لوحة لدافنشي تصمد رغم الجوائح والحرائق والفيضانات واللصوصية

لوحة لدافنشي تصمد رغم الجوائح والحرائق والفيضانات واللصوصية

ظل مكانها غير معروف على مدى قرنين
الاثنين - 22 شوال 1443 هـ - 23 مايو 2022 مـ رقم العدد [ 15882]
لوحة «سيدة مع قاقم»

مع أن «الموناليزا» أشهر لوحات الفنان الإيطالي الشهير ليوناردو دافنشي، فقد لا تكون الأكثر إثارة، وتميزاً أو جمالاً. بل قد لا تكون أفضل لوحاته. منافس قوي في الفئة الأخيرة هي لوحة «سيدة مع قاقم» (حوالي 1490)؛ السيدة التي عرفت بأنها نبيلة من ميلانو هي سيسليا غاليراني، ولربما كان سنها 16 عاماً حين جلست لكي تُرسم صورتها.

على نقيض الموناليزا التي استعمل دافنشي في رسمها تقنية التغبيش المعروفة بـ«سفوماتو» (الدقة في درجات الاختلاف)، تتسم لوحة «السيدة» بالوضوح في رسم ملامح سيسيليا. تعابيرها ليست غامضة - كما توصف الموناليزا عادة – بقدر ما هي مركزة. إنها تنظر بعيداً إلى جانب الإطار بنظرة هادئة ثابتة، ذكية ومتحفزة. ملامحها معتادة وجميلة، لباسها متواضع. تلبس فستاناً أزرق بقدر محدود من الزينة على كمها؛ خيط وحيد من الخرز يتدلى من عنقها وشريط نحيل أسود على امتداد جبينها. العنصر الأكثر غرابة في اللوحة هو الحيوان الصغير الذي تمسك به، قاقم أبيض يحاكي التعبير على وجهها وتحمله على مرفقها بينما تربت عليه بيدها الأنيقة.

في كتابها «ما رآه القاقم: الرحلة العجيبة لأكثر بورتريهات ليوناردو دافنشي غموضاً» تصف إيدن كولنزورث الرحلة الدائرية التي سارت فيها اللوحة الخشبية ذات الأطوال 21 على 15 إنشاً من ستوديو ليوناردو في القرن الخامس عشر إلى المتحف الوطني في كراكوف ببولندا.

تبدأ الحكاية بالتعريف بسيسيليا، وهي شابة عالية الثقافة وعشيقة للدوق لودوفيكو سفورزا. كانت تسكن في كاستيلو سفورزسكا حتى بعد زواج الدوق من بياتريس ديستي عام 1491، لكن زوجة الدوق أجبرتها على الخروج. ومع أن البورتريه رافق سيسيليا حين خرجت من القصر (ربما لأن بياتريس لم يعجبها أن ترأها)، فقد استعارتها جامعة اللوحات الشهيرة إيزابيلا ديستي، أخت بياتريس، حسب ما تخبرنا كولنزورث، عام 1498.

لقد ظل مكان اللوحة على مدى قرنين بعد انتقالها غير معروف، حتى اشتراها آدم جيرزي عام 1800، وهو ابن الأميرة البولندية إيزابيلا دوروتا كزارتوريسكا. في إيطاليا حيث عينه القيصر الروسي لم يجد جيرزي الكثير مما يمضي به وقته، فبدأ بشراء الفن الإيطالي لمجموعة العائلة. اشتبك قدر «السيدة» بعد ذلك بقدر بولندا، وتصطبغ الحكاية التي ترويها كولنزورث بصبغة الدراما القومية عندما صارت اللوحة جزءاً من الفوضى الدبلوماسية بين بولندا وروسيا. في نهاية المطاف عادت اللوحة إلى المجموعة التزارتوريسكية، حيث ظلت حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.

من بين المتع التي يجدها المرء في كتاب السيدة كولنزورث، مجموعة النساء العطوفات واللطيفات اللاتي حفرن هوياتهن وشخصياتهن العامة لتحقيق أهدافهن. لم تكن إيزابيلا ديستي آسرة من حيث الشكل ولا ذات الغنى الفاحش، ومع ذلك فقد صارت في طليعة جامعي الفن الإيطاليين. أما الأميرة تزارتوريسكا فحققت الكثير من أهدافها من خلال الدبلوماسية الجنسية، بجذبها الرجال الأقوياء ليكونوا عشاقاً وحلفاء، وهو أسلوب كان زوجها متقبلاً له على ما يبدو.

في الفصول التي تتناول فترة اختفاء اللوحة، تركز السيدة كولنزورث على العلاقات الحميمة لبطلاتها. قد يجد القراء التفاصيل هنا طريفة أو لا قيمة لها – أو يشعرون بنفاد الصبر بانتظار العودة إلى اللوحة نفسها. الحيوية الروائية التي تمتلكها المؤلفة تشعر المرء أحياناً بأن من الأفضل لو كتبت رواية تاريخية، نظراً إلى ميلها للتفاصيل المثيرة التي يصعب تصديقها. في روايتها لردة فعل بياتريس سفورزا تجاه الأخبار المتعلقة بعلاقات الدوق، تكتب المؤلفة أن الدوقة «وجدت في حفلات الجنس الصاخبة تخديراً وراحة – من حيث إن الجنس هو الشيء الوحيد الذي يمكنها ألا تفكر بشيء آخر أثناء ممارسته. سواء كان الجنس آلية للتكيف أو اندفاعة عمياء لمعاقبة نفسها بسبب الألم الذي تسبب به الآخرون، فقد صارت ممارسته الأذى الشخصي المجنون والمتواصل، وكانت تنهار أثناء ممارسة مدوخة طوال الليل». هنا كما في مواضع أخرى تبدو خطورة الوقوع في التناقض التاريخي عالية. في مثال آخر تتخيل المؤلفة كيف كان يمكن للدوق أن يبرر خيانته، ليس عبر «ضعف الشخصية من جانبه بقدر ما هو لكراهته متطلبات بياتريس العاطفية الكثيرة». إنها بالفعل تعبر عن بعض الاحتقار لـ«التمسك العنيد بالوقائع» لدى مؤرخي الفن.

كلما اقترب السرد من الحاضر نقصت تحسينات المؤلفة. ربما نتيجة لذلك جاء الفصل الأخير من الكتاب، الذي يروي تعلق النازيين بـ«السيدة»، أقوى من غيره. هنا نلتقي مؤرخة الفنون روز فالاند، ونعرف عن محاولاتها الجريئة في «باريس المحتلة»، لتعَقب الأعمال الفنية التي سرقها النازيون. في هذا الجزء الأخير والكئيب، نتعرف أيضاً على مدى تعلق أحد القادة النازيين ببورتريه ليوناردو حين علق اللوحة على مكتبه أثناء إشرافه على القتل المنظم ليهود بولندا.

مع ظهور الاهتمام مؤخراً بليوناردو من حيث هو مهندس ومخترع وعالم، من الجيد أن نرى الاهتمام يعود إلى عمله بوصفه رساماً، كما في حالة كتاب فرانشيسكا فيوراني «رسم الظل: كيف أفاد ليوناردو في رسمه من العلم» (2020). غير أن السيدة كولينزورث، وهي تنفيذية سابقة في مجال الاتصالات تشمل كتبها عنواناً مثل «سوء التصرف: الأخلاق الجديدة في السياسة والجنس والأعمال» (2017)، لا تشغل نفسها بخصائص أو شخصية البورتريه. القراء الذين يأملون أن يجدوا هنا تفسيراً واضحاً لقدرات ليوناردو في رسم البورتريه، تقنياته الفنية، أو تأثيره على معاصريه والأجيال اللاحقة، سيصابون بخيبة أمل. بدلاً من ذلك تروي السيدة كولينزورث حكاية لوحة استثنائية الجمال عبر الزمن. والنتيجة هي حكاية جذابة غالباً، مقلوبة أحياناً، وآسرة أحياناً أخرى عن الأمراء والأدواق والنساء المغامرات، ما يقود في النهاية إلى النتيجة غير المتوقعة، وهي أنه يجب أن تظل اللوحة في كراكوف.

إنه ليس أقل من أعجوبة أن تكون أعمال فنية تعود إلى 500 عام موجودة حتى الآن، ناهيك عن الأعمال الرقيقة والمطلوبة. تقول السيدة كولنزورث: «أثناء الأربعمائة عام التي سبقت احتلال ألمانيا لبولندا، استطاعت (سيدة مع قاقم) أن تبقى رغم الجوائح والحرائق والفيضانات والجشع واللصوصية والأحقاد القديمة والانتقام والقنابل.

لقد جُنح بها في مزودة حصان وسافرت بالعربة، وربما بقارب، ومن المؤكد بشاحنة وسيارة أثناء عمليات هروب ليلي». في سردها لحكاية اللوحة، تثبت السيدة كولنزورث أنها هي نفسها رسامة بورتريهات ماهرة. ولكن بينما يتكشف كتابها عن قصة الكيفية التي أمكن بها إنقاذ اللوحة بأعجوبة عبر القرون، فإن كتاب «ما رآه القاقم» يترك دون إجابة سؤالاً عن السبب الذي جعل الأمر مهماً بذلك القدر لكل أولئك وطوال تلك الفترة.

* عن «وول ستريت جورنال»


اختيارات المحرر

فيديو