلا من 51 الأسبوع الماضي.
وبلغ سعر جوال الفحم 170 جنيها بعد أن كان 140، وارتفع البصل إلى 300 بعد أن كان 250 جنيها، ووصل سعر ربع الفول المصري إلى 90 جنيها بدلا من 80. أما الخضراوات فقد جن جنون أسعارها هي الأخرى، وشهدت أسواقها ارتفاعا عظيما، وبلغ سعر كيلو البامية 20 جنيها بدلا من 14، والبطاطس بلغت ثمانية جنيهات بدلا من ستة، أما الخيار فقد بلغ سعر الكيلو الواحد منه 20 جنيها، وعلى هذا يمكن قياس أسعار كل السلع في السوق السودانية المجنونة.
أما الدولار فاستمر في صعوده على العملة المحلية، وبلغ سعره 7.7 جنيه خلال أقل من أسبوع، وهو يواصل الارتفاع.
لم تكن لسامنتا أو سارة يد في إرجاء الحكومة لجلسة مجلس الوزراء التي كان مقررا إجازة الدراسات فيها بشكل مفاجئ، بل تقول تسريبات إن انقساما حادا في الأروقة الحاكمة نفسها قد حدث، مما جعل الطريق يدور ليعود من حيث أتى. وقال الحزب الحاكم إنه لا يخشى من رد فعل يصعب السيطرة عليه وسط الشارع السوداني، وإنه لا يخشى دفع الثمن السياسي لتلك الخطوة، ولم يعد أمام سامنتا سوى كتم تلك الضحكة المريرة.
حكومة البشير تتراجع تكتيكيا عن «رفع الدعم عن المحروقات» إتقاء لـ«ثورة جياع»
جنون الأسعار يقضي على الأخضر واليابس في السودان
حكومة البشير تتراجع تكتيكيا عن «رفع الدعم عن المحروقات» إتقاء لـ«ثورة جياع»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
